Darwish · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:26–44
41:26–29Page 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦
And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧
But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.
ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨
That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩
And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."
اللغة:
(الْغَوْا فِيهِ:) فعل أمر من لغي بالكسر يلغى بالفتح وفيها معنيان أحدهما أنه من لغى إذا تكلم باللغو وهو مالا فائدة فيه والثاني انه من لغي بكذا إذا رمى به فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وانبذوه، وإما أن يكون من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا، حكاه الأخفش وكان قياسه الضم كغزا يغزو ولكنه فتح لأجل حرف الحلق وقرىء بضم الغين من لغا يلغو كدعا يدعو، هذا ما قرره السمين، وعبارة الزمخشري «والغوا فيه بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغى ولغا يلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته» .
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حالهم ومكابرتهم عند قراءة القرآن وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولا ناهية وتسمعوا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة مقول القول ولهذا متعلقان بتسمعوا والقرآن بدل والغوا فعل أمر وفاعل وفيه متعلقان بالغوا ولعل واسمها وجملة تغلبون خبرها والمراد بالغلبة حمله على السكوت عن القراءة لئلا يستهوي القلوب ويستميلها بقراءة ما لم يعهده من بيان. (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً) الفاء الفصيحة أي إن استمرءوا ذلك واستمروا فيه فلنذيقن، واللام موطئة للقسم ونذيقن فعل مضارع مبني على الفتح واجب التأكيد والفاعل مستتر تقديره نحن والذين مفعول به وجملة كفروا صلة وعذابا مفعول به وشديدا نعت.
(وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم وأسوأ الذي كانوا يعملون مفعول ثان لنجزينهم.
(ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى المذكور من الأمرين وهما قوله فلنذيقن وقوله ولنجزينهم وجزاء أعداء الله خبر والنار بدل أو عطف بيان من جزاء، واعترض بعضهم على هذا الإعراب بأن علامة البدل صحة حلوله محل المبدل منه فيصير التقدير ذلك النار وهذا لا يصح ولذلك ينبغي العدول عن الإعراب الأرجح إلى المرجوح وهو أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره سيأتي فيما بعد.
(لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) لهم خبر مقدم وفيها حال ودار الخلد مبتدأ مؤخر والجملة إما خبر النار بناء على إعرابها مبتدأ أو في محل نصب حال أو مستأنفة مستقلة مقررة لما قبلها وهذا أقعد بمكان البلاغة كما سيأتي، وجزاء مفعول مطلق منصوب بفعل مقدر وهو مصدر مؤكد أي يجزون جزاء أو منصوب بالمصدر المذكور قبله والمصدر ينصب بمصدر مثله وقد تقدمت له نظائر ولك أن تجعل جزاء مصدرا واقعا موقع الحال وبما متعلقان بجزاء الثاني أو الأول وجملة كانوا صلة وجملة يجحدون خبر كانوا وبآياتنا متعلقان بيجحدون لتضمنه معنى يكفرون وذلك خير من جعلها زائدة.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأرنا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة ونا مفعول به أول واللذين مفعول به ثان لأن الرؤية بصرية وقد عديت إلى اثنين بالهمزة وجملة أضلّانا صلة ومن الجن والإنس حال قيل هما إبليس وقابيل الأول سن الكفر والثاني سن القتل بغير حق لأنه قتل أخاه كما تقدم. (نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) نجعلهما فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول وتحت أقدامنا الظرف في موضع المفعول الثاني، ليكونا اللام للتعليل ويكونا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والألف اسمها ومن الأسفلين خبرها والجار والمجرور متعلقان بفعل الرؤية لأنه تعليل لها.
البلاغة:
1- في قوله «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا» استعارة مكنية وقد تقدم اجراؤها كثيرا.
2- وفي قوله «لهم فيها دار الخلد» تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي بال صفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكماله فيها، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد.
أقسام التجريد:
واعلم أن للتجريد أقسام ذكرها علماء البيان، وسنحاول أن نورد ما قالوه فيها على سبيل الإيجاز:
1- فمنه ما يكون بمن التجريدية كقولهم لي من فلان صديق حميم أي قد بلغ فلان حدا من الصداقة يصح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها، ومثاله من الشعر قول القاضي الفاضل: تمد إلى الأعداء منها معاصما ... فترجع من ماء الكلى بأساور
2- ومنه ما يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة.
3- ومنه ما يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقول ابن هانىء:
وضربتم هام الكماة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر
وقول أبي تمام:
هتك الظلام أبو الوليد بغرة ... فتحت لنا باب الرجاء المقبل
بأتم من قمر السماء إذا بدا ... بدرا وأحسن في العيون وأجمل
وأجل من قيس إذا استنطقته ... رأيا وألطف في الأمور وأجزل
هذا والمراد بأتم من قمر السماء نفس أبي الوليد كما لا يخفى.
4- ومنه أن يكون بدخول في على المنتزع منه أو مدخول ضميره كالآية التي نحن بصددها «لهم فيها دار الخلد» أي في جهنم وهي دار الخلد لكنه انتزع منها دارا أخرى مبالغة، وقول المتنبي:
تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره
فإن الأسد هو نفس الممدوح لكنه انتزع منه أسدا آخر تهويلا لأمره ومبالغة في اتصافه بالشجاعة.
5- ومنه أن يكون بدخول بين كقول ابن النبيه:
يهتزّ بين وشاحيها قضيب نقا ... حمائم الحلي في أفنانه صدحت
6- ومنه أن يكون بدون توسط شيء كقول قتادة بن سلمة الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلن بعزة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم
يعني بالكريم نفسه فكأنه انتزع من نفسه كريما مبالغة في كرمه ولذا لم يقل أو أموت، وقول أبي تمام:
ولو تراهم وإيانا وموقفنا ... في مأتم البين لاستهلاكنا زجل
من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا ومن غزل في نحره عذل
وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرا ... عينا طوتهن في أحشائها الكلل ومراده بالبقر العين الذين أخبر عنهم أولا بقوله ولو تراهم فكأنه انتزع منهم موصوفين بهذه الصفة مبالغة فيها.
7- ومنه أن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سيق لها الكلام ثم يخاطبه كقول أبي الطيب المتنبي:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
أراد بالحال الغنى فكأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال، ومنه قول الأعشى:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقول أبي نواس الممتع:
يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن
سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستنن
ومراده الخطاب مع نفسه ولذلك قال بعده:
ظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّن
بات لا يعنيه ما لقيت ... عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته ... خلت الدنيا من الفتن تقسيم آخر للتجريد:
وقسمه آخرون إلى قسمين فقط وهما: تجريد محض وتجريد غير محض فالأول، وهو المحض، أن يأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك كقول الحيص بيص في مطلع قصيدة له:
إلام يراك المجد في زيّ شاعر ... وقد بخلت شوقا فروع المنابر
كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير انك فارس ... المقال ومحيي الدارسات الغوابر
وأنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر
فهذا من محاسن التجريد ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة وعدّ ما عدّه من الفضائل التائهة، وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض.
وأما القسم الثاني، وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر وذاك أولى بأن يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به وهذا هو نصف تجريد لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك، ومما جاء منه قول عمرو بن الاطنابة:
أقول لها وقد جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وقول الآخر وقد قتل أخواه ابنا له فقدم إليه أخوه ليقتاد منه فألقى السيف من يده وأنشأ يقول:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وذكر أبو علي الفارسي كلاما جميلا بصدد التجريد فقال:
«إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو بعينه نحو قولهم: لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر وهو عينه الأسد والبحر لا أن هناك شيئا منفصلا عنه أو متميزا منه» ثم قال «وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه حتى كأنه يقاول غيره كما قال الأعشى:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وهو الرجل نفسه لا غيره.
وقد عقب ابن الأثير على ما ذكره أبو علي فقال: «والذي عندي أنه أصاب في الثاني ولم يصب في الأول لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه وهو يريدها وأما الأول وهو قوله لئن لقيت فلانا لتلقين به الأسد ولئن سألته لتسألن به البحر فإن هذا تشبيه مضمر الأداة إذ يحسن تقدير أداة التشبيه فيه» إلى أن يقول: «ويبطل على أبي علي قوله أيضا من وجه آخر وذاك أنه قال:
إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ومحصوله فتخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردا من الإنسان كأنه غيره وهو هو، وهذا ينتقض بقولنا لئن رأيت الأسد لترين منه هضبته. ولئن لقيته لتلقينّ منه الموت فإن الصورة التي أوردها في الإنسان وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد فتخصيصه بالإنسان باطل وكلا الصورتين ليس بتجريد وإنما هو تشبيه مضمر الأداة» .
والذي نراه أن ابن الأثير تحامل على أبي علي لأن كون هذا المثال من التشبيه المضمر الأداة لا يمنع كونه تجريدا في وقت واحد.
وحسبنا ما تقدم.
41:30–36Page 480
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh" and then remained on a right course - the angels will descend upon them, [saying], "Do not fear and do not grieve but receive good tidings of Paradise, which you were promised.
نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١
We [angels] were your allies in worldly life and [are so] in the Hereafter. And you will have therein whatever your souls desire, and you will have therein whatever you request [or wish]
نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ ٣٢
As accommodation from a [Lord who is] Forgiving and Merciful."
وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣
And who is better in speech than one who invites to Allāh and does righteousness and says, "Indeed, I am of the Muslims."
وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ٣٤
And not equal are the good deed and the bad. Repel [evil] by that [deed] which is better; and thereupon, the one whom between you and him is enmity [will become] as though he was a devoted friend.
وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥
But none is granted it except those who are patient, and none is granted it except one having a great portion [of good].
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٦
And if there comes to you from Satan an evil suggestion, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
اللغة:
(يَنْزَغَنَّكَ) : النزغ والنسغ بمعنى وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي والمراد الوسوسة وفي معاجم اللغة: نزغ ينزغ من باب ضرب نزغا بين القوم أفسد ويقال نزغ الشيطان بينهم أي أغرى بعضهم ببعض ونزغه الشيطان إلى المعاصي أي حثه ونزغ الشيطان وساوسه وما يحمل الإنسان على المعاصي.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان حال المؤمنين في الدنيا والآخرة بعد بيان حال الكافرين. وان واسمها وجملة قالوا صلة وربنا مبتدأ والله خبر والجملة مقول القول وثم حرف عطف للتراخي في الزمان واستقاموا فعل ماض وفاعل وجملة تتنزل عليهم الملائكة خبر إن.
(أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) أن مصدرية أو مخففة فعلى الأول يصح أن تكون لا ناهية وأن تكون نافية وتخافوا منصوب بأن وعلى الثاني لا يصح إلا أن تكون مخففة ولا ناهية وعلى كل حال هي ومدخولها منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في موضع الحال أي قائلين، وعلى هذا لا يبعد احتمال كونها مفسرة لأن التنزيل فيه معنى القول ولا تحزنوا عطف على لا تخافوا وأبشروا فعل أمر معطوف على ما قبله وبالجنة متعلقان بأبشروا والتي نعت وجملة كنتم صلة وكان واسمها وجملة توعدون خبر كنتم.
(نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)
تتمة مقول قول الملائكة ونحن مبتدأ وأولياؤكم خبر وفي الحياة الدنيا متعلقان بأولياؤكم لأنه جمع ولي من الولاية وهي الحفظ أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وفي الآخرة ويجوز تعليقه بمحذوف حال وفي الآخرة عطف. (وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ)
الواو عاطفة ولكم خبر مقدم وفيها متعلقان بمحذوف حال والضمير يعود على الجنة وما مبتدأ مؤخر وجملة تشتهي أنفسكم صلة ولكم فيها ما تدعون عطف على الجملة السابقة وتدعون من الدعاء بمعنى الطلب والتمني وفي المصباح: «ادعيت الشيء تمنيته وادعيته طلبته» (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) نزلا حال مما تدعون والنزل تقدم شرحه وهو القرى الذي يهيأ لاكرامة وسمي به المكان مجاز فهو مصدر وقال أبو البقاء: «نزلا فيه وجهان أحدهما هو مصدر في موضع الحال من الهاء المحذوفة أو من ما أي لكم الذي تدعونه معدا وما أشبهه ومن نعت له والثاني هو جمع نازل مثل صار وصبر فيكون حالا من الواو في تدعون أو من الكاف في لكم فعلى هذا يتعلق من بتدعون أي يطلبونه من غفور أو بالظرف أي استقر ذلك من غفور فيكون حالا من ما» هذا وقد نصبه الجلال بجعله مقدرا.
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ. وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الواو عاطفة ومن اسم استفهام مبتدأ ومعناه النفي أي لا أحد أحسن وأحسن خبر وقولا تمييز وممن متعلقان بأحسن وجملة دعا إلى الله صلة من وجملة وعمل صالحا عطف على دعا إلى الله، وجعلها أبو حيان حالية وليس ثمة ما يمنع ذلك، وصالحا مفعول به أو نعت لمصدر محذوف أي عمل عملا صالحا وقال عطف على ما قبله وإنني من المسلمين إن واسمها وخبرها في موضع نصب لأنها مقول القول. (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) كلام مستأنف مسوق لتشريع المعاملة بين البشر بعد بيان حسن المعاملة بين العبد وبين ربه ولا نافية وتستوي الحسنة فعل مضارع وفاعل ولا السيئة عطف على الحسنة وادفع فعل أمر وبالتي متعلقان بادفع والتي صفة لموصوف محذوف أي بالخصلة وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة صلة وفي هذا الكلام تأويلان ألمع إليهما البيضاوي تبعا للكشاف قال: «أي ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو ادفع بالتي هي أحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات» واختار الجلال الأول ومثل له بقوله:
«كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو» .
(فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) قالوا ان الفاء هي التعليلية الدالة على أن ما بعدها علة ما قبلها وأرى أن الفصيحة هنا أولى لأنها جواب شرط مقدر والتقدير أي إذا دفعت بالتي هي أحسن فإذا الذي، وإذا للمفاجأة ولا بد من جعلها ظرفا للمكان لمعنى التشبيه وهذا مبني على القول باسميتها وجاز تقدم هذا الظرف على عامله المعنوي لأنه يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها والذي مبتدأ وبينك ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وعداوة مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة، وكأنه كان واسمها وولي حميم خبران كأن والجملة التشبيهية في رفع خبر الذي وعبارة أبي البقاء «كأنه ولي فيه وجهان أحدهما حال من الذي بصلته والذي مبتدأ وإذا للمفاجأة وهي خبر المبتدأ أي فبالحضرة المعادي مشبها للولي الحميم والفائدة تحصل من الحال والثاني أن يكون خبر المبتدأ وإذا ظرف لمعنى التشبيه والظرف يتقدم على العامل المعنوي» .
(وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) الواو حرف عطف وما نافية ويلقاها فعل مضارع مبني للمجهول والهاء مفعول به ثان والضمير يعود على الخصلة الحسنة وهي مقابلة السيئة بالحسنة وإلا أداة حصر والذين نائب فاعل يلقاها وجملة صبروا لا محل لها لأنها صلة.
(وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) عطف على سابقتها مماثلة لها في اعرابها.
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة وإن شرطية أدغمت نونها في ما الزائدة وينزغنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به مقدم ومن الشيطان حال لأنه كان في الأصل صفة لنزغ ونزغ فاعل مؤخر، فاستعذ الفاء رابطة واستعذ فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت وبالله متعلقان باستعذ وان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والسميع العليم خبران لإن أو لهو والجملة خبر إن.
البلاغة:
في قوله «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» إيجاز بليغ لأن الاستقامة كلمة شملت جميع صفات التقوى قال عمر: الاستقامة:
أن تستقم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب وأنت تعلم ما ينطوي تحت الأمر والنهي من أوامر ومناه. وأقل انحراف عن الطريق المستقيم يخرجه عن استقامته، ذلك لأن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين فهو لا يحتمل الانجراف ولو كان أدنى من اليسير.
وفي الآيات من الطباق وجناس الاشتقاق ما لا يخفى فلذلك اكتفينا بالإشارة إليها.
41:37–39Page 480
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧
And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostrate to Allāh, who created them, if it should be Him that you worship.1
فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨
But if they are arrogant - then those who are near your Lord [i.e., the angels] exalt Him by night and by day, and they do not become weary.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.
اللغة:
(رَبَتْ) : انتفخت وعلت قبل أن تنبت ويقال للموضع المرتفع ربوة ورابية وسيأتي مزيد من شرحه في باب البلاغة.
الإعراب:
(وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) كلام مستأنف مسوق لإيراد أربع آيات من آياته تعالى ومن آياته خبر مقدم والليل مبتدأ مؤخر وما بعده عطف عليه. (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) لا ناهية وتسجدوا فعل مضارع مجزوم بلا وللشمس متعلقان بتسجدوا ولا للقمر عطف، واسجدوا لله عطف آخر والذي نعت لله وجملة خلقهن صلة والضمير يعود إلى الآيات ولذلك عبّر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة والعادة تغليب المذكر على المؤنث لأنه لما قال ومن آياته فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كل واحد منها آية فعبّر عنها بضمير الإناث. وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص والتاء اسمها وهو فعل الشرط وإياه مفعول مقدم لتعبدون وجملة تعبدون خبر كنتم وجواب الشرط محذوف تقديره فاسجدوا له.
(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) الفاء عاطفة وإن شرطية واستكبروا فعل ماض وفاعله وهو في محل جزم فعل الشرط، فالذين الفاء تعليل لجواب الشرط المحذوف وتقديره فدعهم وشأنهم والذين مبتدأ وعند ربك الظرف متعلق بمحذوف صلة الذين والظرفية هنا مكانة وتشريف وهي تعبير عن الزلفى والكرامة وجملة يسبحون خبر الذين وله متعلقان بيسبحون والليل والنهار متعلقان بيسبحون أيضا والواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يسأمون خبر. (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) الواو عاطفة على ما سبق ومن آياته خبر مقدم وأن وما في حيزها مبتدأ مؤخر وانك ان واسمها وجملة ترى الأرض خبر وخاشعة حال أي يابسة لا نبات فيها، وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب البلاغة، ولك أن تجعل الرؤية علمية فتكون خاشعة مفعولا به ثانيا، فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنزلنا في محل جر بإضافة الظرف إليها وعليها متعلقان بأنزلنا والماء مفعول به وجملة اهتزت لا محل لها وربت عطف على اهتزت.
(إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تعليل لاهتزاز الأرض اليابسة وربوها وإن واسمها وجملة أحياها صلة واللام المزحلقة ومحيي الموتى خبر إن وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبرها.
البلاغة:
في قوله «أنك ترى الأرض خاشعة» استعارة مكنية فقد استعير الخشوع وهو التذلل والتقاصر لحال الأرض عند قحطها وجفافها كما استعير الهمود لها في قوله «وترى الأرض هامدة» وكذلك يسري القول على الاهتزاز والربو، يقال اهتز الإنسان أي تحرك، وربت أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم وتأخير وتقديره ربت واهتزت، والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض وقد يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض فربوها ارتفاعها، وقيل: اهتزت أي تحركت حركة عظيمة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه وربت أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه لما كانت قبل ذلك كالذليل.
الفوائد:
1- تأثير القرآن في نفس عتبة:
أدركت قريش أن أساليبها في صد الدعوة الاسلامية عن المصي في طريقها لم تنجح وانه لا بد من اللجوء إلى عمل آخر فتشاوروا على عادتهم وانتدبوا عتبة بن ربيعة لكي يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يفاوضه في ترك الدعوة على أن يجمعوا له الأموال حتى يصير أغنى قريش ثم يجعلوا له الرياسات التي يصبح بها أرفعهم مقاما وأعزهم ملكا أو يلتمسوا له الطب حتى يبرأ من هذا الذي يأتيه فينطقه بكلام عجيب، وقد استمع النبي إلى عتبة صابرا، فلما انتهى قال له:
أفرغت يا أبا الوليد؟ فقال: نعم، قال له النبي: فاستمع مني، ثم أخذ يتلو عليه قوله تعالى: «حم تنزيل من الرحمن الرحيم» ومضى رسول الله يتلو على زائره سورة فصلت حتى انتهى إلى قوله تعالى:
«ومن آياته الليل والنهار» الآية ولما تلا هذه الآية سجد لربه سجودا طويلا ثم رفع رأسه واستوى في مجلسه وأخذ يكمل السورة حتى إذا فرغ منها نظر إلى عتبة فإذ هو ملق يديه خلف ظهره يصغي في هدوء وقد بلغت الآيات منه مبلغا عظيما، قال له النبي:
- قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك.
فلم يعقب عتبة بكلمة وانصرف مهموما يفكر أعمق تفكير في هذا الذي سمع، فما أن رأت قريش صاحبها حتى قال بعضهم لبعض:
- فحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلس إليهم قالوا له: - ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال:
- ورائي اني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس.
فقالت قريش:
- سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! فأشاح عنهم وقال:
- هذا رأيي فيكم فاصنعوا ما بدا لكم.
2- موضع السجدة:
اختلف في موضع السجدة، فهو عند الشافعي «تعبدون» لذكر لفظة السجدة قبلها وعند أبي حنيفة «يسأمون» لأنها تمام المعنى.
41:40–44Page 481
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠
Indeed, those who inject deviation into Our verses1 are not concealed from Us. So, is he who is cast into the Fire better or he who comes secure on the Day of Resurrection? Do whatever you will; indeed, He is Seeing of what you do.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١
Indeed, those who disbelieve in the message [i.e., the Qur’ān]1 after it has come to them...2 And indeed, it is a mighty3 Book.
لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢
Falsehood cannot approach it from before it or from behind it; [it is] a revelation from a [Lord who is] Wise and Praiseworthy.
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ٤٣
Nothing is said to you, [O Muḥammad], except what was already said to the messengers before you. Indeed, your Lord is a possessor of forgiveness and a possessor of painful penalty.
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤
And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1
اللغة:
(يُلْحِدُونَ) : بضم الياء مضارع ألحد في دين الله أي جار وعدل وقرىء بفتح الياء مضارع لحد من باب قطع لغة فيه وقال في الكشاف:
«يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. ولم يصب الزمخشري في تقييد المستعار له بقوله في آيات القرآن، فإنها في الآية الكريمة مستعارة للانحراف من جهة الصحة والاستقامة مطلقا لا للانحراف عنها في آيات الله وإلا لما احتيج إلى قوله في آياتنا، ومن هنا يبدو الفرق بين الملحد والزنديق والدهري والمنافق.
(أَعْجَمِيًّا) : تقدم بحث هذه الكلمة ونضيف هنا ما قالوه في يائه قال أبو حيان: «الياء للمبالغة في الوصف وليس النسب فيه حقيقيا» وقال الرازي في لوامحه: «فهي كياء كرسي» والأعجمي هو الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا) كلام مستأنف مسوق لبيان حال الملحدين وإن واسمها وجملة يلحدون صلة الموصول وفي آياتنا متعلقان بيلحدون وجملة لا يخفون علينا خبر إن.
(أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ) الهمزة للاستفهام التقريري والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق ومن اسم موصول مبتدأ وجملة يلقى في النار صلة من وخير خبرها وأم حرف عطف ومن عطف على من الأولى وجملة يأتي صلة وآمنا حال وكان السياق يقتضي أن يقول أم من يدخل الجنة ولكن عدل عن مقتضى السياق ليصرح بأمنهم وانتفاء الخوف عنهم وذلك أثلج لصدورهم وأقر لعيونهم ويوم القيامة متعلق بيأتي أو بآمنا.
(اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) اعملوا فعل أمر والمراد به التهديد لهم والواو فاعل وما مفعول به وجملة شئتم صلة ما وجملة إنه تعليل للأمر وان واسمها وبما تعملون متعلقان ببصير وبصير خبر إن.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ) الجملة بدل من جملة إن السابقة وان واسمها وجملة كفروا بالذكر صلة ولما حينية أو رابطة وجاءهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وفي خبر إن وجوه أظهرها أنه محذوف تقديره لا يخفون علينا ويؤيد هذا الوجه كون إن الثانية بدلا من إن الأولى فيسري عليها ما يسري على الأولى والقاعدة ان المحكوم به على البدل محكوم به على المبدل منه وذكر المعربون أوجها أخرى نورد خلاصتها فيما يلي: 1- انه محذوف لفهم المعنى وتقديره معذبون أو مهلكون وهو وجه سديد أيضا.
2- انه محذوف قدره الجلال بقوله: نجازيهم.
3- انه موجود مذكور وهو قوله فيما بعد «أولئك ينادون» .
4- انه موجود مذكور وهو قوله: «لا يأتيه الباطل» والعائد محذوف أي لا يأتيه الباطل منهم نحو المشمش منوان بدرهم أي منون منه وتكون أل عوضا من الضمير في رأي الكوفيين تقديره إن الذين كفروا بالذكر لا يأتيه باطلهم.
5- ان الخبر قوله ما يقال لك والعائد محذوف تقديره: إن الذين كفروا بالذكر ما يقال لك في شأنهم الا ما قد قيل للرسل من قبلك.
وانه الواو حالية وان واسمها واللام المزحلقة وكتاب خبرها وعزيز نعت والجملة نصب على الحال أي ممتنع عن ان ينال منه أحد بحماية الله وكلاءته ويؤيده قوله تعالى «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» فلا يستطيع أحد أن يبطله أو يخرمه، (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) الجملة نعت ثان للكتاب ولا نافية ويأتيه الباطل فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومن بين يديه متعلقان بيأتيه ولا من خلفه عطف على من بين يديه وتنزيل خبر رابع ومن حكيم متعلقان بتنزيل وحميد نعت لحكيم.
(ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسليته صلّى الله عليه وآله على ما يناله من أذاهم وما نافية ويقال فعل مضارع مبني للمجهول ولك متعلق بيقال وإلا أداة حصر وما نائب فاعل أي إلا مثل الذي وقد حرف تحقيق وقيل للرسل صلة ومن قبلك حال.
(إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) إن واسمها واللام المزحلقة وذو مغفرة خبرها وعقاب أليم عطف على ما تقدم.
(وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) كلام مستأنف مسوق للرد على تساؤلهم: هلا أنزل القرآن بلغة العجم ولو شرطية وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به وقرآنا مفعول به ثان وأعجميا نعت واللام واقعة في جواب الشرط وجملة قالوا لا محل لها ولولا حرف تحضيض أي هلا وفصلت فعل ماض مبني للمجهول وآياته نائب فاعل والمعنى بنيت بلسان نفهمه ونفقهه، أأعجمي الهمزة للاستفهام الانكاري وأعجمي خبر لمبتدأ محذوف أي أهو أي القرآن أعجمي والمرسل به عربي وفيه قراءات بتحقيق الهمزة الثانية وقبلها ألفا ممدودة ويقرأ بهمزة واحدة وفتح العين على النسب إلى عجم ويجوز أن يعرب أأعجمي مبتدأ والخبر محذوف تقديره أأعجمي وعربي يستويان.
(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) قل فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت أي قل في الرد عليهم وهو مبتدأ وللذين آمنوا حال لأنه كان نعتا وتقدم، وهدى وشفاء خبر هو أي انه هاد لهم وشاف لما في صدورهم وكاف في درء الشبه ولهذا ورد معجزا بلسانهم وسيأتي تفصيل واف لهذا الموضوع في باب البلاغة.
(وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) والذين الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة لا يؤمنون صلة والعائد محذوف أي به وفي آذانهم خبر مقدم ووقر مبتدأ مؤخر ولا بد من تقدير رابط أي منه والجملة خبر الذين وهو مبتدأ وعليهم متعلقان بمحذوف حال ولا يتعلق بالمصدر لتقدمه عليه وعمى مبتدأ مؤخر وأولئك مبتدأ وجملة ينادون خبر ومن مكان متعلقان بينادون وبعيد نعت لمكان وسيأتي معنى هذا الكلام في باب البلاغة.
البلاغة:
1- الطباق:
«أأعجمي وعربي» طباق بديع يحتمل معنيين أولهما أن الإنكار واقع على كون القرآن أعجمي والرسول عربي وثانيهما أن القرآن أعجمي والمرسل إليهم أو إليه عربي وإنما جاء مفردا والمرسل إليهم هم أمة العرب لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة فوجب أن يجرد لما سبق إليه من الغرض ولا يوصل به ما يخل غرضا آخر، ألا تراك تقول وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللابس قصير، ولو قلت واللابسة قصيرة جئت بما هو لكنة وفضول قول لأن الكلام يقع في ذكورة اللابس وأنوثته وانما وقع في غرض وراءهما فصح الطباق.
2- التشبيه البليغ:
وفي قوله «قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء» تشبيه بليغ، جعل القرآن نفس الهدى ونفس الشفاء يهديهم إلى سبل الرشاد ويشفيهم من أوصاب الجنون والالتياث.
3- الاستعارة التمثيلية: وفي قوله «أولئك ينادون من مكان بعيد» استعارة تمثيلية شبهت حالهم في النبوّ عن قبول مواعظ القرآن ودلائله بحال من ينادى من مكان بعيد فكما انه لا يفهم ولا يقبل قول المنادي فكذلك هؤلاء لا يقبلون دعوة من دعاهم إلى الرشد والصلاح لاستيلاء الضلالة عليهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences