Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:29–42
28:29–32Page 389
۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩
And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠
But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."
وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
الإعراب:
(فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من السياق والتقدير فتم العقد بينهما على الإجارة والنكاح ومارس المهمة التي أنيطت به على أحسن وجه وأكمله فلما. ولما حينية أو رابطة وجملة قضى موسى الأجل لا محل لها وسار عطف على قضى وبأهله جار ومجرور متعلقان بسار وجملة آنس لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن جانب الطور متعلقان بآنس ونارا مفعول به ولك أن تجعل من جانب الطور حالا لأنه كان صفة لنارا وتقدم عليها. (قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً) لأهله متعلقان بقال وجملة امكثوا مقول القول وجملة إني تعليل للأمر بالمكث وإن واسمها وجملة آنست خبرها ونارا مفعول به.
(لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) جملة الرجاء حال أي راجيا ولعل واسمها وجملة آتيكم خبرها والكاف مفعول به ومنها حال لأنه كان صفة لخبر وبخبر متعلقان بآتيكم وأو حرف عطف وجذوة عطف على خبر وهي مثلثة الجيم: الشعلة من النار والقطعة من الحطب وجمعها جذا، قال ابن مقبل:
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا ذعر ومن النار نعت لجذوة وجملة الرجاء حال أيضا ولعل واسمها وجملة تصطلون خبرها. (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فسار نحوها فلما أتاها، وجملة نودي لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن شاطىء الوادي متعلقان بنودي والأيمن صفة لشاطيء وفي البقعة حال من الشاطئ والمباركة صفة للبقعة ومن الشجرة بدل من قوله من شاطىء الوادي بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ وقد تقدم نظيره في قوله: «لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم» أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة.
(أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) أن مفسرة لأن النداء قول والتقدير أي يا موسى، وأجاز أبو البقاء وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف يفسره جملة النداء أي نودي بأنه أي الشأن، وإني إن واسمها وهي مكسورة الهمزة باتفاق القراء لأن النداء قول وأنا ضمير فصل أو مبتدأ والله خبر إن أو خبر أنا والجملة خبر إن ورب العالمين نعت لله أو بدل منه. (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) الواو عاطفة وأن مفسرة معطوفة على سابقتها وألق فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعصاك مفعول به، فلما الفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي فألقاها فصارت ثعبانا ورآها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة تهتز حالية وجملة كأنها جان حال من فاعل تهتز وكأن واسمها وجان خبرها وجملة ولى لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفاعل ولى مستتر تقديره هو ومدبرا حال والواو عاطفة وجملة لم يعقب عطف على ولى أي ولم يرجع. (يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) أقبل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولا تخف لا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا وإن واسمها ومن الآمنين خبرها والجملة تعليل للأمر بالإقبال والنهي عن الخوف. (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) اسلك يدك فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وفي جيبك متعلقان باسلك من سلك الشيء في الشيء أنفذه فيه، وتخرج فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره هي وبيضاء حال ومن غير سوء متعلقان ببيضاء وقد تقدم تعليل ذلك في سورة طه فجدد به عهدا. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قال الزمخشري:
«فإن قلت ما معنى قوله واضمم إليك جناحك من الرهب؟ قلت:
فيه معنيان أحدهما أن موسى عليه السلام لما قلب العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقاءك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، والثاني أن يراد بضم جناحه اليه تجلده وضبطه نفسه وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر لأنه إذا خوّف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران.
ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن كاتبا له كان يكتب بين يديه فانفلت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي» .
واضمم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإليك متعلقان باضمم وجناحك مفعول به ومن الرهب متعلقان باضمم بمثابة التعليل له أي من أجل الرهب وقيل بولي أي هرب من الفزع، وقيل بمدبرا، وقيل بمحذوف أي يسكن من الرهب، والرهب بفتح الراء والهاء وبفتح الراء واسكان الهاء. وسيأتي مزيد تفصيل في باب البلاغة.
(فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) الفاء الفصيحة أي إذا تأملت بذلك واستيقنت منه فذانك، وذانك اسم إشارة وهي تثنية ذاك ومن قرأ ذانّك بالتشديد جعلها تثنية ذلك بلام البعد ويكون التشديد عوضا عنها وبرهانان خبر ومن ربك صفة لبرهانان أي مرسلان من ربك والى فرعون متعلقان بمرسلان وملئه عطف على فرعون وجملة إنهم تعليل لإرسال البرهانين وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وقوما خبرها وفاسقين صفة لقوما.
البلاغة:
تقدم معظم ما في هذه الآيات من فنون البلاغة من استعارة واحتراس، ونضيف إلى ما تقدم ما أورده الامام الزمخشري بأسلوبه الساحر وهذا نصه: «فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه وذلك قوله: «واضمم إليك جناحك» وفي طه «واضمم يدك إلى جناحك» فما التوفيق بينهما؟ قلت: المراد الجناح المضموم هو اليد اليمنى والمضموم اليه هو اليد اليسرى وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح» .
وقال الزمخشري أيضا: «فإن قلت لم سميت الحجة برهانا؟
قلت لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام معا» وهذا تعليل لطيف لا يحسن استنباطه غير هذا الامام ومعنى ذلك أن النون في البرهان زائدة، يقولون أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ونظيره تسميتهم الحجة أيضا سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها، وفي معاجم اللغة: وأبره أتى بالبرهان أو بالعجائب وغلب الناس وهذا هو قول الزمخشري والمحققين، وزعم صاحب القاموس في أحد قوليه أن النون أصلية قال وبرهن عليه أقام البرهان، والبرهان بالضم الحجة فتدبر.
الفوائد:
عصا موسى أيضا:
قدمنا في سورة طه بحثا مستفيضا عن العصا ونضيف هنا ما يتعلق بعصا موسى خاصة، روى التاريخ أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا كان شعيب مفتونا بها وكان مكفوفا فضن بها فقال:
غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا، وقيل أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه فوقعت في يدها سبع مرات كما تقدم وفي كتب التفسير طرائف عن تلك العصا لا مجال لها في كتابنا.
28:33–37Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
اللغة:
(رِدْءاً) : معينا، يقال ردأته: أعنته والرّدء اسم ما يعان به فعل بمعنى مفعول به كما أن الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة ابن جندل:
وردئي كل أبيض مشرفي ... شحيذ الحدّ عضب ذي فلول
أي وردئي الذي أتوقى به المكاره كل سيف أبيض، وعبّر بكل لأن المراد بيان الجنس لا الشخص ومشرفي نسبة إلى مشارف اليمن وهي قرى منها وقيل من الشام، وشحيذ الحد مرهفه من شحذ المدية أي حددها، والعضب: القاطع، والفلول: جمع فلّ وهو كسر في حد السيف وانثلام أي به فلول من قراع الكتائب. وقال النحاس:
يقال ردأته وأردأته.
(العضد) : بفتح العين وضم الضاد وبالضم وبالكسر: غليظ الذراع وهو من المرفق إلى الكتف جمعه أعضاد وأعضد وهو قوام اليد وبشدته تشتد. قال طرفة، وقيل لأوس ابن حجر:
أبني لبيني لستمو بيد ... إلا يدا ليست لها عضد
وللعين مع الضاد فاء وعينا للكلمة خاصة القوة والصلابة والاصطلام تقول عضه يعضه عضا أمسكه بأسنانه ويقال أيضا عض به وعض عليه وعضه الزمان اشتد عليه وأعضّ السيف بساق البعير، قال لبيد:
ولكنا نعض السيف منها ... بأسوق عافيات الشحم كوم
وعضته الحرب، قال الأخطل:
ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من عاداتها الضجر
وملك عضوض: غشوم، وعن أبي بكر: «سترون بعدي ملكا عضوضا وأمة شعاعا» وبئر عضوض: بعيدة القعر كأنها تعض الماتح بما تشق عليه، وعضبته بلساني شتمته، ورجل عضّاب: شتام، وعضبته عن حاجة: قطعته، ومالك تعضبني عما أنا فيه، والعضب بالسيف القاطع والرجل الحديد الكلام، وعضبر الكلب: استأسد والعضبارة: حجر الرحى وصخرة يقصر القصّار الثوب عليها، والمعضاد: سكين كبير للقصاب يقطع به العظام، وأعضل الأمر:
اشتد وبه داء عضال، وقد أعيا الأطباء وأعضلهم، وتزوج ذو الإصبع فأتى حيه يسألهم مهرها فمنعوه فقال:
واحدة أعضلكم أمرها ... فكيف لو درت على أربع
وفلان عضلة من العضل: داهية من الدواهي وعضلت على فلان: ضيقت عليه أمره وحلت بينه وبين ما يريد، ومنه «ولا تعضلوهن» ورماه بالعضيهة أي الافك، وقال عليه السلام:
«لا تعضية على أهل الميراث» أي لا يدخل عليهم الضرر بقسمة نحو السيف والخاتم.
الإعراب:
(قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة كما تقدم وان واسمها وجملة قتلت خبرها ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة وتقدمت ونفسا مفعول به، فأخاف الفاء عاطفة وأخاف فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنا وان وما في حيزها مفعول أخاف ويقتلون منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والنون للوقاء وياء المتكلم المحذوفة مفعول به. (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) الواو عاطفة وأخي مبتدأ وهارون بدل أو عطف بيان وهو مبتدأ وأفصح خبر هو والجملة خبر أخي ومني متعلقان بأفصح ولسانا تمييز، فأرسله الفاء الفصيحة وأرسله فعل أمر للدعاء وفاعله أنت والهاء مفعول به ومعي ظرف متعلق بأرسله وردءا حال وسيأتي معنى التصديق في باب البلاغة ويصدقني فعل مضارع مرفوع ولو جزم لجاز وقرئ به على أنه جواب للطلب والنون للوقاية والياء مفعول به والجملة مستأنفة أو صفة لردءا أو حال من مفعول أرسله وجملة إني أخاف تعليل للملتمس وان واسمها وجملة أخاف خبر ان وأن وما في حيزها مفعول أخاف. (قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً) جملة سنشد مقول القول وفاعل نشد نحن وعضدك مفعول به وبأخيك جار ومجرور متعلقان بنشد ونجعل عطف على سنشد ولكما في محل نصب مفعول ثان لنجعل وسلطانا مفعول نجعل الأول أي غلبة وحجة واضحة وقد مر تفسيره في باب اللغة.
(فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ) الفاء عاطفة ولا نافية ويصلون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإليكما متعلقان بيصلون وبآياتنا يجوز فيه أن يتعلق بنحو ما تعلق به في تسع آيات أي اذهبا بآياتنا أو بنجعل أو بيصلون أو بسلطانا أي نسلطكما بآياتنا أو بمحذوف حال أو من لغو القسم ولا أرى موجبا للترجيح في هذه الأوجه فاختر منها ما ترى ترجيحه، وأنتما مبتدأ ومن اسم موصول معطوف على أنتما وجملة اتبعكما صلة من والغالبون خبر أنتما.
(فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً) الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءهم موسى فعل ومفعول وفاعل وبآياتنا متعلقان بجاءهم أو بمحذوف حال وبينات حال أي واضحات الدلالة وجملة قالوا جواب لما وما نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وسحر خبر ومفترى صفة.
(وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) الواو عاطفة وما نافية وسمعنا فعل وفاعل وبهذا متعلقان بسمعنا وفي آبائنا حال من هذا فهو متعلق بمحذوف تقديره كائنا والأولين نعت لآبائنا. (وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ) ربي مبتدأ وأعلم خبره وبمن متعلقان بأعلم وجملة جاء بالهدى صلة من ومن عنده حال. (وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الواو عاطفة ومن عطف على من الأولى وتكون فعل مضارع ناقص وله خبرها المقدم وعاقبة الدار اسمها المؤخر، ويجوز أن يكون اسم تكون ضمير الشأن أو ضمير القصة وله خبر مقدم وعاقبة الدار مبتدأ مؤخر والجملة خبر تكون، ويجوز أن تكون تامة فتكون جملة له عاقبة الدار حالا وفاعل تكون ضمير يعود على من وان واسمها وجملة لا يفلح الظالمون خبرها.
البلاغة:
1- الاسناد المجازي:
في قوله «فأرسله معي ردءا يصدقني» إسناد مجازي، فقد أسند اليه التصديق لأنه السبب فيه، ومعنى الإسناد المجازي أن التصديق حقيقة في المصدق فاسناده حقيقة وليس في السبب تصديق لكن استعير له الاسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة والدليل على ذلك قوله «إني أخاف أن يكذبون» فليس الغرض من قوله يصدقني أن يقول صدقت أو يقول للناس صدق أخي وانما طريق تصديقه أن يلخص الحق بلسانه، ويجادل الكفار ببيانه وأن يقرر الحجة ويورد البرهان مدعوما بالأرقام كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، ألا ترى إلى قوله: «وأخي هارون هو أفصح مني لسانا» وفي هذا دليل على سمو البيان وشرفه وإنافته على الكلام العادي الذي لا يصيب المحز ولا يتغلغل إلى أغوار النفوس.
2- المجاز المرسل:
وفي قوله «سنشد عضدك بأخيك» مجاز مرسل على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب بمرتبتين تتبع إحداهما ثانيتهما فإن شدة العضد سبب مستلزم لشدة اليد وشدة اليد مستلزمة لقوة الشخص في المرتبة الثانية واختار الشهاب في حاشيته على البيضاوي أن يكون كناية تلويحية قال: «الشد التقوية فهو اما كناية تلويحية عن تقويته لأن اليد تشد بشد العضد والجملة تشد بشد اليد أو استعارة تمثيلية شبه حال موسى في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بالعضد» وليس ببعيد.
28:38–42Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
اللغة:
(أَطَّلِعُ) : الطلوع والاطلاع: الصعود، يقال طلع الجبل واطلع بمعنى وإن نفسك لطلعة إلى هذا الأمر وانها لتطّلع إليه أي تنازع.
(الْمَقْبُوحِينَ) : المقبوح: المطرود وقبحه الله: طرده، وفي المصباح: «قبح الشيء قبحا فهو قبيح من باب قرب وهو خلاف حسن وقبحه الله يقبحه بفتحتين: نحاه الله عن الخير وفي التنزيل:
«وهم من المقبوحين» أي المبعدين عن الفوز والتثقيل مبالغة وقبح عليه فعله تقبيحا» .
وقال أبو زيد: قبح الله فلانا قبحا وقبوحا أبعده من كل خير، وقال أبو عمرو: قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبّحت بالتشديد ومثله قول الشاعر:
ألا قبح الله البراجم كلها ... وقبح يربوعا وقبح دارما
الإعراب:
(وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) الواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي وقال فرعون بعد ما جمع السحرة لمعارضته وكان بينهم وبين موسى ما كان، ويا حرف نداء وأيها منادى نكرة مقصودة بني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والملأ بدل وما نافية وعلمت فعل وفاعل ولكم حال ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا بمن منصوب محلا لأنه مفعول به وغيري صفة لإله.
(فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً) الفاء الفصيحة وأوقد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ويا حرف نداء وهامان منادى مفرد علم وعلى الطين متعلقان بأوقد، فاجعل عطف على أوقد ولي في محل نصب مفعول ثان لا جعل وصرحا مفعول أول. (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ) لعل واسمها وجملة أطلع خبرها والى إله موسى متعلقان بأطلع وإني الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة أظنه خبر والهاء مفعول به أول ومن الكاذبين في موضع المفعول الثاني. (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) عطف على وقال فرعون وهو فاعل استكبر أو توكيد للفاعل لأن استتار الفاعل في الغائب جائز وجنوده عطف على هو وفي الأرض متعلقان باستكبر وبغير الحق حال من فاعل استكبر أي ملتبسين بغير الحق.
(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ) وظنوا عطف على استكبر وأن وما يليها سدت مسد مفعولي ظنوا وإلينا متعلقان بيرجعون ولا نافية وجملة لا يرجعون خبر أن. (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) فأخذناه عطف على ما تقدم وأخذناه فعل وفاعل ومفعول به وجنوده عطف على الهاء في أخذناه أو مفعول معه فنبذناهم عطف على فأخذناه وفي اليم متعلقان بنبذناهم، فانظر الفاء الفصيحة وانظر فعل أمر وكيف خبر مقدم لكان وعاقبة الظالمين اسمها المؤخر. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وأئمة مفعول به ثان وجملة يدعون صفة لأئمة والى النار متعلقان بيدعون ويوم القيامة الواو عاطفة ويوم القيامة ظرف متعلق بينصرون ولا نافية وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول ولك أن تجعل الواو حالية والجملة حال.
(وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً) وأتبعناهم عطف على ما تقدم وفي هذه الدنيا حال والدنيا بدل من هذه ولعنة مفعول به ثان.
(وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) الظرف متعلق بمحذوف دل عليه قوله المقبوحين كأنه قيل وقبحوا يوم القيامة وإنما قدرنا محذوفا لأن تعليقه بالمقبوحين وهو الظاهر يمنع منه وجود أل الموصولية، على أنهم قد اتسعوا في ذلك فعلقوه بمدخولها ولا مانع من ذلك ولك أن تعطفه على موضع في هذه الدنيا أي وأتبعناهم لعنة يوم القيامة وهم مبتدأ ومن المقبوحين خبره.
البلاغة:
في قوله «فأوقد لي يا هامان على الطين» إطناب بديع وذلك أنه لم يقل اطبخ لي الآجر وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها- على سهولة لفظه- ليس فصيحا وذلك أمر يقرره الذوق وحده، ألا ترى إلى هذه الكلمة وقد وقعت في بيت للنابغة الذبياني من قصيدته الدالية التي أولها:
من آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود
والبيت هو:
أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر يشاد بقرمد
فلفظة آجر في البيت قلقة نابية لابتذالها، فإن شئت أن تعلم شيئا من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكره بلفظه ولا يلفظ القرمد أيضا لكنه ذكر في القرآن على وجه آخر فعبر عن الآجر بالوقود على الظين، ثم ان هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه «يا» في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة وذلك على الوجه التالي:
1- نادى وزيره بحرف النداء.
2- توسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح.
3- رجاؤه الاطلاع إلى الله.
4- الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون فقد صرح قبل هنيهة بقوله «ما علمت لكم من إله غيري» فعبر عن نفي المعلوم بنفي العلم وأعلن تصميمه على الجحود ثم ما عتم أن أعلن رجاءه الاطلاع فهل كان مصمما على الجحود أم لم يكن.
فصل في اختيار الألفاظ:
هذا وقد عني علماء البيان باللفظة وسر اختيارها وخلاصة ما يقال فيه: أن حسن الألفاظ وقبحها أمر يعود إلى الذوق وحده فما استحسنه كان حسنا وما استقبحه كان قبيحا، فالاستعمال ليس بدليل الحسن، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلفة في صوغ الألفاظ واختيارها فإنه معذور في أن يقول ما قال: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
والصاحب بن عباد الذي كان من المفتونين بأبي الطيب، والذي كان يستعمل أشعاره في كتاباته ويقتبس منها، عند ما حصلت بينه وبين أبي الطيب المتنبي الجفوة بسبب ترفع هذا عن مجاوبته فقد ذكروا أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان وهو إذ ذاك شاب ولم يكن قد استوزر بعد، وقد كتب الصاحب اليه يلاطفه في استدعائه ويضمن له مشاطرته جميع ماله فلم يقم له المتنبي وزنا ولم يجبه إلى كتابه ولم يحقق مراده، وقصد المتنبي بعد ذلك إلى حضرة عضد الدولة بشيراز فأسفرت سفرته- كما يقول أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر- عن بلوغ الأمنية، وورود مشروع المنية، وذلك أن المتنبي قتل عند مغادرته إياه محملا بالعطايا والهبات.
قال الثعالبي: «واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته، وأحفظهم لها، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته» .
وقد عمل الصاحب رسالة فيما أخذه على المتنبي، وإذا فرضنا أن الذي دعا الصاحب إلى عمل هذه الرسالة هو استياؤه من المتنبي حيث تعاظم عن مدحه فإنا نجده لم يتحامل عليه بالباطل في شيء منها ولم يظلمه بحرف واحد جاء فيها ولم يعبه إلا بما هو عيب ولم يستطع أن ينال منه إلا من طريق الألفاظ وحدها. ونورد هنا نماذج من هذه الرسالة.
1- أخذ الصاحب على المتنبي التفاصح بالألفاظ الشاذة فمن ذلك قوله:
أيفطمه التوراب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
قال: «وما أرى كيف عشق التوراب حتى جعله عوذة أشعاره» والتوراب: التراب.
ومعنى البيت: أيفطمه التوراب قبل أن تفطمه أمه ويأكله التراب قبل أن يبلغ سن الآكل.
2- وأخذ عليه لفظة ترنج بقوله:
شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل
قال الصاحب ساخرا: «فلا أدري أاستهلال الأبيات أحسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله ترنج أفصح» ولقد أصاب الصاحب فاللغة الفصيحة هي أترج وأترجة ومنه الحديث مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، وحكى أبو زيد ترنج وترنجة، يقول أبو الطيب: ترنج الهند وطلع النخيل شديد بعدهما عن محلك من شرب الخمر وإن كان غيرك يتخذهما لذلك لأن هذه الحال غير مظنونة بك وانما استحضارك لهما ولما يشاكلهما من الرياحين استمتاعا بحسن ذلك.
3- وانتقد الصاحب جمع الآخاء في شعره إذ قال.
كل آخائه كرام بني الدنيا ولكنه كريم الكرام قال: «ولو وقع الآخاء» في رائية الشمّاخ لاستثقل فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام
والكلام إذا لم يتناسب زيّفه جهابذته، وبهرجه نقاده» .
وعلى هذا النحو يمضي في كشف مساوئ المتنبي وكلها أمور ترجع إلى اللفظة وحدها وسيرد معنا الكثير منها فلنكتف بما ذكرناه الآن منها.
وعاب النقاد القوافي الملتاثة، فعابوا على أبي تمام قافيته الثائية في قصيدته التي مطلعها:
قف بالطلول الدارسات علاثا ... أصخت حبال قطينهن رثاثا
وعلاثا منادى مرخم وأصله يا علاثة. وعابوا على أبي الطيب قافيته الشينية في قصيدته التي مطلعها: مبيتي من دمشق على فراش ... حشاه لي بحرّ حشاي حاش
وعابوا على ابن هانىء الأندلسي قافيته الخائية في قصيدته التي مطلعها:
سرى وجناح الليل أقتم أفتخ ... حبيب ضجيع بالعبير مضمّخ
والأقتم: المظلم، والأفتخ: المستطيل.
وحسبنا ما تقدم فقد كدنا نخرج بالكتاب عن موضوعه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences