DarwishAl‑Ma'idah · 5:48–59

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:48–59

5:48Page 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

اللغة:

(مُهَيْمِناً) أي: شاهدا ورقيبا على سائر الكتب، لأنه يشهد لها بالصّحة والثبات. قال حسان بن ثابت:

إنّ الكتاب مهيمن لنبيّا ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب

وقد اختلف في أصل فعله، هل هو أصل بنفسه؟ أي: إنه ليس مبدلا من شيء. يقال: هيمن يهيمن، واسم الفاعل مهيمن. كبيطر يبيطر، فهو مبيطر. أو أن هاءه مبدلة من همزة، وأنه اسم فاعل من آمن غيره من الخوف، والأصل مؤأيمن بهمزتين، أبدلت الثانية ياء كراهية اجتماع همزتين، ثم أبدلت الأولى هاء.

(شِرْعَةً:) الشرعة بكسر الشين: الدين، والشرع مثله، مأخوذ من الشريعة، وهي مورد الناس للاستسقاء. وسميت بذلك لوضوحها وظهورها. وجمعها شرائع. وشرّع الله لنا كذا يشرعه: أظهره وأوضحه. والمشرعة بفتح الميم والراء: شريعة الماء، قال الأزهري:

ولا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له، كماء الأنهار، ويكون ظاهرا أيضا، ولا يستسقى منه برشاء. فإن كان من مياه الأمطار فهو الكرع بفتحتين والناس في هذا الأمر شرع بفتحتين، وتسكن الراء للتخفيف: أي سواء.

(مِنْهاجاً) : في المختار: النهج بوزن الفلس: المنهج، أي المذهب. والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه، ونهجه أيضا: سلكه، وبابهما قطع. والنهج بفتحتين: تتابع النفس. وفي المصباح: «ونهج الطريق ينهج بفتحتين وضح واستبان، وأنهج بالألف مثله، ونهجته وانتهجته: أوضحته، يستعملان لازمين ومتعديين» .

الإعراب:

(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) الواو عاطفة وأنزلنا فعل وفاعل، وإليك متعلقان بأنزلنا، وبالحق متعلقان بمحذوف حال من الكتاب (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) مصدقا حال من الكتاب، ولما متعلقان ب «مصدقا» وبين ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، ويديه مضاف اليه، ومن الكتاب جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.

وعنى بالكتاب الجنس، أي: جنس الكتب المنزلة من السماء (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) ومهيمنا عطف على «مصدقا» وعليه متعلقان ب «مهيمنا» ، فاحكم: الفاء الفصيحة، أي: إذا كان شأن القرآن هذا فاحكم بين أهل الكتاب عند تحاكمهم إليك بما أنزل الله، واحكم فعل أمر وبينهم ظرف متعلق ب «فاحكم» وبما متعلقان باحكم، وجملة أنزل الله صلة الموصول (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتتبع فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وأهواءهم مفعول به، وعما جاءك متعلقان بمحذوف حال، أي:

منحرفا، وجملة جاءك صلة، وقيل: تضمن «تتبع» معنى «تنحرف» أو «تتزحزح» ، فيتعلق الجار والمجرور به، ومن الحق متعلقان بمحذوف حال من فاعل جاءك، أو من نفس «ما» الموصولة (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) كلام مستأنف مسوق لحمل أهل الكتابين من معاصريه على الانصياع لما جاء به. ولكل متعلقان ب «جعلنا» ، أو أنه مفعول أول لجعلنا، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للاسم المحذوف الذي ناب عنه تنوين العوض اللاحق ب «لكل «، أي لكل أمة منكم، وشرعة مفعول جعلنا، ومنهاجا عطف على شرعة (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) الواو استئنافية، ولو شرطية، وشاء الله فعل وفاعل، واللام واقعة في جواب لو، وجملة جعلكم لا محل لها لأنها واقعة جواب شرط غير جازم، وأمة مفعول جعلكم الثاني، وواحدة صفة (وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) الواو حالية، ولكن حرف استدراك مهمل لأنه مخفف، وليبلوكم اللام للتعليل، ويبلوكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره: أراد، وفيما متعلقان بيبلوكم، وجملة آتاكم صلة الموصول (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) الفاء الفصيحة، أي: إذا تبينتم وجه الحكمة في هذا فاستبقوا، واستبقوا: فعل وفاعل، والخيرات مفعول به، أو منصوب بنزع الخافض، ولعله أولى، لأن الأصل في «استبق» أن يعدّى الفعل ب «إلى» إلا إذا ضمنت «استبق» معنى «ابتدر» ، فيتعدى بنفسه. والى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومرجعكم مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة مسوقة سياق التعليل لاستباق الخيرات، وجميعا حال من الكاف لأنها فاعل في المعنى، أي:

ترجعون جميعا (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الفاء عاطفة على معنى مرجعكم، أي: ترجعون فينبئكم، والكاف مفعول به، وبما متعلقان بينبئكم، وجملة كنتم صلة الموصول، والتاء اسم كان، وجملة تختلفون خبرها.

البلاغة:

في إظهار الضمير بقوله: «الكتاب» بيان لأهميته، وأنه المرجع والملاذ والمعتصم إذا حزب الأمر، وهو داخل في نطاق علم المعاني.

ومنه في الشعر قول البحتري في مطلع سينيته:

صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كلّ جبس

5:49Page 116

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

الإعراب:

(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) الواو مستأنفة، والكلام مستأنف لبيان كيفية الحكم بينهم، وجعلها الزمخشري عاطفة على الكتاب، ولا يخفى ما فيه من بعد، وأن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، ومتعلق الجار والمجرور محذوف، أي:

ووصّيناك بأن احكم، واختار أبو حيّان أن يكون المصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: وحكمك بما أنزل الله أمرنا وقولنا، أو تقدره بقولك: ومن الواجب حكمك بما أنزل الله، ولا بأس بقوله.

وبينهم ظرف متعلق بمحذوف حال، وبما متعلقان ب «احكم» ، وجملة أنزل الله صلة الموصول (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) الجملة معطوفة على «احكم» ، ولا ناهية، وتتبع فعل مضارع مجزوم ب «لا» ، وأهواءهم مفعول به، واحذرهم عطف أيضا، وأن يفتنوك مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، أي: من أن يفتنوك. ولك أن تجعل المصدر المؤول بدل اشتمال من الهاء في «واحذرهم» لأنهم اشتملوا على الفتنة، وأجازوا أن يكون المصدر مفعولا لأجله، على تقدير لام العلة، ولا النافية، وأرى فيه تكلفا، ولكن كثيرا من المعربين أعربوه كذلك (عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) الجار والمجرور متعلقان بيفتنوك، وما اسم موصول في محل جر بالاضافة، وجملة أنزل الله صلة، وإليك متعلقان بأنزل (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) الفاء استئنافية، وإن شرطية، وتولوا فعل ماض وفاعل، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاء رابطة للجواب، وجملة اعلم في محل جزم جواب الشرط، وأنما كافة ومكفوفة، وهي وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلم، ويريد فعل مضارع، والله فاعل، والمصدر المؤول مفعول يريد، وببعض متعلقان بيصيبهم (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) الواو استئنافية، وإن واسمها، ومن الناس متعلقان بمحذوف صفة لكثير، واللام المزحلقة، وفاسقون خبر «إن» .

البلاغة:

الإبهام في قوله: «ببعض ذنوبهم» . والتولّي- على عظمه وجسامته وفداحة التطاول به- واحد منها. والمراد أن لهم ذنوبا كثيرة العدد، والتولي من جملتها وواحد منها. فما أخسر صفقتهم وما أبشع ما اقترفوه. واستعمال «بعض» في الإبهام وارد كثيرا في كلامهم، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة في معلقته:

ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها

أراد نفسه، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، يقول: إني تراك أماكن إذا لم أرضها إلا أن يعتلق بنفسي حمامها فلا يتسنى لها البراح. ومن جعل «بعض النفوس» بمعنى كل النفوس فقد أخطأه، لأن بعضا لا يفيد العموم والاستيعاب، فكأنه قال: نفسا كبيرة.

5:50–51Page 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

الإعراب:

(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) الكلام معطوف على ما تقدم، مسوق لبيان نمط من تعنّتهم، وجريهم على سبيل الباطل. والهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة على مقدّر يقتضيه المقام، أي: أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية؟ وحكم مفعول به مقدم لقوله:

«يبغون» ، والجاهلية مضاف اليه، ويبغون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وأحسن خبره، ومن الله متعلقان بأحسن، وحكما تمييز، ولقوم متعلقان بمحذوف حال، وقال الجلال وغيره: اللام بمعنى عند، متعلقة بأحسن، أي: عند قوم يوقنون، وجملة يوقنون صفة لقوم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) تقدم إعراب النداء، ولا ناهية، وتتخذوا فعل مضارع مجزوم ب «لا» ، والواو فاعل، واليهود مفعول به، والنصارى عطف على اليهود، وأولياء مفعول به ثان، والجملة مستأنفة (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) بعضهم مبتدأ، وأولياء بعض خبر، والجملة الاسمية صفة لأولياء أو ابتدائية، ذكرت بمثابة التعليل للنهي (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويتولهم فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ومنكم متعلقان بمحذوف حال، فإنه: الفاء رابطة، وان واسمها، ومنهم خبرها، والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إن واسمها، ولا نافية، ويهدي فعل مضارع، والقوم مفعول به، والظالمين صفة، والجملة تعليلية لا محل لها.

البلاغة:

في قوله: «أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون» فنّ طريف، وهو فن الإيغال، وفحواه أن يستكمل المتكلّم كلامه قبل أن يأتي بمقطعه، فإذا أراد الإتيان بذلك أتى بما يفيد معنى زائدا على معنى ذلك الكلام. وهو ضربان:

1- إيغال تخيير: كما في هذه الآية، فإن المعنى قد تمّ بقوله:

«ومن أحسن من الله حكما» ، ولما احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب ما قبلها وما بعدها، أتت تفيد معنى زائدا، لولاها لم يحصل، وذلك أنه لا يعلم أن حكم الله أحسن من كل حكم إلا من أيقن أنه واحد حكيم عادل ليبقى توحيده الشريك في الحكم الذي انفرد به، ولم يكن له معارض فيه ولا مناقض له، ويحصل من حكمته وضع الشيء في موضعه فيؤمن منه وضع الحق في غير موضعه، وينفي العدل عنه الجور في الحكم، ثم عدل عن قوله: «يعلمون» إلى قوله: «يوقنون» ليكون علمهم بربهم علم قطع ويقين.

الإيغال الاحتياطي في الشعر:

أما الإيغال الاحتياطي في الشعر فهو في القوافي خاصة لا يعدوها، ويسميه بعضهم التبليغ، حكى الحاتميّ عن عبد الله بن جعفر عن محمد ابن يريد المبرّد قال: حدثنى التوزيّ قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقض كلامه قبل القافية، فاذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى إذ يقول: كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال:

«الوعل» . قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟

قال: لأنه ينحطّ من قنّة الجبل على قرنه فلا يضيره. قلت: ثمّ نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:

قف العيس في أطلال ميّة واسأل ... رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل

فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال: المسلسل، فزاد شيئا. وقوله:

أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصّل

فتمّم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: «المفصل» ، فزاد شيئا أيضا. وليس بين الناس اختلاف في أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس:

إذا ماجرى شأوين وابتل عطفه ... تقول: هزيز الريح مرت بأثأب

فبالغ في صفته وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين، ويبتل عطفه بالعرق، ثم زاد «الأثأب» إيغالا في صفته، وهو شجر للريح في أضعاف غصونه حفيف عظيم وشدّة صوت. وأتبعه زهير ابن أبي سلمى فقال:

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم فأوغل في التشبيه إيغالا بتشبيه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم، لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض البتة، وكان خالص الحمرة. وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة:

غرّاء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل

فأوغل بقوله: «الوحل» بعد أن قال: «الوجي» وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:

إذا ما علت منّا ذؤابة شارب ... تمشّت به مشي المقيّد في الوحل

ويقول: قاتله الله ما كفاه أن جعله مقيدا حتى جعله في وحل.

2-

إيغال احتياط:

وهو أن يستكمل المتكلم معنى كلامه قبل أن يقطعه، فإذا أراد الإتيان بذلك أتى بما يفيد معنى زائدا تتمة للمبالغة، كقوله تعالى:

«ولا تسمع الصم الدعاء» ، ثم علم عز وجل أن الكلام يحتاج إلى فاصلة تماثل مقاطع ما قبلها وما بعدها فأتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام حيث قال: «إذا ولّوا مدبرين» . فإن قيل: ما معنى مدبرين؟ وقد أغنى عنها ذكر التولي؟ قلنا: ذلك لا يغنى عنها، إذ التولي قد يكون بجانب دون جانب، كما يكون الإعراض. وسيأتي المزيد منها عند الكلام على سورة النمل إن شاء الله تعالى.

5:52–53Page 117

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

اللغة:

(دائِرَةٌ) : الدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وفرق الراغب في مفرداته: بين الدائرة والدولة بأن الدائرة هي الخط المحيط، ثم عبّر بها عن الحادثة، وإنما تقال في المكروه، والدولة في المحبوب. وعن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي موالي من يهود، كثيرا عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأوالي الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ:

إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. وهم يهود بني قينقاع.

(حَبِطَتْ) أي بطلت التي كانوا يتكلفونها في رأي الناس.

الإعراب:

(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ) يجوز أن تكون الفاء استئنافية، والكلام مستأنفا مسوقا لبيان كيفية ولائهم ولسببه ولما يئول اليه أمرهم ومصيرهم. ويجوز أن تكون عاطفة والكلام معطوفا على قوله: «إن الله لا يهدي القوم الظالمين» . وعلى كل حال لا محل لها، وترى فعل مضارع، والرؤية إما بصرية أو علمية، والذين مفعول به، وفي قلوبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومرض مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول، وجملة يسارعون إما حال إذا كانت الرؤية بصرية، وإما مفعول به ثان إذا كانت الرؤية علمية، وفيهم جار ومجرور متعلقان بيسارعون. (يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ) الجملة في محل نصب على الحال من ضمير «يسارعون» وجملة نخشى في محل نصب مقول القول، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها مفعول نخشى، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ودائرة فاعل (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) الفاء استئنافية، وعسى من أفعال الرجاء وتعمل عمل «كان» ، والله اسمها، وأن يأتي مصدر مؤول خبرها، وقد تقدم أن الأكثر في خبر عسى أن يكون فعلا مضارعا مقترنا بأن، وبالفتح متعلقان بيأتي، أو أمر معطوف على الفتح، ومن عنده متعلقان بمحذوف صفة لأمر (فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ) الفاء عاطفة أو سببية، ويصبحوا معطوفة على يأتي، أو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، لأنها سبقت بعسى، وهي للرجاء، ويصبحوا فعل مضارع ناقص، الواو اسمها، وعلى ما متعلقان بنادمين، وجملة أسروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وفي أنفسهم متعلقان بأسروا، ونادمين خبر «أصبح» (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لبيان ما يقوله المؤمنون.

ويقول الذين فعل مضارع وفاعل، وجملة آمنوا صلة الموصول، وقرىء بنصب «يقول» عطفا على «أن يأتي» ، وقرىء من دون واو، فهي مستأنفة أيضا. والهمزة للاستفهام التعجبي، واسم الاشارة مبتدأ، والذين خبر، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة أقسموا صلة الموصول، وبالله متعلقان بأقسموا، وجهد أيمانهم مفعول مطلق أو حال (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وإن واسمها، واللام المزحلقة، ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر إن (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ) جملة مستأنفة، قيل: هي من كلام الله، وعليه أكثر المعربين. وقيل: هي من قول المؤمنين، وعليه الزمخشري وأبو حيّان. وأعمالهم فاعل حبطت، والفاء عاطفة، وأصبحوا فعل ماض ناقص، والواو اسمها، وخاسرين خبرها.

البلاغة:

في قوله تعالى: «حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين» فن سماه قدامة الإغراب والطرفة. وهو على ثلاثة أقسام:

1- قسم يكون الإغراب منه في اللفظ، وهو كثير.

2- قسم يكون الإغراب منه في المعنى، كقول المتنبي:

يطمّع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع

فإنه عمد إلى المعنى المعروف من كون الطير إنما تقع على القتلى وتتبع الجيوش، ثقة بالشبع، فتجاوزه بزيادة المبالغة المستحسنة لاقترانها ب «تكاد» إلى ما قال، فحصل في بيته من الإغراب والطرفة، ما لا يحصل لغيره.

3- وقسم لا يكون الإغراب في معناه ولا في ظاهر لفظه، بل في تأويله، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام معيبا وإذا تؤوّل رده التأويل إلى نمط من الكلام الفصيح، فأماط عن ظاهره العيب.

والآية الكريمة منه، فإن لقائل أن يقول: إن لفظة «أصبحوا» في الظاهر حشو لا فائدة فيه، فإن هؤلاء المخبر عنهم بالخسران قد أمسوا في مثل ما أصبحوا، ومتى قلت: أصبح العسل حلوا، كانت لفظة «أصبح» زائدة من الحشو الذي لا فائدة فيه، لأنه أمسى كذلك.

وقد تحيل الرمانيّ لهذه اللفظة في تأويل تحصل به الفائدة لجليلة التي لولا مجيئها لم تحصل، وهي أنه لما قال: لما كان العليل الذي قد بات مكابدا آلاما شديدة تعتبر حاله عند الصباح، فاذا أصبح مفيقا مستريحا من تلك الآلام رجي له الخير، وغلب على الظنّ برؤه وإفاقته من ذلك المرض، وإذا أصبح كما أمسى تعيّن هلاكه، بجريان العادة بهيجان الإعلال في الليل وسكونه عند الصباح. وشبهت حال الأشقياء بالعليل الذي أصبح من الألم على ما أمسى، فهو ممن ييئس من إصلاحه، وعلى هذا تكون لفظة «فأصبحوا» قد أفادت معنى حسنا جميلا، وخرجت عن كونها حشوا غير مفيد. ولما أخبر الله سبحانه بأنه حبطت أعمالهم علم بالقطع أنهم أصبحوا خاسرين، فلفظة «أصبحوا» لا يصلح غيرها في موضعها، ولا يتم المعنى إلا بها. وما مثّل به الرماني من قوله: «أصبح العسل حلوا وقد أمسى كذلك» إنما يقال هذا في الأمور الواقعة في دار الدنيا، لأن زمانها فيه صباح ومساء، فلما أصبح فيه على الحال التي يمسي عليها فذكر الصباح فيه والمساء حشو لا فائدة فيه، وأما يوم القيامة الذي لا مساء فيه فإن تمثيله بما أصبح في الزمن الذي يصاحبه مساء تمثيل غير مطابق له.

5:54Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) الكلام مستأنف مسوق لبيان حال المرتدين على الإطلاق. وقد تقدم اعراب النداء كثيرا. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويرتد فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه السكون وحرك بالفتحة لخفتها كما تقدم في قاعدة المضعّف، ومنكم متعلقان بمحذوف حال، وقرىء «يرتدد» بفكّ الإدغام. وعن دينه متعلقان بيرتد، والفاء رابطة لجواب الشرط، وجملة سوف يأتي الله في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ويأتي الله فعل وفاعل، وبقوم متعلقان بيأتي، وجملة يحبهم صفة لقوم، وجملة يحبونه عطف على جملة يحبهم. وفي محبة الله للعبد، وجب العبد لله، أبحاث شيقة اشتجر حولها الخلاف، وليس هذا مقام بحثها، فليرجع إليها القارئ في المطوّلات (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) أذلة صفة ثانية لقوم، وعلى المؤمنين متعلقان بأذلة، وهو صفة مشبهة، وأعزة صفة ثالثة، وعلى الكافرين متعلقان بأعزّة (يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) جملة يجاهدون صفة رابعة لقوم، وجملة ولا يخافون عطف على جملة يجاهدون، فهي بمثابة صفة خامسة (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) الجملة مستأنفة، واسم الاشارة مبتدأ، وفضل الله خبره، و «ذلك» قد يشار به إلى المفرد والمثنى والمجموع، وهو هنا يشير به إلى الأوصاف التي أولها:

يحبهم ويحبونه، وجملة يؤتيه خبر ثان، ولك أن تجعلها مستأنفة، والهاء مفعول به أول ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به ثان ليؤتيه، والواو استئنافية، والله مبتدأ، وواسع خبر أول، وعليم خبر ثان.

البلاغة:

1- محبة العبد لله بطاعته له، وهو من المجاز الذي يسمى فيه المسبّب بالسبب.

2- الطباق بين أذلة وأعزّة.

5:55–56Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

الإعراب:

(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) كلام مستأنف مسوق لتقرير الحكم فيمن يوالي الله ورسوله والمؤمنين. وإنما كافة ومكفوفة، ووليكم خبر مقدم، والله مبتدأ مرفوع ويجوز العكس، ورسوله عطف على الله، وكذلك الذين آمنوا، وجملة آمنوا صلة الموصول (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) اسم الموصول بدل من الذين، وجملة يقيمون صلة، والصلاة مفعول به، ويؤتون الزكاة عطف على ما قبلهء (وَهُمْ راكِعُونَ) الواو حالية، وهم مبتدأ، وراكعون خبر، والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، والجملة معطوفة على ما سبقها، فتكون مندرجة في خبر الصلة لاسم الموصول (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويتولّ فعل الشرط، والله مفعوله، ورسوله عطف على الله، والذين آمنوا عطف أيضا (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) الفاء رابطة لجواب الشرط، وإن واسمها، وهم ضمير فصل لا محل له، والغالبون خبر إن، أو «هم» مبتدأ، والغالبون خبر «هم» ، وجملة «هم الغالبون» خبر «إن» ، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفا لدلالة الكلام عليه، أي: يغلب، ويكون قوله: «فإن حزب الله هم الغالبون» دالّا عليه، وقد رجح هذا القول ابن هشام في المغني.

5:57–58Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً) كلام مستأنف مسوق لخطاب بعض المؤمنين وتحذيرهم من المنافقين.

وقد تقدم إعراب كلمة النداء، ولا ناهية، وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والذين مفعول به، وجملة اتخذوا صلة الموصول، ودينكم مفعول به أول، وهزوا مفعول به ثان، ولعبا عطف على «هزوا» (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ) من الذين الجار والمجرور حال من الموصول الأول، أو من فاعل اتخذوا، وجملة أوتوا صلة، وأتوا فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، والكتاب مفعول به ثان، ومن قبلكم متعلقان بأتوا، والكفار معطوف على الذين أوتوا، وقرىء بالجر عطفا على الموصول المجرور بمن. قال مكّي: لولا اتفاق الجماعة على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفي المعنى. وأولياء مفعول به ثان لتتخذوا (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة، واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، وإن شرطية، وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها، ومؤمنين خبر كنتم، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، أي فاتقوا الله (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً) الواو عاطفة، على صلة الذين الواقع مفعولا به، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة ناديتم في محل جر بالإضافة، والى الصلاة متعلقان بناديتم، وجملة اتخذوها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول، وهزوا مفعول به ثان، ولعبا عطف عليه (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) اسم الاشارة مبتدأ والباء حرف جر، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، ولا نافية، ويعقلون فعل مضارع، والواو فاعل، والجملة صفة لقوم.

5:59Page 118

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

اللغة:

(تَنْقِمُونَ) : مضارع نقم، وفيه لغتان: الفصحى حكاها ثعلب في فصيحه: نقم بفتح القاف ينقم بكسرها، والأخرى: نقم بكسر القاف ينقم بفتح القاف، حكاها الكسائي. ومعناه تسخطون وتكرهون، وقيل: تنكرون. قال عبيد الله بن قيس الرّقيّات:

ما نقموا من بني أمية إلّا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا

الإعراب:

(قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة أهل الكتاب من بني إسرائيل. وقل: فعل أمر، ويا حرف نداء، وأهل الكتاب منادى مضاف (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) الجملة مقول القول، وهل حرف استفهام إنكاري وتنقمون فعل مضارع والواو فاعل، ومنا متعلقان بتنقمون، وإلا أداة حصر، وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول تنقمون، وقيل المصدر منصوب على أنه مفعول لأجله، والمفعول به محذوف، والأول أرجح، وبالله متعلقان بآمنا، والمعنى ما تكرهون منا إلا الإيمان أو لا تسخطون علينا إلا لأجل إيماننا (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) عطف على المصدر المؤول، وجملة أنزل صلة الموصول، وإلينا متعلقان بأنزل، و «ما» الثانية عطف على «ما» الأولى، وجملة أنزل صلة الموصول، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) الواو عاطفة، وقرأ الجمهور بفتح «أن» فهي في تأويل مصدر محله الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أننا على الحق، وأنكم على الباطل، فإن عنصريتكم وحبكم للرئاسة وجمع الأموال أهاب بكم إلى ركوب هذا المركب الخشن. ويحتمل أن يكون محل المصدر النصب عطفا على «أن آمنا» ، والمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان. أو تكون الواو للمعية، ويكون المصدر المؤول مفعول معه، والتقدير:

وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون. ويحتمل أن يكون محله الجر عطفا على الله، أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله، وبما أنزل، وبأن أكثركم فاسقون.

البلاغة:

في هذه الآية فن طريف، وهو توكيد المدح بما يشبه الذم.

وهو فنّ ذائع الشهرة، ولكنه قليل الأمثلة. ولم أجد منه في القرآن إلا هذه الآية، فإن الاستثناء بعد الاستفهام الجاري مجرى التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان يوهم بأن يأتي بعد الاستفهام ما يجب أن ينقم على فاعله بما يذم به، فلما أتى بعد الاستفهام ما يوجب مدح فاعله كان الكلام متضمنا تأكيد المدح بما يشبه الذم. وقد عرف علماء البلاغة هذا الفنّ بأنه استثناء صفة مدح من صفة ذم، منفية عن الشيء، بتقدير دخولها في صفة الذم المنفية. ومنه قول النابغة الذبياني:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

والتأكيد فيه واضح، فذكر أداة الاستثناء وهي «غير» قبل ذكر ما بعدها بوهم إخراج شيء مما قبلها، فاذا وليتها صفة مدح جاء التأكيد. وفلول السيوف من كثرة الضراب في الحروب من مجال الفخر ودواعي الشجاعة. ومن هذا النوع أن تثبت لشيء صفة مدح، وتعقب ذلك بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى لذلك الشيء، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش» .

فذكر أداة الاستثناء، وهي «بيد» الموازنة ل «غير» وزنا ومعنى قبل ذكر ما بعدها، ثم التعقيب بصفة مدح أخرى وهي كونه من قريش التي هي أفصح العرب، تزيد تأكيد المعنى حسنا. وقال النابغة منه:

فتى كملت أوصافه غير أنه ... جواد فما يبقي على المال باقيا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском