Darwish · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:35–50
4:35–36Page 84
وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥
And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.
۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦
Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,
اللغة:
(الشقاق) : الخلاف. وسمي الخلاف شقاقا لأن المخالف يفعل ما يشقّ على صاحبه، أو لأن كل واحد منهما قد صار في شق، أي جانب.
(الْجُنُبِ) بضمتين: البعيد الجوار والأجنبي ويستوي فيه المذكر وللمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، قال:
لا يجتوينا مجاور أبدا ... ذو رحم أو مجاور جنب (الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون هو الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر، فإنه صاحبك، وهو بجانبك دائما.
(ابْنِ السَّبِيلِ) : المسافر والمنقطع في سفره.
(المختال) : التّيّاه المتكبّر، وأصل ألفه ياء، ومنه الخيل لأنها تختال في مشيتها مرحا.
الإعراب:
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة أولي الأمر بشأن الخلاف بين الزوجين. وإن شرطية وخفتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وشقاق مفعول به وبينهما مضاف إليه أضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، وأصله: شقاقا بينهما، فأضيف على حدّ قوله: «بل مكر الليل والنهار» وأصله: بل مكر في الليل والنهار، أو على أن جعل البين شاقا، والليل والنهار ما كرين، على حدّ قولهم: نهارك صائر والضمير في بينهما للزوجين وإن لم يجر لهما ذكر لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) الفاء رابطة لجواب الشرط وابعثوا فعل أمر وفاعل والجملة في محل جزم جواب الشرط وحكما مفعول به ومن أهله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وحكما من أهلها عطف على ما تقدم (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) الجملة مستأنفة وإن شرطية ويريدا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والألف فاعل وإصلاحا مفعول به ويوفق الله جواب الشرط والجملة لا محل لها وبينهما ظرف متعلق بيوفق (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) ان واسمها، وجملة كان واسمها وخبريها خبر إن والجملة تعليلية لا محل لها. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان حقوق الأبوين والأقارب والجيران وما إلى ذلك. واعبدوا فعل أمر والواو فاعله والله مفعوله ولا تشركوا عطف على ما تقدم وبه متعلقان بتشركوا وشيئا مفعول به أي شيئا من الأشياء أو مفعول مطلق أي شيئا من الإشراك (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الواو عاطفة وبالوالدين جار ومجرور متعلقان بفعل المصدر المحذوف وإحسانا مفعول مطلق أي أحسنوا بهما إحسانا (وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) كلها معطوفة وبالجنب متعلقان بمحذوف حال (وَابْنِ السَّبِيلِ) عطف أيضا (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ما اسم موصول معطوف على ما تقدم وجملة ملكت أيمانكم صلة الموصول (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) إن واسمها، وجملة لا يحبّ خبرها ومن اسم موصول مفعول به وجملة كان صلة واسم كان مستتر ومختالا خبر كان الاول وفخورا خبرها الثاني.
الفوائد:
لم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار معيّن، ولا ورد في لغة العرب ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة المجاور ويطلق على معان: منها الجار والمجرور والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير والشريك في التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والاست. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إليّ جوارا أشدهم لي أذى، فبعث النبي أبا بكر وعمر وعليّا يصيحون على أبواب المساجد:
ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
وقرىء والجار ذا القربى نصبا على الاختصاص تنبيها على عظم حقه.
4:37Page 84
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧
Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -
اللغة:
(البخل) معروف. وفيه أربع لغات: فتح الباء والخاء، وضمهما، وفتح الباء وسكون الخاء، وضم الباء وسكون الخاء، وهي أشهرها، وبها قرأ جمهور الناس. وقرىء أيضا باللغات الثلاث الآنفة الذكر.
الإعراب:
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن البخل وذمه. والذين مبتدأ خبره محذوف تقديره: جديرون بكل ذم وملامة. ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي: هم الذين.
وقيل: هي بدل من «من كان» فتدخل في نطاق ما قبلها وقيل في محل نصب على الذم فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم وجملة يبخلون صلة الموصول ويأمرون الناس عطف على يبخلون وبالبخل متعلقان بيأمرون. (وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة ويكتمون عطف على يبخلون والواو فاعله وما مفعوله وجملة آتاهم الله صلة ومن فضله متعلقان بآتاهم (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) الواو استئنافية وأعتدنا فعل وفاعل وللكافرين. جار ومجرور متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به ومهينا صفة.
البلاغة:
في قوله «للكافرين» وضع الظاهر موضع المضمر للتنويه بأن من كان هذا ديدنه فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمته تعالى فله عذاب يسمه بالميسم الذي يتسم به الكفار. وقد ألمع إلى هذا الميسم شعراؤنا، فقال بشار بن برد:
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
وللزمخشري نثر جميل في وصف البخل نقتبس منه الفقرات التالية: «ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد شخص به وحل حبوته واضطرب ودارت عيناه في رأسه كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته، ضجرا من ذلك، وحسرة على وجوده» .
4:38Page 85
وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨
And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.
اللغة:
(الرئاء) والرياء: الإنفاق للتباهي والتفاخر.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ) الواو عاطفة والذين عطف على الذين السابقة وجملة ينفقون صلة الموصول وأموالهم مفعول به ورئاء الناس حال مؤولة أي مرائين ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله، أي: ليقال: ما أسخاهم! وهو أظهر من الحال، وقد توفرت فيه شروط النصب (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) عطف على ما تقدم وسيأتي سر تكرير لا في باب البلاغة (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويكن فعل الشرط وله متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «قرينا» وقرينا خبر يكن (فَساءَ قَرِيناً) الفاء رابطة لجواب الشرط، لأن ساء هنا فعل ماض جامد لإنشاء الذم والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» وقرينا تمييز مفسر للفاعل، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: «هو» العائد على: «الشيطان» .
والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من» .
البلاغة:
في تكرير «لا» النافية فن التكرير، وكذلك الباء للإشعار بأن كلّا منهما منتف على حدته. فاذا قلت: لا أكرم زيدا وعمرا، كان الكلام محتملا نفي الكرم عن المجموع، ولا يلزم منه نفي الكرم عن كل واحد منهما، واحتمل نفيه عنهما معا. فاذا قلت: «ولا عمرا» تعين نفي الكرم عنهما معا.
4:39–40Page 85
وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩
And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠
Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.
اللغة:
(المثقال) : ما يوزن به ثقيلا كان أو كثيرا. ومثقال الشيء وزنه أو ميزانه، والجمع مثاقيل. والمثقال عرفا يساوي درهما ونصف درهم، وربما زاد على ذلك أو نقص شيئا.
الإعراب:
(وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الواو استئنافية وماذا تقدم القول: إن لنا في إعرابها وجهين، أحدهما: أن تجعل «ما» استفهامية في محل رفع مبتدأ و «ذا» موصولية هنا خاصة خبر «ما» ، وعندئذ يكون «عليهم» متعلقين بمحذوف صلة الموصول. وثانيهما:
أن تجعل ماذا كلها اسما للاستفهام مبتدأ وعليهم متعلقان بمحذوف خبر. والمراد بالاستفهام هنا التوبيخ والذّم والإنكار. ولو شرطية وآمنوا فعل الشرط والجواب محذوف والتقدير فماذا يضرهم ذلك؟
وهو تركيب متداول تقول للمنتقم: ما ضرّك لو عفوت؟ وللعاق:
ما يرزؤك لو كنت بارا بوالديك؟ وقد علم أنه لا مضرّة ولا مرزأة في العفو والبر، ولكنه لمحض التوبيخ والذّم. ويجوز أن تكون «لو» مصدرية والمصدر المؤول من «لو» والفعل منصوب بنزع الخافض أي: وماذا عليهم في إيمانهم. وبالله متعلقان بآمنوا واليوم عطف على لفظ الجلالة والآخر صفة (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) عطف على آمنوا ومما متعلقان بأنفقوا وجملة رزقهم الله صلة الموصول (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) الواو استئنافية وكان واسمها وبهم جار ومجرور متعلقان بعليما وعليما خبر كان (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) كلام مستأنف مسوق ليكون توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات. وان واسمها، وجملة لا يظلم خبرها ومثقال ذرة صفة لمصدر محذوف أي: ظلما مثقال ذرة.
وقيل: ضمن «يظلم» معنى فعل يتعدى لاثنين، فانتصب «مثقال» على أنه مفعول به ثان، والثاني محذوف، والتقدير: لا ينقص أو لا يبخس أحدا مثقال ذرة. والأول أسهل وأقل تكلفا (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) الواو عاطفة وإن شرطية وتك فعل الشرط وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة من مضارع كان المجزوم للتخفيف، وقد تقدم بحثه. واسم تك يعود إلى المثقال، وأنثه لأنه أضيف إلى ذرة وقد تقدم بحثه. وحسنة خبر «تك» ويضاعفها جواب الشرط والهاء مفعول به (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) ويؤت عطف على يضاعفها ومن لدنه جار ومجرور متعلقان بيؤت أو بمحذوف حال لتقدمه على الموصوف وأجرا مفعول به وعظيما صفة.
4:41–42Page 85
فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١
So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?
يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢
That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.
الإعراب:
(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الفاء استئنافية وكيف اسم استفهام، وهي في مثل هذا التركيب تحتمل وجهين لا ثالث لهما، وهما أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، أي: كيف حالهم؟ وثانيهما أن تكون حالا من محذوف، أي: كيف يصنعون؟ وإذا ظرف زمان متعلق بهذا المحذوف وجملة جئنا في محل جر بالإضافة ومن كل متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشهيد وتقدمت عليه، وبشهيد متعلقان بجئنا. وهناك وجه ثالث حكاه ابن عطية عن مكّيّ، وهو أن «كيف» معمولة لجئنا، (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) الواو عاطفة وجئنا فعل وفاعل وهما عطف على جئنا الاولى ولك جار ومجرور متعلقان بجئنا وعلى هؤلاء متعلقان ب «شهيدا» وشهيدا حال (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الظرف متعلق بيودّ وإذ ظرف مضاف إلى الظرف والظرف والتنوين عوض جملة، والتقدير: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يود الذين كفروا. وجملة يود مستأنفة وجملة كفروا صلة (وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) الواو عاطفة وعصوا الرسول عطف على كفروا ولو مصدرية بعد فعل الودادة مؤولة مع ما بعدها بمصدر مفعول به ليود، أي يتمنون تسوية الأرض بهم بحيث يدفنون فيها، والأرض نائب فاعل لتسوى (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) عطف على «يود» ويجوز أن تكون للاستئناف ويكتمون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والله منصوب بنزع الخافض وحديثا مفعول به، أي: لا يكتمون عن الله حديثا. وأجاز قوم أن يكون لفظ الجلالة مفعولا به ليكتمون، لأنه في رأيهم يتعدى لاثنين.
الفوائد:
التنوين اللاحق بالظروف المضافة مثل: يومئذ وحينئذ وعندئذ، يسمى نون التعويض، لأنه عوض عن جملة كما رأيت في باب الإعراب، فيلتقي ساكنان ذال «إذ» والتنوين، فتكسر الذال على أصل التقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة كسرة إعراب، لأن «إذ» ملازمة للبناء، وليست الاضافة في «يومئذ» ونحوها من إضافة أحد المترادفين، بل من إضافة الأعمّ إلى الأخص، كشجر أراك.
4:43Page 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.
اللغة:
(جُنُباً) معروف، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والجمع، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، وهذا هو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن. وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون رفعا وبالياء والنون نصبا وجرا، فقالوا: قوم جنبون، وجمع تكسير فقالوا: قوم أجناب، وأما تثنية فقالوا: جنبان.
(الْغائِطِ) : في الأصل البطن الواسع من الأرض المطمئن. وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة أتى غائطا من الأرض، فقيل لكل من أحدث:
تغوّط، استحياء من ذكر الحدث.
(الصعيد) : التراب: والتيمم بالصعيد أصله التعمد، يقال:
تيمّمتك وتأمّمتك وأممتك، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. والأصل في ذلك كله وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية، ومنه قول ذي الرمّة:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم
يعني ترمي به وجه الأرض.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم اعراب نظائرها (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) كلام مستأنف مسوق للنهي عن الصلاة في حال السكر، ولا ناهية وتقربوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والصلاة مفعول به وأنتم الواو للحال وأنتم مبتدأ وسكارى خبره (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) حتى حرف غاية وجر وتعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وما اسم موصول مفعول به، ويجوز أن تكون ما مصدرية والمصدر المؤول مفعول به. وأن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بحتى والجار والمجرور متعلقان بتقربوا (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) عطف على قوله وأنتم سكارى، فانها جملة محلها النصب على الحال من فاعل تقربوا، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. وإلا أداة حصر عابري سبيل استثناء من عامة أحوال المخاطبين، فهو منصوب على الحالية، وجمع بين الحالين للدلالة على أن هناك حالين، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي السفر، وعبور السبيل عبارة عن السفر، و «حتى تغتسلوا» مثل: «حتى تعلموا» فهي متعلقة بفعل النهي (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ)
الواو عاطفة وإن شرطية وكنتم كان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومرضى خبرها وأو حرف عطف وعلى سفر الجار والمجرور في محل نصب عطفا على مرضى (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) أو حرف عطف وجاء معطوف على ما تقدم وأحد فاعل ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد ومن الغائط متعلقان بجاء (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) عطف أيضا فالداخلون في حكم الشرط أربعة، وسيأتي مزيد من البيان حول هذه الاحكام في سورة المائدة، وهم المرضى والمسافرون والمحدثون وأهل الجنابة (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً) الفاء عاطفة والجملة عطف على كنتم (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) الفاء رابطة لجواب الشرط وتيمموا فعل أمر والواو فاعل وصعيدا مفعول به وطيبا صفة وجملة فتيمموا في محل جزم جواب الشرط (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) الفاء عاطفة وامسحوا عطف على تيمموا وبوجوهكم متعلقان بامسحوا. حكى سيبويه: مسحت رأسه وبرأسه. وأيديكم عطف على وجوهكم. وقال بعض النحاة: الباء للتبعيض، وجعلوا منه قوله تعالى: «عينا يشرب بها عباد الله» ، وقول عمر بن أبي ربيعة:
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وقال آخرون: هي للاستعانة. وكل ذلك سائغ (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) إن واسمها، وكان واسمها وخبراها خبر ان.
البلاغة:
1- الكناية بقوله: من الغائط، فقد كنّى عما يستهجن ذكره.
وبالملامسة عن الجماع، في أحد القولين. وسيرد هذا مفصلا في المائدة.
2- الالتفات في قوله: «أو جاء أحد» فقد التفت من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كناية عما يستحيا من ذكره، فلم يخاطبهم به. وهذا من محاسن الكلام.
4:44–46Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
اللغة:
(هادُوا) : رجعوا، والمراد بهم أحبار اليهود.
(الكلم) : جمع كلمة، وتحريف الكلم بمعنى إحالته عن مواضعه وإزالته، لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها.
(راعِنا) : قيل: هي عربية، ومعناها انتظرنا وارقبنا، وقيل هي كلمة شبه عبرية أو سريانية كانوا يتسابّون بها، وهي: راعينا وفي هذا منتهى النذالة والخسة أن تسبّ غيرك بلسان لا يعرفه.
(لَيًّا) : فتلا بألسنتهم وصرفا للكلام عن نهجه الأصلي إلى السب والشتم. وكان اليهود يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك. فأطلعه تعالى على ما يجمجمون به وما ينم على الخبث وسوء الطوية.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق لتحذير المؤمنين من موالاة اليهود. والهمزة للاستفهام ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والرؤية هنا قلبية بمعنى العلم. وعدّي بإلى، بمعنى: ألم ينته علمك إليهم، أو بصرية بمعنى ألم تنظر إليهم فإنهم جديرون بأن تشاهدهم وتدرجهم في حيز الأمور المرئية، وجملة أوتوا صلة والواو نائب فاعل ونصيبا مفعول به ثان ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «نصيبا» (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) جملة يشترون مفعول به ل «تر» إن كانت قلبية، وحال إن كانت بصرية، والواو فاعل والضلالة مفعول به. ومعنى اشتراء الضلالة استبدالها بعد وضوح الآيات المبينة. وقد تقدم القول في اشتراء الضلالة. ويريدون عطف على يشترون وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به ليريدون والسبيل مفعول تضلوا (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ) الواو حالية والله مبتدأ وأعلم خبر وبأعدائكم متعلقان بأعلم والجملة في محل نصب حال (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً) تقدم القول في كفى وزيادة الباء في فاعلها أو مفعولها، وهنا زيدت في الفاعل، ووليا ونصيرا تمييزان أو حالان. (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) كلام مستأنف مسوق لإيراد صورة خسيسة عن اليهود أثناء محاورتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم لمبتدأ محذوف نابت عنه صفته، وهي جملة «يحرفون الكلم» والتقدير:
من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: من الذين هادوا خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هم من الذين هادوا، وجملة يحرفون حال من ضمير هادوا. وقيل «من الذين» حال من «أعدائكم» مبينة له، وما بينهما اعتراض، والأول أرجح. وسيرد لابن هشام رأي واضح.
(عَنْ مَواضِعِهِ) متعلقان بيحرفون (وَيَقُولُونَ: سَمِعْنا وَعَصَيْنا) جملة يقولون عطف على يحرفون وجملة سمعنا مقول القول وجملة وعصينا عطف على جملة سمعنا (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) عطف على سمعنا منتظم في ضمن مقولهم: أي ويقولون ذلك أثناء مخاطبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وغير مسمع، حال من المخاطب. وهذه الكلمة من الكلام الموجه لما سيأتي في باب البلاغة (وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ) عطف على اسمع، وليا بألسنتهم نصب على الحال أو مفعول لأجله أو مفعول مطلق وطعنا عطف على «ليا» وفي الدين متعلقان بطعنا (وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا) الواو حالية أو استئنافية والجملة حالية أو مستأنفة ولو شرطية وأن وما بعدها فاعل لفعل محذوف أي: لو ثبت قولهم، وجملة قالوا خبر أن وجملتا سمعنا وأطعنا من مقول قولهم (وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا) عطف على المقول منتظم في ضمنه. ومعنى انظرنا أي انظر إلينا، بدل راعنا المنطوية على الخسة كما تقدم في باب اللغة (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ) اللام رابطة لجواب لو وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو وخيرا خبرها ولهم متعلقان بخيرا وأقوم عطف على «خيرا» (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الواو حالية ولكن حرف استدراك مخفف مهمل ولعنهم الله فعل ومفعول به وفاعل والفاء عاطفة ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر وقليلا صفة مفعول مطلق أي: إلا إيمانا قليلا. ويجوز أن يكون: قليلا منهم، فيكون مستثنى من الواو في يؤمنون.
البلاغة:
اشتملت هذه الآية على فن فريد نسميه: الإبهام أو الكلام الموجه أو المحتمل للضدين، وهو الإتيان بكلام يحتمل معنيين متضادين بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، وهو قوله: «واسمع غير مسمع» فهو ذو وجهين:
1- وجه يحتمل الذم: أي استمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، أي: أصابك الله بالصمم الموت. ولعله هو المراد هنا لما انطووا عليه من خسة.
2- ووجه يحتمل المدح: أي اسمع غير مسمع مكروها. ومن هذا الكلام الذي هو أشبه بأخذة السحر لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» فهو يشتمل على معنيين متضادين، أحدهما: أن المراد به المدح، أي:
إذا لم تفعل فعلا يستحيا منه فافعل ما شئت، لأنك آمن من مغبته.
والآخر أن المراد به الذم، أي: إذا لم يكن لك حياء يردعك عن فعل ما يستحيا منه فافعل ما شئت، لأنك بلغت أدنى دركات المهانة.
وهذان معنييان ضدان، أحدهما مدح والآخر ذم.
الكلام الموجه في شعر أبي الطيب المتنبي:
وهنا يحسن بنا أن ندرج فصلا من روائع أبي الطيب المتنبي في أماديحه لكافور، فقد كان يتعمّد هذا اللون من الكلام كقوله من قصيدة فيه، أولها:
عدوّك مذموم بكلّ لسان ... ولو كان من أعدائك القمران
ولله سرّ في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان
ثم قال بعد ذلك:
فمالك تعنى بالأسنّة والقنا ... وجدّك طعّان بغير لسان؟
فإن هذا الكلام أشبه بالذم منه بالمدح، لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك بل بحظّ وسعادة، وهذا لا فضل لك فيه، لأنه إذا كان حظه هو السبب في تقدمه فما قيمته؟ وما شأنه؟ وما أهون أمره!! وما أقل خطره!! ولأن السعادة قد تنال الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. وقد كان أبو الطيب يجنح إلى استعمال هذا الضرب من القول في قصائده الكافوريات.
وحكى أبو الفتح بن جنّي قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أولها: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب، فأتيت منها على هذا البيت وهو:
وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
فقلت له: يا أبا الطيب، ما زدت على أن جعلته أبا زنة! وهي كنية القرد، فضحك.
نماذج من الإبهام:
ومن طريف الإبهام ما يحكى من أن بعض الشعراء هنأ الحسن ابن سهل باتصال بنته بوران بالمأمون مع من هنأه من الشعراء، فأثاب الناس كلهم وحرمه. فكتب إليه: إن تماديت في حرماني عملت فيك بيتا لا يعلم أحد أمدحتك فيه أم هجوتك؟ فأحضره وقال له:
لا أعطيك أو تفعل. فقال:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟
فلم يعلم أراد بقوله: بنت من؟ في العظمة أم في الدناءة؟
فاستحسن الحسن منه ذلك وسأله هل ابتكرت ذلك؟ فقال: لا بل نقلته من شعر بشار بن برد، اتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، فقال له الخياط: على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أهو قباء أم جبة؟ فقال له بشار: إن فعلت ذلك لأنظمن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك؟ فلما خاطه قال بشار: خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فما علم أحد أن العين الصحيحة تساوي العوراء أو العكس.
والحديث في الإبهام يطول، وسيرد المزيد منه في هذا الكتاب العجيب.
الفوائد:
أورد ابن هشام في المغني شاهدا على الاعتراض بأكثر من جملتين، قال بعد أن أورد الآيتين الآنفتين: إن قدّر «الذين هادوا» بيانا للذين أوتوا وتخصيصا لهم، إذا كان اللفظ عاما في اليهود. والمعترض به على هذا التقدير جملتان، وعلى التقدير الأول ثلاث جمل، وهي: والله أعلم. وكفى بالله، مرتين، وأما «يشترون» و «يريدون» فجملتا تفسير لمقدر، إذ المعنى: ألم تر إلى قصة الذين أوتو، وإن علقت «من» ب «نصير» مثل ونصرناه من القوم، أو بخبر محذوف على أن «يحرفون» صفة لمبتدأ محذوف، أي قوم يحرفون، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي: منا فريق، فلا اعتراض البتة.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
اللغة:
(نَطْمِسَ وُجُوهاً) : نمحو تخطيط معالمها وصورها.
(عَلى أَدْبارِها) أي نجعلها كالأفقاء، كاللوح المنصوب الباهت حتى لا تبين ولا تتضح لرائيها.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) تقدم إعرابه (آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) كلام مستأنف مسوق للتحذير مما أعدّ لليهود بعد تحريفهم الكلم من مسخ وتشويه. وآمنوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة وبما متعلقان بآمنوا وجملة نزلنا صلة الموصول ومصدقا حال ولما متعلقان بمصدقا ومعكم ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، أي: مصدقا للذي استقر معكم (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) من قبل جار ومجرور متعلقان بآمنوا وأن نطمس مصدر مؤول في محل جر بالاضافة ووجوها مفعول به فنردها: الفاء حرف عطف ونردها عطف على نطمس منصوب مثله والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به وعلى أدبارها جار ومجرور متعلقان بمحذوف في موضع المفعول الثاني لنردها، وقيل بمحذوف حال. ولا أرى داعيا لذلك الإعراب (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أو حرف عطف ونلعنهم عطف على «نطمس وجوها» أو «نردها» وذكر الضمير وجمعه جمع العقلاء لأنه أرجعه إلى أصحاب الوجوه كما سيأتي في باب البلاغة. وكما لعنا متعلقان بمحذوف مفعول مطلق. وقد تقدمت له نظائر. وما مصدرية ونا ضمير متصل في محل رفع فاعل ل «لعن» والمصدر المؤول في محل نصب مفعول مطلق أو حال وأصحاب السبت مفعول (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) الواو استئنافية أو حالية وكان واسمها وخبرها، والجملة لا محل لها أو في محل نصب حال.
البلاغة:
1- في هذه الآية مجاز مرسل بذكر الوجوه وإرادة أصحابها، والعلاقة الكلية.
2- الإبهام في تنكير الوجوه، تلطفا بالمخاطبين، وتهويلّا للأمر العظيم الذي يثير الخوف، وقد اختلفوا في معنى التهديد وما المراد به في الآية، هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا، ويذهب الأنف والحاجب والعين والأذن، وتلك ظلمات بعضها فوق بعض، أم المراد سلبهم التوفيق وحرمانهم اللطف؟ ذهب إلى الاول قوم، والى الآخر آخرون، وانظر المطولات.
4:48–50Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
اللغة:
(يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) : يصفونها بزكاة العمل والطاعة، وزيادة العبادة والإخلاص.
(فَتِيلًا) الفتيل: السّحاة في شقّ النّواة، وما فتلته بين أصابعك من الوسخ. يقال: ما أغنى عنك فتيلا أي: شيئا بقدر الفتيل. وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة، وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة واردة في القرآن الكريم، والرابع هو اليعروف وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما تستحيل المغفرة بدونه. وإن واسمها، وجملة لا يغفر خبرها وأن وما في حيزها مصدر مؤول في محل نصب مفعول به ليغفر وبه متعلقان بيشرك. وذكر الفراء في كتابه معاني القرآن أنه منصوب بنزع الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وعلى كل حال فالجار والمجرور متعلقان بيغفر (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) الواو عاطفة ويغفر معطوف على المنفي فهو مثبت، والأحسن أن تكون استئنافية ويغفر مستأنف مرفوع دفعا للالتباس، وما اسم موصول مفعول به ودون ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول وذلك مضاف إليه والاشارة للاشراك المفهوم من يشرك ولمن متعلقان بيغفر وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويشرك فعل الشرط وبالله متعلقان بيشرك فقد الفاء رابطة للجواب وقد حرف تحقيق وافترى فعل ماض وإثما مفعول به وعظيما صفة والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) كلام مستأنف مسوق للتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله مع ما هم متلبسون به من الكفر، حيث قال اليهود: نحن أحباء الله. والهمزة للاستفهام التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والى الذين متعلقان بتر وجملة يزكون أنفسهم صلة الموصول (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) بل حرف إضراب وعطف والله مبتدأ وجملة يزكي خبره ومن اسم موصول مفعول به وجملة يشاء صلة الموصول (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الواو عاطفة ولا نافية ويظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وهو معطوف على محذوف تقديره: فهم يثابون ولا يظلمون، وفتيلا نائب مفعول مطلق أي ظلما بقدر الفتيل، فهو مثل مثقال ذرة. ويجوز أن يعرب مفعولا ثانيا على تضمين يظلمون معنى ينقصون. وقد تقدم هذا الإعراب في مثقال ذرة (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) الجملة مستأنفة وانظر فعل أمر وكيف اسم استفهام في محل نصب حال أو مفعول مطلق ولعل الثاني أرجح، ويفترون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة الاستفهام في محل نصب مفعول انظر، لأن انظر متعلقة بالاستفهام، وعلى الله متعلقان بيفترون والكذب مفعول به أو مفعول مطلق لأنه مرادف العامل يفترون، فالكذب والافتراء من واد واحد (وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً) الواو استئنافية وكفى فعل وبه الباء حرف جر زائد والهاء مفعول كفى محلا والفاعل ضمير مستتر مفسر بنكرة وهو قوله إثما فإثما تمييز ومبينا صفة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences