Darwish · Tafsir · in Arabic
الأنعام
Al-An'am
The Cattle · Meccan · 165 ayahs
6:1–2Page 128
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
اللغة:
(جَعَلَ) : تكون بمعنى أنشأ وأحدث فتنصب مفعولا واحدا، وتكون بمعنى صيّر فتتعدى إلى مفعولين. وقال ابن جنّي في الخصائص: «إن العرب قد تتسع فتوقع أحد الفعلين موقع الآخر إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر» . والفرق بين الجعل والخلق دقيق يلتقطه الخاطر المرهف، وهو أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان آخر.
(يمترون) يشكّون، والامتراء الشك، وفعله: مرى في الأمر وامترى وتمارى، وما فيه مرية أي شك، ومريت الناقة وأمريتها حلبتها فأمرت، ومن المجاز قرع مروته، قال أبو ذؤيب الهذلي:
حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشقّر كل يوم تقرع
وماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا ومعناه المحالبة.
كأنّ كل واحد يحلب ما عند صاحبه.
الإعراب:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) كلام مستأنف للحث على التفكير والتأمل، والعدول عن الجدل والمماراة.
والحمد مبتدأ، ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والذي اسم موصول في محل جر صفة، وجملة خلق السموات والأرض صلة الموصول والسموات مفعول به وجملة وجعل الظلمات والنور عطف على الجملة الأولى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي والعطف على قوله الحمد الله وما بعده على معنى أن الله خليق بالحمد على ما خلق لأنه خلق ما خلق نعمة للبشر ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته. والذين مبتدأ وكفروا فعل وفاعل والجملة صلة الموصول وبربهم متعلقان بكفروا فيكون يعدلون بمعنى يميلون عنه من العدول ويجوز أن يتعلقا بيعدلون وقدم الجار والمجرور للفاصلة ويكون يعدلون من العدل وهو التسوية بين الشيئين، أي: ثم الذين كفروا يسوّون بربهم غيره من المخلوقين فيكون المفعول محذوفا (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)
كلام مستأنف مسوق لإقامة الحجة على امترائهم وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلقكم لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول ومن طين جار ومجرور متعلقان بخلقكم، ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وقضى أجلا فعل ماض ومفعول به، والجملة عطف على جملة خلقكم، وأجل الواو استئنافية، وأجل مبتدأ، ساغ الابتداء به مع أنه نكرة لأنه وصف بقوله: «مسمى» ، وعنده ظرف مكان متعلق بمحذوف خبره، ثم حرف عطف واستبعاد لتراخي الرتبتين، وأنتم مبتدأ وجملة تمترون خبر.
البلاغة:
في الآيتين فنون متعددة من البلاغة نوجزها فيما يلي:
1- ثبوت الديمومة التي يستحقها سبحانه، وهي ديمومة الحمد له بسبب كونه منعما، والكلام خبري أريد به الأمر.
2- الطباق بين السموات والأرض، والظلمات والنور، وإذا تعدد الطباق سمّي مقابلة.
3- المخالفة في الإفراد والجمع، فقد أفرد النور وجمع الظلمات، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، ولها أسباب كثيرة، ولأن النور من جنس متحد، وهو النار.
4- الإظهار في موضع الإضمار: فقد أظهر الضمير فقال:
«ربهم» مع أن ذكر الله تقدم، تفخيما لجلاله. وهي سنة من سنن العرب في كلامهم، يعيدون الاسم ظاهرا وإن تقدّم، دون تعبير عنه بالضمير، للدلالة على كمال العناية. وقد تقدم هذا البحث والاستشهاد عليه بمطلع سينية البحتري.
5- التنكير: فقد ابتدأ بالنكرة، وهو «أجل» ، وكان الظاهر أن يؤخر المبتدأ، تقول: عندي كتاب، ولا تقول كتاب عندي.
ولكن الذي أوجب تقديم النكرة تعظيم شأن الأجل المضروب عنده سبحانه، والمراد به الساعة وتهويل أمرها.
6- حذف المفعول به لظهوره، أي: يعدلون به، أي:
يسوون بربهم غيره مما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه. وهذه نهاية الحمق، وغاية الرّقاعة.
7- العطف بثمّ لاستبعاد صدور الشك منهم مع وجود ما يقتضي عدمه.
6:3–5Page 128
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
الإعراب:
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)
الكلام مستأنف مسوق للتنبيه على صفات الألوهية التي لا يستحقها غيره. وهو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ أو هو ضمير الشأن، والله خبر، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمعنى اسم الله، أي: المعبود فيها وفي الأرض جار ومجرور متعلقان أيضا بمعنى اسم الله. وسيرد في باب الفوائد المزيد من تعليق هذا الجار والمجرور.
وجملة يعلم خبر ثان أو حالية، وسركم مفعول به، وجهركم عطف على سركم، وجملة ويعلم عطف على جملة يعلم، وما اسم موصول مفعول به، وجملة تكسبون صلة لا محل لها (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف لبيان إصرار هم على الكفر، والإعراض عن الآيات الباهرة الدّالة على التوحيد. وما نافية، وتأتيهم فعل مضارع ومفعول به مقدم، ومن حرف جر زائد، وآية مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل تأتيهم، ومن آيات ربهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية، وإلا أداة حصر، وكان واسمها، وعنها جار ومجرور متعلقان بالخبر «معرضين» وجملة كانوا حالية (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) الفاء الفصيحة، وقد حرف تحقيق، وكذبوا فعل وفاعل، وبالحق جار ومجرور متعلقان بكذبوا، أي: إذا كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم منها، وهو الحق. والجملة على كل حال لا محل لها من الإعراب. ولما حينية أو رابطة، وعلى الأول فهي متعلقة، وجملة جاءهم في محل جرّ بالإضافة، وعلى الثاني لا محل لها (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة، وسوف حرف استقبال، ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به مقدم، وأنباء فاعل مؤخر، وما اسم موصول مضاف اليه، وجملة كانوا صلة، والواو اسم كان، وجملة يستهزئون خبرها، وبه جار ومجرور متعلقان بيستهزئون.
الفوائد:
ما اخترناه في تعليق قوله تعالى: «في السموات» هو وجه من اثني عشر وجها أوردها المفسرون والمعربون في إعراب هذا التعبير، وقد اختاره الزّجاج والزمخشريّ وابن عطية وأبو السعود، كأنه قيل:
وهو المعبود فيها، وقال ابن عطية: هو عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازا. لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. وفيما يلي بعض الوجوه المستساغة.
1- في السموات: متعلقان بمحذوف صفة لله تعالى، حذفت لفهم المعنى، والتقدير: وهو الله المعبود أو المدبر.
2- الكلام تمّ عند قوله: «وهو الله» ، والجار والمجرور متعلقان بمفعول يعلم وهو: سركم وجهركم فيهما.
3- متعلقان بيعلم، وجملة يعلم على هذا الوجه مستأنفة.
ونتجاوز بقية الأوجه لأنها لم تستقم معنا.
6:6Page 128
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
اللغة:
(مكّن له في الأرض) جعل له مكانا ومكنته أثبته.
(المدرار) : المغزار، ومفعال صيغة مبالغة تدل على الكثرة، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، ومئناث للتي تلد الإناث.
(قَرْناً) القرن اسم جمع، كقوم ورهط. وقد اختلف الناس في القرن حالة إطلاقه على الزمان، فجمهور أهل اللغة على أنه مائة سنة، ويطلق على الجماعة من الناس أهل زمان واحد، كما في الآية، ويجمع على قرون.
الإعراب:
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) الكلام مستأنف مسوق للشروع في توبيخ الذين لا يؤمنون، لأنهم غمطوا نعمة ربهم، وكذبوا بالحق لما جاءهم. والهمزة للاستفهام التقريري والتوبيخي في وقت واحد، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويروا فعل مضارع مجزوم بلم، والرؤية بصرية أو علمية، وكم خبرية أو استفهامية في محل نصب مفعول مقدم لأهلكنا، وجملة أهلكنا سدت مسد مفعول أو مفعولي الرؤية، ومن قبلهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومن الجارة ومجرورها في موضع نصب تميز كم. (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) الجملة في محل جر صفة لقرن، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمكناهم، ومكناهم فعل وفاعل ومفعول به، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمكناهم، و «ما» يجوز أن تكون نكرة تامة بمعنى شيء في محل نصب مفعول مطلق، أي: شيئا من التمكين لم نمكنه لكم، فتكون الجملة بعدها في محل نصب صفة، ويجوز أن تكون مصدرية ظرفية أي: مدة تمكنهم أطول من مدة تمكنكم، وتكون الجملة صفة أيضا. وقيل: «ما» اسم موصول بمعنى الذي، ويكون التقدير:
التمكين الذي لم نمكن لكم، فحذف المنعوت وأقيم النعت مقامه، والجملة بعده صلة، والضمير العائد على «ما» محذوف، أي: الذي لم نمكنه لكم، والأول أسهلها. ولم حرف نفي وقلب وجزم، ونكن فعل مضارع مجزوم بلم، ولكم متعلقان بنمكن (وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً) الواو عاطفة، وأرسلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به، وعليهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، ومدرارا حال (وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) عطف أيضا على ما تقدم، وجملة تجري من تحتهم في محل نصب مفعول به ثان لجعلنا، فأهلكناهم الفاء عاطفة، وأهلكناهم فعل وفاعل ومفعول به، وبذنوبهم جار ومجرور متعلقان بأهلكناهم (وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) عطف أيضا، وأنشأنا فعل وفاعل، ومن بعدهم جار ومجرور متعلقان بأنشأنا، وقرنا مفعول به، وآخرين صفة.
البلاغة:
1- الالتفات في قوله: «ما لم نمكن لكم» ، والسياق يقتضي:
ما لم نمكن لهم، لتخصيص المرسل إليهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالمواجهة، فضلا عن تطرية نشاط السامع.
2- المجاز المرسل: في قوله: «وأرسلنا السماء عليهم مدرارا» ، والعلاقة المحلية، يريد المطر الكثير، عبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها، وقد رمق هذا المجاز الشاعر بقوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
6:7–8Page 128
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨
And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.
اللغة:
(قِرْطاسٍ) القرطاس: ما يكتب فيه، وكسر القاف فيه أشهر من ضمها. والقرطس: وزن «جعفر» : لغة فيه، وفي القاموس:
«مثلث القاف، وكجعفر ودرهم: الكاغد، والكاغد معروف، بفتح الغين والدال المهملة، وربما قيل بالذال المعجمة وهو معرّب» وهو المراد هنا، وله معان أخرى منها الغرض، وبرد مصريّ، والجارية البيضاء المديدة القامة، والناقة الفتية، والجمع قراطيس.
الإعراب:
(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان فرط تعنتهم وتماديهم في المكابرة واللجاج.
ولو شرطية ونزلنا فعل وفاعل، وعليك جار ومجرور متعلقان بنزلنا، وكتابا مفعول به، وفي قرطاس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ل «كتابا» ، فلمسوه الفاء عاطفة، ولمسوه فعل وفاعل ومفعول به، عطف على نزلنا، وبأيديهم جار ومجرور متعلقان بلمسوه (لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) اللام واقعة في جواب لو، وقال الذين فعل وفاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإن نافية، وهذا مبتدأ، وإلا أداة حصر، وسحر خبر هذا، ومبين صفة، وجملة النفي مقول القول (وَقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد لجاجتهم وتماديهم في التعنت والمكابرة، وقالوا فعل وفاعل، ولولا حرف تحضيض لا تحتاج إلى جواب، وأنزل فعل ماض مبني للمجهول، وعليه جار ومجرور متعلقان بأنزل، وملك نائب فاعل، وجملة التحضيض في محل نصب مقول القول (وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة للردّ عليهم بجوابين على تعنتهم ومكابرتهم. ولو شرطية، وأنزلنا ملكا فعل وفاعل ومفعول، واللام واقعة في جواب لو، وجملة قضي الأمر لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي لبعد ما بين الأمرين:
قضاء الأمر وعدم الإنظار، أي: إن بعد قضاء الأمر شدة، أين منها منها ما رأوه! والمفاجأة بالشدة أصعب من الشدة نفسها. ولا نافية، وينظرون فعل مضارع مرفوع مبني للمجهول معطوف على قضى الأمر، والواو نائب فاعل.
البلاغة:
الإطناب في قوله: «فلمسوه بأيديهم» ، وإنما ذكر الأيدي واللمس لا يكون إلا بها حتى يجتمع لهم إدراك الحاسّتين: حاسة البصر وحاسة اللمس.
6:9–11Page 129
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩
And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."
اللغة:
(يَلْبِسُونَ) : يقال لبس عليه الأمر يلبسه، بضم الباء في المضارع، لبسا: جعله يلتبس في أمره، وشبهته وجعله مشكلا عليه، وأصله الستر بالثوب.
الإعراب:
(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للرد عليهم بالجواب الثاني، ولو شرطية، وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به، وملكا مفعول به ثان، والضمير يعود على النذير الذي اقترحوه، والمعنى: لو جعلنا ذلك النذير ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لعدم تمكّن الآحاد من رؤية الملك بزيه وهيكله، واللام رابطة لجواب لو، وجملة جعلناه رجلا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وللبسنا عطف على «لجعلنا» وعليهم متعلقان بلبسنا، و «ما» يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم، وتكون مفعولا به ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وللبسنا عليهم لبسا مثل ما يلبسون على غيرهم، فتكون منسبكة بمصدر مفعول مطلق، وجملة يلبسون لا محل لها على الحالين (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم، واللام جواب للقسم المحذوف، وقد حرف تحقيق، واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول، وبرسل جار ومجرور متعلقان باستهزئ وقد نابا عن نائب الفاعل، ومن قبلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة، وحاق فعل ماض معطوف على استهزئ، وبالذين جار ومجرور متعلقان بحاق، وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة الموصول، ومنهم جار ومجرور متعلقان بسخروا، وما فاعل حاق، وهي إما موصولة وإما مصدرية، وكان واسمها، وجملة يستهزئون خبرها، وبه جار ومجرور متعلقان بيستهزئون، والضمير في به يعود على الرسول، والمعنى أنه حاق بهم عاقبة استهزائهم بالرسول المنتظم في سلك الرسل، أو على كلمة ما المصدرية أو الموصولية (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) كلام مستأنف مسوق للحض على التفكير والسير في الأرض للتأمل في مغاب الأمم السابقة ومصائرها. وجملة سيروا في محل نصب مقول القول، وأتى بثم للإشارة إلى البعد الكامن في السير المؤدي إلى الاستبصار والتأمل، ولأن وجوب السير لم يكن إلا لبلوغ هذه المرتبة السامية التي هي قصارى ما تطمع إليه الهمم العالية، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بسيروا، وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وانظروا فعل أمر وفاعل (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) الجملة في محل نصب مفعول انظروا، وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر مقدم لكان، وعاقبة اسمها، ولم تؤنث كان لأن العاقبة مؤنث مجازي، وقد علقت النظر عن العمل لفظا، والمكذبين مضاف إليه.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله: «عاقبة المكذبين» ، والعلاقة هي المصير والمآل الذي ينتهي اليه مصير المكذبين ومآلهم.
2- في قوله: «ولقد استهزئ» إلى قوله: «ما كانوا به يستهزئون» فن يسمى رد الاعجاز على الصدور، وهو عبارة عن كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا، أو معنوية نادرا، ما تحصل بها الملاءمة والتلاحم بين قسمي كل كلام، وهو ثلاثة أقسام:
1- ما وافق آخر كلمة في الكلام آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها، كقوله تعالى في سورة «النساء» : «أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا» .
2- ما وافق آخر كلمة من الكلام أول كلمة منه، كقوله تعالى في سورة «آل عمران» : «وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب» .
3- ما وافق آخر كلمة من الكلام بعض كلمات صدره، حيث كانت كالآية التي نحن بصددها. وهذه الروابط كلها لفظية، وقد تكون معنوية كقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» .
نماذج شعرية:
ومن أمثلة هذا الفن في الشعر قول البحتري:
ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
وقول أبي تمام:
ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع
وأبيات الحماسة المشهورة الرائعة:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار
وتظرّف الثعالبي فجمع بين هذا الفن وفن التجنيس، فقال- ويكاد يكون طريفا لولا مسحة التكلف-:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل
فالبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر غرد معروف، والثانية:
جمع بلبال، وهو الحزن، والثالثة: جمع بلبلة، بالضم، وهي إبريق الخمر. وتظرّف آخر فجمع بين هذا الفنّ وفنّ التجنيس وفن التورية فقال: لا كان إنسان تيمّم قاصدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها
فالإنسان الأول هو الشخص المعروف، والإنسان الثاني بؤبؤ العين. وفيما يلي طائفة من أمثلة هذا الفنّ موزّعة على أقسامه الثلاثة المتقدمة. قال أبو العلاء:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
والخصر بفتحتين: البرودة.
وقال أبو تمام:
ومن يك بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغريا
وما أجمل قول بعضهم:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟
وقال أبو تمام راثيا:
ثوى بالثّرى من كان يحيا به الثّرى ... ويغمر حرف الدهر نائله الغمر
وقد كانت البيض القواضب قبله ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
6:12Page 129
قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢
Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.
الإعراب:
(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتبكيت الكفار وتوبيخهم على ما بدر منهم من تخلّف في الكفر، وعجز عن التأمل والاستبصار. ولمن جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن اسم استفهام للتوبيخ والإنكار، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة «ما» ، والأرض عطف على السموات (قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) كلام مستأنف مسوق ليبدأ الرسول بالجواب الذي ليس ثمة جواب غيره. ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو لله، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة كتب على نفسه الرحمة مستأنفة، لأنها مستقلة عما قبلها، غير مندرجة في سلك المقول، وعلى نفسه جار ومجرور متعلقان بكتب، والرحمة مفعول به (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) اللام جواب للقسم المحذوف المفهوم من قوله:
«كتب على نفسه» ، كأنه أقسم على ذلك، وجملة يجمعنكم لا محل لها من الإعراب لأنها جواب للقسم، وقد اختلف في هذه الجملة كثيرا ولكن ما ارتأيناه أولى بالصواب. والى يوم القيامة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي: مبعوثين أو محشورين إلى يوم القيامة، ولا نافية للجنس، وريب اسمها، وفيه جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة حالية (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الذين نصب على الذم، ويجوز أن تعربها مبتدأ خبره جملة فهم لا يؤمنون، وجيء بالفاء لما في الموصول من رائحة الشرط، وجملة خسروا أنفسهم لا محل لها لأنها صلة الموصول، وهم مبتدأ، وجملة لا يؤمنون خبره، وجملة الذين خسروا أنفسهم على وجه النصب على الذم في محل نصب على الحال، وعلى وجه الرفع مستأنفة مسوقة لبيان سبب خسرانهم.
6:13–14Page 129
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣
And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤
Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"
اللغة:
(سَكَنَ) : يحتمل أن يكون من السكنى، ويتعدى بفي، ومعناه حل وثبت. ويحتمل أن يكون من السكون ضد التحرك.
واكتفى بأحد الضدين، لأنه يدل على ضده، وخصه بالذكر لأن السكون هو الأصل، والحركة طارئة، ويتعدى بفي أيضا.
(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) : مبدعهما.
ويروى عن ابن عباس قوله: ما عرفت فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي:
ابتدعتها. وسيأتي مزيد بحث عن هذه المادة.
الإعراب:
(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) الواو استئنافية، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وجملة سكن في الليل والنهار صلة الموصول، واختار الزمخشري أن تكون الواو عاطفة نسقا على قوله: «لله» ، أي على الجملة المحكية ب «قل» ، أي قل: هو لله، وقل: وله ما سكن. ولا بأس بذلك (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة، وهو مبتدأ، والسميع خبر أول، والعليم خبر ثان (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) كلام مستأنف مسوق لمتابعة الرد عليهم حين دعوه إلى دين آبائه. وقل فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهمزة للاستفهام الإنكاري، وغير الله مفعول به أول لأتخذ، ووليا مفعول به ثان، والجملة في محل نصب مقول القول (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) فاطر السموات والأرض نعت أو بدل لله، والواو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يطعم بالبناء للمعلوم خبر، وجملة لا يطعم بالبناء للمجهول عطف عليها (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) كلام مستأنف مسوق لتكرير الرد عليهم. وإن واسمها، وجملة أمرت خبرها. وإن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول، وأمرت فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بأمرت، وأول خبر أكون، ومن اسم موصول في محل جر بالإضافة، وجملة أسلم صلة الموصول، ولا تكونن الواو عاطفة، ولا ناهية، وتكونن فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم ب «لا» ، والجملة مقول القول محذوف معطوف على ما تقدم، أي: وقيل لي: لا تكونن، ومن المشركين خبر تكونن.
والمعنى أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك.
6:15–18Page 129
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨
And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2
الإعراب:
(قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) كلام مستأنف ليكون جوابا ثالثا للردّ عليهم. وإن واسمها، وجملة أخاف خبرها، والجملة في محل نصب مقول القول، وإن شرطية، وعصيت ربي فعل ماض وفاعل ومفعول به في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دلّ عليه ما قبله، والجملة الشرطية يجوز أن تكون معترضة بين فعل أخاف ومفعوله، وهو: عذاب يوم عظيم، ويجوز أن تكون حالية، والأول أولى، ويوم مضاف اليه، وعظيم صفة (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ)
الجملة صفة لعذاب يوم عظيم، ومن شرطية في محل رفع مبتدأ، ويصرف فعل الشرط وهو مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو، وعنه جار ومجرور متعلقان بيصرف، ويومئذ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بيصرف، والتنوين في «إذ» عوض عن جملة، وسيأتي بحثه في باب الفوائد. والفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، ورحمه فعل ومفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» . (وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) الواو استئنافية أو حالية، وذلك اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، والفوز خبر، والمبين صفة والجملة مستأنفة أو حالية (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) الواو عاطفة، وإن شرطية ويمسسك فعل الشرط، والكاف مفعول به المقدم، والله فاعله المؤخر لفظا، وبضرّ جار ومجرور متعلقان بيمسسك، فلا الفاء رابطة للجواب لأن الجواب جملة اسمية، ولا نافية للجنس، وكاشف اسمها المبني على الفتح، وله جار ومجرور متعلقان بكاشف، وإلا أداة حصر وهو بدل من محل لا واسمها، وخبر «لا» محذوف، أي: موجود والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عطف على ما تقدم، وجملة: «وهو على كل شيء قدير» تعليلية لجواب الشرط المحذوف، أي: فلا رادّ له غيره، وهو مبتدأ، وقدير خبر، وعلى كل شيء متعلقان بقدير (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) الواو استئنافية أو حالية، وهو مبتدأ، والقاهر خبر، وفوق عباده ظرف متعلق بالقاهر، ويجوز أن يتعلق بمحذوف خبر ثان أو بمحذوف حال، أي: مستعليا. والصورة رائعة للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة.
الفوائد:
(يَوْمَئِذٍ) التنوين اللاحق ل «إذ» في نحو: يومئذ وحينئذ، عوض عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، والأصل: يوم إذ يصرف عنه فقد رحمه، فحذفت جملة «يصرف عنه» وجيء بالتنوين عوضا عن الجملة المحذوفة، إيجازا وتحسينا، فالتقى ساكنان: ذال «إذ» والتنوين، فكسرت الذال على أصل التقاء الساكنين، وليست هذه الكسرة كسرة إعراب باضافة «يوم» إليها لأن «إذ» ملازمة للبناء لشبهها بالحرف في الافتقار إلى جملة وفي الوضع على حرفين، وليست الاضافة في «يومئذ» ونحوها من إضافة أحد المترادفين للآخر، بل من إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك.
6:19Page 130
قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩
Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."
اللغة:
(شَيْءٍ) الشيء: ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، ويجمع على أشياء. وقد تقدم القول في منع أشياء من الصرف، والشيء في اصطلاح المتكلمين هو أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يندرج تحته. وقد شجر بين المتكلمين خلاف نلمح إليه لطرافته، فقد ذهب الأشاعرة- وهم من أهل السنة- إلى أنه الموجود ليس إلّا، وخالفهم المعتزلة بأنه الذي يصح وجوده، فشمل المعدوم. ولكن الفريقين اتفقا على خروج المستحيل من مفهومه. والمفهوم اللغوي أنه لا يتناوله، قال أبو الطيب المتنبي:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
الإعراب:
(قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً) كلام مستأنف مسوق للردّ على من طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يريهم من يشهد له بأنه رسول الله. وقل فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، وأي شيء مبتدأ، وأكبر خبر، وشهادة تمييز محوّل عن المبتدأ، والجملة في محل نصب مقول القول (قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتهيئة الرد عليهم، والله مبتدأ، وشهيد خبره، والظرفان متعلقان بشهيد، والجملة في محل نصب مقول القول.
وإذا كان الله هو الشهيد بينهم وبينه فهو أكبر شهادة (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) الواو عاطفة أو استئنافية، وأوحي فعل ماض مبني للمجهول، وإلى جار ومجرور متعلقان بأوحي، وهذا اسم إشارة في محل رفع نائب فاعل أوحي، والقرآن بدل من اسم الاشارة، والجملة معطوفة أو مستأنفة بمثابة التعليل، والمعنى أن شهادة الله لي بأني رسوله كافية في نزول هذا القرآن، واللام للتعليل، وأنذركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والكاف مفعول، ومن الواو عاطفة، ومن اسم موصول منسوق على الكاف في أنذركم، أي: لأنذركم وأنذر كل من بلغه القرآن (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى) الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة تشهدون خبرها، وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعول تشهدون، والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول قول محذوف أي: ويقول: أئنكم لتشهدون، وأن حرف مشبه بالفعل ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أن المقدم، وآلهة اسمها المؤخر، وأخرى صفة لآلهة (قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الردّ عليهم، لا نافية وأشهد فعل مضارع، والجملة نصب على أنها مقول القول، وقل فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة مستأنفة أيضا للغرض نفسه، وإنما كافة ومكفوفة، وهو مبتدأ وإله خبر، وواحد صفة، وإنني الواو عاطفة، وإن واسمها، وبريء خبرها، والجملة منسوقة على ما قبلها، ومما جار ومجرور متعلقان ببريء، و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية أو موصولة، أي: من إشراككم بالله، أو من الأصنام التي تشركونها مع الله.
6:20–21Page 130
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
الإعراب:
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) كلام مستأنف مسوق للرد على الذين يزعمون أن أهل الكتاب لا يعرفونه، أي الرسول، ويجوز أن يعود الضمير على القرآن. والذين اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة آتيناهم صلة الموصول، والكتاب مفعول به ثان، وجملة يعرفونه خبر الذين، وكما الكاف حرف جر، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور نصب على المفعولية المطلقة، وقد تقدمت له نظائر كثيرة.
وأبناءهم مفعول به (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الذين مبتدأ أيضا، وجملة خسروا صلة الموصول، وأنفسهم مفعول به، والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط، وهم مبتدأ ثان وجملة لا يؤمنون خبر «هم» ، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الذين، ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين خسروا أنفسهم، وأعربها ابن جرير نعتا ل «الذين» الأولى، وهو سائغ. وقيل: هو منصوب على الذّم، وهو محتمل أيضا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام معناه النفي والتوبيخ، أي لا أحد أظلم، وهو مبتدأ، وأظلم خبر، وممن جار ومجرور متعلقان بأظلم، وجملة افترى صلة الموصول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترى، وكذبا مفعول به (أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) عطف على جملة افترى داخلة في حيز الصلة (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إن واسمها، وجملة لا يفلح الظالمون خبر، والجملة تعليل لما سبق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences