Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:60–75
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
الإعراب:
(قُلْ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لمخاطبة اليهود بما يليق بتحديهم وتعنتهم وإيغالهم في الكفر.
وقل فعل أمر، والجملة الاستفهامية مقول القول، وهل حرف استفهام، وأنبئكم فعل مضارع في محل نصب، والكاف مفعوله الأول، وبشرّ جار ومجرور متعلقان بمحذوف هو المفعول الثاني، ومن ذلك جار ومجرور متعلقان ب «شرّ» ، لأنه اسم تفضيل، ومثوبة تمييز لشر، وهو تمييز نسبة، لأن الشر واقع على الأشخاص، وسيأتي مزيد من التفصيل في باب البلاغة. وعند ذلك متعلقان بمحذوف حال (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) من اسم موصول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، فإنه لما قال: هل أنبئكم بشر من ذلك؟ فكأن قائلا قال: من ذلك؟
فقيل: هو من لعنه الله، والجملة لا محل لها لأنها مفسرة ويجوز أن يكون محل «من» الجر على البدلية من «شر» ، وجملة لعنه الله لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة غضب عليه عطف على الصلة (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) الواو عاطفة، وجعل عطف على لعنه الله، ومنهم متعلقان بمحذوف مفعول به أول، والقردة هو المفعول الثاني، والخنازير عطف على القردة، وعبد فعل ماض وهو عطف على صلة «ما» ، كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت، حذف الموصول وأقيمت الصفة مقامه (أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) الجملة مفسرة لا محل لها، واسم الإشارة مبتدأ، وشر خبر، ومكانا تمييز، وأضل عطف على شر، وعن سواء السبيل متعلقان بأضلّ.
البلاغة:
اشتملت هذه الآية على ضروب من أنواع البلاغة ندرجها فيما يلي:
1- المجاز المرسل في قوله: «مثوبة» ، والعلاقة الضدية، مثل: «فبشرهم بعذاب أليم» . والمراد بهذا المجاز التهكم. ومجمل المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم لعبا ولهوا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار: هل أنبئكم بشرّ من أهل ذلك الذي تنقمونه منا، وشر من مثوبته؟ أي: عقابه. وقد أخرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، وإلا فلا شركة بين المؤمنين وبينهم في أصل العقوبة، حتى يقال: إن عقوبة أحد الفريقين شرّ من عقوبة الآخر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شرّ فقيل لهم: هبوا الأمر كذلك، ولكن لعنة الله تعالى وغضبه، والإبعاد عن رحمته، والطرد من ساحة رضاه، ومسخ الصورة إلى أقبح أنواع الحيوان وأرذله شرّ من ذلك الذي تزعمون أنه شر، وأنت تعرف ما لنوعي القردة والخنازير من الخسة والحقارة، وما لهما في صدور الدهماء والخاصة من القبح والتشويه وشناعة المنظر، ونذالة النفس، وحقارة القدر، ووضاعة الطبع، وسماجة الشكل والخلق، وقبح الصوت ودناءة الهمة، مما ليس لغيرهما من سائر أنواع الحيوان.
2- التهكم- وقد انطوى في المجاز المرسل. وتقدم الكلام على التهكم مفصلا.
3- المجاز المرسل: في قوله: «شر مكانا» ، وعلاقته المحلية.
فقد ذكر المكان وأراد أهله، وقد تقدم أيضا.
الفوائد:
قد تقول: إنه لا بد في اسم التفضيل من مفضّل ومفضل عليه، فكيف يقال: إنهم شر من المؤمنين، والمؤمنون لا شر عندهم البتة؟
والجواب أنه جاء على سبيل التنزيل والتسليم للخصم على زعمه، تبكيتا له ومناداة عليه بالحجة الدامغة، أو أنه خاص بالكفار، وهم طبقات متفاوتة في نسبة الشر إليها.
5:61–62Page 118
وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١
And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.
وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢
And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.
الإعراب:
(وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة جاءوكم في محل جر بالإضافة، وجاءوكم فعل وفاعل ومفعول به، وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة آمنا في محل نصب مقول القول (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) الواو حالية، وقد حرف تحقيق، وجملة دخلوا في محل نصب حال من الواو في «قالوا» ، وبالكفر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل دخلوا، والواو الثانية حالية أيضا، والجملة في محل نصب حال من الواو في «قالوا» أيضا، وبه متعلقان بمحذوف حال من فاعل خرجوا، أي: قد دخلوا كافرين وخرجوا كافرين (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وأعلم خبر، وبما جار ومجرور متعلقان بأعلم وجملة كانوا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وجملة يكتمون في محل نصب خبر كانوا (وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) الواو عاطفة أو استئنافية، وترى فعل مضارع، وكثيرا مفعول به، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة، وجملة يسارعون حال من «كثيرا» ، أو نعت له، وفي الإثم متعلقان بيسارعون، والعدوان عطف على الإثم (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) وأكلهم عطف على الإثم والعدوان، والسحت مفعول به للمصدر وهو «أكل» ، واللام جواب قسم محذوف، وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وما نكرة تامة في محل نصب على التمييز، أو موصولة فهي فاعل، وجملة كانوا لا محل لها على الحالين، وجملة يعملون في محل نصب خبر كانوا.
5:63–64Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
الإعراب:
(لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) كلام مستأنف مسوق للتحضيض والتخويف للعلماء والأحبار منهم لصدوفهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها تعميم لتوبيخ العلماء من كل أمة وملة لهذه الخلة الشائنة، ولذلك قال ابن عباس:
هذه أشد آية في القرآن، يعني في حقّ العلماء لتهاونهم في النهي عن المنكرات. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها. ولولا أداة للتحضيض بمعنى «هلّا» ، وينهاهم الربانيون فعل مضارع ومفعول به وفاعل، والأحبار عطف على قوله: «الربانيون» ، وعن قولهم متعلقان بينهاهم، والإثم مفعول به ل «قول» ، وأكلهم معطوف على قولهم، والسحت مفعول به لأكل (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) تقدم إعرابها قريبا، والعمل لا يقال فيه: صنع، إلا إذا صار عادة وديدنا (وَقالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) الواو استئنافية، وقالت اليهود فعل وفاعل، ويد الله مبتدأ، ومغلولة خبر، والجملة في محل نصب مقول القول (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) الجملة دعائية معترضة، وغلت فعل ماض مبني للمجهول، وأيديهم نائب فاعل، ولعنوا عطف على غلت أيديهم (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) بل حرف إضراب وعطف، ويداه مبتدأ، ومبسوطتان خبر، والجملة عطف على جملة يد الله مغلولة، وجملة ينفق يجوز أن تكون مستأنفة سيقت تأكيدا لكمال جوده سبحانه، والمعنى: إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته، فهو القابض الباسط. ولا أعلم كيف أجازوا أن تكون خبرا ثانيا ل «يداه» تبعا لأبي حيّان؟ وكيف هنا شرطية في محل نصب حال (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) الواو واو القسم المحذوف والقسم المحذوف مجرور بالواو، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره: أقسم، واللام واقعة في جواب القسم، ويزيدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وكثيرا مفعول به، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة، وما اسم موصول فاعل يزيدن، والمراد أنهم يزدادون حقدا وتماديا في الجحود، وجملة أنزل لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإليك متعلقان بأنزل، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال، وطغيانا تمييز أو مفعول به ثان ليزيدن، وكفرا عطف على «طغيانا» (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) الواو استئنافية وألقينا فعل وفاعل، وبينهم ظرف متعلق بألقينا، والعداوة مفعول به، والبغضاء عطف على العداوة والى يوم القيامة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) كلما نصب على الظرفية الزمانية، والجملة في محل جر بالاضافة، ونارا مفعول به، وللحرب جار ومجرور متعلقان بأوقدوا، وجملة أطفأها الله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والجملة كلها مستأنفة أيضا (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) الواو استئنافية، ويسعون فعل مضارع وفاعل، وفي الأرض متعلقان بيسعون، وفسادا يجوز أن يكون مفعولا مطلقا، ويجوز أن يكون حالا بمعنى مفسدين، وأن يكون مفعولا لأجله، أي: يسعون لأجل الفساد. والأوجه الثلاثة متساوية الرجحان (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة لا يحب خبر، والمفسدين مفعول به.
البلاغة:
حفلت هذه الآية بضروب من البلاغة نوجزها فيما يلي:
1- المجاز المرسل في غلّ اليد وبسطها عن البخل والجود، وعلاقة هذا المجاز السببية، لأن اليد هي سبب الإنفاق، والفائدة من هذا المجاز تصوير الحقيقة بصورة حسية تلازمها غالبا. وجعل بعضهم قوله: «بل يداه مبسوطتان» استعارة، فالمستعار البسط، والمستعار منه يد المنفق، والمستعار له يد الحق، وذلك ليتخيّل السامع أن ثم يدين مبسوطتين بالإنفاق، ولا يدان في الحقيقة ولا بسط.
أثر حاسة البصر: وذلك لأن التصوير الحسي يجعلها أرسخ في الذهن، وأكثر تأثيرا. وحاسة البصر هي في مقدمة الحواسّ المقدرة للجمال، والتي تدركه وتنقله إلى النفس، وبهذا الصدد يقول «جوير» الناقد العصري المعروف: إن الإحساسات التي يصح نعتها بالجمال على أتمّ وجه هي الإحساسات البصرية. حتى لقد ذهب «ديكارت» الفيلسوف الفرنسي إلى أبعد من ذلك، فعرّف الجمال بقوله: هو ما يروق في العين. ولما كان الجود والبخل معنويين لا يدركان بالحسّ وتلازمهما صورتان تدركان بالحس، وهما بسط اليد للجود، وغلها للبخل، عبّر عنهما بلازمهما، لفائدة الإيضاح والانتقال إلى المحسوسات من المعنويات.
2- المشاكلة: بقوله: «غلت أيديهم» فقد دعا عليهم بما افتاتوا به، وأرجفوا فيه. ومن ثم كان اليهود أبخل خلق الله على الإطلاق، وأكثرهم جمعا للمال من أي وجه أتى. وقد كان العرب يتفادون هذا الوصف الذميم، ويتورعون عنه، قال الأشتر:
بقّيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ومعظم أهل السنة ذهبوا إلى أن يد الله صفة من صفات ذاته سبحانه، كالسمع والبصر والوجه، فيجب علينا الايمان بها وإثباتها له بلا كيف ولا تشبيه.
3- التنكيت: بقوله: «بل يداه مبسوطتان» . وكان السياق يقتضي أن يقول: يده مبسوطة، فإنهم عبروا عنها بالمفرد بقولهم:
«يد الله مغلولة» ولكنه عدل عن المطابقة لنكتة تدق على الأفهام البدائية، وهي نفي الجسمية عنه سبحانه، لأنهم أرادوا أنه يعطي بيده، والمرء لا يعطي بكلتا يديه، فردّ عليهم مبطلا أن يكون له شيء مما هو جسم معروف، له يد يمنى ويد يسرى. فلما أثبت أن كلتيهما يد نفى الجسمية، لأن كلتيهما متساوية في الكرم والعطاء.
4- الكناية: في إيقاد الحرب عن الحرب واشتعالها.
5- الطباق: بين الإيقاد والإطفاء.
5:65Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان حالهم في الآخرة. ولو شرطية غير جازمة، وأن واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لفعل محذوف، وقد تقدم الحديث عن ذلك. وجملة آمنوا خبر «أن» وجملة اتقوا عطف على جملة آمنوا (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) اللام واقعة في جواب «لو» وكفرنا فعل وفاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وعنهم متعلقان بكفرنا، وسيئاتهم مفعول به، وجملة ولأدخلناهم عطف على جملة لكفرنا. وجنات مفعول به ثان على السعة، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بأدخلناهم، والنعيم مضاف اليه.
5:66Page 119
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦
And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) الواو استئنافية، وأنهم أقاموا التوراة والإنجيل: تقدم إعرابها قريبا، وما عطف على التوراة والإنجيل، وجملة أنزل صلة الموصول، وأراد بالموصول غيرهما من الكتب، ككتاب أشعيا وكتاب دانيال وزبور داود، وإليهم متعلقان بأنزل، ومن ربهم متعلقان بمحذوف حال (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) اللام واقعة في جواب لو، وجملة أكلوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ومن فوقهم متعلقان بأكلوا، ومن تحت أرجلهم عطف على «من فوقهم» ، وسيأتي سر حذف المفعول في باب البلاغة (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) الجملة في محل نصب على الحال، ومنهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأمة مبتدأ مؤخر، ومقتصدة صفة، كثير الواو عاطفة. وكثير مبتدأ، وساغ الابتداء به لوصفه بالجار والمجرور، وجملة ساء ما يعملون خبر كثير، وجملة يعملون صلة «ما» .
البلاغة:
في هذه الآية حذفان بليغان، داخلان في نطاق المجاز الذي هو عنصر البلاغة وإكسيرها، وهما:
1- حذف المضاف في قوله: «أقاموا التوراة والإنجيل» والمراد أحكام التوراة والإنجيل وحدودهما، وما انطوى تحتهما من أحكام بالغة، وعبر شائعة.
2- حذف المفعول به، واللطائف فيه تتجدد دائما. وقوله تعالى: «لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم» بالغ أبعد آماد البلاغة، فمفعول «أكلوا» محذوف لقصد التعميم أو للقصد إلى نفس الفعل، كما في قولهم: «فلان يحل ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع» ، والأصل في ذلك كله على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق. وفي الحذف الذي بصدده ثلاثة أوجه: آ- أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض.
ب- وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة.
ج- وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، يجنون ما تهدّل من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم.
5:67Page 119
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧
O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) تقدم إعرابها (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) كلام مستأنف مسوق للتسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضاق ذرعه بالدعوة. وبلغ فعل أمر، وفاعله أنت، وما مفعول به، وجملة أنزل صلة الموصول، وإليك متعلقان بأنزل، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) الواو استئنافية، وإن شرطية، ولم تفعل فعل الشرط، والفاء رابطة للجواب، وما نافية، وجملة بلغت في محل جزم جواب الشرط، وفي اتحاد الشرط والجواب سرّ بديع، سوف نبسطه في باب البلاغة، ورسالته مفعول به (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وجملة يعصمك خبره، ومن الناس متعلقان بيعصمك (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) إن واسمها، وجملة لا يهدي خبرها، والقوم مفعول به، والظالمين صفة.
البلاغة:
في اتحاد الشرط والجواب سرّ منقطع النظير، وذلك أنه لا بدّ أن يكون الجزاء مغايرا للشرط لتحصل الفائدة. ومتى اتحدا اختل الكلام لأنه يئول ظاها إلى: وان لم تفعل فما فعلت، ولكنه أراد هنا أن يتحدا، لأن عدم تبليغ الرسالة أمر معلوم عند الناس، مستقرّ في الأفهام أنه عظيم شنيع ينقم على مرتكبه، ولأن عدم نشر العلم من العالم أمر يستوجب المذمة، فما بالك بالرسالة؟ فجعل الجزاء عين الشرط ليتضح مدى الاهتمام بالتبليغ. وقيل أيضا في هذا الصدد:
أي إن تركت شيئا فقد تركت الكل، وصار ما بلغته غير معتدّ به، فصار المعنى: وإن لم تستوف ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا.
5:68Page 119
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨
Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.
الإعراب:
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) كلام مستأنف مسوق لنفي تخرّ صاتهم بأنهم يتبعون التوراة. وقل فعل أمر، ويا أهل الكتاب منادى مضاف، ولستم: فعل ماض ناقص، والتاء اسمها، وعلى شيء جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وسيأتي مزيد عن ليس في باب الفوائد (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) حتى حرف غاية وجر، وتقيموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى، والجار والمجرور متعلقان ب «لستم» والتوراة مفعول تقيموا، ولا بد من تقدير مضاف، أي: أحكامهما وما ينطويان عليه من مثل عليا (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً) الواو استئنافية واللام جواب قسم محذوف، ويزيدن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وكثيرا مفعول به، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» وما اسم موصول فاعل يزيدن، ومن ربك متعلقان بمحذوف حال، وطغيانا مفعول به ثان أو تمييز، وكفرا عطف على طغيانا (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا علمت هذا فلا تأس، ولا ناهية، وتأس فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وعلى القوم متعلقان بتأس، والكافرين صفة.
البلاغة:
التنوين في «شيء» يفيد التقليل والتحقير، أي: لستم على شيء يعتدّ به حتى تقيموا أحكام التوراة والإنجيل.
الفوائد:
(لَسْتُمْ) حذفت عين «ليس» وهي الياء، لالتقاء الساكنين، أي: الياء والسين، إذ أصله: ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف ولم تقلب الفاء على القياس، لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصلت بضمير رفع متحرّك سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
5:69Page 119
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩
Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1
اللغة:
(الصَّابِئُونَ) من صبأ، أي: خرج عن دينه، وهم قوم كانوا يعبدون الكواكب، مقرهم في حرّان بين النهرين، خرج منهم علماء وفلاسفة ومنجمون، ومنهم الكاتب الشاعر أبو إسحق الصابىء.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) كلام مستأنف مسوق لبيان المؤمنين بالله والعاملين عملا صالحا. وإن واسمها، وجملة آمنوا صلة الموصول، والذين هادوا عطف على الذين آمنوا (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً) الواو استئنافية، والصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في «إنّ» من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك. هذا ما رجّحه سيبويه في مخالفة الإعراب، وأنشد شاهدا له: وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا على شقاق
أي: فاعلموا أنّا بغاة وأنتم كذلك. ويكون العطف من باب عطف الجمل، فالصابئون وخبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: إن الذين آمنوا، ولا محل لها، كما لا محل للجملة التي عطفت عليها، وإنما قدّم «الصابئون» تنبيها على أن هؤلاء أشد إيغالا في الضلالة واسترسالا في الغواية، لأنهم جردوا من كل عقيدة. وسترد في باب الفوائد أوجه أخرى في هذه المخالفة الإعرابية. والنصارى عطف على الذين، ومن اسم موصول بدل من الذين، ولك أن تعرب النصارى مبتدأ خبره: «فلا خوف عليهم» ، والجملة خبر «إن» ، وجملة آمن بالله صلة الموصول، واليوم الآخر عطف على الله، وعمل عطف على آمن، وصالحا مفعول به أو صفة لمفعول مطلق محذوف، أي: عملا صالحا (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) الجملة خبر إن، ودخلت الفاء لما في الموصول من رائحة الشرط، وخوف مبتدأ ساغ الابتداء به لتقدم النفي، وعليهم متعلقان بمحذوف خبره، ولا هم يحزنون: عطف على ما تقدم.
الفوائد:
قدّمنا الوجه المختار الذي ذهب إليه الخليل وسيبويه ونحاة البصرة في إعراب «والصابئون» ، وهناك أوجه أخرى نوردها فيما يلي باقتضاب:
آ- إن الواو عاطفة، والصابئون معطوف على موضع اسم إن لأنه قبل دخول «إن» كان في موضع رفع، وهذا مذهب الكسائي والفراء.
ب- إنه مرفوع عطفا على الضمير المرفوع في «هادوا» وروي هذا عن الكسائي.
ج- أن تكون «إن» بمعنى نعم، أي: حرف جواب، وما بعده مرفوع بالابتداء، فيكون «والصابئون» معطوفا على ما قبله.
ما يقوله ابن هشام:
وتخريج ابن هشام للآية يتلخص بأمرين:
آ- إن خبر «إن» محذوف، أي: مأجورون أو آمنون أو فرحون، والصابئون مبتدأ وما بعده الخبر، ويشهد له قوله:
خليليّ هل طبّ فإني وأنتما ... وإن لم تبوحا بالهوى نفان
ويضعفه أنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وإنما الكثير العكس.
ب- الخبر المذكور ل «إن» ، وخبر «الصابئون» محذوف، ويشهد له قوله:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
إذ لا تدخل اللام في خبر المبتدأ حتى يقدم نحو: القائم لزيد، ويضعفه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها.
5:70–71Page 119
لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠
We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
الإعراب:
(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كلام مستأنف مسوق لبيان نماذج أخرى من جناياتهم التي تنادي باستبعاد الإيمان منهم. واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وأخذنا فعل وفاعل، وميثاق مفعول به، وبني إسرائيل مضاف اليه، (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) الواو حرف عطف، وأرسلنا فعل وفاعل، وإليهم متعلقان بأرسلنا، ورسلا مفعول به (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ) كلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق بجوابه المحذوف، أي: عصوه، وجاءهم فعل ومفعول به مقدم، ورسول فاعل مؤخر، وبما متعلقان بجاءهم، وجملة لا تهوى أنفسهم صلة الموصول (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) فريقا مفعول مقدم لكذبوا، وفريقا الثانية مفعول مقدّم ليقتلون، والجملة مستأنفة نشأت عن جواب سؤال ناشىء عن الجواب الأول، كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر منهم قتلوهم (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) الواو عاطفة، وحسبوا فعل وفاعل، وأن حرف مصدري ونصب، ولا نافية، فتكون فعل مضارع تام منصوب بأن، وفتنة فاعل، وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي حسبوا. وقرىء برفع «تكون» فتكون «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: أنه (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) الفاء: عاطفة، وعموا معطوف على حسبوا، وصموا عطف على قوله: فعموا، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وتاب الله فعل وفاعل، والجملة عطف على قوله: فعموا وصموا، وعليهم متعلقان بتاب (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ثم عموا وصموا عطف على ما تقدم، كثير بدل من الضمير في عموا أو صموا، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لكثير، والواو استئنافية، والله مبتدأ وبصير خبره، وبما جار ومجرور متعلقان ببصير، وجملة يعملون صلة الموصول.
البلاغة:
في الآية نوع من الالتفات البليغ بقوله: «فريقا كذبوا وفريقا يقتلون» ، وهو التفات من الإخبار بالفعل الماضي إلى الإخبار بالفعل المضارع، وهذا من أدقّ الأمور، ولا يتاح في الاستعمال إلا للعارف برموز الفصاحة والبلاغة.
وقد طفح القرآن الكريم به، فقد جاء بالفعل الماضي أولا فقرر أمرا وقع ثم جاء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الصورة الشنيعة للتعجب منها واستخلاص العبرة من مطاويها.
وسيرد منه في القرآن الشيء العجيب، وعلى هذا ورد قول تأبط شرّا:
بأنّي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران
فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تهيأت له حتى تشجّع على ضرب الغول، كأنه يجسّدها لهم ليثير إعجابهم بجراءته على ذلك الهول. والأمثال على ذلك أكثر من أن تحصى. وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوّام في غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكؤوس، وفي يدي عنزة- وهي مثل نصف الرمح- فأطعن بها في عينه، فوقع، وأطأ برجلي على خدّه، خرجت العنزة متعقّفة. فقوله: «فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي» معدول به عن لفظة الماضي إلى المستقبل ليمثّل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم.
5:72Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
الإعراب:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) اللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجملة القسم مستأنفة. وكفر الذين فعل وفاعل، والجملة لا محلّ لها لأنها جواب قسم محذوف، وجملة قالوا لا محل لها لأنها صلة الذين، وجملة إن الله في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، وهو مبتدأ، والمسيح خبر هو، والجملة الاسمية خبر إن، وابن بدل من المسيح، ومريم مضاف إليه (وَقالَ الْمَسِيحُ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) الواو حالية، وقال المسيح فعل وفاعل، والجملة في محل نصب على الحال من الواو في «قالوا» ، ويا بني إسرائيل منادى مضاف، وجملة اعبدوا الله في محل نصب مقول قول المسيح، وربي بدل من الله، وربكم عطف على ربي (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) الجملة مستأنفة، وإن واسمها، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويشرك فعل الشرط، وبالله متعلقان بيشرك، والفاء رابطة لجواب الشرط، وجملة فقد حرم في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، والجملة الشرطية كلها في محل رفع خبر إنّ، وحرم الله فعل وفاعل، وعليه متعلقان بحرّم، والجنة مفعول به (وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الواو استئنافية، ومأواه خبر مقدم، والنار مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس، والواو عاطفة، وما نافية، وللظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وأنصار مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر.
5:73–75Page 120
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
اللغة:
(يُؤْفَكُونَ:) يصرفون.
الإعراب:
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) الجملة مستأنفة، واللام جواب قسم محذوف، وجملة كفر الذين قالوا: لا محل لها لأنها جواب القسم، وجملة قالوا صلة الموصول، وإن واسمها، وثالث ثلاثة خبرها، والجملة المصدّرة بأن في محل نصب مقول القول (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) الواو حالية، وما نافية، ومن حرف جر زائد، وإله مجرور لفظا مرفوع على الابتداء محلا، والخبر محذوف، أي موجود، وإله بدل من الضمير فيه، وإلا أداة حصر. وقد مرّ هذا الإعراب مفصلا في كلمة الشهادة، والمعنى: والحال ما إله كائن أو موجود إلا إله واحد (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) الواو استئنافية، وإن شرطية، ولم ينتهوا فعل الشرط، وعما متعلقان بينتهوا، وجملة يقولون صلة الموصول (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) اللام واقعة في جواب قسم محذوف ويمسّن فعل مضارع مبني على الفتح، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، والذين مفعول به، وجملة كفروا صلة الموصول، ومنهم متعلقان بمحذوف حال، وعذاب أليم فاعل، وجواب الشرط محذوف سد مسده جواب القسم لأن التقدير: ولئن لم ينتهوا، والقاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق، وإنما لجأنا إلى هذا لوجود اللام الموطئة للقسم (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الجملة مستأنفة مسوقة للتعجب من إصرارهم. والهمزة للاستفهام التعجبي الإنكاري، والفاء عاطفة على مقدر، أي: ألا ينتهون فلا يتوبون، والى الله متعلقان بيتوبون، ويستغفرونه عطف على يتوبون، والواو حالية، والله مبتدأ، وغفور رحيم خبران له، والجملة في محل نصب على الحال (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) كلام مستأنف مسوق لتحقيق الحق. وما نافية، ولم تعمل عمل ليس لانتقاض النفي بإلا، والمسيح مبتدأ وابن مريم بدل أو نعت، وإلا أداة حصر، ورسول خبر المبتدأ، وجملت قد خلت صفة، ومن قبله متعلقان بخلت، أي:
مضت وفنيت، والرسل فاعل (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) الواو عاطفة، وأمه مبتدأ، وصديقة خبر، وجملة كانا مفسرة لا محل لها. وألف الاثنين اسم كان، وجملة يأكلان خبر كانا، والطعام مفعول به (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) الجملة استئنافية، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال، والجملة الاستفهامية في محل نصب مفعول انظر، وقد علقت «كيف» «انظر» عن العمل لفظا فيما بعدها، ونبين لهم الآيات فعل وفاعل مضمر ومفعول به، وثم حرف عطف للترتيب والتراخي، والمعنى أن بيان هذه الآيات كان عجبا وإعراضهم عنها وصدوفهم عن التأمل فيها كان أعجب، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف، في محل نصب على الحال، ويؤفكون فعل مضارع والواو نائب فاعل.
البلاغة:
في قوله: «كانا يأكلان الطعام» كناية عن أنهما، صلوات الله عليهما، بشر، لأن أكل الطعام يستتبعه الهضم والنفض، فاكتفى بذكر أكل الطعام عن كل هذا تهذيبا وتصوّنا، وهذا من غريب الكنايات في اللغة العربية. وقد قدمنا عن الكناية كثيرا، ولا بد هنا من لفت النظر إلى أن الكناية- حيث وردت- يتعاورها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها عليهما معا، كقوله تعالى: «أو لامستم النساء» فإنه يجوز حمل الكناية على الحقيقة والمجاز، وكلّ منهما يصح به المعنى، ولا تختل العبارة، فمن حمل على الحقيقة كالشافعي اعتبر أن اللمس هو مصافحة الجسد للجسد، فأوجب الوضوء، وتلك هي الحقيقة في اللمس، ومن حمل على المجاز كأبي حنيفة اعتبر أن اللمس هو الجماع فذلك هو المجاز. وسيرد معنى المزيد من الكناية وطرائفها في هذا الكتاب.
2- التكرير في قوله: «انظر» أولا، ثم قال: «ثم انظر» ثانيا. وفي ذلك دليل على الاهتمام بالنظر والتدبر، وإن اختلفت النظرتان، فالأولى متعلقة بكيفية إيضاح الله لخلقه الآيات، والثانية متعلقة بانصرافهم عنها، وصدوفهم عن التأمل في مراميها وأهدافها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences