DarwishLuqman · 31:16–24

Darwish · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:16–24

31:16–19Page 412

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦

[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨

And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.

وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩

And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."

اللغة:

(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حب صغير جدا أسود مقرّح الواحدة خردلة ويقال خردل الطعام أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه وافرة صغارا، ولحم خراديل: مقطع ومفرد ويضرب بها المثل في الضآلة وقد تقدم هذا في الأنبياء.

(وَلا تُصَعِّرْ) : لا تحل وجهك تكبرا، قال أبو عبيدة: وأصل الصعر داء يصيب البصير ويلتوي عنقه، ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تدوم أشار إلى المقصود به بقوله للناس بلام العلة أي لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم. وفي المصباح: الصعر بفتحتين ميل في العنق وانقلاب في الوجه إلى أحد الشدقين وربما كان الإنسان أصعر خلقة أو صعره غيره بشيء يصيبه وهو مصدر من باب تعب وصعر خدّه بالتثقيل وصاعره أماله عن الناس إعراضا وتكبرا» وفي الأساس: «في عنقه وخده صعر: ميل من الكبر، يقال:

لأقيمنّ صعرك، ويقول: في عينه صور، وفي خده صعر، وهو أصعر، وصعّر خده وصاعره ولا تصاعر خدك وفلان متصاعر وقد تصاعر، قال حسان:

ألسنا نذود المعلمين لدى الوغى ... ذيادا يسلّي نخوة المتصاعر

والنعام صعر خلقة والإبل تصاعر في البرى وفي الحديث:

«يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر» .

وللصاد مع العين فاء وعينا للكلمة خاصة الصلف والاستعلاء يقال أمر صعب وخطة صعبة وعقبة صعبة وهي من العقاب الصعاب ووقع في خطط صعاب ولا يخفى ما في ذلك من الصلف والاستعلاء وأصعب الجمل لم يركب ولم يمسسه حبل فهو مصعب ومن مجاز هذه المادة: فلان مصعب من المصاعب كما تقول قرم من القروم ويقال صعد السطح وصعد إلى السطح وصعد في السلم وفي السماء وتصعد وتصاعد وصعّد في الجبل وطال في الأرض تصويبي وتصعيدي وأصعد في الأرض ذهب مستقبل أرض أرفع من الأخرى وأصعدت السفينة مدّ شراعها فذهبت بها الريح وعليك بالصعيد أي اجلس على الأرض وصعيد الأرض وجهها وتنفّس الصعداء إذا علا نفسه وذهب السهم صعدا وكأن قامته صعدة وهي القناة النابتة مستقيمة، قال الأحنف:

إن على كل رئيس حقّا ... أن يخضب الصّعدة أو تندقّا

ومن المجاز: له شرف صاعد وجد مساعد، ورتبته بعيدة المصعد والمصاعد، وعنق صاعد: طويل، وجارية صعدة: مستقيمة القامة، وجوار صعدات بالسكون، وأخذ مائة فصاعدا بمعنى فزائدا، وأرهقته صعودا: حملته مشقّة.

والصعافقة هم الذين يحضرون السوق بغير رأس مال فإذا اشترى أحد شيئا دخلوا معه فيه. وصعقتهم السماء وأصعقتهم:

أصابتهم بصاعقة وهي نار لا تمر بشيء إلا أحرقته مع وقع شديد، والصعلكة معروفة وهي الفقر والذهاب في الأرض بعيدا، قال أبو داود:

مثل عير الفلاة صعلكه البقل مشيح بأربع عسرات أربع أتن، وقال ذو الرمة:

تخيل في المرعى لهنّ بشخصه ... مصعلك أعلى قلّة الرأس نقنق (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) : أي توسط فيه، قال الزمخشري:

«واعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين: لا تدب دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» وأما قول عائشة في عمر رضي الله عنهما:

«كان إذا مشي أسرع» فإنما أرادت السرعة المرتفعة على دبيب المتماوت» .

(وَاغْضُضْ مِنْ طرفك) : وانقص منه واقصر، من قولك فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه، وفي الأساس: «واغضض من صوتك: اخفض منه، وغضّ طرفك، وطرف غضيض، وغضّ من لجام فرسك أي صوبه وطأ منه لتنقص من غربه، واغضض لي ساعة أي احبس علي مطيتك وقف عليّ، قال الجعدي:

خليلي غضّا ساعة وتهجرا أي احبسا عليّ ركابكما ساعة ثم ارتحلا متهجّرين، وفلان غضيض: ذليل بين الغضاضة وعليك في هذا غضاضة فلا تفعل ولحقته من كذا غضاضة أي نقص وعيب» .

الإعراب:

(يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) يا بني تقدم إعرابه كثيرا وهذا من تتمة وصية لقمان، وان واسمها وإن شرطية وتك فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر يعود إلى الخطيئة وذلك أن ابن لقمان قال: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يعلمها أحد كيف يعلمها الله؟ فقال يا بني انها إن تك مثقال حبة من جنس الخردل، ومثقال خبر تك وحبة مضاف اليه ومن خردل صفة لحبة أي فكانت مثلا لحبة الخردل في الصغر والقماءة. (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) فتكن عطف على تك واسم تكن مستتر تقديره هي أي الخطيئة والهنة وفي صخرة خبر تكن، أو في السموات أو في الأرض عطف على في صخرة أي في أخفى مكان من الثلاث المذكورات ويأت جواب الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة وبها متعلقان بيأت والله فاعل وإن واسمها وخبراها.

(يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أقم فعل أمر وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت والصلاة مفعول به وأمر بالمعروف عطف وكذلك وانه عن المنكر. (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) إن وخبرها المقدم واسمها المؤخر ومعنى عزم الأمور: من معزوماتها فهو مصدر بمعنى المفعول أو بمعنى الفاعل أي من عازمات الأمور أي مما جعله الله عزيمة وأوجبه على عباده.

(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) الواو حرف عطف ولا ناهية وتصعر فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله مستتر تقديره أنت وللناس متعلقان بتصعر ولا تمش عطف على ولا تصعر وفي الأرض متعلقان بتمش ومرحا مصدر وقع موقع الحال أو نعت لمصدر محذوف أي مشيا مرحا أو مفعول لأجله أي لا تمش لأجل المرح والأشر.

وعبارة الزمخشري «أراد ولا تمش تمرح مرحا أو أوقع المصدر موقع الحال بمعنى مرحا ويجوز أن يراد لأجل المرح والأشر» .

(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) إن واسمها وجملة لا يحب خبرها وكل مفعول يحب وفخور عطف على مختال. (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) الواو عاطفة واقصد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وفي مشيك متعلقان بأقصر واغضض من صوتك عطف على ما تقدم. (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) الجملة تعليل للأمر بخفض الصوت بصورة مؤكدة كما سيأتي في باب البلاغة وإن واسمها والأصوات مضاف اليه واللام المزحلقة للتأكيد وصوت الحمير خبر إن.

البلاغة:

في قوله: «إنها إن تك مثقال حبة من خردل» الآية فن التمام أو التتميم وقد تقدمت الاشارة إلى الفن في مواطن من هذا الكتاب، والمعنى انه تمم خفاء الهنة أو الخطيئة في نفسها بخفاء مكانها من الصخرة والأخفى من الصخرة كأن تكون في صخرة مستقرة في أغوار الأرض السحيقة أو في الأعالي من أجواز الفضاء، ومنه في الشعر قول الخنساء:

وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار

فقولها «في رأسه نار» تتميم جميل لا بد منه لتجسيد الظهور والشهرة للسارين والغادين.

وقول عنترة العبسي:

أثني عليّ بما علمت فإنني ... سهل مخالقتي إذا لم أظلم فقوله «لم أظلم» تتميم حسن.

ومن التتميم الحسن قول امرئ القيس يصف الفرس:

على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كزّ ولا واني

فقوله «قبل سؤاله» تتميم عجيب لقوله «أفانين جري» وما أجمل قول زهير بن أبي سلمى في هذا الباب:

من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا

والتتميم هنا في قوله «على علاته» وهو تتميم عجيب تضمن مبالغة أعجب. ويجري على هذا المنوال قول ابن محكان السعدي حين قدم إلى القتل:

ولست- وإن كانت إليّ حبيبة- بباك على الدنيا إذا ما تولت قال أبو العباس المبرد: فاستثنى: «وإن كانت إليّ حبيبة» استثناء مليحا، ونوى التقديم والتأخير فلذلك جاز له أن يأتي بالضمير مقدّما على مظهره.

2- التأكيد بأن وفنون أخرى:

ومن بديع هذه الآية «إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» فنون عديدة نشير إليها: أ- فقد أتى بالتمثيل مؤكدا بإن أولا وعزز هذا التأكيد باللام فصار الكلام خبرا إنكاريا كأن التمثيل أمر مبتوت فيه لا يتطرق اليه الشك، فقد تدخل إن في الجملة فترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف مقطوعا موصولا معا، واستخدامها على هذا الوجه يحتاج إلى تدبر وروية معا، وقد خفي سر هذا الاستخدام حتى على أفراد العلماء روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أسير مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر وكانا يأتيان بشارا فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، وأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال:

هي التي بلغتكم. قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب، قال:

نعم بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أرد عليه مالا يعرف، قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما:

بكّرا يا صاحبيّ قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير

حتى فرغ منها فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح في التبكير» «بكّرا فالنجاح في التبكير» كان أحسن فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: «إن ذاك النجاح في التبكير» كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت: بكرا في النجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف فقبل بين عينيه. قال عبد القاهر في تعليقه على هذه القصة: «فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟» .

ومضى عبد القاهر في تحليله لبيت بشار فقال: أما ان الجملة مستأنفة مع إنّ فلأنها غير معطوفة على ما قبلها بالواو وهي واقعة في جواب سؤال مقدر فكأن سائلا سأل: ولماذا يطلب إلى صاحبيه أن يبكرا قبل الهجير فكان الجواب: إن ذلك النجاح في التبكير واما انها تصل جملتها بالجملة السابقة فالدليل عليه أنك لو أسقطت «إن» من الجملة لرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول: بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير ولعل ذلك هو سر لطفها ودقتها وجزالة التعبير بها وهو سمة البناء الأعرابي الوحشي على عكس ما لو قال: بكرا فالنجاح في التبكير فهو بناء سهل واضح الترابط بالفاء وذلك سمة بناء الجمل عند المولّدين وإذا كانت الفاء تفيد الربط فانها لا تفيد التوكيد الذي تدل على «إن» وهذا البناء الجزل هو الذي جاء في القرآن إلى درجة لا يدركها الإحصاء.

ويروي عبد القاهر في دلائل الاعجاز حديث يعقوب بن اسحق الكندي المتفلسف إذ ركب إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟

فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم ثم يقولون: إن عبد الله قائم ثم يقولون: إن عبد الله لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد.

كلام العرب حشوا فقال أبو العباس: في أي موضوع وجدت ذلك؟

فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل وقولهم: إن عبد الله لقائم جواب عن انكار منكر قيامه فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني.

وانما أطلنا في الاقتباس لدقة هذا البحث وخفائه وهو في الآية التي نحن بصددها واقع أجمل موقع وألطفه، موضح لتعليل الأمر بخفض الصوت مبني على تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل أصواتهم بالنهيق وافراط في التنفير عن رفع الصوت وقد أجاد الخطيب في تعليله لهذا التعليل وننقل فصله بطوله لروعته وابداعه قال:

«فإن قيل: لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟ أجيب بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته وربما يخرق الغشاء الذي في داخل الأذن وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار ولأن المشي يؤذي آلة المشي والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب فإن الكلام ينقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي، وأيضا فلان قبيح القول أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب، ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكرا كما أن خفضه دونها يعتبر تماوتا وتكبرا وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن فأفهم أن الطرفين مذمومان علّل النهي عن الأول بقوله إن أنكر أي أفظع وأشنع الأصوات برفعها فوق الحاجة لصوت الحمير أي هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة فإن كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله شهيق وآخره شهيق» .

ب- توحيد الصوت:

وقال الزمخشري: «لم وحّد صوت الحمير ولم يجمع؟

قلت ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع وانما المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس فوجب توحيده» .

الاستعارة التصريحية:

وفي هذه الآية الاستعارة التصريحية حيث أخلي الكلام من لفظ التشبيه وأخرج مخرج الاستعارة فجعلوا حميرا وجعل صوتهم نهاقا مبالغة في الذم والتهجين وإفراط في النهي عن رفع الصوت والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة الموجعة وكذلك نهاقه.

ومن استفحاشهم لذكره مجردا وتفاديهم من اسمه انهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين، وعن عبد الحميد الكاتب انه قال: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك وإن كان بليدا أتعب رجلك. وقال أعرابي: بئس المطية الحمار إن وفقته أدلى وإن تركته ولى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى الفرارة، بطيء في الغارة، لا توقى به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الإناء. ومن العرب من لا يركبه أبدا ولو بلغت به الحاجة والجهد.

الصوت مصدر:

وفي القرطبي: «لصوت الحمير اللام للتأكيد ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه مصدر والمصدر بدل على الكثرة وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت ويقال صوّت تصويتا فهو مصوت ورجل صات أي شديد الصوت بمعنى صائت» .

31:20–24Page 413

أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠

Do you not see that Allāh has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?

۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢

And whoever submits his face [i.e., self] to Allāh while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allāh will be the outcome of [all] matters.

وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٣

And whoever has disbelieved - let not his disbelief grieve you. To Us is their return, and We will inform them of what they did. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٢٤

We grant them enjoyment for a little; then We will force them to a massive punishment.

اللغة:

(وَأَسْبَغَ) : وأتم، يقال: أسبغ الله عليه النعمة أتمها وأسبغ الثوب: أوسعه وأطاله وأسبغ الرجل لبس درعا سابغة وأسبغ له النفقة وسّع عليه وأنفق تمام ما يحتاج اليه، وفي المصباح: «وسبغت النعمة سبوغا اتسعت وأسبغها الله أفاضها وأتمها وأسبغت الوضوء أتممته» وقرئ بالسين وبالصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف تقول في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سالغ صالغ ومعنى سالغ من سلغت البقرة والشاة إذا أسقطت السنّ التي خلقت السديس والسلوغ في ذوات الأظلاف بمنزلة البزول في ذوات الأحقاف.

(بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) : جاء في القاموس ما يلي: «العروة من الدلو والكوز المقبض ومن الثوب أخت زره كالعري ويكسر ومن الفرج لحم ظاهره يعرض فيأخذ يمنة ويسرة مع أسفل البظر وفرج معرّى والجماعة من العضاة والحمض يرعى في الجدب والأسد والشجر الملتفّ تشتوفيه الإبل فتأكل منه أو مالا يسقط ورقه في الشتاء والنفيس من المال كالفرس الكريم وموالي البلد» وفي الأساس واللسان: «وتستعار العروة لما يوثق به ويعوّل عليه فيقال للمال النفيس والفرس الكريم: لفلان عروة، وللابل عروة من الكلأ وعلقة:

لبقية تبقى منه بعد هيج النبات تتعلق بها لأنها عصمة لها تراغم إليها وقد أكل غيرها قال لبيد:

خلع الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرا وعراعر الأقوام

أي هم عصم للناس كالعضاه التي تعتصم بها الأموال، ويقال لقادة الجيش: العرا، والصحابة رضوان الله عليهم عرى الإسلام، وقول ذي الرّمة:

كأن عرا المرجان منها تعلّقت ... على أمّ خشف من ظباء المشاقر

أراد بالعرا: الأطواق ... والعروة من أسماء الأسد» .

الإعراب:

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) كلام مستأنف للرجوع إلى ما سلف قبل قصة لقمان ووصيته من خطاب المشركين. والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والواو عاطفة على ما تقدم من خطابهم ولم حرف نفي وقلب وجزم وتروا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والرؤية قلبية وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تروا وأن واسمها وجملة سخر خبرها ولكم متعلقان بسخر وما مفعول به وفي السموات متعلقان بمحذوف هو صلة ما وما في الأرض عطف على ما في السموات. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً) وأسبغ عطف على سخر وعليكم متعلقان بأسبغ ونعمه مفعول به وظاهرة حال وباطنة عطف على ظاهرة وسيأتي معنى الظاهرة والباطنة في باب البلاغة. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) الواو استئنافية ومن الناس خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يجادل صلة من إذا كانت موصولة أو صفة لها إذا كانت نكرة تامة بمعنى ناس وفي الله متعلقان بيجادل أي في توحيده وصفاته وبغير علم حال ولا هدى معطوفة ولا كتاب منير عطف على علم. (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة فيل في محل جر باضافة الظرف إليها ولهم متعلقان بقيل وجملة اتبعوا مقول القول وما مفعول به وجملة أنزل الله صلة وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبل حرف إضراب وعطف ونتبع فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن وما مفعول به وجملة وجدنا صلة وعليه متعلقان بوجدنا أو بمحذوف هو مفعول وجدنا الثاني وآباءنا هو مفعول وجدنا الاول أي وجدنا آباءنا عاكفين عليه.

(أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي والواو فيها وجهان أحدهما أن تكون عاطفة على محذوف وثانيهما انها حالية، وعلى كل حال لا بد من تقدير محذوف معناه: أيتبعونه ولو كان الشيطان يدعوهم، ولو شرطية وجوابها محذوف أي يدعوهم فيتبعون ومحل الجملة النصب على الحال، وكان الشيطان كان واسمها وجملة يدعوهم خبرها والى عذاب السعير متعلقان بيدعوهم. (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويسلم فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره هو ووجهه مفعول به والى الله متعلقان بيسلم ويسلم يتعدى باللام ولكنه عدي هنا بإلى ليكون معناه أنه سلم نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع اليه والمراد التوكل عليه والتفويض اليه، والواو واو الحال وهو مبتدأ ومحسن خبر، فقد الفاء رابطة للجواب وقد حرف تحقيق واستمسك فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وبالعروة جار ومجرور متعلقان باستمسك والوثقى صفة للعروة والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من.

(وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) إلى الله خبر مقدم وعاقبة الأمور مبتدأ مؤخر. (وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) الواو حرف عطف والجملة معطوفة على سابقتها ولا ناهية ويحزنك فعل مضارع مجزوم بلا والجملة في محل جزم جواب الشرط. (إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) إلينا خبر مقدم ومرجعهم مبتدأ مؤخر فننبئهم الفاء عاطفة وننبئهم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومفعول به وبما متعلقان بننبئهم وجملة عملوا صلة ما وإن واسمها وعليم خبرها وبذات الصدور متعلقان بعليم. (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ) جملة نمتعهم يجوز أن تكون حالية من فاعل نمتعهم وأن تكون مستأنفة وقليلا ظرف أو صفة لمصدر محذوف أي زمانا قليلا أو متاعا قليلا ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ونضطرهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به والى عذاب متعلقان بنضطرهم وغليظ صفة لعذاب.

البلاغة:

1- الطباق:

في قوله «وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة» طباق وقد مرّ بحثه والمراد بالنعم الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، وجميل قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية: «الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيىء عملك» وقد أفاض المفسرون فيها مما يرجع اليه في المطولات.

2- الاستعارة التمثيلية:

وذلك في قوله «فقد استمسك بالعروة الوثقى» فقد مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من جبل شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه وقيل هو تشبيه تمثيلي لذكر طرف التشبيه.

3- الاستعارة المكنية:

وفي قوله «ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ» استعارة مكنية فقد شبه إلزامهم التعذيب وارهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء الذي لا يقدر على الانفكاك منه أي يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة والمراد الشدة والثقل على المعذّب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском