Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:61–75
28:61–64Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
الإعراب:
(أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين الجانبين ومن اسم موصول مبتدأ وجملة وعدناه صلة وكمن خبرها ووعدناه فعل وفاعل ومفعول به ووعدا مفعول مطلق وحسنا صفة والفاء عاطفة وهو مبتدأ ولاقيه خبر والكاف اسم بمعنى مثل خبر أو جار ومجرور في موضع الخبر وجملة متعناه صلة من ومتاع الحياة الدنيا مفعول مطلق وثم حرف عطف وهو مبتدأ ويوم القيامة ظرف متعلق بالمحضرين ومن المحضرين خبر هو وللزمخشري كلام مفيد في تحليل هذه الآية من الناحية الاعرابية نورده فيما يلي: «فإن قلت فسر لي الفاءين وثم وأخبرني عن مواقعها قلت:
قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله وتفاوتهما ثم عقبه بقوله: أفمن وعدناه على معنى أبعد، هذا التفاوت الظاهر يسوّي بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا فهذا معنى الفاء الأولى وبيان موقعها وأما الثانية فللتسبيب لأن لقاء الموعود مسبّب عن الوعد الذي هو الضمان في الخير وأما ثم فلتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع لا لتراخي وقته عن وقته» .
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) الظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر والكلام مستأنف وجملة يناديهم مجرورة بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله والهاء مفعول به، والقصد من هذا النداء التوبيخ والتقريع، فيقول عطف على يناديهم وأين اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وشركائي مبتدأ مؤخر والذين صفة لشركائي وجملة كنتم صلة الذين وكان واسمها وجملة تزعمون خبرها ومفعولا تزعمون محذوفان تقديرهما تزعمونهم شركائي، وسيأتي في باب الفوائد ذكر حذف مفعولي ظننت وأخواتها، وجملة أين شركائي مقول القول.
(قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا) كلام مستأنف مسوق للإجابة عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا صدر عنهم حينئذ. وقال الذين فعل وفاعل وجملة حق عليهم صلة والقول فاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وهؤلا مبتدأ والذين صفة لهؤلاء وجملة أغوينا صلة وجملة أغويناهم خبر هؤلاء وكما أغوينا نعت لمصدر محذوف أي أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا وقد جربنا في هذا الإعراب على ما أعربه الزمخشري وأبو حيان.
(تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) الجملة مفسرة مقررة لما قبلها وتبرأنا فعل ماض وفاعل وإليك متعلقان بتبرأنا وما نافية وكان واسمها وإيانا مفعول مقدم ليعبدون وجملة يعبدون خبر كانوا، وأجاز أبو البقاء أن تكون ما مصدرية والمصدر منصوب بنزع الخافض أي مما كانوا يعبدون أي من عبادتهم إيانا ولا أرى داعيا لهذا التكلف لأن المعنى ما كانوا يعبدوننا وانما كانوا يعبدون أهواءهم ويسترسلون مع شهواتهم. (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) الواو عاطفة وقيل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هذا القول تهكما بهم وتبكيتا لهم وادعوا فعل أمر وفاعله وشركاءكم مفعول به فدعوهم الفاء عاطفة ودعوهم فعل ماض وفاعل ومفعول به، والفاء عاطفة ويستجيبوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل ولهم متعلقان بيستجيبوا.
(وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ) الواو عاطفة ورأوا العذاب فعل ماض وفاعل ومفعول به ولو شرطية وان وما بعدها فاعل لفعل محذوف أي لو ثبت كونهم مهتدين في الدنيا لما رأوا العذاب في الآخرة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وجملة يهتدون خبرها.
الفوائد:
يجوز بإجماع النحاة حذف مفعولي ظننت وأخواتها من أفعال القلوب اختصارا لدليل يدل عليهما نحو «أين شركائي الذين كنتم تزعمون» وقول الكميت يمدح آل البيت:
بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا عليّ وتحسب
فحذف في الآية مفعولا تزعمون وفي البيت مفعولا تحسب لدليل ما قبلهما عليهما أي تزعمونهم شركاء وتحسب حبهم عارا علي، وأما حذف أحدهما اختصارا لدليل فقد أجازه الجمهور كقوله تعالى «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم» تقديره ولا يحسبن الذين يبخلون ما يبخلون به هو خيرا لهم فحذف المفعول الأول للدلالة عليه، وكقول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
تقديره فلا تظني غيره مني واقعا، فحذف المفعول الثاني، والتاء في نزلت مكسورة والحاء والراء من المحب المكرم مفتوحتان.
وفي الباب الخامس من المغني بيان انه قد يظن الشيء من باب الحذف وليس منه: جرت عادة النحويين أن يقولوا: يحذف المفعول اختصارا واقتصارا ويريدون بالاختصار الحذف لدليل وبالاقتصار الحذف لغير دليل ويمثلونه ينحو «كلوا واشربوا» أي أوقعوا هذين الفعلين، وقول العرب فيما يتعدى إلى اثنين: من يسمع يخل، أي تكن منه خيلة. والتحقيق أن يقال إنه تارة يتعلق الغرض بالاعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه أو من أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام، فيقال حصل حريق أو نهب. وتارة يتعلق بالاعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوى إذ المنويّ كالثابت ولا يسمى محذوفا لأن الفعل ينزل لهذا القصد بمنزلة ما لا مفعول له، ومنه: «ربي الذي يحيي ويميت، هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كلوا واشربوا ولا تسرفوا، وإذا رأيت ثم» إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك، ومنه على الأصح: «ولما ورد ماء مدين» الآية، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام إنما رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما «لا نسقي» لا المسقي، ومن لم يتأمل قدّر: يسقون إبلهم وتذودان غنمهما ولا نسقي غنمنا. وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله فيذكران نحو «لا تأكلوا الربا، ولا تقربوا الزنا» وقولك ما أحسن زيدا، وهذا النوع إذا لم يذكر مفعوله قيل محذوف نحو «ما ودعك ربك وما قلى» وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره نحو: «أهذا الذي بعث الله رسولا، وكل وعد الله الحسنى» و:
حميت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح
28:65–70Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩
And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠
And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.
الإعراب:
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟) كلام معطوف على ما قبله فقد سئلوا أولا عن إشراكهم وسئلوا ثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك، فيقول عطف على يناديهم وماذا اسم استفهام بكاملها في محل نصب لمفعول مطلق لا مفعول به لأن أجاب لا يتعدى إلى الثاني بنفسه بل بالباء، وإسقاط الجار ليس بقياس والمعنى أجبتموهم أي إجابة، والمرسلين مفعول به لأجبتم. (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) الفاء عاطفة وعميت عليهم الأنباء فعل وفاعل وسيأتي بحث إسناد العمى للأنباء في باب البلاغة، ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله والتنوين في يومئذ عوض عن جملة، أي: يوم، إذ نودوا وقيل لهم ماذا أجبتم المرسلين، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يتساءلون خبر. (فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين وأما حرف شرط وتفصيل ومن اسم موصول مبتدأ وجملة تاب صلة وعمل صالحا فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو مفعول مطلق أي عمل عملا صالحا والفاء رابطة وعسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء التي تعمل عمل كان واسمها مستتر تقديره هو وأن وما في حيزها خبرها والرجاء من الكرام بمثابة التحقيق أو يكون الرجاء على بابه ولكنه من قبل التائب ومن المفلحين خبر يكون. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الواو استئنافية وربك مبتدأ وجملة يخلق خبر وما مفعول به ويشاء صلة ويختار عطف على يخلق وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبرها المقدم والخيرة اسمها المؤخر والجملة مفسرة لأنها مقررة لما قبلها، ويجوز أن تكون مستأنفة، وقيل إن ما مصدرية أي يختار اختيارهم والمصدر واقع موقع المفعول أي مختارهم، وقيل ان ما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي ما كان لهم الخيرة فيه، وقيل أيضا ان كان تامة، وجملة لهم الخيرة كلام مستأنف وسبحان الله مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وفاعله هو وعما متعلقان بتعالى وجملة يشركون صلة.
(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ) الواو عاطفة وربك مبتدأ وجملة يعلم خبر وما مفعول به وتكن صلة وصدورهم فاعل وما عطف على ما الأولى وجملة يعلنون صلة. (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وهو مبتدأ والله خبر وجملة لا إله إلا هو خبر ثان وقد تقدم اعراب كلمة التوحيد والاختلاف فيها وله خبر مقدم والحمد مبتدأ مؤخر والجملة خبر ثالث وفي الأولى حال والآخرة عطف على الأولى واليه متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع والواو نائب فاعل.
البلاغة:
1- إسناد العمى إلى الأنباء مجاز عقلي وقد تقدم كثيرا والمراد أن الأنباء صارت كالعمى لا تهتدي إليهم وقيل انه من باب القلب وان أصله فعموا عن الأنباء والقلب، كما تقدم، من محسنات الكلام.
2- الادماج:
في قوله «له الحمد في الأولى والآخرة» الادماج، وحدّه أن يدمج المتكلم إما غرضا في غرض أو بديعا في بديع بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين والآخر مدمج في الغرض الذي هو موجود في الكلام، فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد وهذه وإن خرج الكلام فيهما مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأنه أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة، وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازا، وحقيقة حمده راجعة إلى ولي الحمد سبحانه.
28:71–75Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١
Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢
Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣
And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥
And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.
اللغة:
(سَرْمَداً) : السرمد: الدائم المتصل وقد اختلف العلماء في اشتقاقه فقيل هو من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة ووزنه فعمل كما في دلامص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء متينة وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره واختار صاحب القاموس وبعض النحاة أن الميم أصلية ووزنه فعلل لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر.
الإعراب:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام ورأيتم فعل وفاعل أي أخبروني وإن شرطية وجعل الله عليكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والله فاعل وعليكم حال والليل مفعول جعل الأول وسرمدا مفعوله الثاني والى يوم القيامة صفة لسرمدا وقد علقت أرأيتم عن العمل بسبب الاستفهام وجواب الشرط محذوف يقدر بما يقتضيه السياق وتقديره فأخبروني.
(مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول أرأيتم ومن اسم استفهام مبتدأ وإله خبر وغير الله صفة إله وجملة يأتيكم صفة ثانية لإله وبضياء جار ومجرور متعلقان بيأتيكم، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والفاء عاطفة على محذوف مقدر ولا نافية ويسمعون فعل مضارع والواو فاعل.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) تقدم اعرابها.
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من رحمته خبر مقدم وجعل لكم مؤول بمصدر بتقدير أن مبتدأ مؤخر وهو كثير في كلامهم ومنه المثل:
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ولكم مفعول جعل الثاني والليل مفعول جعل الأول والنهار عطف على الليل، وزواج بينهما لنكتة سيرد تفصيلها في باب البلاغة، ولتسكنوا اللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والواو فاعل وفيه متعلقان بتسكنوا ولتبتغوا من فضله عطف على لتسكنوا ولعلكم لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) تقدم اعرابها بلفظها قريبا فجدد به عهدا. (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ) الواو عاطفة ليتساوق الكلام ونزعنا فعل وفاعل أي أخرجنا ومن كل أمة متعلقان بنزعنا وشهيدا مفعول به، فقلنا عطف على نزعنا وجملة هاتوا مقول القول وهاتوا فعل أمر وفاعل وبرهانكم مفعول به. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الفاء عاطفة وعلموا فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي علموا وأن واسمها ولله خبرها وضل فعل ماض وعنهم متعلقان بضل وما فاعل وجملة كانوا صلة وكان واسمها وجملة يفترون خبرها.
البلاغة:
1- المناسبة:
في قوله «أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا» إلى قوله «أفلا تبصرون» فن المناسبة وهي ضربان: مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال «أفلا تسمعون» لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية «أفلا تبصرون» لمناسبة ما بين النهار والإبصار.
أما المناسبة اللفظية فسيأتي حديثها في هذا الكتاب.
2- اللف والنشر:
اللف والنشر في قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» وقد تقدم بحث هذا الفن وذكرنا انه عبارة عن ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة أولها: لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل في ثانيهما وهو النهار، ولإرادة شكركم وهذا من أطرف ما يتفنن به المتكلم نثرا أو شعرا.
3- صحة المقابلات:
وفي هذه الآية أيضا فن عرفوه بأن صحة المقابلات، وهو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف والموافق على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وهذه الآية من معجز هذا الباب، فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الارداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدا على المقابلة والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحسّ ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ووجوه المصالح ويتقي أسباب المعاطب، والآية سيقت للاعتداد بالنعم فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال «لتسكنوا» و «لتبتغوا» بلام التعليل فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل والاشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحما آخذة أعناق بعضه بأعناق بعضه، ثم أخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض «ومن رحمته» وكل هذا في بعض آية عدتها إحدى عشرة لفظة، فالحظ هذه البلاغة الظاهرة والفصاحة المتظاهرة.
4- التفسير:
وفي قوله «ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون» فن التفسير وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، ومنه قول ابن حيوس.
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences