Darwish · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:156–171
4:156–158Page 103
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
الإعراب:
(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً) في هذا العطف وجهان أحدهما انه معطوف على ما في قوله «فبما نقضهم» فيكون متعلقا بما تعلق به الاول، والثاني انه معطوف على قوله «بكفرهم» الذي بعد «طبع» ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرير كفرهم فانهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات الله عليهم أجمعين فكأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتل الأنبياء وقولهم قلوبنا غلف وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى عليه السلام عاقبناهم، أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا، وعلى مريم جار ومجرور متعلقان بقولهم، وبهتانا مصدر يعمل فيه القول لأنه ضرب منه فهو كقولهم قعد القرفصاء وقال قوم:
تقديره قولا بهتانا فهو مفعول مطلق على كل حال وقيل هو مصدر في موضع الحال أي مباهتين ولا يبعد جعله مفعولا به لقولهم فانه متضمن معنى كلام نحو قلت خطبة وشعرا، وعظيما صفة (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ)
وقولهم عطف على ما تقدم وان واسمها وجملة قتلنا المسيح خبرها والمسيح مفعول به وعيسى بدل من المسيح وابن بدل أو نعت ومريم مضاف اليه (رَسُولَ اللَّهِ) صفة لعيسى أو بدل منه أو هو منصوب على المدح بفعل محذوف قالوا ذلك تهكما (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) الواو حالية وما نافية وقتلوه فعل وفاعل ومفعول به وما صلبوه عطف على وما قتلوه والواو حرف عطف ولكن مخففة للاستدراك فقط وشبه فعل ماض مبني للمجهول وهو مسند إلى الجار والمجرور بعده وهو لهم ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قولهم إنا قتلنا يدل عليه كأنه قيل ولكن شبه لهم من قتلوه ولا يصح جعله مسندا إلى المسيح لأنه مشبه به وليس بمشبه (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) الواو استئنافية وان واسمها وجملة اختلفوا صلة الموصول وفيه متعلقان باختلفوا واللام المزحلقة وفي شك متعلقان بمحذوف خبر «إن» ومنه متعلقان بمحذوف صفة شك أي لفي شك حادث من جهة قتله فتكون من لابتداء الغاية ولا يجوز تعليقهما بشك إذ لا يقال شككت منه (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) هذه الجملة المنفية مستأنفة ولك أن تجعلها في موضع نصب على الحال، أو في موضع جر صفة ثانية لشك أي غير معلوم، وما نافية ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم وبه متعلقان ب «علم» أو حال منه لأنه كان صفة وتقدمت ومن حرف جر زائد، وعلم مجرور لفظا مرفوع لأنه مبتدأ مؤخر وإلا اتباع الظن استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم والواو عاطفة وما نافية وقتلوه فعل وفاعل ومفعول به ويقينا حال مؤكدة من فاعل قتلوه أو نعت لمصدر محذوف أي قتلا يقينا (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) بل حرف عطف وإضراب ورفعه فعل ومفعول به مقدم والله فاعل واليه جار ومجرور متعلقان برفعه والواو استئنافية وكان واسمها وخبراها.
4:159Page 103
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
الإعراب:
(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) الواو استئنافية وإن نافية، من أهل الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف وخبره هو جملة القسم المجاب بقوله: «إلا ليؤمنن» وإنما كانت جملة القسم خبرا للمبتدأ لأنها محط الفائدة وإلا أداة حصر واللام موطئة للقسم ويؤمنن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وبه متعلقان بيؤمنن وقبل موته ظرف زمان متعلق بيؤمنن (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) الواو عاطفة ويوم القيامة ظرف متعلق بشهيدا وشهيدا خبر يكون واسمها محذوف وعليهم متعلقان بشهيدا.
4:160–161Page 103
فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠
For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],
وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١
And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.
الإعراب:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) الفاء استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان ما حرم عليهم بسبب ظلمهم من الطيبات والجار والمجرور متعلقان بحرمنا والباء سببية وقدمت على عاملها تنبيها على مدى قبح سبب التحريم ومن الذين متعلقان بمحذوف صفة لظلم وجملة هادوا صلة الموصول وحرمنا فعل وفاعل وعليهم الجار والمجرور متعلقان بحرمنا وطيبات مفعول به وجملة أحلت لهم صفة لطيبات (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) وبصدهم عطف على قوله فبظلم وعن سبيل الله متعلقان ب «صد» وكثيرا منصوب على المصدر أي صدا كثيرا أو مفعول به بمعنى جمعا كثيرا، ولك أن تعربه ظرفا أي مرارا، والصد يستعمل لازما ومتعديا ومعناه المنع. أي صدودهم أنفسهم عن سبيل الله مرارا كثيرة بما كانوا يعصون موسى عليه السلام ويعاندونه، أو صدوهم الناس عن سبيل الله بسوء القدوة أو بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) عطف على صدهم والربا مفعول به ل «أخذ» لأنه مصدر والواو حالية وقد حرف تحقيق ونهوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعنه متعلقان بنهوا وجملة قد نهوا في محل نصب على الحال. (وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) عطف على ما تقدم، وأموال الناس مفعول به لأكل وبالباطل الجار والمجرور يجوز أن يتعلقا بأكلهم لأن الباء سببية، أو بمحذوف حال أي متلبسين بالباطل كالرشوة والخيانة وغير ذلك (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) عطف على حرمنا، وأعتدنا فعل وفاعل وللكافرين متعلقان بأعتدنا، منهم متعلقان بمحذوف حال أي المصرين على الكفر لا من آمن وتاب منهم وعذابا مفعول به وأليما صفة.
البلاغة:
الإبهام في قوله «فبظلم» بالتنوين ليعلم القارئ أو السامع أن أي نوع من أنواع الظلم يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب قسمان: دنيوي وأخروي والأول قسمان: وضعيّ كالتكاليف الشرعية الشاقة في زمن التشريع والجزاء الوارد فيها على الظلم من حدّ أو تعزير، وطبيعي وهو ما اقتضته سنة الله تعالى في نظام الاجتماع من كون الظلم سببا لضعف الأمم وفساد عمرانها واستيلاء أمة على أخرى.
4:162Page 103
لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢
But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.
الإعراب:
(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ) كلام مستأنف مسوق لإزالة الإيهام الناجم من اطلاق القول ببيان سوء حال اليهود وكفرهم وعصيانهم وان ذلك يوهم ان ما ذكر عنهم عام مستغرق لجميع أفرادهم جاء الاستدراك عقبه في بيان حال خيارهم الذين لم يذهب عمى التقليد ببصيرتهم ولكن حرف استدراك مهمل لتخفيف النون ولا بد من وقوعه بين نقيضين كما وقع هنا بين الكفار والمؤمنين والراسخون مبتدأ وفي العلم جار ومجرور متعلقان به لأنه اسم فاعل ومنهم متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستكن في الراسخون، والمؤمنون عطف على الراسخون (يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) جملة يؤمنون خبر الراسخون أو حال منهم إذا اعتبرنا جملة سنؤتيهم خبرا وبما جار ومجرور متعلقان بيؤمنون وجملة أنزل إليك صلة وما أنزل من قبلك عطف على الصلة داخل في حيزها ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وسيأتي مزيد من القول في اعراب هذه الآية في باب الفوائد (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) الواو معترضة والمقيمين نصب على المدح بإضمار فعل لبيان فضل الصلاة على ما قاله سيبويه وغيره والتقدير أعني أو أحص المقيمين الصلاة الذين يؤدونها على وجه الكمال فانهم أجدر المؤمنين بالرسوخ في الايمان، والنصب على المدح أو العناية لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، والنكتة هنا هي ما ذكرنا آنفا من مزية الصلاة، على أن تغيير الإعراب في كلمة بين أمثالها ينبّه الذهن إلى وجوب التأمل فيها، ويهدي التفكير لاستخراج مزيتها وهو من أركان البلاغة وسيأتي مزيد بيان لذلك، على انه قرىء بالرفع أيضا على انه عطف على المؤمنون والصلاة مفعول به للمقيمين (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) عطف على ما تقدم، والزكاة مفعول به للمؤتون لأنه اسم فاعل (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) والمؤمنون عطف على ما تقدم وبالله جار ومجرور متعلقان بالمؤمنون واليوم عطف على الله والآخر صفة (أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) جملة أولئك وما بعدها خبر الراسخون أو استئنافية وأولئك مبتدأ وجملة سنؤتيهم خبر وأجرا مفعول به ثان وعظيما صفة.
الفوائد:
1- جزم الرازي بأن قوله الراسخون مبتدأ خبره يؤمنون، وإذا هو يفسر الراسخين بالمستدلين وعلل ذلك بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشكّ وأما المستدل فانه لا يشك البتة وأورد في قوله والمؤمنون وجهين أحدهما انهم المؤمنون منهم والثاني انهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار والمعنى ان الراسخين في العلم منهم هم، ومؤمنو المهاجرين والأنصار سواء في كونهم يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من الرسل لا يفرقون بينهم.
أبو السعود يرجح الثاني:
على أن أبا السعود- وقد ألمعنا في كلام مضى إلى ثقوب ذهنه- أصر على أن الخبر هو قوله «أولئك سنؤتيهم» قال: «وقوله أولئك إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله سنؤتيهم أجرا عظيما خبره والجملة خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه والسين لتأكيد الوعد وتنكير الاجر للتفخيم وهذا الإعراب أنسب بتجاوب طرفي حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم، واما ما جنح اليه الجمهور من جعل قوله يؤمنون بما انزل إليك إلخ خبرا للمبتدأ ففيه كمال السداد غير انه غير متعرض لتقابل الطرفين» وانما أثبتنا كلام أبي السعود لما فيه من توئب ذهني مع أن الاول هو الأولى.
2- تغيير الإعراب- كما قلنا- آنفا فيه حفز للذهن إلى التفكير، في سبب التغيير، واستخراج المزية الكامنة فيه ونظيره في النطق أن يغيّر المتكلم جرس صوته، وكيفية أدائه للكلمة التي يريد تنبيه المخاطب لها كرفع الصوت أو خفضه أو مده بها وقد عدّ مثل هذا بعض الجاهلين والمتجاهلين من الغلط في أصحّ الكلام وأبلغه.
رد الزمخشري البليغ:
ومن المفيد هنا أن نورد ما قاله الزمخشري في هذا الصدد قال:
«وهو باب واسع قد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خطّ المصحف وربما التفت اليه من لم ينظره في الكتاب (أي كتاب سيبويه) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم من النصب على الاختصاص من الافتنان وغبي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم» .
ما يقوله ابن جرير:
أما ابن جرير فقد ذكر أنها في مصحف ابن مسعود والمقيمون الصلاة قال: والصحيح قراءة الجميع وردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم هو منصوب على المدح كما جاء في قوله «والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس» قال: وهذا سائغ في كلام العرب كما قال الشاعر:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر
وقال آخرون: هو مخفوض عطفا على قوله بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
نص عبارة سيبويه:
أما عبارة سيبويه في كتابه فهي: «هذا باب ما ينتصب على التعظيم» ومن ذلك: والمقيمين الصلاة وأنشد:
وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلا نميرا أطاعت أمر غاويها
الطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلون: لمن دار تخلّيها
4:163–165Page 104
۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.
رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥
[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
اللغة:
(الوحي) : في اللغة يطلق على الإشارة والإيماء، ومنه قوله تعالى: «فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّا» ، وعلى الإلهام الذي يقع في النفس، وهو أخفى من الإيماء. ومنه قوله تعالى: «وأوحينا إلى أم موسى» . ويظهر أن هذا بعناية من الله عز وجل، ومنه ما يكون غريزيا دائما، ومنه قوله تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل» ، وعلى الإعلام في الخفاء، وهو أن تعلم إنسانا بأمر تخفيه عن غيره، ومنه قوله تعالى: «شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض» ، وأطلق على الكتابة والرسالة لما يكون فيها من التخصيص، ووحي الله إلى أنبيائه هو ما يلقيه إليهم من العلم الضروري الذي يخفيه عن غيرهم بعد أن يكون أعدهم لتلقّيه بواسطة كالملك أو بغير واسطة.
رأي محمد عبده:
وعرفه الأستاذ الامام الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه «عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله، بواسطة أو بغير واسطة. والأول يتمثل لسمعه بصوت أو بغير صوت. ويفرّق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتنساق إلى ما يطلب، على غير شعور منها من أين أتى. وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور» . ثم أفاض الأستاذ الامام في بيان وجه إمكانه ووقوعه.
(الْأَسْباطِ) جمع سبط، وهو يطلق على ولد الولد. وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر سبطا.
(الزبور) : بمعنى المزبور، كالركوب بمعنى المركوب. وقرأه حمزة وخلف بضم الزاي، وهو جمع وزن مفرده، وقيل: هو مصدر.
وهو على كل حال بمعنى كتاب ومكتوب. وفي المختار: والزبر بالكسر، والجمع زبور كقدر وقدور.
الإعراب:
(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) كلام مستأنف مسوق لتطمين رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الأنبياء الذين بعثهم الله إلى البشر قبله وإن واسمها، وجملة أوحينا خبر، وإليك جار ومجرور متعلقان بأوحينا، والكاف نعت لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا، و «ما» تحتمل أن تكون مصدرية فتكون مع ما بعدها مصدرا مؤولا في محل جر بالإضافة، كوحينا وأن تكون اسم موصول بمعنى الذي والعائد محذوف، أي كالذي أوحيناه إلى نوح، وجملة أوحينا لا محل لها لأنها صلة الموصول. والى نوح جار ومجرور متعلقان بأوحينا، والنبيين عطف على نوح، ومن بعده متعلقان بمحذوف حال. وبدأ بذكر نوح لأنه أقدم نبي مرسل ذكر في كتب القوم.
وإنما تنهض الحجة دليلا على الناس إذا كانت مقدماتها معروفة عندهم، ثم خص بعض النبيين بالذكر فقال: (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ) الواو عاطفة، وأوحينا فعل وفاعل، والى ابراهيم متعلقان بأوحينا، وما بعده من أسماء النبيين معطوفة عليه (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) آتينا فعل وفاعل، داود مفعول به أول، وزبورا مفعول به ثان (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ) رسلا مفعول به لفعل محذوف معطوف على أوحينا تقديره وآتينا، وجملة قد قصصناهم صفة، وعليك متعلقان بقصصنا، ومن قبل متعلقان بمحذوف حال (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) عطف على ما تقدم (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً) الواو عاطفة وكلّم الله فعل وفاعل، وموسى مفعول به، وتكليما مفعول مطلق مؤكد لرفع احتمال المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل، ما لم يؤكد بالمصدر، فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) رسلا بدل من «رسلا» قبله أو منصوب على المدح، ومبشرين صفة، ومنذرين عطف على مبشرين (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) هذه اللام لام «كي» وتتعلق بمنذرين أو بمبشرين، فالمسألة من باب التنازع، وسيأني ذكره في باب الفوائد، ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف أي: أرسلناهم لذلك، وأن حرف ناصب ولا نافية، ويكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن وللناس متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعلى الله متعلقان بمحذوف حال، وحجة اسم يكون المؤخر، وبعد الرسل ظرف زمان متعلق بمعنى النفي، أي:
لتنتفي حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل. (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا.
الفوائد:
1- جميع أسماء الأنبياء ممنوعة من الصرف ما عدا ستة يجمعها قولك: «صن شمله» وهي: صالح ونوح وشعيب ومحمد ولوط وهود، وتمنع من الصرف للعلمية والعجمة. والمراد بالعجميّ ما نقل عن لسان غير العرب بأي لغة كانت، وتعرف عجمة الاسم بوجوه:
1- نقل الأئمة. 2- خروج الاسم عن أوزان الأسماء العربية كإبراهيم. 3- أن يكون رباعيا أو خماسيا خاليا من حروف الذّلاقة، وحروف الذّلاقة ستة: وهي الميم والرّاء والباء الموحّدة والنون والفاء واللام ويجمعها: (مر بنفل) . 4- أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب، كالجيم والقاف بفاصل نحو:
جرموق وبغير فاصل نحو: قج وجقّة، والصاد والجيم نحو: الصولجان، والكاف والجيم نحو: السكرجة، والراء بعد النون في أول الكلمة نحو: نرجس، والزاي بعد الدال في آخر الكلمة نحو: مهندز.
2- التنازع: في العمل هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما في العمل، أو فعل متصرف واسم يشبهه في العمل، ويتأخر عنهما معمول، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى. مثال الفعلين:
«آتوني أفرغ عليه قطرا» ومثال الاسمين قوله:
عهدت مغيثا مغنيا من أجرته ... فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
ومثال المختلفين: «هاؤم اقرءوا كتابيه» . وإذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت، فاختار البصريون الأخير لقربه واختار الكوفيون الأول لسبقه. وتفصيل الحديث في التنازع مبسوط في كتب النحو، والآية من إعمال الثاني لأنه لو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني، فكان يقال: مبشرين ومنذرين له، ولم يقل كذلك، فدل على مذهب البصريين. وله في القرآن نظائر.
3- أراد بقوله: «ورسلا لم نقصصهم عليك» المرسلين إلى الأمم المجهول علمها وتاريخها عند قومك وعند أهل الكتاب المجاورين لبلادك، كأمم الشرق وأمم بلاد الشمال وأمم القسم الآخر من الأرض.
4- علم الكلام: قال ثعلب: لولا التأكيد بالمصدر بقوله:
«وكلم الله موسى تكليما» لجاز أن تقول: قد كلمت لك فلانا، يعني كتبت إليه رقعة، وبعثت إليه رسولا، فلما قال: «تكليما» لم يكن إلا كلاما مسموعا من الله تعالى. وبمسألة الكلام: سمي علم أصول الدين بعلم الكلام، وهي مسألة يبحث عنها في أصولها.
4:166–169Page 104
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦
But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧
Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨
Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩
Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.
الإعراب:
(لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ) هذه الجملة الاستدراكية مستأنفة لبيان جملة محذوفة لا بد منها، لتكون هذه الجملة مستدركة عنها. والجملة المحذوفة هي ما روي في أسباب النزول: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنّتوا في ذلك ما شاء لهم التعنت، قال: لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد. ولكن مخففة مهملة والله مبتدأ وجملة يشهد خبر، وبما جار ومجرور متعلقان بيشهد، وجملة أنزل إليك صلة الموصول (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) الجملة مفسرة لا محل لها، وأنزله فعل ومفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو، وبعلمه متعلقان بمحذوف حال، أي متلبسا بعلمه الخاص، أو حال كونه معلوما لله تعالى. والملائكة الواو عاطفة والملائكة مبتدأ خبره جملة يشهدون (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الواو استئنافية، وكفى فعل ماض، والباء حرف جر زائد والله فاعل مجرور لفظا مرفوع محلا، وشهيدا تمييز (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الجملة مستأنفة، وإن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول وجملة صدوا عطف عليها وعن سبيل الله متعلقان بصدوا (قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً) الجملة خبر إن، وضلالا مفعول مطلق، وبعيدا صفة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) الجملة مستأنفة لبيان مصيرهم. وإن واسمها، وجملة كفروا صلة، وجملة ظلموا عطف على الصلة، وجملة لم يكن الله خبرها، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، والله اسمها، وليغفر اللام لام الجحود، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود.
والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر يكن، أي: مريدا ليغفر لهم، وقد تقدم تقرير ذلك. ولا الواو حرف عطف، ولا نافية، ليهديهم عطف على ليغفر، وطريقا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) إلا أداة استثناء، وطريق مستثنى متصل، وجهنم مضاف اليه مجرور وعلامة جره الفتحة، لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وخالدين حال من مفعول يهديهم، وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين بمثابة التأكيد، لئلا يحمل على طول المكث.
وسيأتي مزيد بحث عنه (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) الواو استئنافية وكان واسمها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيسيرا أو بمحذوف حال ويسيرا خبر كان.
الفوائد:
معنى الخلود في اللغة: بقاء الشيء مدة طويلة، على حال واحدة، لا يطرأ عليه تغيير، ولا فساد. كقولهم للأثافي، أي: حجارة الموقد:
خوالد. وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها. والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتدّ الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان. وتأبّد الشيء: بقي أبدا. ويعبّر به عن كل ما يبقى مدة طويلة. وفي لسان العرب:
الأبد: الدهر، وفيه تساهل وفي المثل: (طال الأبد على لبد) يضرب ذلك لكل ما قدم. وقالوا: أبد بالمكان- من باب ضرب- أبودا: أقام به ولم يبرحه. ولم يكن عندهم شيء بمعنى اللانهاية يدور في كلامهم.
وفسر الخلد في اللسان بدوام البقاء في دار لا يخرج منها. والمراد بالسكنى الدائمة في العرف ما يقابل السكنى الموقتة المتحوّلة، كسكنى البادية. فالذين لهم بيوت في المدن يسكنونها يقال في اللغة: إنهم خالدون فيها. قال في اللسان: وخلد بالمكان يخلد خلودا- من باب نصر- وأخلد أقام، وخلد كضرب ونصر خلدا وخلودا أيضا: أبطأ عنه الشيب. ومن كبر ولم يشب ولم تسقط أسنانه يقال له: المخلد بكسر اللام، وقيل: بفتحها. وقال زهير:
لمن الدّيار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد
4:170Page 104
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠
O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق لأمر المكلفين بصورة عامة بالايمان بعد أن سدت عليهم منافذ الاعتذار، والنداء عام للناس جميعا لا أهل مكة وحدهم، وإن كان الغالب أن «يا أيها الناس» خطاب لأهل مكة، و «يا أيها الذين آمنوا» خطاب لأهل المدينة. وقد حرف تحقيق، وجاءكم الرسول فعل ومفعول به وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان بجاءكم، ومن ربكم متعلقان بمحذوف حال (فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) الفاء الفصيحة، وآمنوا فعل أمر وفاعله، أي: إذا كان الأمر كما عرفتم فآمنوا يكن الايمان خيرا لكم لأنه يزكيكم ويطهّركم من الأدناس الحسية والمعنوية، ويؤهلكم للسعادة الأبدية. وهذا هو التقدير المتبادر إلى الذهن، وعليه الكسائيّ فهو خبر لكان المحذوفة مع اسمها. وأما الخليل وسيبويه فيقدّران: واهتدوا بالايمان خيرا لكم، أي: مما أنتم عليه.
وقال الفراء: فآمنوا إيمانا خيرا لكم، فانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف. وقال الزمخشري: وانتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الايمان علم أنه يحملهم على أمر، فقال: خيرا لكم، أي: اقصدوا أو ائتوا خيرا لكم مما أنتم فيه. ولكم متعلقان ب «خيرا» (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الواو عاطفة وإن شرطية، وتفكروا فعل مضارع فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره:
فلا يضره كفركم، لأنه غني عنكم. ونبه على غناه بقوله: «فإن لله ما في السموات والأرض» فالفاء للتعليل، وإن حرف مشبه بالفعل ولله متعلقان بمحذوف خبرها المقدم، وما اسم موصول اسمها المؤخر، وفي السموات والأرض متعلقان بمحذوف صلة الموصول (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابها كثيرا.
4:171Page 105
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
اللغة:
(لا تَغْلُوا) لا تتجاوزوا الحد المعقول. وأصل الغلوّ في كل شيء مجاوزة حده. وغلا بالجارية عظمها ولحمها إذا أسرعت في الشباب فجاوزت لداتها، يغلو بها غلوّا وغلاء. ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي، وهي أبيات جميلة، يذكر فيها صاحبته وما مضى من أيامه وأيامها:
إذ ودّها صاف ورؤيتها ... أمنية وكلاهما غنم
لفّاء مملوء مخلخلها ... عجزاء ليس لعظمها حجم
خمصانة قلق موشّحها ... رود الشباب غلا بها عظم
وكأن غالية تباشرها ... تحت الثياب إذا صفا النجم
الإعراب:
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتحذير أهل الكتاب من المغالاة. ويا حرف نداء وأهل الكتاب منادى مضاف، ولا ناهية وتغلوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي دينكم متعلقان بتغلوا (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) الواو عاطفة، ولا ناهية وتقولوا فعل مضارع مجزوم، وعلى الله متعلقان بتقولوا، وإلا أداة حصر، والحق مفعول مطلق على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا القول الحق، أو مفعول به لأنه تضمن معنى القول، نحو: قلت قصيدة (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) كلام مستأنف مسوق للتعريف بالسيد المسيح عليه السلام. وإنما كافة ومكفوفة، والمسيح مبتدأ وعيسى بدل منه، وابن مريم بدل أيضا أو صفة، ورسول الله خبر المبتدأ، وكلمته عطف على رسول، وجملة ألقاها حالية، ولا بد من تقدير «قد» معها، والعامل في الحال معنى «كلمته» ، لأن معنى الكلمة أنه مكون بها من غير أب. والى مريم جار ومجرور متعلقان بألقاها وروح عطف على كلمته، ومنه متعلقان بمحذوف صفة لروح، ومن لابتداء الغاية (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) الفاء الفصيحة، أي: فإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله إيمانا يليق به تعالى، بالله جار ومجرور متعلقان بآمنوا ورسله عطف على لفظ الجلالة، والواو عاطفة، ولا ناهية، وتقولوا فعل مضارع مجزوم بها، وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف، أي: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وجملة آلهتنا ثلاثة في محل نصب مقول القول (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) الجملة مستأنفة، وانتهوا فعل أمر وفاعل وخيرا تقدم إعرابها قبل قليل، فجدّد به عهدا، ولكم متعلقان ب «خيرا» (إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ) كلام مستأنف مسوق لتأكيد الوحدانية. وإنما كافة ومكفوفة، والله مبتدأ وإله خبر، وواحد صفة (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف، أي سبحه تسبيحا، وأن وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: من أن يكون، والجار والمجرور متعلقان بسبحان، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون المقدم، وولد اسمها المؤخر، والجملة التنزيهية في محل نصب على الحال، أي: منزها (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) له متعلقان بخبر مقدم محذوف وما اسم موصول مبتدأ وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب، وما في الأرض عطف على ما في السموات، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه، أي: إذا كان يملك جميع ما فيهما فكيف يتوهم حاجته إلى ولد (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقدم إعرابه كثيرا.
الفوائد:
تعقب أحد الأذكياء اعراب قوله تعالى: «ثلاثة» فقال: ومن المشكلات أيضا قوله تعالى: «ثلاثة» ، ذهبوا في رفع ثلاثة إلى أنها خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وهو أيضا باطل لانصراف التكذيب إلى الخبر فقط. وإذا قلنا: ولا تقولوا:
آلهتنا ثلاثة، كنا قد نفينا الثلاثة ولم ننف الآلهة، جل الله عن ذلك.
والوجه أن يقال: الثلاثة صفة المبتدأ الأخير، ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة، ثم حذفت الخبر الذي هو «لنا» حذفك «لنا» في قولك «لا إله إلا الله» فبقي ولا تقولوا: آلهة ثلاثة ولا إلهان، فصح الفرق.
ولا يخلو كلامه من ذكاء نادر، فتدبر ذلك والله يعصمك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences