Darwish · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:44–53
42:44–46Page 487
وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤
And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"
وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥
And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦
And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.
الإعراب:
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) الواو عاطفة ومن شرطية في محل نصب مفعول مقدم ويضلل فعل الشرط والله فاعله والفاء رابطة وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد وولي مجرور لفظا مرفوع محلا مبتدأ مؤخر ومن بعده صفة لولي (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) تقدم أن الخطاب عام شامل لكل من تتأتى له الرؤية. وترى فعل مضارع مرفوع والرؤية بصرية والظالمين مفعول به ولما حينية أو رابطة ورأوا العذاب فعل ماض وفاعل ومفعول به وجملة يقولون حالية وهل حرف استفهام وإلى مرد أي مرجع متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن حرف جر زائد وسبيل مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ مؤخر (وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) وتراهم عطف على ترى وجملة يعرضون حالية لأن الرؤية بصرية كما تقدم والواو نائب فاعل وعليها متعلقان بيعرضون والضمير في عليها يعود على النار التي دلّت عليها كلمة العذاب وخاشعين حال ثانية ومن الذل متعلقان بخاشعين أي من أجله وقد يعلق بينظرون ومن طرف متعلقان بينظرون وخفي نعت لطرف وهل المراد بالطرف العين أو المصدر؟ كلاهما يناسب للمقام وفي المختار:
«وطرف بصره من باب ضرب إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر والمرة منه طرفة يقال أسرع من طرفة عين» وسيأتي مزيد من بحث هذا التصوير المجسّد البارع في باب البلاغة (وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الواو حرف عطف وقال الذين آمنوا فعل وفاعل وصلة وإن واسمها والذين خبرها وخسروا أنفسهم فعل وفاعل ومفعول به والجملة صلة وأهليهم عطف على أنفسهم ويوم القيامة ظرف متعلق بخسروا وأجاز الزمخشري أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة (أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ) ألا أداة تنبيه وإن واسمها وفي عذاب خبرها ومقيم نعت والجملة من مقول قول الله تعالى ويحتمل أن يكون من كلامهم أيضا (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الواو عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبر كان المقدم ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور بمن لفظا في محل رفع على أنه اسم كان المؤخر وجملة ينصرونهم صفة لأولياء ومن دون الله حال (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) الواو عاطفة ومن شرطية في محل نصب مفعول مقدم ليضلل ويضلل فعل الشرط والله فاعل والفاء رابطة لجواب الشرط وما نافية وله خبر مقدم ومن حرف جر زائد وسبيل مجرور بمن لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر والمراد بالسبيل هنا الطريق الموصل إلى الحق في الدنيا أو إلى الجنة في الآخرة.
البلاغة:
في قوله «ينظرون من طرف خفي» تجسيد بارع وتصوير رائع لمن يقف أمام الموت الذي ينتظره والسيف مصلّت على رأسه يرأرىء بأجفانه ويحركها تحريكا ضعيفا خفيا يمكنه من مسارقة النظر فإن من ينظر إلى أمر مكروه يستهول أمره ويزوي ناظره عنه، بيد أنه لا يتمالك دون أن يرمق ما يكرهه وما يتوقع حدوثه رمقا سريعا.
42:47–48Page 488
ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧
Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨
But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.
الإعراب:
(اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) استجيبوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ولربكم متعلقان به أي أجيبوه بالتوحيد والعبادة ومن قبل متعلقان باستجيبوا أيضا وأن وما في حيزها مضافة إلى الظرف ويوم فاعل ولا نافية للجنس ومردّ اسمها المبني على الفتح وله خبرها ومن الله متعلقان بمرد لأنه مصدر ميمي والجملة صفة ليوم وأجاز بعضهم تعليق من الله بيأتي أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يتاح لأحد ردّه (ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ما نافية ولكم خبر مقدم، ومن ملجإ: من حرف جر زائد وملجإ مجرورا لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ ويومئذ الظرف متعلق بمحذوف حال وما لكم من نكير عطف على ما لكم من ملجإ، واختلف في معنى النكير فقيل هو بمعنى الإنكار كأنه مصدر أنكر على غير قياس، واكتفى في الأساس بقوله: «وشتم فلان فما كان عنده نكير» وجاء في القاموس ما يلى: «ونكر فلان الأمر كفرح نكرا محركة ونكرا ونكورا بضمهما ونكيرا» فأورده مصدرا لنكر وفي التهذيب «النكير اسم الإنكار الذي معناه التغير» ولذلك لفّق الزمخشري المعنى من كل المعاني فقال:
«والنكير: الإنكار أي ما لكم مخلص من العذاب ولا تقدرون أن تنكروا شيئا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم» وقال الزجاج: «معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها» (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) الفاء استئنافية وإن شرطية وأعرضوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والواو فاعل والفاء رابطة وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وعليهم متعلقان بحفيظا وحفيظا حال والمعنى وأرسلناك لتقسرهم على اتباع ما جئتهم، والأولى أن يكون جواب الشرط محذوفا والفاء عاطفة على الجواب المحذوف المقدّر بما يناسب المقام أي فلا تبتئس ولا تحاول اقتسارهم (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) إن نافية وعليك خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر. قيل هذا منسوخ بآيات الأمر بالجهاد (وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها) الواو عاطفة وإن واسمها وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أذقناه في محل جر بإضافة الظرف إليها والإنسان مفعول به ومنّا حال لأنه كان في الأصل صفة لرحمة وتقدمت ورحمة مفعول به أي نعمة وجملة فرح بها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة الشرط خبر إن (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ) عطف على ما تقدم وإن شرطية وتصبهم فعل الشرط والضمير يعود على الإنسان باعتبار الجنس فجمعه باعتبار المعنى وسيئة فاعل تصبهم وبما متعلقان بتصبهم وما موصولة وجملة قدمت أيديهم صلة والعائد محذوف أي قدمته، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها، والفاء رابطة أو علة للجواب المقدّر والتقدير وإن تصبهم سيئة نسوا النعمة فورا وإن واسمها وخبرها وقد ذكرنا في باب البلاغة الآنف الذكر سر وقوع الظاهر موقع المضمر أي فإنه كفور.
42:49–53Page 488
لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩
To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.
أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠
Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.
۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١
And it is not for any human being that Allāh should speak to him except by revelation or from behind a partition or that He sends a messenger [i.e., angel] to reveal, by His permission, what He wills. Indeed, He is Most High and Wise.
وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢
And thus We have revealed to you an inspiration of Our command [i.e., the Qur’ān]. You did not know what is the Book or [what is] faith, but We have made it a light by which We guide whom We will of Our servants. And indeed, [O Muḥammad], you guide to a straight path -
صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣
The path of Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Unquestionably, to Allāh do [all] matters evolve [i.e., return].
الإعراب:
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) كلام مستأنف لبيان سعة ملكه سبحانه، والملك بالضم الاستيلاء على الشيء والتصرّف به حسب المشيئة. ولله خبر مقدّم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر وجملة يخلق حال وما مفعول به ليخلق وجملة يشاء صلة (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) يهب فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى ولمن متعلقان بيهب وجملة يشاء صلة وإناثا مفعول به ويهب لمن يشاء الذكور عطف على الجملة الآنفة وجملة يهب لمن يشاء بدل من جملة يخلق ما يشاء بدل مفصل من مجمل (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) أو حرف عطف ويزوّجهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود عليه سبحانه ومفعول به وذكرانا وإناثا مفعول به ثان ليزوّجهم على تضمينه معنى التصيير أي يجعل أولاده ذكورا وإناثا بدليل ما بعده، واختار أبو البقاء والخطيب إعراب ذكرانا وإناثا حالين، ويجعل من يشاء عقيما عطف على ما تقدم وعقيما مفعول به ثان حتما وإن واسمها وعليّ خبرها الأول وقدير خبرها الثاني وسيأتي المزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) الواو حرف عطف أو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان كيفية تكليم الله لعباده، وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولبشر خبر كان المقدم وأن ومنصوبها اسمها وإلا أداة حصر ووحيا مصدر واقع موقع الحال أو مفعول مطلق لفعل محذوف وأو حرف عطف ومن وراء حجاب متعلقان بمقدر معطوف على المقدّر العامل في وحيا أي وإلا أن يكلم الله من وراء حجاب أو مسمعا من وراء حجاب، وأو حرف عطف ويرسل معطوف على اسم خالص من التقدير بالفعل وهو قوله وحيا فكأنه قال إلا موحيا أو مرسلا وأن يوحي وحيا أو يرسل رسولا. وقد شغلت هذه الآية المفسرين والنحاة وسنورد لك في باب الفوائد بحثا مسهبا في صددها (فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فيوحي عطف على يرسل وقد قرئا بالرفع على الاستئناف أي فهو يرسل ويوحي وبإذنه متعلقان بيوحي والوحي هو الإلهام والإشارة السريعة وما مفعول به وجملة يشاء صلة وإن واسمها وخبراها (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل إيحائنا إلى غيرك وإليك متعلقان بأوحينا وروحا مفعول به ومن أمرنا نعت لروحا وقيل حال ومن تبعيضية أي حال كون هذا الروح وهو القرآن بعض ما نوحيه إليك لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) الجملة حال من الكاف في إليك وما استفهامية معلقة لتدري عن العمل في محل رفع مبتدأ والكتاب خبر والجملة في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي تدري ولا الإيمان عطف على الكتاب (وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) الواو حالية أو عاطفة ولكن حرف استدراك مهمل وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به ونورا مفعول به ثان وجملة نهدي به صفة لنورا ومن مفعول به وجملة نشاء صلة ومن عبادنا حال (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الواو عاطفة وإن واسمها واللام المزحلقة وجملة تهدي خبر ومفعول تهدي محذوف أي كل إنسان مكلف وإلى صراط مستقيم متعلقان بتهدي (صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) صراط الله بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة والذي نعت لله وبه خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة وما في الأرض عطف على ما في السموات (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) ألا أداة تنبيه وإلى الله متعلقان بتصير والأمور فاعل والمراد بالصيرورة هنا الديمومة.
البلاغة:
قد تستوعب هذه الآيات ما يعدل الصحائف التي استغرقتها السورة بكاملها ولكننا سنوجز قدر الطاقة مع تفادي الإخلال: ففي قوله «يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوّجهم» الآية فن صحة التقسيم وقد تقدم الإلماع إليه وأنه استيفاء المتكلم جميع أقسام المعنى الذي هو شارع فيه بحيث لا يغادر منه شيئا فانه سبحانه إما أن يفرد العبد بهبة الإناث، أو بهبة الذكور، أو بهما جميعا، أو لا يهبه شيئا فقد وقعت صحة التقسيم في هذه الآية على الترتيب الذي تستدعيه البلاغة وهو الانتقال في نظم الكلام ورصفه من الأدنى إلى الأعلى فقدّم هبة الإناث وانتقل إلى هبة الذكور ثم إلى هبة المجموع، وجاء في كل قسم من أقسام العطية بلفظ الهبة وأفرد معنى الحرمان بالتأخير لأن إنعامه على عباده أهمّ عنده، وتقديم الأهم واجب في كل كلام بليغ، والآية إنما سيقت للاعتداد بالنعم وإنما أتى بذكر الحرمان ليتكمل التمدح بالقدرة على المنع كما يمدح بالعطاء فيعلم أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وعدل من لفظ الحرمان والمنع إلى لفظ هو ردفه وتابعه وهو لفظ الجعل، وسيأتي ما يشبهه في سورة الواقعة مع مزيد من التفصيل فانظره هناك.
هذا وهناك من الطباق ما لا يخفى مما تقدم بحثه كثيرا.
الفوائد:
1- قبل أن نورد لك قاعدة نحوية هامة نورد ما قاله أعلام المفسرين والنحاة في إعراب قوله «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا» الآية.
وإليك خلاصة ما قاله الزمخشري:
وما صحّ لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على ثلاثة أوجه:
1- إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام.
2- وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه لأنه في ذاته غير مرئي.
3- وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة.
إلى أن يقول «ووحيا وأن يرسل مصدران واقعان موقع الحال لأن أن يرسل في معنى إرسالا ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضا كقوله تعالى: وعلى جنوبهم والتقدير: وما صحّ أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا» إلى أن يقول: «ومن جعل وحيا في معنى أن يوحي وعطف يرسل عليه على معنى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أي بأن يوحي أو بأن يرسل فعليه أن يقدر قوله أو من وراء حجاب تقديرا يطابقهما عليه نحو أو أن يسمع من وراء حجاب وقرىء أو يرسل رسولا فيوحي بالرفع على أو هو يرسل أو بمعنى مرسلا عطف على وحيا في معنى موحيا» .
أما عبارة السمين: «قرأ نافع يرسل برفع اللام وكذلك فيوحي فسكنت ياؤه والباقون بنصبها فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه:
1- أحدها أنه رفع على إضمار مبتدأ أي أو هو يرسل.
2- والثاني أنه عطف على وحيا على أنه حال لأن وحيا في تقدير الحال أيضا فكأنه قال إلا موحيا أو مرسلا.
3- الثالث أن يعطف على ما يتعلق به من وراء إذ تقديره أو يسمع من وراء حجاب ووحيا في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدّر المعطوف عليه أو يرسل والتقدير إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا.
وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه: 1- أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به من وراء حجاب إذ تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وهذا الفعل المقدّر معطوف على وحيا والمعنى إلا بوحي أو إسماع من وراء حجاب أو إرسال رسول ولا يجوز أن يعطف على يكلمه لفساد المعنى، قلت إذ يصير التقدير وما كان لبشر أن يرسله الله رسولا فيفسد لفظا ومعنى، قال مكّي: لأنه يلزم منه نفي الرسل ونفي المرسل إليهم.
2- الثاني: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على وحيا ووحيا حال فتكون هنا أيضا حالا والتقدير إلا موحيا أو مرسلا.
3- الثالث: أنه عطف على معنى وحيا فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير إلا بأن يوحى إليه أو بأن يرسل، ذكره مكّي وأبو البقاء.
وقوله أو من وراء حجاب، العامة على الإفراد وابن أبي عبلة حجب جمعا وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره أو يكلمه من وراء حجاب، وقد تقدم أن هذا الفعل معطوف على معنى وحيا أي إلا أن يوحي أو يكلمه، قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يتعلق من بيكلمه الموجودة في اللفظ لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعد إلا ثم قال:
من متعلقة بيكلمه لأنه ظرف والظرف يتسع فيه» .
وقال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون معطوفا على أن يكلمه لأنه يصير معناه ما كان لبشر أن يكلمه الله ولا أن يرسل إليه رسولا وهذا فاسد» .
2- نصب الفعل المضارع جوازا: ينصب الفعل المضارع جوازا بأن مضمرة بعد أحرف خمسة وهي: اللام الجارّة إذا لم يسبقها كون ناقص ماض منفي ولم يقترن الفعل بلا فإن سبقت اللام بالكون المذكور وجب إضمار أن وإن قرن الفعل بلا نافية أو زائدة مؤكدة وجب إظهارها لئلا يتوالى مثلان وهما لام كي ولام لا من غير إدغام وهو ركيك في الكلام نحو «لئلا يكون للناس عليكم حجة» بإدغام النون في لا النافية ونحو «لئلا يعلم أهل الكتاب» بإدغام النون في لا الزائدة المؤكدة وتسمى هذه اللام لام كي ولام العاقبة ولام التوكيد، والأحرف الأربعة الباقية من الأحرف الخمسة التي تضمر أن بعدها جوازا هي الواو وأو وثم والفاء إذا كان العطف بها على اسم ليس في تأويل الفعل وهو نوعان مصدر وغيره فغير المصدر كقول حصين بن حمام المري:
ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
فأسوءك معطوف على رجال وهو ليس في تأويل الفعل، ورزام حيّ من نمير، وعلقما منادى مرخم، والمصدر نحو: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا في قراءة غير نافع بالنصب بإضمار أن بعد أو والتقدير إلا وحيا أو إرسالا ووحيا مصدر ليس في تأويل الفعل، وقول ميسون بنت بجدل الكلابية زوج معاوية بن أبي سفيان وأم ابنه يزيد:
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف
فتقرّ منصوب بأن مضمرة جوازا وهي والفعل في تأويل مصدر مرفوع بالعطف على لبس بالواو العاطفة على قولها قبله:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف
ويقال قرّت عينه تقرّ إذا كان دمعها نادرا ولا يكون ذلك إلا في الفرح وهو مشتق من القرّ ويقال سخنت إذا كان دمعها حارّا ولا يكون إلا في الترح، وقوله:
لولا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على أتراب
فأرضيه منصوب بأن مضمرة جوازا بعد الفاء وان وأرضى في تأويل مصدر معطوف على توقع والتقدير لولا توقع معتر فإرضائي إياه وتوقع ليس في تأويل الفعل والمعتر المعترض للمعروف والأتراب جمع ترب بكسر التاء وهو من يولد معك في الوقت الذي تولد فيه فيساويك في سنك والمعنى لولا توقع من يصرف عن فعل المعروف وإرضاؤه ما آثر الشاعر المساوي لغيره في السن على المساوي له في سنّه، وقول أنس بن مدركة الخثعمي:
إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
فأعقله مضارع عقل منصوب بأن مضمرة جوازا بعد ثم وأن وأعقله في تأويل مصدر معطوف على قتلي والتقدير وقتلي سليكا ثم عقلي إياه وقتلي ليس في تأويل الفعل، وسليكا بالتصغير اسم رجل مفعول قتلي وكالثور خبر إن والمراد بالثور ذكر البقر لأن البقر تتبعه فإذا عاف الماء عافته فيضرب ليرد الماء فترد معه واعقله من عقلت القتيل:
أعطيت ديّته، ولأبي العلاء رأي طريف في الثور قال هو ثور الطحلب وهو الذي يعلو على الماء فيصدر البقر عنه فيضرب به صاحب البقر ليفحص عن الماء فيشربه قال: وسمّاه بالثور وذكره مع البقر ليلغز به على السامع، على أن هذا محض تكلّف والصواب الأول.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences