Darwish · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:189–200
3:189–191Page 75
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠
Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١
Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
الإعراب:
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ملك مبتدأ مؤخر والسموات مضاف إليه والأرض عطف على السموات (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو عاطفة والله مبتدأ وعلى كل شيء جار ومجرور متعلقان يقدير وقدير خبر (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لبيان قدرته سبحانه ووجوده وعلمه. وإن حرف مشبه بالفعل وفي خلق السموات والأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) عطف على خلق (لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) اللام المزحلقة وآيات اسم إن المؤخر ولأولي الألباب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآيات (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) الذين صفة لأولي الألباب وجملة يذكرون الله صلة وقياما وقعودا حالان وعلى جنوبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي:
مضطجعين، والمعنى يذكرونه في جميع الأحوال قياما وقعودا ومضطجعين. وللفقهاء استدلالات وإيماءات بارعة، ومن طريف حجج الشافعي أنه استدل بها على إضجاع المريض على جنبه في الصلاة (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لك أن تجعل الواو عاطفة فتكون الجملة معطوفة على سابقتها فتكون داخلة في حيز الصلة، ولك أن تجعل الواو حالية فتكون الجملة نصبا على الحال (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا) ربنا منادى مضاف ولا بد من تقدير قول. أي:
يقولون ربنا، فالجملة نصب على الحال وما نافية وخلقت فعل وفاعل وهذا مفعول به وباطلا منصوب بنزع الخافض أي بالباطل أو نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا، أو حالا من هذا، ورجح أبو حيان هذا الوجه على غيره. وعندنا أنها متساوية الرجحان (سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ) سبحانك مفعول مطلق وهو مع فعله المحذوف جملة معترضة لا محل لها. فقنا الفاء عاطفة للترتيب أي: نزهناك فقنا.
ولك أن تجعلها الفصيحة لمعنى الجزاء المقدر أي: إذا شئت جزاءنا فقنا. وق فعل أمر ونا مفعول به أول وعذاب النار مفعول به ثان.
البلاغة:
1- الطباق: الذي جمع حالات الإنسان الثلاث في الصلاة، وهي القيام والقعود والاضطجاع على الجنب، كما يقول الشافعي، أو الاستلقاء، لأنه أخف، كما يقول أبو حنيفة.
2- المجاز المرسل بعلاقته المحلية، فقد ذكر السموات والأرض، ومراده ما فيهما من أجرام عظيمة بديعة الصنع صالحة للاستغلال في سبيل النفع الانساني الشامل.
3- الإيجاز في قوله: ويتفكرون في خلق السموات والأرض، حيث انطوى تحت هذا الإيجاز كل ما تمخض عنه العلم من روائع المكتشفات وبدائع المستنبطات. وفي الحديث: لا عبادة كالتفكر.
فلسفة الافكار لديكارت:
ولا مندوحة لنا هنا عن الاشارة إلى أن فلسفة ديكارت الفرنسي عرفت في العصر الحديث بأنها فلسفة الافكار الواضحة المتميزة، كما كانوا يسمونها في القرن السابع عشر. فقد أرادت تلك الفلسفة أن تخلص الفكر من وطأة السلطات أيّا كانت، فلم تقبل دليلا على الحق إلا البداهة العقلية، أي بداهة العقل الذي يراه الفيلسوف أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وحظوظ الناس منه متساوية، فلا فرق بين شعب وشعب، ولا تفاضل بين جنس وجنس. وقد كان لديكارت فضل في بناء صرح المذهب العقلي الحديث حين وضع قاعدته المشهورة:
يجب أن لا أقبل شيئا أبدا على أنه حق ما لم يتبين لي ببداهة العقل أنه كذلك، ويجب أن لا أحكم على الأشياء إلا بما يتمثله ذهني بوضوح وتمييز ينتفي معهما كل سبيل إلى الشكّ.
بين ديكارت ومحمد عبده:
وقد تجلى أثر هذه الفلسفة عند الأستاذ الامام محمد عبده في السنوات الاولى من هذا القرن العشرين إذ لا يخفى أن الدعوة التي نهض بها الامام محمد عبده لإصلاح المجتمع الاسلامي عموما إنما تقوم على اصطناع منهج ديكارت في «الافكار الواضحة المتميزة» وفي تغليبه حكم العقل على أحكام الهوى والعاطفة وفي اصطناعه اليقين والبداهة معيارا لصحة الروايات أو تلفيقها.
تأملات ديكارت:
ومن المفيد أن نلخص تأملات ديكارت الستة وهي:
1- بداهة العقل عند الفيلسوف معيار اليقين، أي العلامة المميزة للمعرفة الصحيحة.
2- فناء الجسم الانساني أمر ممكن ميسور، أما الذهن فباق بطبيعته.
3- فكرة موجود كامل فينا تشمل قدرا من الحقيقة الموضوعية أي تشارك بالتصور في قدر من درجات الوجود والكمال بحيث يلزم أن تصدر عن علة كاملة على الإطلاق.
4- جميع الأشياء التي تتصوّرها تصورا واضحا جدا ومتميزا جدا هي كلها صحيحة، وتتصل بالحقائق العقلية التي يمكن معرفتها بمعونة النور الطبيعي وحده.
5- وفي التأمل الخامس يتحدث عن ماهية الأشياء المادية، ثم يعود إلى الحديث عن الله ووجوده، وهو يستند إلى معيار البداهة.
ولما كان ديكارت عالما رياضيا، وكان المثل الاول للبداهة عنده هو مثل البداهة الرياضية، فهو ينظر إلى الفكرة الواضحة التي تكون في أذهاننا عن الله فيجد أن شأنها كشأن المثلّث، وينتهي إلى القول:
إن القضيتين مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين، والله موجود هما قضيتان متعادلتان في اليقين.
6- وانتهى ديكارت في التأمل السادس بتمييز فعل الفهم من فعل المخيلة فقال: وأصف علامات التمييز، وفيه أبيّن أن نفس الإنسان متميزة عن الحسم حقا، وأنها مع ذلك ملتئمة معه التئاما ومتحدة به اتحادا يجعلها وإياه شيئا واحدا، وفيه أبسط جميع ضروب الخطأ الناشئة من الحواس، مبينا الوسائل لاجتنابها. وأورد أخيرا جميع الأدلة التي يمكن أن يستنتج منها وجود المادية، لا لأنني أرى لها فائدة كبيرة في إثبات ما نشبته- أعني أن العالم موجود وأن للناس أجساما وما شابه ذلك من أشياء لم يشك فيها قط انسان ذو عقل سليم- بل لأن إنعام النظر فيها يطلعنا على أنها لم تبلغ من المتانة والبداهة مرتبة الأدلة التي توصلنا إلى معرفة الله ومعرفة النفس، وبهذا الاعتبار تكون الأدلة الأخيرة أوثق وأبين ما يمكن أن يقع للذهن الانساني من معرفة.
4- المطابقة المتعددة حتى تسمى مقابلة فقد طابق بين السموات والأرض، وبين الليل والنهار، والقيام والقعود.
3:192–193Page 75
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢
Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
الإعراب:
(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) كلام مستأنف مسوق لتتمة الابتهالات الرقيقة الرائعة التي شرع فيها في خاتمة سورة آل عمران. وربنا منادى مضاف وإنك: إن واسمها، ومن اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم وتدخل فعل الشرط والنار منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة، فقد الفاء رابطة لجواب الشرط لاقتران الجواب بقد وأخزيته فعل وفاعل ومفعول به والجملة المقرونة بالفاء في محل جزم جواب الشرط والجملة في محل رفع خبر إن (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)
الواو استئنافية أو حالية وما نافية وللظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن حرف جر زائد وأنصار مجرور لفظا بمن مرفوع بالابتداء محلا، ولك أن تجعل ما حجازية عاملة عمل ليس لأنهم أجازوا تقديم الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ) ربنا منادى مضاف وإن واسمها، وجملة سمعنا خبرها ومناديا مفعول سمعنا وجملة ينادي صفة وللإيمان جار ومجرور متعلقان بينادي. [ويلاحظ أن ضمير المتكلم وهو «نا» استعمل في حالاته الثلاث الجر بالاضافة ل «ربّ» والنصب لأنه اسم إن والرفع على الفاعلية] والجملة كلها مستأنفة مسوقة لتتمة الابتهالات (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) أن مصدرية وآمنوا فعل أمر وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض ويكون الجار والمجرور متعلقين بينادي، ويجوز أن تكون أن هي المفسرة، وهي الواقعة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه، فتكون الجملة لا محل لها. وبربكم جار ومجرور متعلقان بآمنوا فآمنا الفاء حرف عطف للترتيب والتعقيب، مؤذن بتعجيل الانصياع للنداء والايمان من غير مهلة، لأن المنادي هو محمد أو القرآن، وكلاهما حافز إلى الامتثال والايمان (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) أعاد النداء استعذابا للترتيب وزيادة في الاستعطاف والابتهال، والفاء في قوله «فاغفر» عاطفة مؤذنة بالإشعار بترتّب المغفرة على الايمان به تعالى والإقرار بربوبيته، وليس هناك أدعى إلى المغفرة من ذلك. ولنا جار ومجرور متعلقان باغفر، وذنوبنا مفعول به وكفّر عطف على اغفر، وعنا جار ومجرور متعلقان بكفر، وسيئاتنا مفعول به (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) عطف على ما تقدم وتوف فعل أمر مبني على حذف حرف العلة ونا مفعوله ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف حال والأبرار مضاف اليه.
البلاغة:
في الآية الإطناب، وهو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة بأمور منها:
آ- ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضل الخاص، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها» فذكر الجبال بعد الأرض وهي جزء منها، إطناب يراد به التفخيم والتهويل، باعتبار أن الجبال تروعنا بشموخها ورسوخها، ومع ذلك جبنت عن حمل الامانة.
ب- ذكر العام بعد الخاص ومن أمثلته قوله تعالى: «رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات» وهما لفظان عامّان يدخل في عمومهما من ذكر قبل ذلك. والغرض من ذلك إفادة الشمول مع العناية بالخاص الذي ذكره مرتين، مرة وحده ومرة مندرجا تحت العام.
ج- الإيضاح بعد الإيهام، ومن أمثلته قوله تعالى: «وقضينا إليه ذلك الأمر: أنّ دابر هؤلاء مقطوع» فقوله: «أن دابر هؤلاء مقطوع» إيضاح للابهام الذي تضمنه لفظ الأمر.
د- التكرير وقد سبقت الاشارة اليه كقول الحسين بن مطير يرثي معن بن زائدة:
فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا
والغاية منه تقرير المعنى في النفس، وهو الأصل. وقد يكون للإنذار كما يرد في خطب الخطباء، أو التحسر كما يصنع الراثون، أو الاستلذاذ كما يفعل الغزلون.
هـ- الاعتراض: وهو أن يؤتى خلال الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة لا محل لها من الإعراب لفائدة ثانوية كالجملة الدعائية في قول عوف بن محلم الخزاعي: إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقوله: وبلغتها، جملة دعائية تعطف قلب الممدوح وتتلطف في ذكر المراد، وهو أنه أصمّ لا يسمع كلامه ليرفع صوته. وقد مرت الاشارة اليه.
والاحتراس وهو كل زيادة تجيء لدفع ما يوهمه الكلام مما ليس مقصودا كقول أبي الطيب المتنبي:
إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ... ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
ففي البيت إطناب بالاحتراس في موضعين: أولهما في الشطر الاول بذكر «وهو بي كرم» ، وثانيهما في الشطر الثاني بذكر «وهو بي جبن» لدفع ما قد يوهمه الحلم مجردا. وهناك أغراض أخرى ترد الاشارة إليها في مضامين هذا الكتاب. وفي الآية إطناب بالتكرار، وهو الجمع بين «مناديا» و «ينادي» وذلك أنه ذكر النداء في الاول مطلقا ثم ذكره في الثاني مقيدا بالايمان، تفخيما لشأن المنادى، لأنه لا منادي أعظم من مناد يدعو إلى الايمان، وهو محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن الذي أنزل عليه. ورجح ابن جرير الطبري أن يكون المنادي هو القرآن، واحتج لذلك بأن كثيرين ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن.
2- وفي الآية فنّ وضع الظاهر موضع المضمر. فقد كان مقتضى الظاهر أن يقال: وما لهم من أنصار أو وماله من أنصار، مراعاة لمعنى «من» أو لفظها، ولكنه أظهر إشعارا بتخصيص الخزي بهم.
الفوائد:
قال أبو حيان: «سمع» إن دخل على مسموع تعدّى لواحد نحو: سمعت كلام زيد، كغيره من أفعال. وإن دخل على ذات وجاء بعده فعل أو اسم في معناه، نحو: سمعت زيدا يتكلم، وسمعت زيدا يقول كذا، ففي هذه المسألة خلاف، منهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرة كان صفة لها، أو معرفة كان حالا منها. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني ل «سمع» وجعل «سمع» مما يتعدى إلى واحد إن دخل على مسموع والى اثنين إن دخل على ذات» .
3:194–195Page 75
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
الإعراب:
(رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) كلام معطوف على ما تقدم من ابتهالات وربنا منادى مضاف وآتنا عطف على أفعال الدعاء المتقدمة ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة وعدتنا صلة الموصول وعلى رسلك جار ومجرور متعلقان بوعدتنا، ولا بد من حذف مضاف أي: على ألسنة رسلك، أو على تصديق رسلك، ولك أن تعلقهما بمحذوف حال أي:
منزلا على رسلك أو محمولا على رسلك، لأن الرسل محملون ذلك (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) الواو عاطفة ولا ناهية وتخزنا فعل مضارع مجزوم بلا ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به ويوم القيامة ظرف زمان متعلق بتخزنا (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) الجملة تعليلية لا محل لها لتعليل السؤال منهم، وهو باب من أبواب اللجوء إلى الله، وإلا فإن الله لا يخلف الميعاد. وإن واسمها، وجملة «لا يخلف الميعاد» خبر إنّ (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ) الفاء استئنافية واستجاب فعل ماض ولهم جار ومجرور متعلقان باستجاب وربهم فاعل وأني: ان واسمها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان باستجاب لتبيان السبب كأنه قال: فاستجاب لهم ربهم بسبب أني لا أضيع، وجملة لا أضيع خبر أنّ وعمل عامل مفعول به ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لعامل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من عامل بعد وصفه أي استقر منكم حاله كونه من ذكر أو أنثى، أو صفة ثانية لعامل. وأعربه أبو البقاء بدلا مطابقا من منكم، وهو سائغ أيضا، وبعضكم مبتدأ ومن بعض جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، والجملة مستأنفة مسوقة لتبيين شركة النساء مع الرجال في الثواب، وجعلها بعضهم معترضة، وما أحسبها بعيدة، لأنها وقعت بين قوله «عمل عامل» وبين ما فصل به عمل العاملين فصح كونها واقعة بين كلامين متصلين ورجحها الزمخشري (فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) الفاء استئنافية للتفريع وذلك للدلالة على أن الجزاء لا يكون إلا لمن جمع هذه الصفات متعددة، فالجملة مستأنفة لا محل لها والذين مبتدأ وجملة هاجروا صلة الموصول وأخرجوا عطف على هاجروا ومن ديارهم جار ومجرور متعلقان بأخرجوا (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا) الجملة كلها معطوفة داخلة في حيز الصلة (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) اللام جواب قسم محذوف وأكفرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والجملة القسمية خبر الذين، وهنا لا بد من دفع اعتراض معترض يقول: إن الجملة الواقعة جوابا للقسم لا محل لها فكيف ساغ أن تكون هنا خبرا ويتلخص الدفع بأن المقصود مجموع القسم وجوابه.
وعنهم جار ومجرور متعلقان بأكفرن وسيئاتهم مفعول به (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الواو عاطفة ولأدخلنهم عطف على لأكفرن والهاء مفعول به وجنات منصوب بنزع الخافض أو مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات (ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ثوابا مفعول مطلق لفعل محذوف يفيد التأكيد، وأجازوا إعرابها حالا من جنات أي: مثابا بها، أو من الضمير الواقع مفعولا به أي حال كونهم مثابين، وهو جائز. ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لثوابا (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعنده ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وحسن الثواب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر «الله» .
البلاغة:
1- في هذه الآية فن منقطع النظير يمكن تسميته «الاسجال» وحدّه أن يقصد المتكلم غرضا من الأغراض فيأتي بألفاظ تقرر ذلك الغرض: فقد سجل المولى سبحانه على ألسنة عباده تحقيق موعوده على لسان رسوله، وتأمل كلمة «ما وعدتنا» تجد أن هذا الوعد قد أصبح مبرما لا انفكاك لإبرامه. ومن طريف ما ورد منه شعرا قول ابن نباتة السعديّ:
جاء الشتاء وما عندي له عدد ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني
فإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني
والأسجال واضح في تقريره هبني هلكت، وما أجمل الجناس بين هبني بمعنى احسبني وهبني بمعنى أعطني هبة.
2- الالتفات في قوله «فاستجاب لهم ربهم» فقد التفت من الغيبة إلى التكلم لاظهار كمال الاعتناء بصدد الاستجابة وتشريف الداعين وتسوية الرجال والنساء وشركة النساء مع الرجال في العمل والجزاء عليه بعد أن كانت المرأة مغموطة الحق في الجاهلية.
روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.
3:196–200Page 76
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
اللغة:
(النزل) بضمتين وبضمّ فسكون: ما يقام للنازل أو طعام الضيف، قال أبو الشعواء الضبيّ:
وكنّا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
(رابِطُوا) أقاموا في الثغر، والأصل أن يربط هؤلاء وهؤلاء خيلهم مترصدين مستعدين للغزو.
ورباط الخيل حبسها. قال:
فينا رباط جياد الخيل معلمه ... وفي كليب رباط الذلّ والعار
الإعراب:
(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) جملة مستأنفة مسوقة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغترار، وهو في الحقيقة نهي لأصحابه وأتباعه عن الاغترار بما يرونه من تبسّط الكافرين والظالمين العتاة في الأرض، واستبحارهم في القوة والعمران، على نحو ما هو مشاهد اليوم. ولا الناهية ويغرنك فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والكاف مفعول به وتقلب فاعل والذين اسم موصول مضاف اليه وجملة كفروا صلة وفي البلاد جار ومجرور متعلقان بتقلب لأنه مصدر (مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) متاع خبر لمبتدأ محذوف وقليل صفة أي: هو متاع ضئيل لا يؤبه له، وهو مهما تطاول آيل إلى الزوال والجملة مستأنفة. ثم حرف عطف للتراخي ومأواهم مبتدأ وجهنم خبر (وَبِئْسَ الْمِهادُ) الواو حالية وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل بئس والمخصوص بالذم محذوف أي: جهنم، والجملة نصب على الحال. (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ) لكن مخففة مهملة لمجرد الاستدراك والذين مبتدأ وجملة اتقوا ربهم صلة الموصول ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وجنات مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر الذين وجملة لكن مستأنفة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها)
الجملة صفة لجنات ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والأنهار فاعل وخالدين حال وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) نزلا حال من جنات، وإن جعلته مصدرا فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة «نزلا» (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) الواو استئنافية أو حالية وما اسم موصول مبتدأ وعند الله ظرف متعلق بمحذوف صلة ما وخير خبر وللابرار جار ومجرور متعلقان بخير والجملة مستأنفة أو حالية (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الواو استئنافية وإن حرف مشبه بالفعل ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم ولمن اللام المزحلقة ومن اسم موصول اسم إن المؤخر وجملة يؤمن بالله صلة الموصول وبالله جار ومجرور متعلقان بيؤمن (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ) الواو حرف عطف وما اسم موصول معطوف على الله وجملة أنزل إليكم صلة وما أنزل إليهم عطف أيضا وخاشعين حال من الضمير في يؤمن ولله جار ومجرور متعلقان بخاشعين (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) جملة لا يشترون حالية وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بيشترون وثمنا مفعول به وقليلا صفة (أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الجملة مستأنفة واسم الاشارة مبتدأ ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأجرهم مبتدأ مؤخر وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال أي مستقرا عند ربهم والجملة خبر «أولئك» (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) جملة مستأنفة وإن واسمها وخبرها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا) أفعال دعاء (وَاتَّقُوا اللَّهَ) عطف أيضا (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لعل واسمها، والجملة خبرها وجملة الرجاء حالية.
م 10- اعراب القرآن
البلاغة:
جاء ختام سورة آل عمران حسنا جدا، وكما جاء ختام سورة البقرة مشتملا على الدعاء جاء ختام سورة آل عمران مشتملا على عدد من الوصايا النافعة، وهذا هو حسن الختام، ليبقى راسخا في الاسماع، وهذا هو حسن البيان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences