Darwish · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:69–81
3:69–71Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
اللغة:
(تَلْبِسُونَ) بكسر الباء أي تخلطون.
الإعراب:
(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) ودت فعل ماض والتاء للتأنيث وطائفة فاعل ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة والجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن اليهود الذين دعوا عددا من الصحابة منهم حذيفة ومعاذ وعمار إلى دينهم. وسيأتي بحث مهم عن معنى ودت في باب الفوائد (لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) لو مصدرية ويضلونكم فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به ولو مؤولة مع ما بعدها بمصدر منصوب لأنه مفعول ودت، والتقدير تمنّت إضلالكم (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) الواو حالية وما نافية ويضلون فعل وفاعل وإلا أداة حصر وأنفسهم مفعول به والجملة في محل نصب حال (وَما يَشْعُرُونَ) عطف على الجملة السابقة (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) جملة مستأنفة مسوقة لتأكيد استركاك عقولهم ويا حرف نداء وأهل الكتاب منادى مضاف ولم اللام حرف جر وما اسم استفهام في محل جر باللام وحذفت ألف ما لوفوعها بعد حرف الجر كما تقدم قريبا، وتكفرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجار والمجرور المتقدم عليه متعلق به وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بتكفرون (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) الواو حالية وأنتم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وتشهدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر وجملة أنتم تشهدون في محل نصب حال (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ) جملة مستأنفة ثالثة مسوقة لتأكيد استركاك عقولهم وقد تقدم إعراب نظيرتها (وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ) الواو عاطفة وتكتمون فعل مضارع والواو فاعل والحق مفعول به (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تقدم إعرابها.
الفوائد:
تستعمل «ود» بمعنى تمنى فتستعمل معها لو أو أن وربما جمع بينهما فيقال: وددت لو أن فعل «والمصدر» الودادة والاسم منه ود وقد يتداخلان في المصدر والاسم وقال الراغب: إذا كان ود بمعنى أحب لا يجوز إدخال «لو» فيه أبدا، وقال علي بن عيسى: إذا كان «ود» بمعنى تمنى صلح للماضي وللحال وللمستقبل، وإذا كان بمعنى المحبة والإرادة لم يصلح إلا للماضي لأن الإرادة كاستدعاء الفعل وإذا كان للحال والمستقبل جاز أن ولو وإذا كان للماضي لم يجز أن لأن أن للمستقبل.
3:72–74Page 59
وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢
And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],
وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣
And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."
يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤
He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.
اللغة:
(وَجْهَ النَّهارِ) أوله وسمي الوجه وجها لأنه أول ما يبدو من الإنسان لمن يشاهده قال:
من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
وقال:
وتضيء في وجه الظلام منيرة ... كجمانة البحري سلّ نظامها
الإعراب:
(وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن نوع آخر من تلبيسات اليهود فقد توطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان، دون اعتقاد بالجنان، ثم اكفروا اخر النهار لادخال التشكيك في صدور أصحاب محمد وربما أفضى ذلك إلى رجوعهم عن دينهم. وقالت فعل ماض وطائفة فاعل ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) الجملة في محل نصب مقول القول وآمنوا فعل أمر مبني على حذف النون وبالذي جار ومجرور متعلقان بآمنوا وجملة أنزل صلة وأنزل فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وعلى الذين آمنوا جار ومجرور متعلقان بأنزل وجملة آمنوا صلة (وَجْهَ النَّهارِ) ظرف زمان متعلق بآمنوا (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) الواو حرف عطف واكفروا فعل أمر مبني على حذف النون معطوف على آمنوا وآخره ظرف زمان متعلق باكفروا (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) جملة الرجاء في محل نصب على الحال أي راجين رجوعهم عن دينهم ولعل واسمها وجملة يرجعون خبرها ثم أردف بتتمة مقولهم فهو داخل في حيزه (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية وتؤمنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وإلا أداة استثناء ولمن اللام حرف جر ومن اسم موصول في محل جر باللام والجار والمجرور في محل نصب على الاستثناء من محذوف تقديره ولا تؤمنوا أي تعترفوا وتظهروا بأن يؤتى أحد بمثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم وتبع فعل ماض وفاعله هو والجملة الفعلية صلة ودينكم مفعول به (قُلْ: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ) الجملة من قل ومقولها وهو ان واسمها وخبرها لا محل لها لأنها اعتراضية (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) أن وما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بتؤمنوا وأحد نائب فاعل يؤتى ومثل مفعول به ثان وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة أوتيتم صلة (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أو حرف عطف ويحاجوكم فعل مضارع معطوف على يؤتى وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به وعند ظرف مكان متعلق بمحذوف حال وربكم مضاف إليه (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) قل فعل أمر وفاعله أنت وإن واسمها، وبيد الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وإن وما في حيزها جملة اسمية في محل نصب مقول القول (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) جملة يؤتيه في محل نصب حال ويؤتي فعل مضارع وفاعله هو والهاء مفعول يؤتي الأول ومن اسم موصول في محل نصب مفعول يؤتي الثاني وجملة يشاء صلة (وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وواسع خبر أول وعليم خبر ثان (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) الجملة خبر ثالث ويختص فعل مضارع مرفوع وفاعله هو أي الله تعالى وبرحمته جار ومجرور متعلقان بيختص ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به وجملة يشاء لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الواو عاطفة والله مبتدأ وذو الفضل خبر مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة والفضل مضاف إليه والعظيم صفة للفضل.
الفوائد:
كثر الخوض في هذه الآية والاختلاف في إعرابها وتخريجها، وأوصل بعض المعربين أوجه الإعراب فيها إلى تسعة دون أن يصلوا إلى وجه حاسم يخلو من الاعتراضات.
ما يقوله الواحدي:
قال الواحديّ وهو من كبار المشتغلين بالمسائل الإعرابية: «وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه إعرابا وتفسيرا، ولقد تدبّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية فلم أجد قولا يطّرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى وصحة النّظم» .
ما يقوله الشهاب الحلبي:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسّمين: «أعلم أنه قد اختلف الناس والمفسرون والمعربون في هذه الآية على أوجه» وذكر السمين الأوجه التسعة، ولما كان كتابنا يتوخى الأسهل والأقرب إلى المنطق والأبعد عن التكلف اكتفينا في باب الإعراب بما أوردناه فيه ورأينا أنه الأقرب إلى ما توخيناه وقد اختاره الزمخشري في كشافه، ولكننا نرى من المفيد أن نثبت ما قاله أبو حيان، ثم نعقب عليه بما قاله ابن هشام.
ما يقوله ابو حيان:
قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط بعد كلام طويل:
«يحتمل القول وجوها:
1- أن يكون المعنى: ولا تصدقوا تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافة أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم ومخافة أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربهم إذا لم يستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
2- أن يكون التقدير أن لا يؤتى فحذفت لا لدلالة الكلام، ويكون ذلك منتفيا داخلا في حيز إلا، لا مقدرا دخوله قبلها والمعنى:
ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلا لمن تبع دينكم بانتفاء أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وانتفاء أن يحاجوكم عند ربكم أي إلا بانتفاء كذا.
3- أن يكون التقدير بأن يؤتى متعلقا بتؤمنوا، ولا يكون داخلا في حيز إلا والمعنى: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضدا له فإن ذلك لا يؤتاه غيركم. ويكون معنى أو يحاجوكم عند ربكم بمعنى إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو تقضيني حقي. وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل.
4- أن يكون المعنى: لا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته إذ قد علمتم صحتها إلا لليهود الذين هم منكم، وأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم صفة لحال محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى تستروا بإقراركم أن قد أوتي أحد مثلما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب يحاجونكم بالإقرار عند ربكم» .
ولعمري لقد أبدع أبو حيان ولكنه اكتفى بإيراد المعنى مجردا عن الإعراب.
ما يقوله ابن هشام:
وقال ابن هشام في معرض حديثه عن الجمل: «كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية ويميزها منها أمور: أحدها أنها تكون غير خبرية كالأمرية في «ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم» ، كذا مثل ابن مالك وغيره بناء على أن «أن يؤتى أحد» متعلق بتؤمنوا وأنّ المعنى: ولا تظهروا تصديقكم بأن أحدا يؤتى من كتب الله مثل ما أوتيتم وبأن ذلك الأحد يحاجونكم عند الله تعالى يوم القيامة بالحق فيغلبونكم إلا لأهل دينكم لأن ذلك لا يغير اعتقادهم بخلاف المسلمين فإن ذلك يزيدهم ثباتا، وبخلاف المشركين فإن ذلك يدعوهم إلى الإسلام. ومعنى الاعتراض حينئذ أن الهدى بيد الله، فإذا قدره لأحد لم يضره مكرهم. والآية محتملة لغير ذلك، وهي أن يكون الكلام قد تم عند الاستثناء، والمراد: لا تظهروا والإيمان الكاذب الذي توقعونه وجه النهار وتنقضونه آخره إلا لمن كان منكم كعبد الله بن سلام ثم أسلم، وذلك لأن إسلامهم كان أغيظ لهم ورجوهم إلى الكفر كان عندهم أقرب، وعلى هذا ف «أن يؤتى» من كلام الله تعالى، وهو متعلق بمحذوف مؤخر، أي: الكراهية أن يؤتى أحد دبرتم هذا الكيد.
وهذا الوجه أرجح لوجهين: أحدهما أنه الموافق لقراءة ابن كثير:
أأن يؤتى بهمزتين، أي: الكراهية أن يؤتى قلتم ذلك، والثاني أن في الوجه الأول عمل ما قبل إلا فيما بعدها، مع أنه ليس من المسائل الثلاث المذكورة آنفا، والثاني مما يميزها الدّعائية كقول عوف بن محلم:
إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وكالتنزيهية في قوله تعالى: «ويجعلون لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون» وكالاستفهامية في قوله تعالى: «فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا» إلى آخر هذا البحث الممتنع الذي عكره الأسلوب الجاف.
ما يقوله الزمخشري:
ولا مندوحة لنا عن ذكر عبارة الزّمخشري التي جاءت مؤيدة لما ذهبنا إليه في الإعراب، قال: «ولا تؤمنوا متعلق بقوله: أن يؤتى أحد، وما بينهما اعتراض، أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا مثلما أوتيتم ولا تفشوه إلا لأشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، أو يحاجوكم به عند ربكم: عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة» .
وقد كدنا نخرج عن شرط الكتاب في تلخيص الأقوال، فحسبنا ما أوردناه ولعل بعض العلماء كان على حق عند ما قرر أن هذه الآية أعظم آي هذه السور إشكالا، وكلام الله أكبر، وغور لغتنا العربية أبعد وأعمق من أن يسبر.
3:75Page 59
۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
And among the People of the Scripture is he who, if you entrust him with a great amount [of wealth], he will return it to you. And among them is he who, if you entrust him with a [single] coin, he will not return it to you unless you are constantly standing over him [demanding it]. That is because they say, "There is no blame upon us concerning the unlearned."1 And they speak untruth about Allāh while they know [it].
اللغة:
(دينار) : الدينار: ضرب من قديم النقود الذهبية، والجمع دنانير وأصله دنّار بنونين، فاستثقل توالي مثلين فأبدلوا أولهما حرف علة تخفيفا لكثرة دورانه في الاستعمال، ويدل على ذلك رده إلى النونين عند جمعه جمعا مكسرا أو عند تصغيره، فقالوا: دنانير ودنينير.
(الْأُمِّيِّينَ) جمع أمي والمراد به هنا: من ليس من أهل الكتاب. ومعلوم أن اليهود استباحوا دماء العرب وأموالهم وأعراضهم.
الإعراب:
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في بيان خيانتهم في الأموال بعد بيان خيانتهم في الدين، والواو استئنافية ومن أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) من اسم موصول مبتدأ مؤخر ولك أن تعربها نكرة موصوفة أيضا أي: ناس وهي مبتدأ مؤخر وإن شرطية وتأمنه فعل الشرط مجزوم والهاء مفعول به والفاعل أنت وبقنطار جار ومجرور متعلقان بتأمنه ويؤده جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والهاء مفعول به وإليك جار ومجرور متعلقان بيؤده وجملة الشرط وجوابه إما صلة للموصول إذا كانت من موصولة. وإما صفة لها في محل رفع إذا كانت من نكرة موصوفة (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) عطف على الجملة السابقة وتقدم إعرابها بحروفها (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً) إلا أداة حصر وما دمت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وقائما خبرها وعليه جار ومجرور متعلقان ب «قائما» والاستثناء مفرغ من الظرف العام فهو ظرف (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا) جملة مستأنفة مسوقة لبيان استحلالهم أموال العرب واسم الإشارة في محل رفع مبتدأ والباء حرف جر وأن وما بعدها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة قالوا خبر إن (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) الجملة في محل نصب مقول قولهم وليس فعل ماض ناقص وعلينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس المقدم وفي الأميين جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وسبيل اسم ليس المؤخر (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) الواو استئنافية ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيقولون والكذب مفعول به على التضمين فمعنى يقولون يفترون والأحسن أن يعرب صفة لمصدر محذوف وذلك المصدر مفعول مطلق أي القول المكذوب (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الواو حالية وهم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وجملة يعلمون خبر.
الفوائد:
(ما دام) من أخوات كان وشرط إعمالها أن تتقدمها «ما» الظرفية والمصدرية، فإذا قلت: لا أكلمك ما دام زيد قاعدا، فالمراد زمن دوام قعوده، و «ما» من قولك: ما دام، تقع لازمة ولا بد منها ولا يكون معها الفعل إلا ماضيا، وليس كذلك ما زال، فإنه يجوز أن يقع موقع «ما» غيرها من حروف النفي، ويكون الفعل مع النافي ماضيا ومضارعا، نحو: ما زال ولم يزل ولا يزال، وأصل مادة «دام» السكون والثبوت يقال: دام الماء أي سكن، ودوّمت الشمس إذا وقفت في كبد السماء.
3:76–77Page 59
بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧٦
But yes, whoever fulfills his commitment and fears Allāh - then indeed, Allāh loves those who fear Him.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٧
Indeed, those who exchange the covenant of Allāh and their [own] oaths for a small price will have no share in the Hereafter, and Allāh will not speak to them or look at them on the Day of Resurrection, nor will He purify them; and they will have a painful punishment.
الإعراب:
(بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى) كلام مستأنف مسوق ليكون إثباتا لما نفوه بقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، أي العرب. وبلى حرف جواب وتصديق مثل نعم وأكثر ما تقع بعد الاستفهام وتختص بالإيجاب وسيأتي المزيد عنها في موضعه من هذا الكتاب، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وأوفى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وبعهده جار ومجرور متعلقان بأوفى، واتقى عطف على أوفى (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) الفاء رابطة لجواب الشرط وإن واسمها، وجملة يحب خبرها والمتقين مفعول به وجملة فإن الله إلخ في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا) كلام مستأنف لا محل له من الإعراب مسوق لبيان كذب اليهود إذا حلفوا أو باعوا سلعة وحلفوا أنهم أعطوا فيها كذا وكذا، وإن واسمها، وجملة يشترون صلة وبعهد الله جار ومجرور متعلقان بيشترون والباء داخلة على المتروك وأيمانهم عطف على بعهد الله وثمنا مفعول به وقليلا صفة (أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) اسم الإشارة مبتدأ ولا نافية للجنس وخلاق اسمها المبني على الفتح ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها وفي الآخرة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وجملة لا خلاق لهم خبر أولئك وجملة الإشارة وما تلاها في محل رفع خبر إن (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) الواو عاطفة ولا نافية ويكلمهم فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به مقدم والله فاعل مؤخر والجملة عطف على جملة لا خلاق لهم (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) عطف أيضا (يَوْمَ الْقِيامَةِ) الظرف متعلق بينظر (وَلا يُزَكِّيهِمْ) عطف على «ولا ينظر إليهم» (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو عاطفة ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم صفة والجملة معطوفة أيضا.
البلاغة:
1- الاستعارة المكنية في الاشتراء، أي أنهم يستبدلون بما عاهدوا عليه وبما حلفوا به من الأيمان متاع الدنيا، وأراد بذلك تحريفهم للتوراة وتبديل ما ورد فيها.
2- الكناية في قوله «ولا يكلمهم ولا ينظر إليهم» عن السخط وشدة الغضب، ومعنى «ولا يكلمهم الله» أي بما يسرهم «ولا ينظر إليهم» ولا يعطف عليهم بخير مقتا من الله لهم، كقول القائل: أنظر إلي نظر الله إليك، بمعنى تعطّفه عليّ تعطّف الله عليك بخير ورحمة، وكما يقال للرجل:
لا استجاب الله لك. والله لا تخفى عليه خافية على حد قول شمير بن الحارث الضّبيّ:
دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول
3:78Page 60
وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨
And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.
اللغة:
(يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) يفتلونها ويديرونها عن الصحيح إلى المزيف، يقال: لويت عنقه: أي فتلته، والمصدر: اللّيّ واللّيّان، وأصل اللّي الفتل والقلب، من قول القائل: لوى فلان يد فلان، ومنه قول فرعان بن الأعرف السعدي في ابنه منازل:
تخون مالي ظالما ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه
وهذا البيت من أبيات جميلة، وقبله:
جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنزل الدّين طالبه
وما كنت أخشى أن يكون منازل ... عدّوي وأدنى شانىء أنا راهبه
حملت على ظهري وفديت صاحبي ... صغيرا إلى أن أمكن الطّر شاربه
وأطعمته حتى إذا صار شيظما ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تخون مالي ظالما ... البيت.
الإعراب:
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق لوصف فريق منهم ككعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف وحيّي بن أخطب وأبي ياسر وشعبة بن عمرو الشاعر كانوا يلوون ألسنتهم ويتشدقون بها محرفين ما فيها من نعت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيره، والواو استئنافية وإن حرف مشبه بالفعل ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم واللام المزحلقة وفريقا اسم إن المؤخر وجملة يلوون صفة ل «فريقا» وجمع الضمير اعتبارا بالمعنى لأنه اسم جمع كالرهط والقوم، والواو فاعل وألسنتهم مفعول به وبالكتاب:
جار ومجرور متعلقان بيلوون (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ) اللام لام التعليل وتحسبوه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وحذفت النون لأنه من الأفعال الخمسة والهاء مفعول تحسبوه الأول ومن الكتاب جار ومجرور في موضع المفعول الثاني وأن المضمرة وما بعدها في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بيلوون (وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ) الواو حالية وما نافية حجازية تعمل عمل ليس وهو ضمير منفصل في محل رفع اسمها ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (وَيَقُولُونَ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الواو حرف عطف ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وهو معطوف على يلوون وهو مبتدأ ومن عند الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول (وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تقدم إعرابها بحروفها. (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) عطف على ما سبق ويقولون فعل مضارع والواو فاعل وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيقولون الكذب مفعول به أو مفعول مطلق وقد تقدم إعرابه قريبا، (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الواو حالية وهم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وجملة يعلمون خبرها.
البلاغة:
التشبيه في قوله: «لتحسبوه» أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب.
3:79–80Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
اللغة:
(البشر) الإنسان ذكرا وأنثى، واحدا وجمعا، ولا واحد له من لفظه، مثل القوم والخلق.
(رَبَّانِيِّينَ) الربانيون: جمع ربّاني، وفيه أقوال أشهرها وأصحها ما ذكره سيبويه قال: الربّاني منسوب إلى الرب، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، كرقباني ولحياني وشعراني للغليظ الرقبة والطويل اللحية والكثير الشعر ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أما إذا نسبوا إلى الرقبة واللحية والشعر من غير مبالغة قالوا: رقبي ولحوي وشعري. وهذه فائدة جليلة نرى اطّرادها في كل نسبة قصد منها المبالغة، فيصح أن يقال: علماني نسبة للعلم.
الإعراب:
(ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) كلام مستأنف مسوق لبيان افتراء اليهود على الأنبياء إثر افترائهم على الله، وما نافية وكان فعل ماض ناقص، لبشر جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأن حرف مصدري ونصب ويؤتيه فعل مضارع منصوب بإن والهاء مفعول به أول وأن وما في حيزها في تأويل مصدر اسم كان المؤخر والله فاعل يؤتيه والكتاب مفعول به ثان والحكم والنبوة معطوفان (ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ) ثم حرف عطف للتراخي وجملة يقول معطوف على يؤتيه وللناس جار ومجرور متعلقان بيقول (كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ) الجملة في محل نصب مقول القول وكان واسمها، وعبادا خبرها ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «عبادا» ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) الواو عاطفة ولكن مخففة من الثقيلة مهملة وكونوا فعل أمر ناقص مبني على حذف النون والواو اسمها وربانيين خبرها وجملة كونوا ربانيين في محل مقول قول محذوف أي ولكن يقول كونوا..
(بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ) الباء حرف جر وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بربانيين لما فيه من رائحة الفعل وكان واسمها، وجملة تعلمون الكتاب خبر كنتم والكتاب مفعول به. (وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) عطف على «بما كنتم» وجملة تدرسون خبر كنتم (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً) الواو عاطفة ولا مزيدة لتأكيد النفي في قوله «ما كان لبشر أن يؤتيه» ، ويأمركم فعل مضارع معطوف على يؤتيه، أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه أو باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وتوسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه للمسارعة إلى تحقيق الحق. وقرىء برفع يأمركم على الاستئناف وابتداء الكلام.
وسيأتي مزيد من تفصيل إعرابه في باب الفوائد. أن تتخذوا الواو حرف عطف وتتخذوا فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والمصدر المؤول منصوب بنزع الحافض والجار والمجرور متعلقان بيأمر والملائكة مفعول به أول والنبيين معطوف على الملائكة منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم وأربابا مفعول به ثان (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) كلام مستأنف لخطاب المؤمنين عن طريق التعجب من حال غيرهم والهمزة للاستفهام الإنكاري ويأمركم فعل مضارع مرفوع وفاعله هو والكاف مفعول به وبالكفر جار ومجرور متعلقان بيأمركم وبعد ظرف زمان متعلق بيأمركم أيضا وإذ ظرف زمان مضاف ل «بعد» وقد مر أنه لا يضاف إليها إلا الزمان نحو حينئذ ويومئذ، وأنتم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ومسلمون خبره والجملة الاسمية في محل جر بإضافة الظرف إليها.
الفوائد:
1- نفي الكون في قوله تعالى «ما كان لبشر» يراد به نفي خبره نحو: ما كان لك أن تفعل هذا، والمراد نفي الفعل لا نفي الكون، ويطرد هذا في نوعين:
آ- نوع يكون النفي من جهة العقل كالآية الآنفة الذكر لأن الله لا يعطي الكتاب لمن يقول مثل هذه المقالة الشنعاء.
ب- نوع يكون فيه النفي على سبيل الانبغاء والإمكان كقول أبي بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم فيصلي بين يدي رسول الله أي: ما ينبغي له ذلك ولا بإمكانه، والمدار في التمييز بينهما على الذوق والإلمام بسياق الكلام وفحواه.
2- إذا عطفت قوله: «ولا يأمركم» على «يؤتيه» فتكون «لا» زائدة مؤكدة لمعنى النفي السابق. وإذا عطفته على «يقول» فيجوز فيه وجهان:
آ- الزيادة: فالمعنى، ما كان لبشر أن ينصبه الله للدعاء إلى عبادته وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا.
ب- أن تكون غير زائدة، ووجهه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة، وأهل الكتاب عن عبادة عيسى فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والنبيين، وقيل هو معطوف على قوله «ثم يقول» ويكون التقدير: ولا له أن يقول، وقرىء بالرفع على الاستئناف وابتداء الكلام.
3:81Page 60
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١
And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."
اللغة:
الإصر: المراد به هنا العهد وسمي العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي: يعقد ويشد. والإصر كل ما يشد به.
الإعراب:
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) كلام مستأنف مسوق لبحث العهد الذي أخذه الله تعالى على النبيين وأممهم والواو استئنافية وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق باذكر محذوفا وقد مر نظيره وجملة أخذ في محل جر بالإضافة والله فاعل وميثاق مفعول به والنبيين مضاف إليه (لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ) اللام المفتوحة موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق فيه معنى الاستحلاف وقيل: هي للابتداء التي يتلقى بها القسم وما اسم موصول مبتدأ وجملة آتيتكم لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول ومن كتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وحكمة عطف على كتاب (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وجاءكم فعل ماض والكاف مفعول به ورسول فاعل مؤخر مرفوع ومصدق صفة ولما اللام حرف جر وما اسم موصول في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بمصدق ومعكم ظرف مكان متعلق بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) الواو واقعة في جواب قسم مقدر وتؤمننّ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والأصل لتؤمنوننّ ولما التقى ساكنان حذفت الواو أيضا وهي فاعل وبقيت الضمة دليلا عليها، والنون المشددة هي نون التوكيد الثقيلة لا محل لها، وبه متعلق بتؤمننّ، ولتنصرنه عطف على لتؤمنن وهو مثله في الإعراب والواو المحذوفة فاعل والهاء مفعول به وجملة القسم المقدر وجوابه خبر ما (قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي) جملة مفسرة لا محل لها وقال فعل ماض وفاعله هو والهمزة للاستفهام التقريري والتوكيدي لأن الاستفهام بمعناه الحقيقي مستحيل في حقه وأقررتم فعل وفاعل والجملة في محل نصب مقول القول وأخذتم عطف على أقررتم وعلى ذلكم جار ومجرور متعلقان بأخذتم وإصري مفعول به والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة (قالُوا أَقْرَرْنا) الجملة مستأنفة لا محل لها وجملة أقررنا في محل نصب مقول القول (قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتسجيل الشهادة على إقرارهم وقال فعل ماض والفاعل هو، فاشهدوا الفاء هي الفصيحة واشهدوا فعل أمر والواو فاعل والجملة لا محل لها، وأنا الواو حالية أو استئنافية وأنا مبتدأ ومعكم ظرف متعلق بمحذوف حال ومن الشاهدين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة أنا معكم في محل نصب على الحال أو استئنافية لا محل لها.
الفوائد:
1- شغلت هذه الآية المعربين كثيرا وسنورد خلاصة لأهم ما قيل فيها سالكين سبيل الاختصار.
ما يقوله سيبويه:
قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: «وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم» فقال: «ما» بمعنى الذي، قال النحاس في شرحه لكتاب سيبويه: التقدير في قول الخليل: الذي آتيتكموه ثم حذفت الهاء لطول الاسم واللام لام الابتداء، وبهذا قال الأخفش، وتكون «ما» في محل رفع على الابتداء. وقوله: ثم جاءكم وما بعده جملة معطوفة على الصلة والعائد محذوف أي مصدق به.
ما يقوله المبرد والزّجاج والكسائي:
ما: شرطية دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن ولتؤمننّ جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف كما تقول: أخذت ميثاقك لتفعلنّ كذا، وهو سار مسد الجزاء. وقال الكسائي: إن الجزاء في قوله فمن تولى.
ابن هشام يرد على أبي البقاء:
وقال ابن هشام في الرد على أبي البقاء: «وأما أبو البقاء فإنه قال في «لما آتيتكم من كتاب وحكمة» الآية: من فتح اللام ففي «ما» وجهان أحدهما أنها موصولة مبتدأ والخبر إما من كتاب أي الذي آتيتكموه من الكتاب، أو لتؤمننّ به واللام جواب القسم لأن أخذ الميثاق قسم وجاءكم عطف على آتيتكم والأصل ثم جاءكم به فحذف عائد ما والأصل مصدق له، ثم ناب الظاهر عن المضمر، أو العائد ضمير استقر الذي تعلقت به «مع» والثاني أنها شرطية واللام موطئة وموضع ما نصب بآتيت والمفعول الثاني ضمير المخاطب و «من كتاب» مثل «من آية» في «ما ننسخ من آية» وفيه أمور:
آ- إن اجازته كون من كتاب خبرا فيه الإخبار عن الموصول قبل كمال الصلة لأن «ثم جاءكم» عطف على الصلة.
ب- إن تجويزه كون لتؤمننّ خبر مع تقديره إياه جوابا لأخذ الميثاق يقتضي أن له موضوعا وأنه لا موضع له من حيث جعله خبرا ومن حيث أنه جواب للقسم وهذا تناقض، وإنما كان حقه أن يقدره جوابا لقسم محذوف ويقدر الجملتين خبرا، وقد يقال: إنما أراد بقوله: اللام جواب القسم لأن أخذ الميثاق قسم، وأخذ الميثاق دال على جملة قسم مقدرة ومجموع الجملتين، وإنما سمى «لتؤمننّ» خبرا لأنه الدال على المقصود بالأصالة لأنه وحده هو الخبر بالحقيقة، وإنه لا قسم مقدر بل «بل أخذ الله ميثاق النبيين» هو جملة القسم، وقد يقال: لو أراد هذا لم يحصر الدليل فيما ذكر للاتفاق على وجود المضارع مفتتحا بلام مفتوحة مختتما بنون مؤكدة وهو دليل قاطع على القسم وإن لم يذكر معه أخذ الميثاق أو نحوه.
ج- إن تجويزه كون العائد ضمير استقر يقتضي عود ضمير مفرد إلى شيئين معا فإنه عائد إلى الموصول.
د- إنه جوّز حذف العائد المجرور مع أن الموصول غير مجرور، فإن قيل: اكتفى بكلمة به الثانية فيكون كقوله:
لو أنّ ما عالجت لين فؤادها ... فقسا استلين به للان الجندل
قلنا قد جوز على هذا الوجه عود «به» المذكورة إلى «الرسول» لا إلى «ما» .
هـ- إنه سمى ضمير آتيتكم مفعولا ثانيا وإنما هو مفعول أول.
2- اللام الموطئة للقسم: هي الداخلة على شرط وسميت موطئة لأنها توطئ ما يصلح أن يكون جوابا للشرط وللقسم فيصير جواب الشرط محذوفا إذ ذاك لدلالة جواب القسم عليه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences