DarwishAn‑Nisa · 4:85–96

Darwish · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:85–96

4:85Page 91

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

اللغة:

(الكفل) بكسر الكاف وسكون الفاء: الضعف والنصيب والحظّ، وفي المصباح الكفل وزان حمل: الضعف من الأجر والإثم.

وقال علماء اللغة: واستعمال الكفل في الشرّ أكثر من استعمال النصيب فيه، وإن كان كل منهما قد يستعمل في الخير، كما قال تعالى:

«يؤتكم كفلين من رحمته» . ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الآنفة. حيث أتى بالكفل مع السيئة. وبالنصيب مع الحسنة.

(مقيت) بضم الميم أي: حفيظ شهيد. وهو مشتق من القوت، لأنه يمسك النفس ويحفظها. قال الزبير بن عبد المطلب:

وذي ضغن نفيت السّوء عنه ... وكنت على إساءته مقيتا

الإعراب:

(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) جملة مستأنفة مسوقة لبيان أن له صلى الله عليه وسلم يدا طائلة في تحريض المؤمنين على القتال والجهاد، وغني عن القول: إن الشفاعة هي الوساطة في إيصال الشخص إلى منفعة دنيوية أو أخروية، وأي منفعة أسمى وأجل وأعظم من التحريض على الجهاد، لأن فيه الفوز في الدنيا والآخرة. ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويشفع فعل مضارع فعل الشرط، وشفاعة مفعول مطلق وحسنة صفة، ويكن جواب الشرط وله خبر يكن الناقصة المقدم ونصيب اسمها المؤخر، ومنها متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) عطف على ما تقدم مماثل له في الإعراب (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) الواو استئنافية أو حالية، وكان واسمها، وعلى كل شيء متعلقان بمقيتا، ومقيتا خبر كان.

4:86–87Page 91

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

اللغة:

(حَسِيباً) : الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا. ومن العجيب أن يهم بعض المفسرين والمعربين فيقول: إن معنى الحسيب هو الكافي، يقال منه: حسبني الشيء بمعنى كفاني، من قولهم حسبي كذا وكذا.

الإعراب:

(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) كلام مستأنف مسوق للترغيب في التحية، وأصل التحية الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو: «حيّوا» وجملة حييتم في محل جر بالإضافة وبتحية متعلقان بحييتم، والفاء رابطة وجملة حيوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وبأحسن متعلقان بحيوا ومنها متعلقان بأحسن، واو حرف عطف وردوها عطف على «حيّو» (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الجملة مستأنفة والله مبتدأ ولا النافية للجنس وإله اسمها وإلا أداة حصر و «هو» بدل من محل لا واسمها، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة، والجملة خبر الله (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) اللام جواب لقسم محذوف، ويجمعنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والى يوم القيامة متعلقان بيجمعنكم، والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم المحذوف ولا نافية للجنس وريب اسم «لا» المبني على الفتح، وفيه متعلقان بمحذوف خبر، والجملة في محل نصب على الحال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ وأصدق خبر، ومن الله متعلقان بأصدق وحديثا تمييز.

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

اللغة:

(أَرْكَسَهُمْ) ردّهم في حكم المشركين. والركس: رد الشيء مقلوبا، ومنه قول عبد الله بن رواحة:

أركسوا في فئة مظلمة ... كسواد الليل ينلرها فتن

الإعراب:

(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) الفاء استئنافية، وما اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، ولكم متعلقان بمحذوف خبر ما، وفي المنافقين متعلقان بفئتين، فإنها في قوة مالكم تفترقون في أمور المنافقين، فحذف المضاف وأبقي المضاف اليه مقامه، ويجوز أن يتعلقا بمحذوف على أنه حال، لأنه كان في الأصل صفة لفئتين أي: فئتين متفرقتين في المنافقين، وفئتين حال من الكاف في «لكم» . والكوفيون يقولون:

إن انتصاب «فئتين» على أنه خببر لكان مضمرة، والتقدير: فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وهذا القول غريب، ولكنه جيد ورجحه ابن جرير (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا) الواو حالية، والله مبتدأ، وجملة أركسهم خبر، وبما متعلقان بأركسهم، و «ما» يجوز أن تكون موصولة أو مصدرية، وجملة كسبوا لا محل لها على كل حال، والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) الهمزة للاستفهام الانكاري، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول تريدون، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة أضل الله لا محل لها لأنها صلة، والجملة مستأنفة مسوقة للإنكار على المختلفين (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويضلل فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والله فاعل، والفاء رابطة للجواب ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن، وله متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «سبيلا» وسبيلا مفعول به، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من.

الفوائد:

ما يقوله التاريخ:

روي أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو معتلين باجتوائهم المدينة. فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم: هم كفار، وقال بعضهم: هم مسلمون.

وفي رواية ثانية: إنهم قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم رجعوا، وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام، وقعدوا عن الهجرة.

قال القرطبي: «والمراد بالمنافقين هنا عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين خذلوا الرسول يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا» .

واختلف المسلمون في أمرهم، فقال فريق: اقتلهم يا رسول الله، للأمارة الدالة على كفرهم. وقال فريق: لا تقتلهم لنطقهم بالشهادتين. والعتاب في الحقيقة للفريق الثاني القائل: «لا تقتلهم» .

4:89Page 92

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

الإعراب:

(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا) كلام مستأنف مسوق لمتابعة وصفهم. وودوا فعل وفاعل، ولو مصدرية وهي والفعل بعدها مصدر منصوب لأنه مفعول ودوا، أي ودوا كفركم. وكما كفروا نعت لمصدر محذوف، أي: ودوا كفركم مثل كفرهم، أو حال (فَتَكُونُونَ سَواءً) الفاء عاطفة، وتكونون معطوف على تكفرون، والواو اسمها وسواء خبرها (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الفاء الفصيحة، أي: إذا كانت هذه حالهم- وهي ودادة كفركم- فلا توالوهم. ولا ناهية وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، ومنهم متعلقان بتتخذوا على أنه مفعول به أول، وأولياء مفعول به ثان، وحتى حرف غاية وجر، ويهاجروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجار والمجرور متعلقان بتتخذوا، وفي سبيل الله متعلقان بيهاجروا (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية، وتولوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، وخذوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط، واقتلوهم عطف على خذوهم، وحيث ظرف مكان مبني على الضم متعلق باقتلوهم، وجملة وجدتموهم في محل جر بالاضافة (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتخذوا فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل، ومنهم مفعول تتخذوا الأول، ووليا مفعول تتخذوا الثاني، ولا نصيرا عطف على «وليا» .

الفوائد:

مناقشة طريفة:

قال الزمخشري في صدد تفسيره لهذه الآية: «ولو نصب على جواب التمني لجاز، والمعنى: ودوا كفركم، فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء» .

تعقيب أبي حيان:

وتعقّبه أبو حيان فقال: وكون التمني بلفظ الفعل ويكون له جواب فيه نظر، وإنما المنقول أن الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو: ليت، ولو إذا أشربتا معنى التمني، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب، بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية، لأن «ودّ» التي تدل على معنى التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات، فاذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به، فيكون من باب:

ولبس عباءة وتقر عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

اللغة:

(حَصِرَتْ) : من الحصر، وهو الضيق والانقباض. وحصر الصدر حصرا من باب تعب. وحصر القارئ: منع من القراءة، فهو حصير. والحصور الذي لا يشتهي النساء، وحصير الأرض وجهها، والحصير: الحبس.

(السَّلَمَ) : الصلح والاستلام.

الإعراب:

(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) إلا أداة استثناء، والذين مستثنى من الضمير في خذوهم واقتلوهم، وجملة يصلون إلى قوم، أي: يمتّون إليهم بنسبة، لا محل لها لأنها صلة الموصول، والى قوم متعلقان بيصلون، وبينكم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبينهم ظرف معطوف على الظرف قبله، وميثاق مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جر صفة لقوم وجملة الاستثناء حالية (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) أو حرف عطف على يصلون، داخل في حيز الصلة، وقيل: هو عطف على صفة قوم، والوجه الأول أظهر، وجملة «حصرت صدورهم» حالية بتقدير: وقد، أو من غير تقديرها، وسيأتي مزيد بيان عنها في باب الفوائد. وأن يقاتلوكم مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، أي: عن مقاتلتكم، والجار والمجرور متعلقان بحصرت. ولك أن تجعل المصدر المؤول مفعولا لأجله. أو يقاتلوا قومهم عطف على يقاتلوكم، وقومهم مفعول به (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لاستثناء الطائفة الأخيرة من حكم الأخذ والقتل، وادخالهم في زمرة المعاهدين. ولو شرطية وشاء الله فعل وفاعل، واللام رابطة لجواب الشرط وجملة لسلطهم عليكم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ) الفاء عاطفة ولقاتلوكم عطف على سلطكم، فهو بمثابة التوكيد للجواب، أو بمثابة البدل من الاول.

وسيأتي بحث عن هذه اللام في باب الفوائد. فإن: الفاء استئنافية وإن شرطية، واعتزلوكم فعل وفاعل ومفعول به في محل جزم فعل الشرط، والفاء عاطفة ولم يقاتلوكم عطف على اعتزلوكم (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) عطف أيضا (فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) الفاء رابطة للجواب وما نافية، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجعل فعل ماض ينصب مفعولين، والله فاعل، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به أول، وعليهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وسبيلا مفعول به ثان.

الفوائد:

تحدث ابن هشام عن هذه الآية فأتى بالممتع حيث قال: قوله: «أو جاءوكم حصرت صدورهم» فذهب الجمهور إلى أن «حصرت صدورهم» جملة خبرية، ثم اختلفوا، فقال جماعة منهم الأخفش:

هي حال من فاعل «جاء» على إضمار «قد» ، واعلم أن إضمار «قد» واجب عند البصريين، فيقولون: إن الجملة الماضوية إذا وقعت حالا لا بد من اقترانها بقد ظاهرة أو مقدرة. وأما الأخفش فلا يرى وجوبها مع الماضي إذا وقع حالا، فيقول: إن الجملة الماضوية تقع حالا وتقترن ب «قد» إن وجدت، فإن لم توجد فلا تحتاج إلى تقدير.

ويؤيده قراءة الحسن: «حصرة صدورهم» أي: حال كونها حصرة، أي: ضيقة. وقال آخرون: هي صفة فلا تحتاج إلى إضمار «قد» .

ثم اختلف هؤلاء، فقيل: الموصوف منصوب محذوف، أي: قوما حصرت صدورهم، ورأوا أن إضمار الاسم أسهل من إضمار حرف.

وقيل: مخفوض مذكور، وهم «قوم» المتقدم ذكرهم، فلا إضمار البتة. وما بينهما اعتراض. ويؤيده أنه قرىء بإسقاط «أو» ، وعلى ذلك يكون «جاءوكم» صفة لقوم ويكون «حصرت» صفة ثانية.

وقيل: بدل اشتمال من «جاءوكم» ، لأن المجيء مشتمل على الحصر، وفيه بعد، لأن الحصر صفة الجائين.

قال أبو العباس المبرد: الجملة انشائية، ومعناها الدعاء، مثل غلت أيديهم، فهي مستأنفة. وردّ بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجه. وأجيب بأن المراد الدعاء عليهم بسلب أهلية القتال بالمرة تحقيرا لهم.

مناقشة حول اللام في «ولقاتلوكم» :

سمى ابن عطية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج، لأنها بمثابة الأولى. ولو لم تكن الأولى كنت تقول: لقاتلوكم، وقال أبو حيّان تعقيبا على ذلك: «وتسمية هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة، ولم أر ذلك إلا في عبارة هذا الرجل وعبارة مكي قبله» .

تعقيب على هذه المناقشة:

قلت: ولا طائل تحت هذه المناقشة التي تضل الطالب، ولا تجدي شيئا. ولقد أشرت إلى هذا في باب الإعراب، فهي ليست أكثر من توكيد للجواب، فهي من باب التكرير والإبدال. وإنما أوردناها للاستئناس، وليكون الطالب في منجاة من الاغترار بالتسمية الموهمة عند ما يقع عليها في إعرابهم.

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

اللغة:

(أُرْكِسُوا فِيها) : انقلبوا فيها شر منقلب. وقد مر ذكره.

(ثَقِفْتُمُوهُمْ) ثقف الشيء ثقفا من باب تعب: أخذه، وثقفت الرجل في الحرب: أدركته، وثقفته: ظفرت به، وثقفت الحديث:

فهمته بسرعة. والتثقيف في الأصل: تقويم المعوّج من الرماح والقصب وتسويته. وقد نجم عن هذا المعنى: تثقيف الغلام أي: تهذيبه وتقويم سلوكه، ثم صار الثقف يعني الحذر وسرعة الفهم. وتجدد المعنى أخيرا في عصرنا فأصبح خاصا بالعلم والثقافة في المعرفة، وعلى هذا الأساس نلاحظ تطور اللغة في كل قطر عربي، كما رأى أبناء كل جيل في كل بلد من بلاد الناس كيف ارتقت لغتهم بارتقائهم، وتردّت بتردّيهم.

التطور الحي في اللغة:

وهكذا ما من حدث اجتماعي أو نهضة علمية أو سياسية إلا صحبها تطور في اللغة أو المعاني أو في كليهما معا، نعني في إحداث ألفاظ جديدة لبعض المعاني، أو احداث معان جديدة لبعض الألفاظ، أو في ذلك كله. وما من أحد ألمّ بتاريخ العرب وآدابهم يجهل ما أحدث الإسلام مثلا من ثورة لغوية إلى جانب الثورة الدينية والاجتماعية والفكرية.

وستأتي معنا نماذج حية من هذا التطور الحيّ في هذا الكتاب العجيب.

ومن هذا المنطلق تتبين ضرورة هذا الكتاب لناشئتنا المتطورة، لترى على ضوئه أسرار ما تجمع، وتبصر على وهجه معنى الحركة في عقل الماضين، وبذلك يستمر العقل اللغوي في منحى الحركة المتطورة بدلا من ركوده في سكون مادة كانت يوما من مقذوفات العقل اللغوي المتحرك.

الإعراب:

(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حال قوم آخرين من المنافقين غير من سبق الإلماع إليهم. والسين للاستقبال الاستمراري، وسيأتي بحث ظريف عنها في باب الفوائد.

وتجدون فعل مضارع وفاعله، وآخرين مفعول به وجملة يريدون صفة لآخرين، وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول ليريدون (وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) عطف على ما تقدم (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط، وقد تقدم إعرابه. وجملة ردوا إلى الفتنة في محل جر بالاضافة، أو لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي، والواو نائب فاعل وجملة أركسوا فيها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وفيها متعلقان بأركسوا (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويعتزلوكم فعل مضارع مجزوم بلم وهو في محل جزم فعل الشرط، ويلقوا إليكم السلم عطف عليه (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) الفاء رابطة للجواب، وجملة خذوهم في محل جزم جواب الشرط، واقتلوهم: عطف على خذوهم، وحيث ظرف مكان مبني على الضم متعلق باقتلوهم، وجملة ثقفتموهم في محل جر بالاضافة (وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً) الواو عاطفة، وأولئكم اسم اشارة مبتدأ. وجملة جعلنا خبر، لكم جار ومجرور في محل نصب مفعول به أول وعليهم متعلقان بمحذوف حال، وسلطانا مفعول به ثان، ومبينا صفة.

الفوائد:

بحث هام عن السين:

السين حرف يدخل على الفعل المضارع فيخلصه إلى الاستقبال والاستمرار، وأتى بالسين هنا إشارة إلى أن عبثهم بالمؤمنين هذا أمر مستمر، وإن كان قد مضى، وذلك أن رجالا من الكفار كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا لأجل أن لا يقاتلوهم، وإذا أتوا لقومهم كفروا.

فأتى المولى سبحانه وتعالى بالسين إشارة إلى أن حالتهم هذه هي ديدن مستمر لهم، وأنهم لم يتركوه، وإن كان ذلك قد وقع فيما مضى.

وزعم ابن هشام أن الاستمرار إنما استفيد من المضارع، كما تقول:

فلان يقري الضيف، ويصنع الجميل. تريد أن ذلك دأبه. والسين مفيدة للاستقبال، إذ الاستمرار لا يكون إلا في المستقبل. وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك. ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه، لأنه إخبار على إخبار، والمتعلق واحد.

4:92Page 93

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.

اللغة:

(الدية) : هي في الأصل مصدر، ثم أطلقت على المال المأخوذ في القتل. يقال: ودى يدي دية،، كوشى يشي شية ووشيا فحذفت فاء الكلمة.

الإعراب:

(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) كلام مستأنف مسوق لتقرير أحكام القتل. والواو استئنافية وما نافية وهي هنا بمعنى النهي المقتضي للتحريم، وكان فعل ماض ناقص ولمؤمن متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم، وأن يقتل مؤمنا مصدر مؤول اسم كان المؤخر، وإلا أداة حصر، وخطأ يجوز فيه أن يكون حالا مؤوّلة بالمشتقّ أي:

مخطئا، أو منصوب بنزع الخافض أي: إلا بخطأ، أو مفعول مطلق على الوصف، أي: قتلا خطأ، أو مفعولا لأجله، وقدمه الزمخشري على غيره من الوجوه، قال: «فإن قلت بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده» .

وعندي أن الأوجه متساوية، وسيرد في باب الفوائد مزيد من البحث فيه. (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، وقتل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ومؤمنا مفعول به وخطأ تقدم القول في إعرابه، فتحرير الفاء رابطة لجواب الشرط، وتحرير مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه تحرير رقبة وهو أولى وأنسب من جعله خبرا لمبتدأ محذوف، أي: فالواجب تحرير رقبة، ومؤمنة صفة لرقبة، والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) الواو عاطفة ودية عطف على تحرير رقبة، ومسلمة صفة، والى أهله متعلقان بمسلّمة، وإلا أن يصدقوا استثناء من أعم الأحوال أو من أعم الظروف، أي إلا في حال الصدقة، فهي حال أو حين يتصدّقون، فهي ظرف متعلق بمسلمة. وسيأتي بسط لذلك في باب الفوائد. هذا وقيل: إنه مستثنى منقطع (فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) الفاء استئنافية وإن شرطية جازمة، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسم كان مستتر تقديره هو، ومن قوم متعلقان بمحذوف خبر كان، وعدو صفة لقوم، ولكم متعلقان بمحذوف صفة لعدو (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الواو حالية، وهو مبتدأ ومؤمن خبر، والجملة في محل نصب حال، وتحرير مبتدأ خبره محذوف أي: فعليه تحرير رقبة، وقد تقدم إعرابه (وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) الواو عاطفة، وإن شرطية، وكان واسمها المستتر، ومن قوم خبرها، وبينكم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبينهم عطف على بينكم، وميثاق مبتدأ مؤخر. (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ) الفاء رابطة، ودية مبتدأ خبره محذوف، أي: فعليه دية، ويجوز العكس، وقد تقدم. ومسلمة صفة، والى أهله متعلقان بمسلمة (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) عطف على ما تقدم (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ) الفاء استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ولم يجد في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة لجواب الشرط، وصيام مبتدأ خبره محذوف، أو بالعكس، وجملة فصيام في محل جزم جواب الشرط وشهرين مضاف اليه ومتتابعين صفة وفعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» . (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) توبة مفعول لأجله، أي: شرع ذلك لكم رحمة منه ومتابا. ويجوز نصبه على المفعولية المطلقة، أي تاب عليكم توبة، ومن الله صفة، والواو استئنافية، وكان واسمها، وعليما حكيما خبراها.

الفوائد:

1- القول في خطأ:

قلت في الإعراب: إنه يجوز إعراب خطأ مستثنى منقطعا، لأنه ليس من الاول، ولا يدخل الخطأ تحت التكليف.

والمعنى: لكن إن قتل خطأ فحكمه كذا، وهو إعراب جميل. وقد جنح إلى هذا الإعراب أبو البقاء وأبو حيان، وهو ما اختاره أيضا سيبويه والزّجّاج والطبري، وهو من الاستثناء المنقطع الواجب النصب، والذي يسميه أهل العربية: منقطعا، ومنه قول جرير:

من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلا ريط برد مرحّل

يعني: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من الأرض.

2- القول في «إلا أن يصدقوا» :

قلت في الإعراب: إنه يجوز جعل «أن يصدقوا» مستثنى من أعم الظروف، فهو ظرف. وقد استبعد أبو حيان هذا التخريج قال: «أما جعل أن وما بعدها ظرفا فلا يجوز. نص النحويون على ذلك، ومنعوا أن يقال: «أجيئك أن يصيح الديك» تريد وقت صياح الديك. وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال، فنصوا أيضا على أنه لا يجوز. قال سيبويه: في قول العرب: «أنت الرجل أن تنازل وتخاصم» في معنى أنت الرجل نزالا وخصومة، أن انتصاب المفعول من أجله، لأن المستقبل لا يكون حالا، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعا هو الصواب.

4:93Page 93

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

الإعراب:

(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لتهديد القاتل وتجريمه. ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويقتل فعل الشرط، ومؤمنا مفعول به، ومتعمدا حال، فجزاؤه الفاء رابطة لجواب الشرط، وجزاؤه مبتدأ وجهنم خبره أو بالعكس، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، وخالدا حال، وفيها متعلقان ب «خالدا» (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) الواو عاطفة على مقدر لا بدّ منه لينسجم الكلام، وهذا المقدر تدل عليه الشرطية، أي: حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب عليه (وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) عطف أيضا.

البلاغة:

في هذه الآية فنّ مراعاة النظير، وقد سبق القول فيه. وهو أن يأتي المتكلم بما يناسب المحتوى، وقد حفلت هذه الآية بالألفاظ الدالة على الغضب والتهديد والوعيد والإرعاد والإبراق، للاشارة إلى أن جريمة القتل من أكبر الجرائم وأشدها إمعانا في الشر، لما يترتب عليها من هدم لبناء المجتمع. وما أجمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد: «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» .

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

اللغة:

(السَّلامَ) والسّلم بفتح السين واللام: التحية والاستسلام.

وقد قرىء بهما.

(ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ) : سرتم فيها لتجارة أو غزوة.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدّم إعرابها (إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) كلام مستأنف مسوق للتحذير من الإقدام على القتل. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب، وجملة ضربتم في محل جر بالاضافة، وفي سبيل الله متعلقان بضربتم، والفاء رابطة لجواب إذا، وتبينوا فعل أمر والواو فاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ: لَسْتَ مُؤْمِناً) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقولوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل، ولمن متعلقان بتقولوا، وجملة ألقى إليكم السلام صلة الموصول، وإليكم متعلقان بألقى، والسلام مفعول به، وجملة «لست مؤمنا» في محل نصب مقول القول، ومؤمنا خبر لست (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) الجملة حالية من فاعل تقولوا، أي: لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة والعرض الفاني (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) الفاء تعليلية للنهي، والجملة لا محل لها، وعند الله ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومغانم مبتدأ مؤخر، وكثيرة صفة (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتشبيه حالتهم الراهنة بحالتهم التي كانوا عليها، وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم لكنتم أو الكاف الاسمية وحدها خبر كنتم المقدم وذلك مضاف اليه، ومن حرف جر وقبل ظرف مبني على الضم لقطعه عن الاضافة لفظا لا معنى، متعلق بمحذوف حال، فمنّ الفاء عاطفة، وجملة منّ الله معطوفة على كنتم، وعليكم متعلقان ب «منّ» (فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) جعلها المعربون عامة عاطفة على تبينوا الأولى، وكرر الأمر بالتبيين تأكيدا. وعندي أن الفاء هي الفصيحة، وأنه ليس هناك تأكيد، لأن الأمر الأول خاص بمن تقتلونه، والأمر الثاني عام، كأنما هو يقرر حكما شاملا، أي: إذا عرفتم هذا وأدركتم عواقبه فتبينوا.

وإن الله إن واسمها، وجملة كان وما بعدها خبرها، والجملة للتعليل، وخبيرا خبر كان، وجملة تعملون لا محل لها صلة ما، وبما متعلقان ب «خبيرا» .

4:95–96Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

اللغة:

غير أولى الضرر: أي أصحاب العاهات، من عمى أو عرج أو زمانة، ونحوها.

الإعراب:

(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان تفاوت طبقات المؤمنين بحسب التفاوت الحاصل بينهم في الجهاد، ولا نافية ويستوي فعل مضارع مرفوع، والضمة مقدرة على الياء، والقاعدون فاعله، ومن المؤمنين متعلقان بمحذوف حال من «القاعدون» ومن الضمير المستكنّ فيه (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) غير: بدل من «القاعدون» ، ولم نجعلها صفة، لأن «غيرا» لا تتعرف بالإضافة، لإيغالها في التنكير، ولا يجوز اختلاف الصفة والموصوف. ولم يأبه الزمخشري لما تقرر في علم النحو، فجعلها صفة. ويجوز نصبها على الاستثناء، والأول أرجح كما هو مقرر في كتب النحو، لأن الكلام منفي، وقد قرىء به.

ويجوز جرها على أنها صفة للمؤمنين، وقد قرأها الأعمش بالجر أيضا. وسيأتي بحث عنها في باب الفوائد. وأولي الضرر مضاف اليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والمجاهدون عطف على «القاعدون» ، وفي سبيل الله متعلقان ب «المجاهدون» ، وبأموالهم متعلقان به أيضا، وأنفسهم عطف على «بأموالهم» (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) الجملة مفسرة لا محل لها لعدم الاستواء بين الفريقين. وفضل الله فعل وفاعل، المجاهدين مفعول به منصوب بالياء وجملة فضل الله المجاهدين مفسرة لعدم الاستواء بين الفريقين، وبأموالهم جار ومجرور متعلقان ب «المجاهدين» وأنفسهم معطوفة على أموالهم، وعلى القاعدين متعلقان بفضل ودرجة مفعول مطلق لأنها آلة التفضيل ورفع المرتبة، فهو كقولك: ضربته سوطا. وأعربه بعضهم ظرفا، وليس ببعيد.

وأعربه آخرون حالا، وهو يحتاج عندئذ إلى تقدير مضاف، أي:

ذوي درجة. وقال بعضهم: هو تمييز، ولا بأس بهذا القول.

وما ارتأيناه هو الأرجح (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) الواو اعتراضية، وكلّا مفعول به مقدم ل «وعد» ، والله فاعل، والحسنى مفعول به ثان، والجملة لا محل لها لأنها اعتراضية (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) الواو عاطفة، والجملة عطف على ما تقدم، وأجرا مفعول مطلق لأنه مرادف لفضل، أو لأنه آلته، على حد قوله:

درجة وسوطا، وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد. وعظيما صفة.

(دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) درجات بدل من «أجرا» ومنه متعلقان بمحذوف صفة لدرجات، ومغفرة ورحمة عطف على درجات، ونصبهما الزمخشريّ على المفعولية المطلقة بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة، ولعله أولى لمراعاة التناسب (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الواو استئنافية أو حالية، وكان واسمها، وغفورا رحيما خبراها، والجملة مستأنفة أو حالية.

الفوائد:

ما يقوله ابن يعيش:

قال ابن يعيش عند كلامه على «غير أولي الضرر» : «وقرىء بالرفع والجر والنصب، فالرفع على النعت ل «القاعدون» ، ولا يكون ارتفاعه على البدل في الاستثناء لأنه يصير التقدير فيه: لا يستوي إلا أولو الضرر، وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون. والجر على النعت للمؤمنين، والمعنى:

لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء والمجاهدون، والمعنى فيهما واحد. والنصب على الاستثناء.

النحاة بين البدلية والوصفية لغير:

هذا وقد ترجح النحاة في البدلية والوصفية ل «غير» . فمن احتجّ للبدلية قال: إن جعل «غير» صفة يوجب التأويل، لأن «غير» لا تتعرف بالاضافة، ولا يجوز اختلاف النعت والمنعوت تعريفا وتنكيرا، وتأويله إما بأن «القاعدون» لما لم يكونوا بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها كما توصف، وإما بأن «غير» قد تتعرف إذا وقعت بين ضدين. ومن احتجّ للوصفية قال: لا يكون ارتفاعه على البدل في الاستثناء، لأنه يصير التقدير فيه: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون- كما قال ابن يعيش- وهذا من طرائفهم التي تدل على ألمعية وثقوب ذهن، فتأمل والله يرشدك.

رأي الزمخشري في اعراب أجرا:

قال الزمخشري: «لم نصب درجة وأجرا ودرجات؟ قلت: نصب قوله «درجة» لوقوعها موقع المرّة من التفضيل، كأنه قيل: فضّلهم تفضيلة واحدة ونظيره قولك: ضربه سوطا، بمعنى: ضربه ضربة.

وأما أجرا فقد انتصب بفضل لأنه في معنى آجرهم أجرا ودرجات ورحمة بدل من أجرا ويجوز أن ينتصب «درجات» نصب «درجة» كما تقول:

ضربه أسواطا، بمعنى ضربات. كأنه قيل: وفضله تفضيلات. ونصب «أجرا عظيما» على أنه حال من النكرة التي هي «درجات» مقدمة عليها. وانتصب «مغفرة ورحمة» بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском