DarwishSad · 38:30–48

Darwish · Tafsir · in Arabic

Sad 38:30–48

38:30–40Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

اللغة:

(الصَّافِناتُ) : جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث وإقامة الأخرى على طرف الحافر من رجل أو يد وفي المختار: «الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر وقد صفن الفرس من باب جلس والصافن من الناس الذي يصف قدميه وجمعه صفون» وعبارة الزمخشري «الصفون لا يكاد يكون في الهجن وإنما هو في العراب الخلّص وقيل وصفها بالصفون والجودة ليجمع ما بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها» .

(الْجِيادُ) جمع جواد وهو السابق وقيل جمع جيد، وفي أدب الكاتب لابن قتيبة «ويقال للفرس عتيق وجواد وكريم ويقال للبرذون والبغل والحمار فاره والسوابق من الخيل أولها السابق ثم المصلي وذلك لأن رأسه عند صلا السابق ثم الثالث والرابع كذلك إلى التاسع والعاشر السّكيت ويقال أيضا السّكّيت مشددا فما جاء بعد ذلك لم يعتد به والفسكل الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل» هذا ما أورده ابن قتيبة وقد سموا الثالث المتلى لأنه يتلى الثاني وسموا الرابع التالي وسموا الخامس المرتاح وسموا السادس العاطف وسموا السابع المؤمل وسموا الثامن الحظي وسموا التاسع اللطيم.

(مَسْحاً) : المسح: القطع وفي المختار «ومسحه بالسيف قطعه» (بِالسُّوقِ) : جمع ساق ومن غريب أمر الساق أن له العديد من المعاني فأولها وهو المراد هنا أنه ما بين الكعب والركبة مؤنث وجمعه سوق وسيقان وأسوق وساق الشجرة جذعها، ومن معانيه ساق الحمام والغراب نباتان وساق حر ذكر القماري ويقال كشف الأمر عن ساقه أي اشتدّ وعظم وقامت الحرب على ساق أي اشتدت وولدت المرأة ثلاثة بنين على ساق واحدة أي بعضهم في إثر بعض لا جارية بينهم والحديث في هذه المادة يطول فنحيل القارئ إلى المعاجم.

(رُخاءً) : لينة طيبة لا تزعزع.

(أَصابَ) : أراد وقصد وفي الكشاف «حكى الأصمعي عن العرب: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا ورجعا ويقال أصاب الله بك خيرا» وفي الأساس: «وأصاب الله تعالى بك خيرا: أراده رخاء حيث أصاب» .

(الْأَصْفادِ) : الأغلال وفي القاموس «صفده يصفده من باب ضرب يصفده: شده وأوثقه كأصفده وصفّده والصفد محركة العطاء والوثاق وبلا لام بلد بالشام وككتاب ما يوثق به الأسير من قد أو قيد والأصفاد: القيود» فلا معنى لقول بعض المفسرين ردا على الجلال الذي فسر الأصفاد بالقيود إذ قال ذلك المفسر: «من المعلوم أن القيد يكون في الرجل فلا يلتئم هذا التفسير مع قوله يجمع أيديهم إلخ فلو فسر الأصفاد بالأغلال لكان أوضح» . وفي المختار: «صفده شده وأوثقه من باب ضرب وكذا صفده تصفيدا والصفد بفتحتين والصفاد بالكسر ما يوثق به الأسير من قد وقيد وغل والأصفاد القيود واحدها صفد» .

الإعراب:

(وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبسط قصة سليمان بعد أن بسط قصة داود ووهبنا فعل ماض وفاعل ولداود متعلقان بوهبنا وسليمان مفعول ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح والعبد فاعله والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ذكره أي هو وإنه أواب إن واسمها وخبرها والجملة تعليل للمدح علل كونه ممدوحا بكونه أوابا رجاعا إليه بالتوبة أو مسبحا مؤوبا للتسبيح مرجعا له لأن كل مؤوب أواب. (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ) إذ: يجوز أن يكون ظرفا لأواب وأن يكون العامل فيه نعم وأن يكون منصوبا بمقدر أي اذكر يا محمد وقت وقوع هذه القصة وجملة عرض في محل جر بإضافة الظرف إليها وعليه متعلقان بعرض وبالعشي متعلقان بمحذوف حال أي كائنا في ذلك الوقت والصافنات نائب فاعل والجياد نعت والأولى أن يكون المفعول محذوفا أي الخيل والصافنات الجياد صفتين للخيل والظاهر أن العرض قد استهواه، وخيل إليه أنه يستطيع الاعتماد على هذه الخيل المطهمة في جهاده العدو إرضاء لربه فشغله حينا من الوقت عن ذكر الله تعالى وكان به لهجا.

(فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) الفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر وان واسمها وجملة أحببت خبرها وأحببت ليست جارية على معناها الأصيل وإنما هي متضمنة معنى فعل يتعدى بعن بمعنى آثرت وحب الخير مفعول به لذلك الفعل أو مفعول مطلق وقيل مفعول من أجله وعبارة السمين: حب الخير فيه أوجه أحدها أنه مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت و «عن» على هذا بمعنى «على» والثاني أن حب مصدر على حذف الزوائد والناصب له أحببت والثالث أنه مصدر تشتهي أي حبا مثل حب الخير والرابع أنه ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعن والخامس أن أحببت بمعنى لزمت والسادس أن أحببت من أحب البعير إذا سقط وبرك من الاعياء والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون حب الخير على هذا مفعولا من أجله وعن ذكر ربي متعلقان بأحببت والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول أي عن أن أذكر ربي أو إلى الفاعل أي عن أن يذكرني ربي وسيأتي المزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة، وحتى حرف غاية وجر وتوارت فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هي أي الشمس وقيل الخيل وبالحجاب متعلقان بتوارت.

(رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) ردوها فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول قول محذوف أي قال ردوها وعلي متعلقان بردوها فطفق عطف على محذوف أي فردوها وطفق فعل ماض من أفعال الشروع وهي تعمل عمل كان واسمها ضمير مستتر تقديره هو ومسحا مفعول مطلق لفعل محذوف أي يمسح مسحا والجملة خبر طفق وبالسوق متعلقان بمسحا والأعناق عطف على بالسوق وسيأتي قول للامام فخر الدين الرازي طريف جدا خالف فيه جمهرة المفسرين وهو جدير بالاعتبار فانظره في باب الفوائد.

(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وفتنا فعل وفاعل وسليمان مفعول به وألقينا عطف على فتنا وعلى كرسيه جار ومجرور متعلقان بألقينا وجسدا مفعول به ثم أناب عطف أيضا ولكنه بعد تراخ وسيأتي القول في فتنة سليمان ومناقشتها. (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)

رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة وهب فعل أمر للدعاء ولي متعلقان به وملكا مفعول به وجملة لا ينبغي صفة لملكا ولأحد متعلقان بينبغي ومن بعدي صفة لأحد.

(إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الجملة تعليلية للدعاء بالمغفرة والهبة وان واسمها وأنت ضمير فصل أو مبتدأ والوهاب خبر إن أو خبر أنت والجملة خبر إنك. (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من مضمون الكلام أي فاستجبنا له دعاءه وأعدنا له هذا الملك السليب وسخرنا فعل وفاعل وله متعلقان بسخرنا والريح مفعول به وجملة تجري بأمره في محل نصب على الحال من الريح ورخاء حال من الضمير في تجري وحيث ظرف متعلق بتجري أو بسخرنا وجملة أصاب في محل جر بإضافة الظرف إليها.

(وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) الواو حرف عطف والشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وغواص عطف على بناء.

(وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) وآخرين عطف على كل بناء أدخل معه في حكم البدل وهو بدل الكل من الكل ومقرنين نعت لآخرين أي قرن بعضهم مع بعض في الأصفاد. (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) الجملة مقول قول محذوف أي وقلنا له، وهذا مبتدأ وعطاؤنا خبر فامنن الفاء الفصيحة وامنن فعل أمر أي أعط منه من شئت وأو حرف عطف للتخيير وأمسك فعل أمر معطوف على امنن وبغير حساب متعلقان بعطاؤنا أي أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وفيه إلماع إلى كثرة العطاء أو متعلقان بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف نصبا على الحال مما تقدم أي حال كونك غير محاسب عليه لأنه يتعالى عن الحساب والضبط. (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) تقدم إعراب مثله كثيرا.

الفوائد:

القول في هذه الآيات وفي فتنة سليمان بالخيل والجياد لا يتسع له صدر هذا الكتاب وهو خارج عن نطاقه ولكننا سنحاول الالماع إلى هذه الفتنة وما قيل فيها وما نسج حولها من أكاذيب وأضاليل لفّقتها اليهودية الضالعة مع الأهواء، وقبل أن نشرع في ذلك ننقل فصلا للإمام فخر الدين الرازي أطاح بكل الأضاليل التي لابست هذا القصص الموشى بنسج الخيال قال:

«التفسير الحق المطابق لألفاظ القرآن أن نقول: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما انه كذلك في ديننا ثم ان سليمان عليه السلام احتاج إلى غزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر باجرائها وذكر أنني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر الله تعالى وتقوية دينه وهو المراد بقوله: عن ذكر ربي ثم انه عليه الصلاة والسلام أمر باعدائها وإجرائها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ثم أمر برد الخيل إليه وهو قوله: ردوها علي فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك المسح أمور: الأول تشريفها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو، الثاني أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والمملكة يبلغ إلى أنه يباشر الأمور بنفسه، الثالث أنه كان أعلم الناس بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها من غيره فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرنا ينطبق على لفظ القرآن ولا يلزمنا شيء من تلك المنكرات والمحظورات والعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة فإن قيل: فالجمهور قد فسروا الآية بتلك الوجوه فما قولك فيه؟ فنقول لنا هاهنا مقامان: المقام الأول أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ذكروها وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرنا ظهورا لا يرتاب عاقل فيه والمقام الثاني أن يقال:

هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس وان الدلائل الكثيرة قد قامت على عصمة الأنبياء ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات» .

أسطورة خاتم سليمان:

هذا وما يروى عن فتنة سليمان من حديث الخاتم والشياطين وعبادة الوثن في بيت سليمان فقد أبي العلماء المحققون قبوله وقالوا انه من نسج خيال اليهود، فقد روت الأساطير أن سليمان بلغه خبر صيدون وهذه مدينة في بعض الجزر وان بها ملكا عظيم الشأن معتصما بالبحر لا يقدر عليه أحد فخرج اليه تحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتا له من أحسن الناس وجها فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقا دمعها حزنا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهن إبان حياته فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد فجلس عليه تائبا متضرعا وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل عليها للطهارة وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان المارد الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه صخر، على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس ولما أتى سليمان لطلب الخاتم أنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف فإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منّا في دمها ولا يغتسل من جنابة، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا ورجع اليه ملكه وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر فأتوه به فأدخله في جوف صخرة وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر إلى آخر تلك الأسطورة التي تشبه ما يصوره خيال شهر زاد في ألف ليلة وليلة من حكايات الجن وأساطير القماقم وغيرها وما أجمل ما يقوله القاضي عياض في هذا الصدد: «لا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه» .

والذي عليه علماء الإسلام أن سبب فتنته ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كلهن تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله تعالى فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن امرأة إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل وايم الله الذي نفسي في يده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا» قال الزمخشري «وهذا ونحوه مما لا بأس به» بقي قوله:

«وألقينا على كرسيه جسدا» ما هو؟ ما حقيقته؟ إن الذين يروون الأسطورة على علاتها كالجلال وغيره من أكابر العلماء يقولون: إنه الجني صخر والذين ينكرون الأسطورة يحارون في الجسد الذي ألقي على كرسيه فتارة يقولون: انه الشق الذي ولدته المرأة قالوا:

«والشق هو الجسد الذي القي على كرسيه حين عرض عليه وهو عقوبته ومحنته لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل: نسي أن يستثني كما صح في الحديث لينفذ أمر الله ومراده فيه، وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه أنه ولد له ولد فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين فبينما هو مشتغل في بعض مهماته إذ ألقي الولد ميتا على كرسيه فعاتبه الله على خوفه من الشياطين حيث لم يتوكل عليه في ذلك فتنبه لخطئه فاستغفر ربه فذلك قوله عز وجل: «وألقينا على كرسيه جسدا» إلخ ... » .

على أن المسألة ليست مما يمكن البت فيه أو الترجيح بالرأي وإنما هي مسائل تاريخية تضاربت فيها الأقوال والله أعلم.

المراد بالخير:

واختلف العلماء والمفسرون أيضا في المراد بالخير بقوله:

«إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي» الآية فقال قوم هو المال مستدلين بقوله تعالى «إن ترك خيرا» أي مالا وقوله «إنه لحب الخير لشديد» وقيل هو مجاز والمراد به الخيل التي شغلته وأنسته ذكر ربه أو سمى الخيل خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخبر بها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» وقال أيضا في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: «ما وصف لي رجل فرأيته إلا كان دون ما بلغني إلا زيد الخيل وسماه زيد الخير» وفي القرطبي:

«يعني بالخير الخيل والعرب تسميها كذلك ويعاقب بين الراء واللام فتقول انهملت العين وانهمرت وختلت وخترت، قال الفراء: الخير في كلام العرب والخيل واحد» .

ومن الكلام البليغ الذي رمق الشعراء سماءه قوله تعالى:

«هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب» فقد كان سليمان يقرن مردة الشياطين بعضهم في بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد وعن السدي كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع، والصفد القيد وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول علي ابن أبي طالب: «من برّك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك» وقال أبو تمام الطائي من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغري:

همي معلقة عليك رقابها ... مغلولة إن العطاء إسار

وتبعه أبو الطيب فقال من قصيدة يمدح بها سيف الدولة:

وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا

38:41–44Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

اللغة:

(بِنُصْبٍ) : النصب بضم فسكون وبفتح فسكون وبضمتين الداء والبلاء قيل جمع نصب كاسد وأسد وقيل هو لغة في النصب وقد تقدم كلام كثير في هذه المادة.

(ضِغْثاً) : حزمة من حشيش وقضبان وفي القاموس: «والضغث بالكسر قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس واضطعثه: احتطبه وأضغاث أحلام رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها (وقد تقدم القول فيها) والتضغيث ما بلّ الأرض والنبات من المطر» وفي المثل «ضغث على إباله» والإبالة بالتشديد الحزمة من الحشيش والحطب ومعناه بلية على أخرى ويضرب أيضا مثلا للرجل يحمل صاحبه المكروه ثم يزيده منه.

الإعراب:

(وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ) عطف على اذكر عبدنا داود ولم يذكر ذلك في قصة سليمان لكمال الاتصال بين سليمان وداود كأن قصتهما قصة واحدة. واذكر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعبدنا مفعول اذكر وأيوب بدل أو عطف بيان لعبدنا وإذ الظرف بدل اشتمال من أيوب وجملة نادى في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاعل مستتر تقديره هو يعود على داود وربه مفعول به.

(أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ) أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي بأني مسني الشيطان حكاية لكلامه الذي نادى ربه به بعبارته وإلا لقيل انه مسه، ومسني الشيطان فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وبنصب متعلقان بمسني وعذاب عطف على نصب وسيأتي سر إسناد المس إلى الشيطان مع عصمة الأنبياء عن مس الشيطان إياهم وتسلطه عليهم في باب الفوائد كما يأتي فيه ما ذكر من سبب بلائه.

(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ) كلام مقول قول محذوف أي وقيل له، واركض فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومعنى اركض اضرب وبرجلك جار ومجرور متعلقان باركض ومفعول اركض محذوف أي الأرض وفي معاجم اللغة: «ركض الأرض والثوب ضربهما برجله» أي فهو متعد بهذا المعنى، وهذا مبتدأ ومغتسل خبر وهو اسم مكان للماء الذي يغتسل به سمي الماء باسم مكانه مجازا علاقته المحلية وبارد صفة لمغتسل وشراب عطف. (وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ) عطف على ما تقدم مما اقتضاه المقام كأنه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر ومسحنا عنه ما ألمّ به من أوصاب. ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا وأهله مفعول به ومثلهم عطف على أهله والظرف متعلق بمحذوف حال أي كائنا معهم ورحمة مفعول من أجله ومنّا صفة لرحمة وذكرى عطف على رحمة أي ان الهبة كانت للرحمة له وللتذاكير لأولي الألباب ولأولي نعت لذكرى والألباب مضاف إليه.

(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) وخذ عطف على ما تقدم وبيدك متعلقان بخذ وضغثا مفعول به، فاضرب عطف على خذ وبه متعلقان باضرب والمفعول محذوف أي امرأتك ولا تحنث عطف على اضرب ولا ناهية وتحنت فعل مضارع مجزوم بلا وسيأتي القول في ضرب امرأته في باب الفوائد. (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) إن واسمها وجملة وجدناه فعل وفاعل ومفعول به أول وصابرا مفعول به ثان ونعم العبد فعل وفاعل والمخصوص بالمدح محذوف للعلم به أي هو وإنه أواب إن واسمها وخبرها والجملة تعليل لمدحه.

الفوائد:

إنما أسند ما مسّه من نصب وعذاب إلى الشيطان مع انه من البداءة الأولية أن الشيطان لا يسلط على الأنبياء تأدبا مع الله لأن الشيطان كان يوسوس اليه ويغريه على الكراهة والجزع، وذكر في سبب بلاء أيوب أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه وقيل كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه وقيل أعجب بكثرة ماله، أما قصة ضرب امرأته فقد كان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذ برأ وذلك لا بطائها عليه يوما.

وفي القرطبي: «وفي سبب حلفه أربعة أقوال:

أحدها: ما حكاه ابن عباس أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته إلى مداواة أيوب فقال أداويه على أنه إذا برىء يقول أنت شفيتني لا أريد جزاء سواه، قالت نعم فأشارت على أيوب بذلك فحلف ليضربنها وقال: ويحك ذلك الشيطان.

ثانيها: ما حكاه سعيد بن المسيب أنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها.

ثالثها: ما حكاه يحيى بن سلام وغيره أن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه وأنه يبرأ فذكرت ذلك له فحلف ليضربنها إن عوفي مائة.

رابعها: أنها باعت ذوائبها برغيفين إذ لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام فلهذا حلف ليضربنها فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها بها ضربة واحدة» .

وقصة صبر أيوب تدخل في حيز أغراض القصص في القرآن، وأسمى أغراضها إنشاء العقيدة الدينية الخاصة المجردة وموطن هذه العقيدة الخالدة هو الضمير والوجدان فلم يكن الداعي إلى الاستمساك بالصبر والاعتصام به مجردا لقداسته الدينية ولكن اتساع الآفاق النفسية وانفتاح منافذ المعرفة أمام النفس.

38:45–48Page 456

وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥

And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.

إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦

Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].

وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧

And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.

وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨

And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.

الإعراب:

(وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) الواو عاطفة اذكر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت أي اذكر يا محمد صبرهم على ما أصابهم وثباتهم على عقائدهم وتأسّ بهم وعبادنا مفعول به وإبراهيم بدل أو عطف بيان واسحق ويعقوب عطف على ابراهيم وأولي الأيد أي أصحاب الأيدي مفعول به سيأتي القول مسهبا في معنى أولي الأيد في باب البلاغة والأبصار عطف على الأيد.

(إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) الجملة تعليلية لما وصفوا به من علو الرتبة وسموها بالعلم والعمل، وان واسمها وجملة أخلصناهم خبر أنا وبخالصة متعلقان بأخلصناهم والباء إما للسببية إن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خالصين وإما للتعدية إن كان أخلصناهم بمعنى خصصناهم وخالصة صفة لموصوف محذوف أي بخصلة خالصة وذكرى الدار يجوز فيها أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو بدل من خالصة وإذا اعتبرت خالصة مقدرا بمعنى الإخلاص فتكون ذكرى مفعولا به لخالصة وإذا كانت مصدرا بمعنى الخلوص فتكون ذكرى فاعلا لها فقد تمت لها أربعة أوجه وأما إضافة ذكرى إلى الدار فمن إضافة المصدر إلى المفعول أي ذكرهم الدار الآخرة وهناك قراءة متعددة يرجع إليها في المطولات.

(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) وانهم ان واسمها وعندنا ظرف متعلق بمحذوف حال ولمن اللام المزحلقة ومن المصطفين خبر إنهم والأخيار صفة. (وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ) واذكر عطف على ما تقدم واذكر إسماعيل فعل وفاعل مستتر ومفعول به واليسع وذا الكفل معطوفان على إسماعيل وكل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومن الأخيار خبر.

البلاغة:

الكناية في قوله «أولي الأيد والأبصار» وهي كناية عن العمل الصالح قال الزمخشري «أولي الأعمال والفكر كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ولا يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم» وفيه أيضا فن التعريض بأن من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله خليق بالتوبيخ وأسوأ المذام، والأيدي جمع يد وهي الجارحة فالكناية بها لأن جميع الأعمال تزاول بها وإذا كانت جمعا ليد بمعنى النعمة فهي مجاز مرسل علاقته السببية وقد تقدم بحث ذلك لأن اليد هي سبب النعمة وإنما حذفت الياء في خط المصحف اجتزاء عنها بالكسرة وفسر بعضهم الأيد بمعنى القوة وهي وإن كانت جائزة من حيث اللغة إلا أن المقام يضعف استعمالها بهذا المعنى، قال الزمخشري «وتفسيره بالأيد من التأييد قلق غير ممكن» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском