Darwish · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
30:1–7Page 404
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢
The Byzantines have been defeated1
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
اللغة:
(الرُّومُ) : سيأتي ما يقوله التاريخ عنهم في باب الفوائد.
(بِضْعِ سِنِينَ) : تقدم معنى البضع في سورة يوسف واختلاف العلماء في عدده، واختار الأصمعي أنه من الثلاث إلى العشر.
الإعراب:
(الم غُلِبَتِ الرُّومُ) ألم تقدم القول في إعرابها، وغلبت فعل ماض مبني للمجهول والروم نائب فاعل. (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) في أدنى متعلقان بغلبت والواو عاطفة وهم مبتدأ ومن بعد غلبهم الجار والمجرور متعلقان بقوله سيغلبون وغلبهم مصدر الفعل المبني للمجهول وقد أضيف إلى مفعوله وجملة سيغلبون خبر المبتدأ. (فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) في بضع سنين متعلقان بقوله سيغلبون أيضا وسيأتي سر إبهام عدد السنين في باب البلاغة ولله خبر مقدم والأمر مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة كأنه جواب لسؤال مقدر وهو أي فائدة في ذكر قوله من بعد غلبهم لأن قوله سيغلبون لا يكون إلا بعد الغلبة؟ فأجيب بأن فائدته اظهار تمام القدرة وبيان أن ذلك بأمر الله تعالى وحده ومن قبل متعلقان بمحذوف حال ومن حرف جر وقبل وبعد ظرفان بنيا على الضم لقطعهما عن الاضافة لقظا لا معنى ثم جرّا بمن وبقيا على ضمهما أي من قبل غلب الروم ومن بعده (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الواو عاطفة ويومئذ ظرف أضيف إلى مثله وهو متعلق بيفرح والتنوين عوض عن جملة كما تقدم أي يوم تغلب الروم وبنصر الله متعلقان بيفرح أيضا وجملة ينصر من يشاء مستأنفة لاظهار صدق المؤمنين ومن اسم موصول مفعول لينصر وجملة يشاء صلة وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والرحيم خبر ثان.
(وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) وعد الله مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت وهي قوله سيغلبون ويفرح المؤمنون وجملة لا يخلف الله وعده إما مفسرة مقررة لمعنى المصدر فلا محل لها وإما حالية من المصدر والواو حالية ولكن واسمها وجملة لا يعملون خبرها. (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) جملة يعلمون قيل هي مستأنفة وهو قول سليم لا اعتراض عليه وقال الزمخشري: «بدل من قوله يعلمون وفي هذا الابدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود الجهل الذي لا يتجاوز الدنيا، وقوله ظاهرا من الحياة الدنيا يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة» وقول الزمخشري أقعد بالفصاحة وأملى بالبلاغة ولكن ابدال المثبت من المنفي لا يصح كما تنص عليه قواعد النحو. وهم مبتدأ وعن الآخرة متعلقان بغافلون وهم تأكيد لهم الأولى وغافلون خبرهم الأولى ويجوز أن تكون هم الثانية مبتدأ ثانيا خبره غافلون والجملة خبر هم الأولى.
البلاغة:
1- الإبهام:
في قوله «في بضع سنين» إبهام وفائدة التفخيم وإدخال الرهبة في قلوب المشركين في كل وقت والاشعار بأن زهوهم بأنفسهم واعتدادهم بقوتهم ليس إلا حين يطول أو يقصر ولكنه آيل إلى الانتهاء ومفض إلى العاقبة الحتمية وهي الارتداد والانتكاس، وقد تقدم ذكر الإبهام كثيرا.
2- التنكير:
وذلك في قوله «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا» وفائدته تقليل معلومهم، وتقليله يقربه من النفي حتى يطابق المبدل منه وهو قوله «لا يعلمون» وهذا ما يرجح البالية ولله در الزمخشري ما أبعد غوره، وأصقل ذهنه، وعن الحسن انه قال في تلاوته هذه الآية: بلغ من صدق أحدهم في ظاهر الحياة الدنيا أنه ينقر الدينار بإصبعه فيعلم أجيد هو أم رديء وفي هذا تعليل للعلم الذي بلغ أبعد آماده فغاص في الدأماء، وحلق في أجواز الفضاء، وفطن إلى أبعد السرائر، ومكنون الضمائر، ولكنه حين يعرض لما استسر من أسرار الكون كالمبدأ والمعاد والمنتهى وقف ضئيلا لا يبدىء ولا يعيد.
3- التعطف:
في قوله: «وهم عن الآخرة هم غافلون» فن التعطف وهو إعادة اللفظة بعينها في الجملة من الكلام أو البيت من الشعر فقد ردد «هم» للمبالغة في تأكيد غفلتهم عن الآخرة.
الفوائد:
ما يقوله التاريخ:
(الرُّومُ) اسم أطلقه العرب على البيزنطبيين ويطلق اليوم على المسيحيين الشرقيين الملكيين من كاثوليك وأرثوذكس، والامبراطورية الرومانية الشرقية عرفت بالبيزنطية نسبة إلى بيزنطية اسم القسطنطينية القديم سمى العرب سكانها الروم، وأول أباطرة البيزنطين قسم أبوه ثيودوسيوس الامبراطورية إلى غربية وعاصمتها روما والى شرقية وعاصمتها القسطنطينية. وسبب نزول الآية أنه كان بين فارس والروم قتال، فاحتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم فبلغ الخبر مكة فشق على النبي والمسلمين لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل الكتاب وفرح المشركون وشمتوا وقالوا للمسلمين انكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وفارس أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم ولنظهرن عليكم فنزلت فقال لهم أبو بكر: لا يقرر الله أعينكم فو الله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين فقال له أبيّ بن خلف: كذبت، فقال له الصديق: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلا أنا حبك عليه، والمناحبة بالحاء المهملة المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادّه في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفله له ابنه عبد الله بن أبي بكر فلما أراد أبيّ أن يخرج إلى أحد أتاه عبد الله فلزمه وقال:
لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أحد ثم رجع إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي حين بارزه وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ وجاء به إلى رسول الله فقال له تصدق به
30:8–10Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق ولم حرف نفي وقلب وجزم ويتفكروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وفي أنفسهم متعلقان بيتفكروا وما نافية وخلق الله السموات فعل وفاعل ومفعول به والجملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها وقيل هي في محل نصب معلقة للتفكر فتكون في محل نصب على إسقاط الخافض وإلا أداة حصر وبالحق حال أي مصحوبة بالحق قال الزمخشري: «والباء في قوله إلا بالحق مثلها في قولك دخلت عليه بثياب السفر واشترى الفرس بسرجه ولجامه تريد اشتراه وهو ملتبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما وكذلك المعنى ما خلقها إلا وهي ملتبسة بالحق مقترنة به» وأجل عطف على الحق ومسمى نعت لأجل. (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ) الواو حالية وإن واسمها ومن الناس صفة لكثيرا وبلقاء ربهم متعلقان بكافرون واللام المزحلقة وكافرون خبر إن. (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والواو عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي أقعدوا في أماكنهم ولم يسيروا، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويسيروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بيسيروا فينظروا الفاء عاطفة على يسيروا ولك أن تجعل الفاء سببية ويسيروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لكان وعاقبة اسمها والذين مضاف اليه ومن قبلهم صلة الذين.
(كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) جملة كانوا إما تفسيرية لا محل لها ولك أن تجعلها تابعة على البدلية، وكان واسمها وأشد خبرها ومنهم متعلقان بأشد وقوة تمييز وأثاروا الأرض عطف على كانوا وعمروها عطف أيضا وهو فعل وفاعل ومفعول به وأكثر نعت لمصدر محذوف أي عمارة أكثر من عمارتهم ومما متعلقان بأكثر وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بمن (وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وجاءتهم رسلهم فعل ومفعول بهم وفاعل وبالبينات متعلقان بجاءتهم والفاء عاطفة وما نافية وكان واسمها واللام لام الجحود ويظلمهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف وقد تقدم تقريره ولكن الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها وأنفسهم مفعول مقدم ليظلمون وجملة يظلمون خبر كانوا. (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى) ثم الفاء عاطفة للتراخي والشروع في بيان هلاكهم في الآخرة بعد هلاكهم في الدنيا وكان فعل ماض ناقص وعاقبة خبر كان المقدم والذين مضاف اليه وجملة أساءوا صلة والسوءى نعت لمصدر أساءوا.
(أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ) أن وما في حيزها اسم كان المؤخر ولك أن تجعل السوءى هي الاسم وأن وما في حيزها نصب بإسقاط الخافض أو هي بدل من السوءى وفيما يلي نص اعراب أبي البقاء وهو أوضح الأعاريب: «قوله تعالى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى يقرأ بالرفع والنصب فمن رفع جعله اسم كان وفي الخبر وجهان أحدهما السوءى وأن كذبوا في موضع نصب مفعولا له أي لأن كذبوا أو بأن كذبوا أو في موضع جر بتقدير الجار على قول الخليل والثاني أن كذبوا أي كان آخر أمرهم التكذيب والسوءى على هذا صفة مصدر، ومن نصب جعلها خبر كان وفي الاسم وجهان أحدهما السوءى والآخر أن كذبوا على ما تقدم ويجوز أن نجعل أن كذبوا بدلا من السوءى أو خبر مبتدأ محذوف والسوءى فعلى من الأسوأ وهي صفة لمصدر محذوف والتقدير أساء الإساءة السوءى.
وان جعلتها اسما أو خبرا كان التقدير الفعلة السوءى أو العقوبة السوءى.
وكانوا كان واسمها وبها متعلقان بيستهزئون وجملة يستهزئون خبر كانوا.
30:11–16Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
اللغة:
(يُبْلِسُ) : أبلس فلان فهو مبلس إذا سكت عن يأس ويقال:
أبلس الرجل انقطعت حجته فسكت فهو لازم لا يتعدى، وفي الكشاف:
«الإبلاس أن يبقى ساكنا يائسا متحيرا يقال ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتج ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو» وفي القاموس:
«وأبلس يئس وتحير ومنه إبليس أو هو أعجمي» فقول صاحب المنجد انه يقال «أبلسه» غلط فظيع وقد علل علساء التصريف قراءة يبلس بالبناء للمفعول بأن القائم مقام الفاعل مصدر الفعل ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه إذ الأصل يبلس إبلاس المجرمين.
(رَوْضَةٍ) : الروضة: كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة وفي أمثالهم: أحسن من بيضة في روضة، يريدون بيضة النعامة. وفي الأساس واللسان: «بأرضه روضة وروضات ورياض وروّض الغيث الأرض وأراض المكان واستراض أي كثرت رياضه ومن المجاز:
أنا عندك في روضة وغدير، ومجلسك روضة من رياض الجنة» .
(يُحْبَرُونَ) : يسرون يقال حبره إذا سره سرورا تهلّل له وجهه فيه أثره، وفي الأساس: «وحبره الله سره «فهم في روضة يحبرون» وهو محبور: مسرور» قال ابن الرومي يصف العنب:
ثم جلسنا مجلس المحبور ... على حفافي جدول مسجور
وفي الكشاف: «ثم اختلفت فيه الأقاويل لاحتماله وجوه جميع المسار، فعن مجاهد رضي الله عنه: يكرمون، وعن قتادة: ينعمون، وعن ابن كيسان: يحلون، وعن أبي بكر بن عياش: التيجان على رؤوسهم، وعن وكيع: السماع في الجنة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم وفي آخر القوم أعرابي فقال:
يا رسول الله هل في الجنة سماع؟ قال: نعم يا أعرابي إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة، قال الراوي: فسألت أبا الدرداء بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح. وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعتها أهل الدنيا لماتوا طربا» هذا ويأتي فصل ممتع عن السماع وأثره في باب الفوائد.
الإعراب:
(اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) لفظ الجلالة مبتدأ وجملة يبدأ الخلق خبره، ثم يعيده عطف على يبدأ. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) الظرف متعلق بيبلس وجملة تقوم في محل جر بإضافة الظرف إليها والساعة فاعل تقوم ويبلس المجرمون فعل وفاعل. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم ولهم خبر يكن المقدم ومن شركائهم حال لأنه كان صفة لشفعاء في الأصل وتقدم عليه وشفعاء اسم يكن وكانوا كان واسمها وبشركائهم متعلقان بكافرين وكافرين خبر كانوا. (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) الظرف متعلق بيتفرقون وقد تقدم اعراب نظيرها ويومئذ تأكيد لفظي للظرف. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) الفاء تفريعية وأما حرف شرط وتفصيل والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات عطف على الصلة والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وهم مبتدأ وفي روضة متعلقان بيحبرون وجملة يحبرون خبر هم والجملة خبر الذين.
(وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ) عطف على الجملة السابقة ونظيرها في الاعراب ومعنى محضرون أي لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم.
الفوائد:
الغناء في الجنة وغناء الحور العين:
روي عن علي رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات يسمعها الخلائق حتى ما يرون أن في الجنة لذة مثلها، قلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟ قال: إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل» .
لمحة عن تاريخ الغناء:
لم يكن الغناء في غابر العصور على ما نعهده اليوم من ضبط القواعد والروابط بل كان ساذجا، وأول من جعل له قواعد وضوابط- على ما قيل- بطليموس وهو فيلسوف رياضي اشتغل بالرياضيات والموسيقى وإليه ينسب أول سلم موسيقي، وكان أول من غنى في العرب من النساء قينتان لعاد يقال لهما الجرادتان ومن غنائهما:
ألا يا قين ويحك قم وهينم ... لعل الله يصبحنا غماما
وأول من غنى من الرجال في اليمن ذو جدن وهو قيل من أقيال حمير وهكذا كان غناء العرب في جاهليتهم ساذجا كتغني الحداة في حداء إبلهم والفتيان بالقمر والنجم والفلاة والخيل. وقد ورد ذكر الغناء في شعرهم، قال طرفة بن العبد:
إذا نحن قلنا: اسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروفة لم تردّد
أي لم تتكلف، وقوله مطروفة هي التي أصيب طرفها بشيء أي كأنها أصيب طرفها لفتور نظرها ويروى مطلوقة ومطروقة.
قال ابن رشيق القيرواني في كتاب العمدة: «غناء العرب قديما على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب فغناء الركبان والفتيان قال اسحق بن ابراهيم وهو الذي يقال له المرائي وهو الغناء الجنابي اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل فنسب إليه ومنه كان أصل الحداء وكله يخرج من أصل الطويل في العروض، وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات وهو على ست طرائق: الثقيل الأول وخفيفه والثقيل الثاني وخفيفه والرمل وخفيفه، وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشى بالدف والمزمار فيطرب ويستخف الحليم.
قال اسحق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم فغنوا الغناء المجزّا المؤلف بالفارسية والرومية وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير.
وقال الجاحظ: العرب تقطّع الألحان الموزونة على الاشعار الموزونة والعجم تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون.
ولم يزالوا على طريقتهم هذه حتى جاء الإسلام فكانوا إذ ذاك لا يطربون إلا بالقراءة والشعر الحماسي لتمكن الدين منهم ولأنهم في دور تأسيس وفتوح، فلما استتب لهم الأمر غلب عليهم الرفه والترف فمالوا إلى الدعة، ورقت طبائعهم ولانت جوانبهم وتفرق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي لهم وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم.
تأثير الغناء:
قال الغزالي في الإحياء: «لله سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى انها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس، ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج، وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده فانه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه، والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه فترى الجمال إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمدّ أعناقها، وتصغي إلى الحادي ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها» ثم ذكر الغزالي دليلا على ما قاله قصة العبد الذي أهلك الجمال بطيب صوته إذ جعلها تقطع مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة وبعد ذلك قال: «فإن تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز مطلقا أن يحكم فيه بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والاشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب» .
ومن غريب ما ينقل في تأثير الغناء: خرج مخارق المغني مع بعض أصحابه إلى بعض المتنزّهات فنظر إلى فوس مذهبة مع أحد من خرج معه فسأله إياها فكأن المسئول ضنّ بها وسنحت ظباء بالقرب منه فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتا فعطفت عليك خدود هذه الظباء أتدفع إليّ هذه القوس؟ قال نعم، فاندفع يغني:
ماذا تقول الظباء ... أفرقة أم لقاء؟
أم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء
مرت بنا سانحات ... وقد دنا الإمساء
فما أحارت جوابا ... وطال فيها الغناء
فعطفت الظباء راجعة إليه حتى وفقت بالقرب منه مستشرفة تنظر اليه مصغية إلى صوته فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها وناوله الرجل القوس فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعة على سننها.
قصة المليحة صاحبة الخمار الأسود:
وقصة المليحة صاحبة الخمار الأسود مشهورة وهي من خير ما يتمثّل به ويرويها الاصمعي فيقول: «قدم أعرابي بعدل من خمر العراق فباعها كلها إلا السّود فشكا ذلك إلى الدارمي (وهو مسكين الدارمي الشاعر) وكان قد تنسّك وترك الشعر ولزم المسجد فقال:
ما تجعل لي؟ على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها على حكمك.
قال ما شئت. قال: فعمد الدارمي إلى ثياب نسكه فألقاها عنه وعاد إلى مثل شأنه الاول وقال شعرا ورفعه إلى صديق له من المغنين فغنّى به وكان الشعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بناسك متعبّد
قد كان شمر للصلاة ثيابه ... حتى خطرت له بباب المسجد
ردّي عليه صلاته وصيامه ... لا تقتليه بحق دين محمد
فشاع هذا الغناء في المدينة وقالوا: قد رجع الدارمي وتعشّق صاحبة الخمار الأسود فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خمارا أسود وباع التاجر جميع ما كان معه فجعل اخوان الدارمي من النساك يمرون فيقون: ما صنعت فيقول ستعلمون بعد حين فلما أنفد العراقي جميع ما كان معه رجع الدارمي إلى نسكه ولبس ثيابه.
هذا ولو أردنا استقصاء ما ورد في هذا الباب من التأثير العجيب لطال بنا البحث ولكنا اكتفينا بما أوردناه لئلا نخرج عن الموضوع.
30:17–22Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
الإعراب:
(فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفاء الفصيحة كأنها أبانت وأفصحت عما تقدم من عظمته في الخلق وابتداء وقيام الساعة انتهاء فإذا تبين لك ذلك فسبح الله واحمده على كل حال لأن التسبيح والتقديس هما الذريعتان إلى النجاة، وقيل أشار إلى الصلوات الخمس في هذه الآية لما روي عن ابن عباس عند ما سئل: «هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم وتلا هذه الآية» ففي تمسون صلاتا المغرب والعشاء وفي تصبحون صلاة الفجر وفي العشي صلاة العصر وفي تظهرون صلاة الظهر أي تدخلون في الظهيرة. وسبحان الله مفعول مطلق لفعل محذوف وحين تمسون ظرف متعلق بسبحان وجملة تمسون في محل جر بإضافة الظرف إليها وتمسون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل لأنها تامة ومعناها تدخلون في المساء وسيأتي بحث التمام في باب الفوائد وحين تصبحون عطف على حين تمسون. (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الواو اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه نكتة أوردها الرازي وستأتي في باب الفوائد، وله خبر مقدم والحمد مبتدأ مؤخر وفي السموات حال والأرض عطف على السموات والجملة معترضة وعشيا عطف على حين تمسون وكذلك قوله وحين تظهرون. (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) الجملة مستأنفة أو حالية ويخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله والحي مفعول به ومن الميت متعلقان بيخرج أي كالانسان من النطفة والطائر من البيضة ويخرج الميت من الحي عطف على ما سبق أي كالنطفة من الإنسان والبيضة من الطائر.
(وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) الواو عاطفة ويحيي الأرض فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وبعد موتها الظرف متعلق بيحيي وإحياؤها إخراج النبات منها وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الإخراج تخرجون، وتخرجون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وقرئ بالبناء للمعلوم فالواو فاعل.
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) الواو عاطفة ومن آياته خبر مقدم وأن وما في حيزها مبتدأ مؤخر ومن تراب جار ومجرور متعلقان بخلقكم وثم حرف عطف للتراخي وإذا فجائية وأنتم مبتدأ وبشر خبر وجملة تنتشرون حال وسيأتي وقوع إذا الفجائية بعد ثم في باب الفوائد. (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها)
الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها وقد ذكر سبحانه ست آيات من آياته، وأزواجا مفعول خلق واللام للتعليل وتسكنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وإليها متعلقان بتسكنوا. (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وجعل عطف على خلق وبينكم ظرف في موضع المفعول الثاني لجعل ومودة هو المفعول الأول ورحمة عطف على مودة وان حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولقوم صفة لآيات وجملة يتفكرون صفة لقوم.
(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ) عطف أيضا على ما تقدم وستأتي حكمة الاختلاف بين الألسنة والألوان في باب الفوائد.
الفوائد:
1- معنى التمام في أفعال النقصان عند سيبويه والجمهور هو دلالتها على الحدث والزمان، ومعنى النقصان عندهم هو سلب الدلالة على الحدث والتجرد للدلالة على الزمان، وذهب ابن مالك وابن هشام إلى أن معنى التمام هو الاستغناء بالمرفوع عن المنصوب قال ابن مالك في الخلاصة: «وذو تمام ما برفع يكتفي» ومعنى النقصان هو عدم الاستغناء بالمرفوع عن المنصوب، وقد أورد ابن مالك عشرة أمور ليبطل بها مذهب الجمهور وهي مذكورة في شرحه على التسهيل فليرجع إليها هناك من يجب الاستقصاء، إذا عرفت هذا فاعلم أن ل «أصبح وأمسى وأضحى» ثلاثة معان: 1- أن تقرن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة كان.
2- أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات كأظهر وأعتم وهي في هذا الوجه تكون تامة يسكت على مرفوعها قال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كلّ النوى تلقي المساكين
وقبله:
باتوا وجلتنا الصهباء بينهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين
والجلة فقة التمر تتخذ من سعف النخل وليفه ولذلك وصفها بالصهبة يقول: لما أصبحوا ظهر على معرسهم وهو موضع نزولهم نوى التمر وعلاه لكثرته على انهم لحاجتهم لم يلقوا إلا بعضه.
3- أن تكون بمعنى صار كقولك: أصبح زيد غنيا وأمسى فقيرا تريد أنه صار كذلك مع قطع النظر عن وقت مخصوص، قال عدي بن زيد:
ثم أضحوا كأنهم ورق جفّ ... فألوت به الصبا والدّبور
2- الاعتراض:
تقدم القول في الجمل المعترضة والواو الاعتراضية وقوله «وله الحمد في السموات والأرض» الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لنكتة أوردها الرازي وهي أن تسبيحهم لنفعهم لا له فعليهم أن يحمدوه إذا سبحوه لأجل نعمة هدايتهم إلى التوفيق.
3- الفاء قبل إذا الفجائية:
تقدم القول في إذا الفجائية ونقول هنا إن الغالب فيها أن تقع بعد الفاء لأنها تقتضي التعقيب ووجه وقوعها مع ثم بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة أي بعد تلك الأطوار التي قصها علينا في مواضع أخر من كوننا نطفة ثم مضغة ثم عظما مجردا ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية بالانتشار أي انهم انما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة.
4- الحكمة في اختلاف الألوان والألسنة:
خالف سبحانه بين الألوان والألسنة حتى ما تكاد تسمع منطقين متفقين في جرس واحد ولا جهارة واحدة وحتى ما تكاد ترى صورتين متشابهتين تمام التشابه في الألوان والسمات والقسمات لحصول التعارف وإلا فلو كانت على مسلاخ واحد وبلون واحد وتقاسيم وتقاطيع واحدة لحصل الخلل والالتباس ولا نعدم التمييز بينها جميعا حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك محالة مهما يتقاربا في وجوه الشبه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences