Darwish · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:51–70
4:51–54Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤
Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.
اللغة:
(الجبت) : الصنم، وكل ما عبد من دون الله.
(الطاغوت) : الساحر. وقد نسجت حولهما أساطير كثيرة تجدها في المطولات.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق للحديث عن كعب بن الأشرف وغيره من اليهود، عند ما قدموا مكة، وشاهدوا قتلى بدر، وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم، ومحاربة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم اعراب نظائره قريبا. ونصيبا مفعول أوتوا الثاني ومن الكتاب متعلقان بمحذوف صفة لنصيبا (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) جملة يؤمنون حال من «الذين» أو من الواو في أوتوا وإذا كانت الرؤية قلبية فمحلها النصب على أنها مفعول به ثان ل «تر» العلمية (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الواو حرف عطف ويقولون عطف على يؤمنون وللذين متعلقان بيقولون وجملة كفروا صلة الموصول (هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) الجملة في محل نصب مقول قولهم وهؤلاء اسم اشارة مبتدأ وأهدى خبره ومن الذين جار ومجرور متعلقان بأهدى وجملة آمنوا صلة الموصول وسبيلا تمييز (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) جملة مستأنفة لبيان حالهم وحقيقة أمرهم. وأولئك مبتدأ والذين خبر اسم الاشارة وجملة لعنهم صلة الموصول (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)
الواو استئنافية ومن شرطية مفعول به مقدم ليلعن ويلعن فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وقد سها الجلال رحمه الله فقدر ضميرا منصوبا، وفاته أن لفظ القرآن لا يجوز التلاعب به. والله فاعل والفاء رابطة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وله جار ومجرور متعلقان بنصيرا، ونصيرا مفعول به لتجد. وفعل الشرط وجوابه خبر «من» .
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) أم عاطفة منقطعة بمعنى بل فهي عطف للإضراب والانتقال من ذمهم بتزكيتهم أنفسهم وغيرها إلى ذمهم بشيء آخر، وهو ادعاؤهم بأن لهم نصيبا من الملك. ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونصيب مبتدأ مؤخر ومن الملك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لنصيب (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أي: إذا جعل لهم نصيب من الملك فإذن. وإذن حرف جواب وجزاء وقد أهملت لوقوعها بعد حرف العطف على الأفصح كما سيأتي في باب الفوائد، ولا نافية ويؤتون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والناس مفعول به أول ونقيرا مفعول به ثان (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أم حرف عطف وإضراب بمعنى بل، وهي للشروع في الصفة الثانية من قبائحهم، ويحسدون فعل مضارع مرفوع والناس مفعول به وعلى ما آتاهم جار ومجرور متعلقان بيحسدون وجملة آتاهم صلة والله فاعل ومن فضله متعلقان بآتاهم (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) الفاء تعليلية، كأنها تعليل للانكار والاستقباح، وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وآل ابراهيم مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان والحكمة عطف على الكتاب (وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) عطف على ما تقدم.
الفوائد:
(إذا) أحد الأحرف التي تنصب الفعل المضارع بأنفسها، وما عداها فبإضمار أن معها، وهي: أن لن إذن كي. أما إذن فحرف ناصب لاختصاصه ونقله الفعل إلى الاستقبال، وهي حرف جواب وجزاء، ولها ثلاثة أحوال:
1- أن تدخل على الفعل في ابتداء الجواب فهذه يجب إعمالها نحو قولك: إذن أكرمك، في جواب: أنا أزورك.
2- أن يكون ما قبلها واوا أو فاء، فيجوز إعمالها وإلغاؤها باعتبارين مختلفين، وذلك نحو قولك: زيد يقوم وإذن يذهب، فيجوز هاهنا الرفع والنصب باعتبارين مختلفين، وذلك أنك إن عطفت:
«وإذن يذهب» على «يقوم» الذي هو الخبر ألغيت «إذن» من العمل وصار بمنزلة الخبر، لأن ما عطف على شيء صار واقعا موقعه، فكأنك قلت: «زيد إذن يذهب» فيكون قد اعتمد ما بعدها على ما قبلها لأنه خبر المبتدأ، وإن عطفته على الجملة الأولى كانت الواو كالمستأنفة وصار في ابتداء كلام فأعمل لذلك ونصب به.
3- وأما الحالة الثالثة فأن تقع متوسطة، معتمدا ما بعدها على ما قبلها، أو كان الفعل فعل حال غير مستقبل، في جواب من قال:
«أنا أزورك أنا إذن أكرمك» فترفع هنا لأن الفعل بعدها معتمد على المبتدأ الذي هو «أنا» . وكذلك لو قلت: «إن تكرمني إذن أكرمك» فتجزم لأن الفعل بعد «إذن» معتمد على حرف الشرط.
وهناك تفاصيل يرجع إليها في كتب النحو.
4:55–56Page 87
فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥
And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦
Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.
الإعراب:
(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) الفاء استئنافية للتفريع ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن اسم موصول مبتدأ مؤخّر وجملة آمن صلة الموصول وبه جار ومجرور متعلقان بآمن (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) عطف على ما تقدم (وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) الواو استئنافية وكفى فعل ماض والباء حرف زائد وجهنم مجرور بالباء لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل كفى وسعيرا تمييز أو حال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً) إن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول وبآياتنا متعلقان بكفروا وسوف حرف استقبال ونصليهم فعل مضارع والهاء مفعوله الأول ونارا مفعوله الثاني وجملة سوف نصليهم نارا خبر إن وجملة إن وما في حيزها مستأنفة (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) الجملة حال من الضمير المنصوب في «نصليهم» ولك أن تجعلها صفة ل «نارا» ولا بد من تقدير عائد محذوف، أي: كلما نضجت جلودهم فيها. وكلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق ببدلناهم وجملة نضجت جلودهم في محل جر بالاضافة إذا اعتبرت ما زائدة وإن كانت موصولا حرفيا فلا محل لها وجملة بدلناهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. وبدلناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وجلودا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض وغيرها صفة لجلودا (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ)
اللام للتعليل والجر ويذوقوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والعذاب مفعوله والجار والمجرور متعلقان ببدلناهم (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً) إن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان ضمير مستتر تقديره هو، وعزيزا خبر كان الاول وحكيما خبرها الثاني.
البلاغة:
الاستعارة المكنية التخييلية في قوله «ليذوقوا العذاب» فقد حذف المشبه، واستعار شيئا من لوازمه وهو الذوق، والمراد بالذوق هنا ديمومته، مع ما يصحبه من الاستكراه والألم الذي لا يوصف، ولا مرية في أن استمرار ذوق العذاب مع بقاء الأبدان حية مصونة فيه ما فيه من استبعاد لكل ما قد يخطر على البال من توهم زوال العذاب وألمه، ناهيك بما لحاسة الذوق من أثر في نفس المحترق بالنار.
4:57Page 87
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧
But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.
اللغة:
(ظليل) : صفة لظل مشتقة منه لتأكيد مضمونه، كما يقال:
ليل أليل، ويوم أيوم، أي: دائما لا تنسخه الشمس، وسجسجا لا حرّ فيه ولا برد.
الإعراب:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على الذين كفروا لتقرير حال هؤلاء وهؤلاء، كما سيأتي في البلاغة والذين اسم موصول مبتدأ وجملة آمنوا صلة الموصول (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) جملة «سندخلهم» خبر الذين والهاء مفعول به أول وجنات مفعول به ثان على السعة، وقد تقدمت نظائره، أو منصوب بنزع الخافض وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وخالدين حال وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف متعلق بخالدين أيضا (لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وفيها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وأزواج مبتدأ مؤخر ومطهرة صفة، أي أن هذه الأزواج مطهرة من الاقذار المعروفة في الدنيا كالحيض وغيره. والجملة الاسمية صفة ثانية لجنات.
(وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) الجملة معطوفة، وظلا مفعول به ثان على السعة والمفعول الاول الهاء، وظليلا صفة.
البلاغة:
في عطف «الذين آمنوا» على «الذين كفروا» لف ونشر مشوّش، وقد سبقت الاشارة إليه مع ما في الكلام من مقابلة وتنظير.
4:58Page 87
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨
Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.
الإعراب:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) كلام مستأنف مسوق لتقرير الأمانات بعد أن تقدم إخلال اليهود بها ونقضهم إياها.
وإن واسمها، وجملة يأمركم خبرها وأن وما في حيزها مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: بأن تؤدوا، والجار والمجرور متعلقان بيأمركم أو مفعول به ثان ليأمركم والأمانات مفعول به لتؤدوا وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم والى أهلها جار ومجرور متعلقان بتؤدوا (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بمحذوف، لأن ما بعد أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها، والتقدير يأمركم، وجملة حكمتم في محل جر بالاضافة وبين الناس ظرف متعلق بحكمتم وأن تحكموا مصدر مؤول معطوف على أن تؤدوا، فيكون قد فصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف، وبالعدل متعلقان بتحكموا ولك أن تعلقها بمحذوف حال من فاعل تحكموا أن متلبسين بالعدل (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر. ونعما أصلها: نعم وما، ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح وما نكرة تامة منصوبة على التمييز والفاعل مستتر مميز بنكرة أو «ما» موصولة فهي فاعل نعم وجملة يعظكم به صفة للمخصوص بالمدح وهو محذوف، والتقدير:
نعم الشيء شيئا يعظكم به، وحذف الموصوف على حد قوله: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه» ، والمعنى: قوم يحرفون الكلم، وقد تقدم هذا قريبا، فجدد به عهدا. وبه متعلقان بيعظكم وجملة نعما خبر إن (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً) إن واسمها، وجملة كان خبرها وسميعا خبر كان الاول وبصيرا خبره الثاني.
الفوائد:
الأمانة اسم شامل يشمل جميع الحقوق سواء أكانت لله أم للآدمي، وتفصيلاتها مدونة في المطولات. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
وروى البغوي بسنده عن أنس قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» .
2- نعمّا: بكسر النون اتباعا لكسر العين.
4:59Page 87
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لجميع الناس، للأمر بطاعة الولاة وقد تقدم إعراب النداء كثيرا. وأطيعوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وأطيعوا الرسول عطف على: أطيعوا الله، وأولي الأمر عطف أيضا.
وأولي منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ومنكم متعلقان بمحذوف حال (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) الفاء استئنافية وإن شرطية وتنازعتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفي شيء متعلقان بتنازعتم فردوه: الفاء رابطة لجواب الشرط وردوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والى الله متعلقان بردوه والرسول عطف على الله والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إن شرطية وكنتم كان الناقصة واسمها، والفعل الماضي في محل جزم فعل الشرط، وجملة تؤمنون في محل نصب خبر كنتم وبالله متعلقان بتؤمنون واليوم عطف على الله والآخر صفة والجملة الشرطية مستأنفة وجواب الشرط محذوف أي فردوه (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) الجملة مستأنفة واسم الاشارة مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز والاشارة للردّ.
الفوائد:
في هذه الآية إلماع إلى الأدلة الفقهية الأربعة فقوله: «أطيعوا الله» إشارة إلى الكتاب، وقوله: «وأطيعوا الرسول» اشارة إلى السنة، وقوله: «وأولي الأمر» إشارة إلى الإجماع، وقوله: «فإن تنازعتم» إشارة إلى القياس.
4:60Page 88
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠
Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) كلام مستأنف مسوق لبيان مكان التعجب من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما يناقض هذه الدعوى، ويطيح بها من أساسها، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، فجمعوا بين النقيضين، وألّفوا بين الضّدّين. والهمزة للاستفهام التعجبي. ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والى الذين متعلقان بتر، وقد علق فععل الرؤية إن كانت قلبية وجملة يزعمون صلة الموصول وأنهم: أن واسمها، وجملة آمنوا خبرها وقد سدّت أن واسمها مسدّ مفعولي يزعمون وبما جار ومجرور متعلقان بآمنوا وأنزل فعل ماض مبني للمجهول والجملة صلة وإليك متعلقان بأنزل (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) الواو عاطفة وما عطف على ما الأولى وجملة أنزل صلة ومن قبلك متعلقان بأنزل أو بمحذوف حال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) جملة يريدون حالية وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به ليريدون والى الطاغوت متعلقان بيتحاكموا (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) الواو حالية وقد حرف تحقيق وأمروا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وأن يكفروا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وبه متعلقان بيكفروا (وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً) الواو عاطفة ويريد الشيطان عطف على يريدون وأن يضلهم مصدر مؤول مفعول يريد وضلالا مفعول مطلق وبعيدا صفة.
4:61–63Page 88
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) كلام مستأنف مسوق لتكملة مادة التعجب من حالهم. والواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو رأيت وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل وجملة تعالوا مقول القول والى ما أنزل الله متعلقان بتعالوا وجملة أنزل الله صلة الموصول والى الرسول عطف على قوله: إلى ما أنزل الله (رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) رأيت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والمنافقين مفعول به وجملة يصدون حالية إن كانت الرؤية بصرية أو مفعول به ثان إن كانت الرؤية قلبية وعنك متعلقان بيصدون وصدودا مفعول مطلق (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الفاء استئنافية وكيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال أي فكيف يصنعون؟ أو فكيف تراهم؟ ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنعهم أو حالهم؟ وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف وجملة أصابتهم في محل جر بالاضافة ومصيبة فاعل وبما متعلقان بأصابتهم ويجوز في ما أن تكون مصدرية، أو موصولية وجملة قدمت أيديهم لا محل لها، وأيديهم فاعل (ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) ثم جاءوك عطف على أصابتهم ولا أرى مساغا لصنع بعضهم في عطفها على جملة يصدون كما يرى البيضاوي وجملة يحلفون بالله حالية وإن نافية وأردنا فعل وفاعل وإلا أداة حصر وإحسانا مفعول به وتوفيقا عطف على إحسانا (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لزيادة التنبيه على نفاقهم. وأولئك مبتدأ والذين خبر اسم الاشارة وجملة يعلم الله صلة الموصول وما اسم موصول مفعول به وفي قلوبهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً) الفاء الفصيحة وهي التي أفصحت عن شرط مقدر أي:
إذا كانت حالهم كذلك فأعرض عنهم ولا تقبل لهم عذرا، وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعنهم جار ومجرور متعلقان بأعرض والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط محذوف غير جازم وعظهم عطف على أعرض وقل لهم: عطف على أعرض ولهم متعلقان بقل، وفي أنفسهم في متعلق هذا الجار والمجرور ثلاثة أوجه متساوية في الصحة والجودة:
1- إنهما متعلقان ببليغا لأن أمره بتهديدهم بلغ صميم قلوبهم.
وسياق التهديد في قوله: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، «ثم جاءوك» يشهد له.
2- أنهما متعلقان بقل، ومعناه: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرّ قولا بليغا. ويلائمه من السياق قوله: «أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم» من دواخل الغي ونوازع الضلال.
3- إنهما متعلقان بمحذوف حال أي حالة كون المقول سرا لا يتجاوز نفوسهم ولا يتعدّاها، وتشهد له سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويتلاءم مع حرص النبي على الستر والملاينة، رجاء أن يثوبوا إلى الرشد ويخلدوا إلى الصواب. وقولا مفعول مطلق بليغا صفة أو حال كونا خاليا بهم. والنصيحة في السر أنفع منها في العلانية.
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
الإعراب:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أرسلنا (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) إلا أداة حصر واللام للتعليل ويطاع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور استثناء مفرغ من أعم العلل أي: وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا للطاعة، فهو مفعول لأجله ولكنه لم يستوف شروط النصب.
وبإذن الله يجوز في هذا الجار والمجرور أن يتعلق بمحذوف حال، وقيل:
بأرسلنا، وقيل بيطاع. والأوجه الثلاثة متساوية الرجحان (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ) الواو استئنافية ولو شرطية وأن واسمها وما في حيزها مصدر مؤوّل فاعل لفعل محذوف، أي لو ثبت مجيئهم وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بجاءوك وجملة ظلموا أنفسهم في محل جر بالإضافة وجملة جاءوك في محل رفع خبر أن (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)
الفاء عاطفة وجملة استغفروا معطوفة على جاءوك ولفظ الجلالة مفعول به واستغفر لهم الرسول عطف على ما تقدم (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) اللام واقعة في جواب لو ووجدوا الله فعل وفاعل ومفعول به أول والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وتوابا مفعول به ثان ورحيما صفة لتوابا أو بدل منه.
البلاغة:
في الآية التفات بقوله: «واستغفر لهم الرسول» وسياق الكلام يقتضي أن يقول: واستغفرت لهم، ولكنه عدل عن ذلك للتنويه بالرسول، وليدل عليه دلالة مؤثّرة في قلوبهم، ولاشتماله على ذكر صفة مناسبة، وهي الاستغفار لمن تعاظمت ذنوبهم وتعدّدت آثامهم.
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
اللغة:
(شَجَرَ) اختلط مختلفا متداخلا متشابكا، ومنه سمي الشجر لتداخل أغصانه وتشابكها، قال طرفة بن العبد:
وهم الحكّام أرباب الهدى ... وسعاة الناس في الأمر الشّجر
أي المختلف المتشابك. ومنه: تشاجر الرماح أي اختلافها.
الإعراب:
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء استئنافية ولا مزيدة لتأكيد القسم والواو حرف قسم وجر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره أقسم، ولا يؤمنون: لا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة لا يؤمنون لا محل لها لأنها جواب القسم (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) حتى حرف غاية وجر ويحكموك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والواو فاعل والكاف مفعول به والجار والمجرور متعلقان بيؤمنون وفيما جار ومجرور متعلقان بيحكّموك وجملة شجر صلة الموصول وبينهم ظرف مكان متعلق بشجر (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ثم حرف عطف للتراخي ولا نافية ويجدوا عطف على يحكموك وفي أنفسهم جار ومجرور متعلقان بيجدوا فهو بمثابة المفعول الثاني وحرجا مفعول به أول ليجدوا ومما متعلقان بمحذوف صفة لحرجا وجملة قضيت صلة الموصول (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) عطف على يجدوا وتسليما مفعول مطلق.
البلاغة:
في هذه الآية مبالغات عديدة، بلغت أسمى مراتب البيان. والغاية منها زيادة الوعيد والتهديد مما ترتعد له الفرائص وترتجف منه الأفئدة. وسنلمع إليها بالتفصيل:
1- فقد أقسم سبحانه أولا بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون. والإيمان رأس مال الصالحين من عباد الله حتى تحصل لهم غاية من أشرف الغايات وهي اللجوء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمه فيما نشب بينهم من خلاف.
2- ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: «ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت» ، فضمّ إلى التحكم أمرا آخر وهو عدم وجود أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا بل لا بد أن يكون نابعا من صدورهم، صادرا عن رضا واطمئنان وطيب نفس. وهذا أجمل تصوير للعلاقة التي يجب أن تترسخ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وبين الرئيس والمرءوس، والثقة التي تتأصل في نفوس الشعب لقائدهم وولي أمرهم، ما دام موفقا، سائرا في جوار الاستقامة السليمة.
3- ثم لم يكتف سبحانه، بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله:
ويسلموا أي يذعنوا إذعانا تاما وينقادوا ظاهرا وباطنا لا انقيادا أعمى ولكنه انقياد الواثق المطمئن إلى سلامة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- وضمّ إلى «يسلموا» المصدر المؤكد فقال: «تسليما» وهكذا لا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه والتسليم لحكم الله وشرعه تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه شائبة، فسبحان قائل هذا الكلام! واستمع إلى تتمة هذا الفصل في الآية التالية.
الفوائد:
ما ذكرناه في إعراب قوله تعالى: «فلا وربك» هو المختار في رأينا، ونرى تميما للفائدة أن نورد بعض ما قيل فيه، فاعلم أنه كثرت زيادة «لا» مع القسم في القرآن الكريم حيث يكون بالفعل مثل: «فلا أقسم بمواقع النجوم» «لا أقسم بهذا البلد» «لا أقسم بيوم القيامة» وغيرها. والفائدة منها تأكيد تعظيم المقسم به، ومعلوم أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له فكأنه يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم كلا إعظام، يعني بذلك أنها بمثابة من التعظيم والفخمية تستأهل أكثر من ذلك، وتستوجب ما فوقه، ومن أمثلته في الشعر قوله:
فلا وأبيك ابنة العامر ... يّ لا يدعي القوم أني أفرّ
وسيأتي المزيد من بحثه في مواضعه القادمة من هذا الكتاب العجيب، وهناك أقوال للعلماء في هذا التركيب نثبتها لأنها لا تخلو من وجاهة منها:
1- أن «لا» رد لكلام تقديره: فلا يفعلون، أو: ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله:
وربك لا يؤمنون. فعلى هذا يكون الوقف على «لا» تاما، وقد ارتضاه الطبري، وناهيك به.
2- والثاني أن «لا» الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي، ثم كررت توكيدا.
3- والثالث أن «لا» الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك فتكون الوجوه فيها أربعة.
4:66–68Page 89
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
And then We would have given them from Us a great reward.
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
And We would have guided them to a straight path.
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتوبيخ الذين يتقاعسون عن الاستجابة للرسول وطاعته. والواو استئنافية ولو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف أي لو ثبتت كتابتنا، وقد تقدمت له نظائر، وأن واسمها، وجملة كتبنا خبرها وعليهم متعلقان بكتبنا وأن مصدرية واقتلوا فعل أمر والواو فاعل والمصدر المؤوّل مفعول كتبنا، وقيل: أن مفسرة، لأن كتبنا فيه معنى القول دون حروفه. وأنفسكم مفعول به (أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ) عطف على اقتلوا أنفسكم، ومن دياركم متعلقان باخرجوا (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والضمير في «فعلوه» يعود إلى أحد الأمرين أو للمكتوب عليهم، وإلا أداة حصر وقليل بدل من الواو في «فعلوه» لأنه استثناء من كلام تام غير موجب ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لقليل، وقرىء بالنصب على الاستثناء منهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب هذا التركيب قبل قليل. وما اسم موصول مفعول به وجملة يوعظون به صلة الموصول (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) اللام واقعة في جواب لو وكان واسمها المستتر، وخيرا خبرها. وأشد عطف على «خيرا» وتثبيتا تمييز (وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً) الواو عاطفة وإذن حرف جواب وجزاء مهمل لأنه وقع بعد أحد العاطفين، وهما الواو والفاء، وهو جواب لسؤال مقدّر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا ولآتيناهم واللام جواب لو المقدرة وآتيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن لدنا جار ومجرور متعلقان بآتيناهم وأجرا مفعول به وعظيما صفة (وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) عطف أيضا وصراطا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض، وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في الفاتحة، ومستقيما صفة.
الفوائد:
صورة من روائع البطولة العربية الاسلامية:
روى التاريخ أن الزبير بن العوّام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج كانا يسقيان بها النخل، وهي مسيل الماء، فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك. كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعب للزبير حقه في صريح الحكم.
ثم خرجا فمرّا على المقداد فقال له: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقه. فاستغل يهودي الموقف فقال: يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم! وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا حتى رضي عنا. فقال ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر: لو أمرنا محمد أن نقتل نفوسنا لقتلناها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن من أمتي الإيمان أثبت في نفوسهم من الجبال الرواسي.
4:69–70Page 89
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩
And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.
ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠
That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.
الإعراب:
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف مسوق لبيان فضل طاعة الله ورسوله. ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويطع الله فعل الشرط والرسول عطف على الله (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) الفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك مبتدأ ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والذين اسم موصول مضاف اليه والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وجملة أنعم الله عليهم صلة الموصول ومن النبيين جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وما بعده عطف على النبيّين (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) الواو عاطفة وحسن فعل ماض تضمن معنى المدح والتعجب وأولئك اسم اشارة فاعل ورفيقا تمييز أو حال على رأي الأخفش.
والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع ومثله الصديق والخليط (ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً)
اسم الاشارة مبتدأ والفضل بدل منه ومن الله متعلقان بمحذوف خبر، ويجوز أن يكون الفضل هو الخبر ومن الله متعلقان بمحذوف حال وجملة الاشارة استئنافية وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والله فاعل محلا مجرور لفظا وعليما تمييز أو حال، وقد تقدم إعرابه. وجملة كفى استئنافية.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences