DarwishAn‑Nur · 24:39–49

Darwish · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:39–49

24:39–40Page 355

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩

But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.

أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.

اللغة:

(كَسَرابٍ) : السراب: ما يشاهد نصف النهار من اشتداد الحر كأنه ماء تنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها ويضرب به المثل في الكذب والخداع يقال: هو أخدع من السراب، وسمي سرابا لأنه يتسرب أي يجري كالماء، يقال سرب الفحل أي مضى وسار ويسمى الآل أيضا ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به الظمآن.

(بِقِيعَةٍ) : القيعة بمعنى القاع أو جمع قاع وهو المنبسط المستوي من الأرض وفي الصحاح: «والقاع المستوي من الأرض والجمع أقواع وقيعان فصارت الواو ياء لكسر ما قبلها والقيعة مثل القاع وهو أيضا من الواوي وبعضهم يقول هو جمع» وقال الهروي:

«والقيعة جمع القاع مثل جيرة وجار» وفي الأساس: «هو كسراب بقيعة وبقاع ونزلوا بسراب قيعان ولهم قاعة واسعة وهي عرضة الدار وأهل مكة يسمون سفل الدار القاعة ويقولون: فلان قعد في العسية ووضع قماشه في القاعة، وقال:

سائل مجاور جرم هل جنيت لهم ... حربا تفرّق بين الجيرة الخلط

وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في قاعة الدار يستوقدن بالغبط

وفي القاموس والتاج ما يفهم منه أن القاع أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ويجمع على أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعة.

(لُجِّيٍّ) : اللجي: العميق الكثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم البحر هكذا قال الزمخشري، وقال غيره منسوب إلى اللجة بالتاء وهي أيضا معظمه.

الإعراب:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) كلام مستأنف مسوق لبيان حال عمل من لا يعتقد الايمان ولا يتبع الحق بعد أن بين حال المؤمنين بضرب مثل لهم وهو «مثل نوره كمشكاة» . والذين مبتدأ أول وجملة كفروا صلة الموصول وأعمالهم مبتدأ ثان وكسراب خبر الثاني والمبتدأ الثاني وخبره خبر الاول وجملة يحسبه الظمآن صفة لسراب وماء مفعول به ثان ليحسبه وحتى حرف غاية وجر وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاءه في محل جر باضافة الظرف إليها وجملة لم يجده لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وشيئا في موضع المصدر أي لم يجده وجدانا وقيل شيئا هنا بمعنى ما قدّره وظنّه فهي مفعول به ثان ليجده وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة. (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) الواو حرف عطف ووجد فعل ماض وفاعل مستتر ولفظ الجلالة مفعول به وعنده متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لوجد أي كائنا عند السراب أو العمل، فوفاه الفاء عاطفة ووفاه فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وحسابه مفعول به ثان أي جازاه عليه في الدنيا والله مبتدأ وسريع الحساب خبر. (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ) أو حرف عطف قيل هي للتقسيم أو للتخيير أي أن عمل الكافر قسمان: قسم كالسراب وهو العمل الصالح وقسم كالظلمات وهو العمل السيّء أو أن عمل الكافر لاغ لا منفعة له كالسراب ولكونه خاليا من نور الحق كالظلمات المتراكبة والحنادس المدلهمة. قال الزجاج: «أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات فهي أيضا تشبه الظلمات، وانها ان مثلت بما يوجد فمثلها كمثل السراب، وان مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصف» وقال أيضا «إن شئت مثل بالسراب وان شئت مثل بهذه الظلمات، فأو للإباحة» والجار والمجرور نسق على كسراب على حذف مضاف تقديره أو كذي ظلمات ويدل على هذا المضاف قوله «إذا أخرج يده لم يكد يراها» أو على حذف مضافين تقديرهما كأعمال ذي ظلمات، وفي بحر صفة لظلمات ولجي صفة لبحر وجملة يغشاه موج صفة ثانية لبحر وموج فاعل ومن فوقه خبر مقدم وموج مبتدأ مؤخر والجملة صفة لموج الأولى وجملة من فوقه سحاب صفة لموج الثانية. (ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) ظلمات خبر لمبتدأ محذوف أي هذه ظلمات والجملة تفسير لما قبلها فلا محل لها وبعضها مبتدأ وفوق بعض الظرف متعلق بمحذوف خبر والجملة صفة لظلمات وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وجملة أخرج في محل جر باضافة الظرف إليها وفاعل أخرج ضمير الواقع في البحر المرتطم فيه ويده مفعول به ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكد فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها ضمير مستتر تقديره هو وجملة يراها خبر يكد وجملة لم يكد يراها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجعل فعل الشرط والله فاعل وله مفعول به ثان ونورا مفعول به أول ليجعل والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونور مجرور لفظا مرفوع بالابتداء محلا والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ.

البلاغة:

وقد انطوت هذه الآية على أفانين من البلاغة ندرجها فيما يلي:

1- التشبيه المرسل: فقد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، ولو قيل يحسبه الرائي ماء لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه وأكثر تعلق قلب به وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه وأبلغه فكيف وقد تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة وصدق التمثيل.

2- التشبيه التمثيلي: وقوله «ووجد الله عنده» تشبيه تمثيلي أي وجد عقابه وزبانية عذابه، ووجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر ويعتقد أن له ثوابا عند الله تعالى وليس كذلك فاذا وافى عرصات القيامة لم يجد الثواب الذي كان يظنه بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم فعظمت حسرته وتناهى غمه فشبه حاله بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب في البر تعلق قلبه فإذا جاءه لم يجده شيئا فكذلك حال الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا احتاج إلى عمله لم يجده أغنى عنه شيئا.

3- العطف على محذوف: في قوله تعالى «وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ» عطف على مقدر وليست الجملة معطوفة على «لم يجده شيئا» بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا، كأنه قيل حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في الآخرة لم يجدوها شيئا ووجدوا حكم الله وقضاءه لهم بالمرصاد.

4- المبالغة في التشبيه: وهذا في قوله: «إذا أخرج يده لم يكد يراها» وقد اختلف الناس في تأويل هذا الكلام ويكاد الإجماع ينعقد على أن المعنى أنه لا يرى يده فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه:

أحدها أن التقدير لم يرها ولم يكد وهذا غير واضح لأنه نفي للرؤية ثم اتبات لها، ووجه ثان وهو أن كاد زائدة ولا مساغ له في القرآن فالوجه إذن انه لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة:

إذا غيّر النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح أي لم يقرب من البراح، والنأي: البعد، ويقال رس وأرس إذا لزم والرسيس بقية المرض، ويبرح يذهب، وروي أن ذا الرمة لما قدم الكوفة اعترض عليه ابن شبرمة في ذلك بأنه يدل على زوال رسيس الهوى فغيره بقوله لم أجد وقال ابن عتبة حدثت أبي بذلك فقال: أخطأ ابن شبرمة وأخطأ ذو الرمة في تغييره وانما هو كقوله تعالى: «لم يكد يراها» وبعد البيت:

فلا القرب يدنو من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح

24:41–44Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١

Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

اللغة:

(الطَّيْرُ) : قال أبو عبيدة وقطرب: الطير يقع على الواحد والجمع وقال ابن الانباري: الطير: جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير وفي المصباح: «الطائر على صيغة اسم الفاعل من طار يطير طيرانا وهو له في الجو كمشي الحيوان في الأرض ويعدى بالهمزة والتضعيف فيقال:

طيرته وأطرته وجمع الطائر طير مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار» .

(صَافَّاتٍ) : باسطات أجنحتهن في الهواء.

(يُزْجِي) : يسوق وفي المختار: «زجى الشيء تزجية دفعه برفق وتزجّى بكذا اكتفى به وأزجى الإبل ساقها والمزجى الشيء القليل وبضاعة مزجاة قليلة والريح تزجي السحاب والبقرة تزجي ولدها تسوقه» وفي القاموس وشرحه: «زجا يزجو زجوا وزجّى تزجية وأزجى إزجاء وازدجاه ساقه ودفعه برفق يقال: كيف تزجي أيامك أي كيف تدفعها وزجّى فلان حاجتي أي سهّل تحصيلها وأزجى الأمر أخره وأزجى الدرهم روجه» ومنه قول النابغة:

إني أتيتك من أهلي ومن وطني ... أزجي حشاشة نفس ما بها رمق

(رُكاماً) : الركام بضم الراء المتراكم بعضه فوق بعض وفي المختار: «ركم الشيء إذا جمعه وألقى بعضه على بعض وبابه نصر وارتكم الشيء وتراكم: اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه» .

(الْوَدْقَ) : المطر قيل هو خاص بالضعيف وقيل هو المطر ضعيفا كان أو شديدا وهو في الأصل مصدر يقال ودق السحاب يدق من باب وعد.

(سَنا) : في المختار: «السنا مقصور ضوء البرق والسنا أيضا هو نبت يتداوى به والسناء من الرفعة ممدود والشيء الرفيع وأسناه رفعه وسناه تسنية فتحه وسهله» .

الإعراب:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير هذه الحقيقة، فالهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره أنت وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر لأن الرؤية هنا قلبية لأن تسبيح المسبحين لا تتعلق به رؤية البصر أي قد علمت علما يشبه المشاهدة في اليقين، وجملة يسبح خبر وله متعلقان بيسبح ومن فاعل يسبح وفي السموات والأرض صلة من. (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) الواو للعطف والطير عطف على من وصافات حال ومفعول صافات محذوف أي باسطات أجنحتها، وكل مبتدأ وساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم وجملة قد علم خبر كل وفاعل علم يعود على كل أو على الله، ويقول أبو البقاء إن عودته على «كل» أرجح لأن القراءة برفع كل على الابتداء، فيرجع ضمير الفاعل اليه ولو كان فيه ضمير اسم الله لكان الأولى نصب كل لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو من سببها فيصير كقولك زيدا ضرب عمر وغلامه فتنصب زيدا بفعل دل عليه ما بعده وهو أقوى من الرفع والآخر جائز» وصلاته مفعول به وتسبيحه عطف على صلاته والله مبتدأ وعليم خبر وبما متعلقان بعليم وجملة يفعلون صلة ما.

(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) الواو استئنافية ولله خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر والى الله خبر مقدم والمصير مبتدأ مؤخر. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً) الهمزة للاستفهام التقريري وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تر وقد تقدم اعراب نظيره، ثم حرف عطف ويؤلف عطف على يزجي وبينه ظرف متعلق بيؤلف ودخلت بين على مفرد وهي إنما تدخل على المثنى فما فوقه لأنه إما أن يراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه وإما أن يراد أنه على حذف مضاف أي بين قطعه فإن كل قطعة سحابة، ثم حرف عطف ويجعله فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وركاما مفعول به ثان. (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) الفاء عاطفة وترى الودق فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنت ومفعول به وجملة يخرج حال لأن الرؤية هنا بصرية ومن خلاله متعلقان بيخرج أي من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبل وجبال، وينزل من السماء من جبال فيها من برد تقدم اعرابها ونعيده هنا للتقوية فمن الأولى ابتدائية متعلقة بينزل وكذلك الثانية فهي بدل بإعادة العامل وفيها صفة لجبال ومن برد للتبعيض وهي ومجرورها في موضع مفعول الانزال وقيل هي للبيان أي فتكون حالا وتكون من جبال هي في موضع مفعول الانزال، وأجمل بعضهم اعراب الآية فقال: والحاصل أن من في من السماء لابتداء الغاية بلا خلاف ومن في من جبال فيها ثلاثة أوجه: الاول: لابتداء الغاية فتكون هي ومجرورها بدلا من الاولى بإعادة الخافض بدل اشتمال.

الثاني: انها للتبعيض فتكون على هذا هي ومجرورها في محل نصب على أنها مفعول الانزال كأنه قال وينزل بعض جبال.

الثالث: انها زائدة أي ينزل من السماء جبالا.

وأما من في من برد ففيها أربعة أوجه:

الثلاثة المتقدمة والرابع انها لبيان الجنس فيكون التقدير على هذا الوجه: وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد.

وقال الزجاج: «ومعنى الآية وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد أي خاتم حديد في يدي لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد وخاتم حديد كان المعنى واحدا» وعلى هذا يكون من برد في موضع جر صفة لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم ويكون مفعول ينزل من جبال ويلزم من كون الجبال بردا أن يكون المنزل بردا.

وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئا من جبال فحذف الموصوف واكتفى بالصفة.

(فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ) الفاء عاطفة ويصيب فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود على الله وبه متعلقان بيصيب ومن مفعول به وجملة يشاء صلة الموصول ويصرفه عمن يشاء عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها. (يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ) (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ)

الجملة صفة لبرد ويكاد فعل مضارع من أفعال المقاربة وسنا برقه اسمها وجملة يذهب بالأبصار خبرها وجملة يقلب تفسير لما قبلها فلا محل لها والله فاعل يقلب والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وان حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وعبرة اسمها المؤخر ولأولي الابصار صفة لعبرة والأبصار بمعنى البصائر.

البلاغة:

1- فن العنوان:

في قوله «ألم تر أن الله يزجي سحابا» الآية فن انفرد به القليل من علماء البيان وهو فن العنوان، وعرفوه بأنه أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أو مدح أو عتاب أو هجاء أو غير ذلك من الفنون ثم يأتي لقصد تكميله وتوكيده بأمثلة من ألفاظ تكون عنوانات لأخبار متقدمة وقصص سالفة، ومنه نوع عظيم جدا وهو ما يكون عنوانا للعلوم وذلك أن تذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها والآية التي نحن بصددها فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية والجغرافيا الرياضية وعلم الفلك، ومن أمثلته في الشعر قصيدة أبي فراس الحمداني:

خليلي ما أعددتما لمتيم ... أسير لدى الأعداء جافي المراقد

فريد عن الأحباب لكن دموعه ... مثان على الخدين غير فرائد

جمعت سيوف الهند من كل وجهة ... وأعددت للأعداء كل مجالد

إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد فقد جرت الحنفاء حتف جذيمة ... وكان يراها عدة للشدائد

وجرت منايا مالك بن نويرة ... حليلته الحسناء يا أم خالد

وأردى ذؤابا في بيوت عتيبة ... بنوه وأهلوه بشدو القصائد

فهذه القصص التي استطرد إليها أبو فراس تكميلا لقصده وتدعيما لرأيه مشهورة ومعروفه، ويمكن الرجوع إليها في مظانها بكل سهولة.

وقال الفرزدق لجرير:

فهل أنت إن ماتت أتانك راكب ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب

وإني لأخشى إن خطيت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب

ومن حديث يسار أنه كان عبدا أسود يرعى لأهله إبلا وكان معه عبد يراعيه وكان لمولى يسار بنت فمرت يوما بإبله وهي ترعى في روض معشب فجاء يسار بعلبة لبن وسقاها وكان أفحج الرجلين فنظرت إلى فحجه فتبسمت ثم شربت وأخذت مضجعها فانطلق فرحا حتى أتى العبد الراعي وقصّ عليه القصة وذكر فرحه بتبسمها فقال صاحبه يا يسار، كل من لحم الحوار، واشرب لبن العشار، وإياك وبنات الأحرار فقال له: دحكت لي دحكة لا أخيبها، يريد ضحكت لي ضحكة، ثم قام إلى علبة فملأها وأتى إلى ابنة مولاه فنبهها فشربت ثم اضطجعت فجلس العبد حذاءها فقالت: ما جاء بك؟ فقال: ما خفي عنك ما جاء بي فقالت: فأي شيء هو؟ قال: دحكك الذي دحكت إلي فقالت حياك الله ثم قامت إلى سفط لها فأخرجت منه بخورا ودهنا وعمدت إلى موسى ودعت بمجمرة وقالت له: إن ريحك ريح الإبل وهذا دهن طيب فوضعت البخور تحته وطأطأت كأنها تصلح البخور وأخذت مذاكيره وقطعتها بالموسى ثم أشمته الدهن فسلتت أنفه وأذنيه وتركته فصار مثلا لكل جان على نفسه ومتعد طوره.

وزعيم هذا الباب أبو تمام فقد كان من أهم مميزات شعره استخدامه الحوادث القديمة والحديثة في أماديحه خاصة كقوله يمدح أبا دلف:

إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... وزادت على ما وطّدت من مناقب

فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

فقد ارتقى بمديحه إلى ذكر قصة قوس حاجب، وخلاصتها أن حاجب بن زرارة سيد بني تميم أتى إلى كسرى في سنة جدب يستميره فقال له كسرى: وما ترهنني؟ قال قوسي، فاستعظمه وقدم له ما طلب، فضرب بقوس حاجب المثل عند العرب ثم كانت وقعة ذي قار وانتصر العرب على العجم لأول مرة وحرروا أرضهم من استعمارهم وكان الفضل يعود إلى بني شيبان الذين يمت إليهم الممدوح بالنسبة، فقال أبو تمام منوها بذكر هذه الحادثة.

ويطول بنا الحديث إن تقصينا ما ورد في هذا الباب فحسبنا من القلادة ما أحاط بالجيد.

2- المبالغة أو الافراط في الصنعة:

وفي قوله «يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار» فن سماه ابن المعتز الافراط في الصنعة، وسماه قدامة المبالغة، وسماه من بعدهما التبليغ، والناس على تسمية قدامة، وعرفه بقوله: «هو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف عندها حتى يزيد في معنى كلامه ما يكون أبلغ في معنى قصده» وقد قدمنا في مكان آخر من هذا الكتاب ضروب المبالغات في الكتاب العزيز فلا حاجة إلى الإعادة، ونقف عند الضرب الخامس الذي منه هذه الآية وهو ما جرى مجرى الحقيقة وهو قسمان: قسم كان مجازا فصار بالقرينة حقيقة كهذه الآية فإن اقتران هذه الجملة بيكاد يصرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الإمكان، وقسم أتى بصيغة اسم التفضيل وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى «أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا» وقد تقدم القول فيه.

24:45–49Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

الإعراب:

(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان أصناف الخلق، والله مبتدأ وجملة خلق خبر وكل دابة مفعول به ومن ماء جار ومجرور متعلقان بخلق أي نطفة بحسب الأغلب. (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ) الفاء تفريعية ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يمشي صلة الموصول وعلى بطنه متعلقان بيمشي ومنهم من يمشي على رجلين عطف على ما سبقه. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) عطف، وسيأتي سر ذكر من لغير العاقل في باب البلاغة.

(يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يخلق الله ما يشاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وجملة يشاء صلة وإن الله ان واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر إن. (لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) كلام مستأنف مسوق لذكر آياته سبحانه على طريق الالتفات كما سيأتي في باب البلاغة، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وآيات مفعول به ومبينات صفة والله مبتدأ وجملة يهدي خبره ومن مفعول به وجملة يشاء صلة والى صراط متعلقان بيهدي ومستقيم صفة. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان حال المنافقين، ويقولون فعل مضارع مرفوع وفاعل وجملة آمنا مقول القول وآمنا فعل وفاعل وبالله متعلقان بآمنا وبالرسول عطف على بالله وأطعنا عطف على آمنا. (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ثم حرف عطف ويتولى فعل مضارع مرفوع وفريق فاعل ومنهم صفة ومن بعد ذلك حال، والاشارة إلى القول المذكور، والواو حالية وما نافية حجازية وأولئك اسم اشارة في محل رفع اسم ما والباء حرف جر زائد والمؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا خبر ما والجملة حالية. (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط ودعوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والى الله متعلقان بدعوا ورسوله عطف على الله والمراد رسول الله كقولك أعجبني زيد وكرمه تريد كرم زيد، واللام للتعليل ويحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بدعوا وبينهم ظرف متعلق بيحكم. (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) إذا فجائية وقامت مقام الفاء في ربط الجواب بشرطه وهو إذا الأولى، وفريق مبتدأ ومنهم صفة وهي التي سوغت الابتداء به ومعرضون خبر فريق. (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويكن فعل الشرط ولهم خبر يكن المقدم والحق اسمها المؤخر ويأتوا جواب الشرط واليه متعلقان بيأتوا ويجوز أن يتعلق بمذعنين، قال الزمخشري: «وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص والمعنى انهم لمعرفتهم انه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحت يزورّون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما ذاب لهم في ذمة الخصم» ومذعنين حال، قال الزجاج: الإذعان الاسراع مع الطاعة وفي القاموس:

«أذعن له خضع وذل وأقر وأسرع في الطاعة» .

البلاغة:

1- صحة التفسير:

في قوله تعالى «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ» الآية: فيها فن بديع من فنون البلاغة سماه علماؤها «صحة التفسير» وسماه ابن الأثير في المثل السائر «التناسب بين المعاني» وحدّه أن يأتي المتكلم في أول كلامه بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه، إما أن يكون مجملا يحتاج إلى تفصيل أو موجها يفتقر إلى توجيه أو محتملا يحتاج المراد منه إلى ترجيح لا يحصل إلا بتفسيره وتبيينه ووقوع التفسير على أنحاء تارة يأتي بعد الشرط أو بعد ما فيه معنى الشرط وطورا بعد الجار والمجرور وآونة بعد المبتدأ الذي التفسير خبره. والآية التي نحن بصددها مما وقع بعد الجار والمجرور فقد ذكر سبحانه الجنس الأعلى مقدما له حيث قال: «كل دابة» فاستغرق أجناس كل ما دبّ ودرج ثم فسر هذا الجنس الأعلى بالأجناس المتوسطة والأنواع حيث قال «فمنهم» و «ومنهم» مراعيا الترتيب إذ قدم ما يمشي بغير آلة لكونه الآية سيقت لبيان القدرة والتمدح بها وتعجب السامعين منها، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي بآلة فلذلك اقتضت البلاغة تقديمه، ثم ثنى بالأفضل فالأفضل فأتى بما يمشي على رجلين وهو الإنسان والطائر لتمام خلق الإنسان وكمال حسن صورته وهيئته وجمال تقويمه المقتضي تخصيصه بالعقل ولما في الطائر من عجب الطيران في الهواء الدال على غاية الخفة ونهاية اللطف مع ما فيه من كثافة، وثلث بما يمشي على أربع لأنه أحسن الحيوان البهيم وأقواه تغليبا على ما يمشي على أكثر من أربع من الحشرات فاستوعبت جميع الاقسام، وأحسن الترتيب بالاضافة إلى الترتيب والاشارة والارداف وحسن النسق.

وعرفه صاحب العمدة بأنه أن يستوفي الشاعر شرح ما بدأ به مجملا، وقلما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد ومثل له ببيتين للفرزدق وهما:

لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم

لألفيت منهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيح المقوم

واشترط صاحب العمدة سلامته من سوء التضمين قال: ومن جيد التفسير قول حاتم الطائي ويروى لعتيبة بن مرداس: متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر

يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هزّ لم يرض لهبر

وأسمر خطيا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر

فهذا هو التفسير الصحيح السالم من التضمين لأنه لم يعلق كلامه ب «لو» كما فعل الفرزدق ومثله قول عروة بن الورد:

وإن امرأ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له منه غدا لقليل

ومالي مال غير درع ومغفر ... وأبيض من ماء الحديد صقيل

وأسمر خطيّ القناة مثقّف ... وأجرد عريان السراة طويل

هكذا أنشدوه بالاقواء ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار كأنه قال: هو صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد يعني سيفه.

وقال ذو الرمة في التفسير:

وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد أحمّ علا فيّ وأبيض صارم ... وأعيس مهري وأروع ماجد

ففسر الأربعة ما هي؟ ورفع على شرط ما قدمت من الإضمار كأنه قيل له: ما الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال كذا وكذا وكذا.

ومضى صاحب العمدة يورد نماذج من التفسير إلى أن قال:

«ومن التفسير ما يفسر فيه الأكثر بالأقل وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح نحو قول أبي الطيب:

من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والاسكندرا

ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى

وسمعت بطيلموس دارس كتبه ... متملكا مبتديا متحضرا

ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا

فقوله: «نسقوا لنا نسق الحساب مقدما» البيت تفسير مليح قليل النظير في أشعار الناس» هذا وقال الواحدي في شرح البيت الأخير: «جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضل ما كان فيهم مثل الحساب يذكر تفاصيله ثم تجمع تلك التفاصيل فيكتب في آخر الحساب فذلك كذا وكذا فيجمع في الجملة ما ذكر في التفاصيل، كذلك أنت جمع فيك ما تفرق فيهم من الفضائل والعلم والحكمة» .

وقال أبو الطيب أيضا في التفسير المستحسن:

إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا

ففسر وقابل كل نوع بما يليق به من غير تقديم ولا تأخير، ومن التفسير الحلو قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين:

في فمها مسك ومشمولة ... صرف ومنظوم من الدّر

فالمسك للنكهة والخمر للر ... يقة واللؤلؤ للثغر

وجميل قول ابن هانىء الاندلسي:

المدنفات من البرية كلها ... جسمي وطرف بابليّ أحور

والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر 2- التنكير:

ونكر الماء في قوله «من ماء» وعرفه في قوله «وجعلنا من الماء كل شيء حي» لأن المقصد في الآية هنا اظهار أن شيئا واحدا تكونت منه بالقدرة أشياء مختلفة ذكر تفاصيلها في آية النور والرعد، والمقصد في آية «اقترب» أنه خلق الأشياء المتفقة في جنس الحياة من جنس الماء المختلف الأنواع فذكر معرفا ليشمل أنواعه المختلفة.

3- الاستعارة:

الاستعارة في قوله «فمنهم من يمشي على بطنه» فقد سمى الزحف على البطن مشيا على سبيل الاستعارة المكنية كما قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ويقال فلان لا يتمشى له أمر.

4- التغليب:

وفي قوله «من يمشي على بطنه ومن يمشي على أربع» تغلبب للعاقل على غيره وقد مرت له نظائر كثيرة لأنه لما اختلط غير العاقل بالعاقل في الفصل بمن وكل دابة كان التعبير بمن أولى لتوافق اللفظ.

وقيل أوقع «من» على غير العاقل لما اختلط بالعاقل ويحتمل أن تكون من نكرة موصوفة بالجملة بعدها والتقدير فمنهم نوع يمشي على بطنه ونوع يمشي على رجلين ونوع يمشي على أربع على حد: ومن الناس من يعبد الله على حرف، قال ابن هشام: ويجوز في من أن تكون نكرة موصوفة بالجملة بعدها والتقدير ومن الناس ناس يعبدون الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском