Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:187–206
7:187–188Page 174
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨
Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."
اللغة:
(السَّاعَةِ) : القيامة، وسميت بذلك لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق. وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا.
(مُرْساها) مصدر ميمي من أرسى، والإرساء الاستقرار والإثبات، والثلاثي منه رسا، ورسا الشيء ثبت، ورست السفينة: وقفت عن الجري.
(يُجَلِّيها) : يظهرها.
(حَفِيٌّ) : مبالغ في السؤال، والمراد كأنك عالم بها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه ورصن، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه إحفاء الشارب.
الإعراب:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) جملة مستأنفة مسوقة لبيان نمط من ضلالاتهم. ويسألونك فعل وفاعل ومفعول به، وعن الساعة جار ومجرور متعلقان بيسألونك، وأيان اسم استفهام في محل نصب على الظرفية الزمانية، وسيأتي في باب الفوائد اشتقاقه، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومرساها مبتدأ مؤخر، والجملة بدل من الساعة.
وقيل: أيان متعلق بمحذوف، أي يسألونك، ومرساها فاعل لهذا الفعل المحذوف (قُلْ: إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) إنما كافة ومكفوفة، وعلمها مبتدأ، والظرف متعلق بمحذوف خبر، وجملة لا يجليها حال، ولوقتها جار ومجرور متعلقان بيجلّيها، وجملة إنما وما في حيزها في محل نصب مقول القول وإلا أداة حصر، وهو فاعل يجليها، أو تأكيد للفاعل المستتر (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الجملة مستأنفة، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بثقلت، سواء أكان «في» بمعنى «على» أو على بابها من الظرفية، والمعنى حصل ثقلها، وهو شدتها أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين أو عليهما (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، ولا تأتيكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وإلا أداة حصر، وبغتة حال أو مفعول مطلق (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها) : الجملة مستأنفة، وسيأتي سر هذا التكرير في باب البلاغة. ويسألونك فعل وفاعل ومفعول به، وجملة كأنك حالية، وكأن واسمها، وحفي خبرها، وعنها جار ومجرور متعلقان بحفي (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ) تقدم إعرابها قريبا (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) تقدم إعرابها (قُلْ: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) الجملة مستأنفة مسوقة لحسم أطماعهم بعد إعلان نفض يده منهم. وجملة لا أملك في محل نصب مقول القول، ولا نافية وأملك فعل مضارع وفاعل مستتر، ونفعا مفعول به، ولنفسي جار ومجرور متعلقان بأملك، أو بمحذوف حال من «نفعا» ، لأنه كان في الأصل صفة له لو تأخر عنه، وإلا أداة استثناء، وما مستثنى من «نفعا وضرا» أو بدل منهما، وقيل:
الاستثناء منقطع، فهو متعين النصب على الاستثناء (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) الواو استئنافية، ولو شرطية، وكان واسمها، وجملة أعلم خبرها، والغيب مفعول به، ولا ستكثرت اللام واقعة في جواب لو، واستكثرت فعل وفاعل، ومن الخير جار ومجرور متعلقان باستكثرت، والجملة لا محل لها (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) الواو عاطفة، وجملة ما مسني السوء عطف على استكثرت، وما نافية (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إن نافية، وأنا مبتدأ، وإلا أداة حصر، ونذير خبر، وبشير عطف على نذير، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنذير وبشير، وجملة يؤمنون صفة لقوم.
البلاغة:
في قوله تعالى: «يسألونك كأنك حفيّ عنها» نوع من التكرير لم يدونه علماء البلاغة في معرض حديثهم عن التكرير، وهو أن الكلام إذا بني على مقصد ما، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدمت اليه الإشارة، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها» ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: «قل إنما علمها عند ربي» إلى قوله «بغتة» أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله: «كأنك حفيّ عنها» وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطرّي ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطرّي إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول مستغني عن تفصيله بما تقدم، فمن ثم قيل: «يسألونك» ولم يذكر المسئول عنه- وهو الساعة- اكتفاء بما تقدم. فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال: «قل إنما علمها عند الله» .
الفوائد:
(أَيَّانَ) بمعنى متى، إن كانت اسم استفهام أو اسم شرط، وقيل اشتقاقه من «أي» وهي «فعلان» منه، لأن معناه: أي وقت وأي فعل، من أويت إليه، لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه.
قاله ابن جني، وأبى أن يكون من «أين» لأنه زمان و «أين» مكان.
وقال غيره: أصل أيان «أي آن» فهي مركبة من «أي» المتضمنة معنى الشرط و «آن» بمعنى حين، فصارتا بعد التركيب اسما واحدا، للشرط في الزمان المستقبل، مبني على الفتح، وكثيرا ما تلحقها «ما» الزائدة للتوكيد، كقوله:
إذا النعجة الأدماء بانت بقفرة ... فأيّان ما تعدل به الريح تنزل
7:189–192Page 175
۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩
It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠
But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١
Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢
And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.
الإعراب:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) كلام مستأنف لخطاب أهل مكة. وهو مبتدأ، والذي خبره، وجملة خلقكم صلة، ومن نفس جار ومجرور متعلقان بخلقكم، وواحدة صفة (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها) جعل بمعنى خلق معطوف على خلقكم، وفاعله ضمير مستتر، ومنها جار ومجرور متعلقان بجعل، وزوجها مفعول به، واللام للتعليل ويسكن فعل مضارع منصوب وفاعله هو، وإليها جار ومجرور متعلقان بيسكن والمراد بالنفس آدم، وتأنيث الضمير باعتبار لفظ النفس (فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، وجملة حملت لا محل لها، وحملا إن كانت مصدرا فهي معفول مطلق، وإن كانت بمعنى الجنين فهي مفعول به، وخفيفا نعت أتى به للإشعار بعدم التأذي به كما يصيب الحوامل عادة من آلام الحمل، أو إشارة إلى ابتدائه وكونه نطفة لا تثقل البطن. والفاء عاطفة، ومرت عطف على حملت، وبه جار ومجرور متعلقان بمرت، أي:
ترددت في إنجاز مهامها وإظهارها من غير مشقة ولا إعنات (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما) الفاء عاطفة، ولما رابطة أو حينية، ودعوا الله فعل ماض وفاعل ومفعول به وربهما بدل (لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) اللام موطئة للقسم، وجملة القسم مستأنفة لتدل على الجملة القسمية، وإن شرطية، وآتيتنا فعل وفاعل وهو فعل الشرط، ونا مفعول به، وصالحا صفة لمفعول محذوف نابت عنه، أي: ولدا صالحا، واللام واقعة في جواب القسم لتقدمه، ونكونن فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر تقديره نحن، ومن الشاكرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة لئن آتيتنا تفسيرية لجملة دعوا الله، كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ ما قالاه، ولك أن تجعلها مقولا لقول محذوف تقديره: فقالا: لئن آتيتنا، وجملة لنكونن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف على ما تقرر (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) شركاء مفعول جعلا، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لشركاء وتقدّم، وفيما جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لشركاء، وجملة آتاهما صلة، والمعنى: آتى أولادهما، وقد دل على ذلك قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك.
والفاء حرف عطف، وجملة تعالى الله عطف على خلقكم، وما بينهما اعتراض. ويجوز أن تكون الفاء استئنافية، والجملة مستأنفة، وسيأتي في باب الفوائد سرّ هذا الخطاب، وما قاله العلماء فيه. والله فاعله، وعما جار ومجرور متعلقان بتعالى، وجملة يشركون لا محل لها لأنها صلة الموصول (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، ويشركون فعل مضارع، والواو فاعل، وما مفعول به، وجملة لا يخلق صلة الموصول، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يخلقون بالبناء للمجهول خبر «هم» ، والواو نائب فاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتوبيخهم على ما اقترفوه. وهذا الضمير يعود على الأصنام المعبر عنها ب «ما» ، وعبر عنها ب «ما» لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء، ويجوز أن يعود على الكفار، أي: وهم ومخلوقون لله، فلو تفكروا في ذلك لآمنوا (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) الجملة معطوفة على سابقتها، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون.
الفوائد:
المراد في الخطاب الوارد في هذه الآيات شغل العلماء والمفسرين وخاضوا فيه كثيرا، ولا يتسع المجال لنقل ما قالوه في هذا الصدد.
وأسلم ما نراه وأقربه إلى الصواب والمعقول أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، ويكون المعنى حينئذ: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من الجنسين كذا وكذا. وقيل: الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهم آل قصيّ- ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد:
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فخار لا يبارى وسؤدد
وقبل هذا البيت:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فيا فوز من أمسى رفيق محمد
وبعده:
ليهن بني سعد مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد والقائل مجهول.
روى التاريخ أنه حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا يصحبه أبوبكر، وجهل أهلهما خبرهما بعد خروجها من الغار، هتف الهاتفون بهذا القول. وأم معبد امرأة من بني سعد، نزلا عندها. و «يا لقصيّ» أصله: يا آل قصي، أو تكون لام الاستغاثة، والجار والمجرور متعلقان بما في «يا» من معنى الفعل.
7:193–195Page 175
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤
Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.
أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥
Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.
الإعراب:
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة لخطاب عبدة الأصنام، أي: وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعوكم على مرادكم. وإن شرطية. وتدعوهم فعل الشرط، والواو فاعل. والهاء مفعول به يعود على الأصنام، والى الهدى جار ومجرور متعلقان بتدعوهم، ولا نافية، ويتبعوكم جواب الشرط المجزوم (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) سواء خبر مقدم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بسواء، والهمزة للاستفهام، وهي همزة التسوية التي تؤوّل ما بعدها بمصدر، وقد مر ذكرها في البقرة، وهي وما في حيزها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ولك أن تعرب «سواء» خبرا لمبتدأ محذوف، والمصدر المؤول فاعل لسواء الذي أجري مجرى المصادر، وأم عاطفة وتسمى متصلة، وقد سبق ذكرها، وأنتم مبتدأ، وصامتون خبر، والجملة معطوفة على الجملة السابقة (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدمها، وإن واسمها، وجملة تدعون صلة، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. وعباد خبر إنّ، وأمثالكم صفة لعباد، ووصف الأصنام بأنها عباد أمثالهم مع أنها جمادات، ولفظ العباد إنما يطلق على الأحياء العقلاء، وعبّر عنها بضرورة في قوله: «فادعوهم» ، وقوله:
«فليستجيبوا لكم» ، إنما ساغ ذلك كله لأنهم لما اعتقدوا ألوهيتها لزمهم كونها حية عاقلة وإن كانت في الواقع خلاف ذلك، ولكن وردت الألفاظ على مقتضى اعتقادهم. وسيأتي مزيد من التحقيق في هذا في باب الفوائد (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا صح ذلك- وهو لم يصح إلا في اعتقادهم وعرفهم- فادعوهم. وادعوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به، وقوله:
«فليستجيبوا» الفاء عاطفة، واللام لام الأمر، ويستجيبوا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، ولكم جار ومجرور متعلقان بيستجيبوا، وإن شرطية، وكنتم صادقين فعل الشرط، والجواب محذوف دلت عليه الفاء الفصيحة، أي: فادعوهم، وصادقين خبر كنتم (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) كلام مستأنف بمثابة التوبيخ لهم على عقولهم القاصرة.
والهمزة للاستفهام الإنكاري مع النفي، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وأرجل مبتدأ مؤخر وجملة يمشون بها صفة (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها) أم عاطفة بمعنى بل، والجملة معطوفة على سابقتها، وكذلك قوله: (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟ أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) أي:
ليس لهم شيء من ذلك البتة مما هو لكم، فكيف تعبونهم؟ وأنتم أتمّ منهم وأكمل حالا (قُلِ: ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) جملة ادعوا شركاءكم مقول القول، وثم حرف عطف وتراخ، وكيدون عطف على ادعوا، والفاء عاطفة ولا ناهية، تنظرون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون للوقاية، وياء المتكلم محذوفة، وقد تقدم القول في جواز حذفها في البقرة.
البلاغة:
في قوله: «ألهم أرجل يمشون» بها إلى قوله: «فلا تنظرون» فنّ بديعي معروف باسم نفي الشيء بإيجابه، وهو أن يثبت المتكلم شيئا في ظاهر كلامه بشرط أن يكون المثبت مستعارا، ثم ينفي ما هو من سببه مجازا، والمنفي حقيقة في باطن الكلام، وهو الذي أثبته لا الذي نفاه، وفي الآيات المتقدمة يقتضي نفي الإلهية جملة عمن يبصر ويسمع من الآلهة المتخذة من دون الله تعالى، فكيف من لا يسمع ولا يبصر منها. وقد تقدمت له أمثلة، وسيأتي المزيد منه.
الفوائد:
لم ير أشهر المفسرين إشكالا في إطلاق لفظ «عباد» على الأصنام، فابن جرير- الذي هو أشدهم عناية بتقرير كل ما كان يعدّ شكلا والجواب عنه- لم يورده في الآية، وفسر العباد بالأملاك، وأما من بعده من المفسرين فقد أوردوا ذلك وأجابوا عنه بجوابين نقلهما الرازي.
عبارة الرّازيّ:
أحدها: أن المشركين لما ادّعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعقتدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الآية على وفق معتقداتهم، ولذلك قال: «فادعوهم فليستجيبوا لكم» ، وقال:
إن الذين ولم يقل «التي» .
والجواب الثاني أن هذا لغو ورد في معرض الاستهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإذا ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم، ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيدا؟ وجعلتموهم آلهة وأربابا.
7:196–200Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
اللغة:
(وَلِيِّيَ) : ناصري ومتولي أموري.
(الْعَفْوَ) : اليسر وضدّ الجهد. أي: خذ ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، وما أتى منهم، وتسهّل من غير تكلف ولا إعنات، ولا تحرجهم وتشق عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: «يسّروا ولا تعسّروا» . وقال:
خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
(العرف) : بضم العين: المعروف وكل جميل من الأفعال، قال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازية لا يذهب العرف بين الله والناس (النزغ) : النخس والغرز، شبه وسوسة الشيطان بغرز السائق لما يسوقه.
الإعراب:
(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ) إن واسمها وخبرها، والذي صفة لله، وجملة نزل الكتاب صلة الموصول (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) الواو حالية أو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يتولى الصالحين خبر (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) عطف على ما تقدم، وقد مرّ إعرابه آنفا، وأنفسهم مفعول به مقدم لينصرون (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا) عطف أيضا، وإن الشرطية وفعلها وجوابها (وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) الواو استئنافية، وتراهم فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به، وجملة ينظرون إليك حالية، والواو للحال، وهم مبتدأ، وجملة لا يبصرون خبر، وجملة وهم لا يبصرون حال أيضا (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) خذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، والعفو مفعول به، وفعلا الأمر الآخران عطف عليه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة وإن شرطية، أدغمت نونها بما الزائدة، وينزغنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو في محل جزم فعل الشرط. ومن الشيطان جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه في الأصل كان صفة ل «نزغ» ، ونزغ فاعل، فاستعذ: الفاء رابطة لجواب الشرط، لأن الجواب بعدها طلبي، واستعذ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، وبالله جار ومجرور متعلقان باستعذ، وإن واسمها، وخبرها، وجملة إن وما في حيزها للتعليل والاستئناف.
البلاغة:
أعجب العرب كثيرا بقوله تعالى: «خذ العفو» إلى آخر الآية، لما فيها من سهولة سبك، وعذوبة لفظ، وسلامة تأليف، مع ما تضمنته من إشارات بعيدة، ورموز لا تتناهى، وأطلقوا على هذا النوع من الأساليب اسم فنّ يقال له «الانسجام» ، وهو أن يكون الكلام متحدّرا كتحدّر الماء المنسجم، حتى يكون للجملة من المنثور وللبيت من المنظوم وقع في النفوس، وتأثير في القلوب، ما ليس لغيره.
نماذج شعرية من الانسجام:
ومن النماذج الشعرية لهذا الفنّ التي خلت من البديع، إلا أن يأتي ضمن السهولة، من غير قصد، كقول بعضهم، وينسب إلى ديك الجنّ الشاعر الحمصي:
يا بديع الدّلّ والغنج ... لك سلطان على المهج
إنّ بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السّرج
وجهك المأمول حجّتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
ولبهاء الدين زهير:
لحاظك أمضى من المرهف ... وريقك أشهى من القرقف
ومن سيف لحظك لا أتّقي ... ومن خمر ريقك لا أكتفي
أقاسي المنون لنيل المنى ... ويا ليت هذا بهذا يفي
زها ورد خدّيك لكنه ... بغير النواظر لم يقطف
وقد زعموا أنه مضعف ... وما علموا أنه مضعفي
ومما يستحق أن يغنى به قول صفيّ الدين، وقد بلغ غاية الانسجام: قالت: كحلت الجفون بالوسن ... قلت: ارتقابا لطيفك الحسن
قالت: تسلّيت بعد فرقتنا ... قلت: عن مسكني وعن سكني
قالت: تشاغلت عن محبتنا ... قلت: بفرط البكاء والحزن
قالت: تخلّيت، قلت عن جلدي ... قالت: تغيّرت، قلت: في بدني
قالت: أذعت الأسرار، قلت لها: ... صيّر سري هواك كالعلن
قالت: فماذا تروم؟ قلت لها: ... ساعة سعد بالوصال تسعفني
قالت: وعين الرقيب ترقبنا ... قلت: فإنّي للعين لم أبن
أنحلتني بالبعاد عنك فلو ... ترصّدتني العيون لم ترني
ونختم هذه المختارة بالحكاية الآتية: قيل: إن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي، وقد أخنى عليها الزمان، وأذهب بهجتها، وأخلق ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة. فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وتمثل بهذه الأبيات:
ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضجّ من لغب ... نضوي وعجّ بعذلي الرّكب
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطّلول تلفّت القلب
فمر شخص فقال له: أتعرف هذه الأبيات؟ فقال: لا قال: والله إنها لصاحب هذه الدار، فتعجبا من غريب هذا الاتفاق، والشيء بالشيء يذكر.
7:201–206Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤
So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥
And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦
Indeed, those who are near your Lord [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.
اللغة:
(طائِفٌ) : يحتمل أن يكون اسم فاعل من طاف به الخيال يطيف طيفا، أو مصدر منه، وقد قرأ أهل البصرة «طيف» ، وكذا أهل مكة، وقرأ أهل المدينة والكوفة: «طائف» .
(اجْتَبَيْتَها) اجتبى الشيء: بمعنى جباه لنفسه، أي: جمعه.
(الغدو) بضمتين جمع غدوة، بضم الغين وسكون الدال، وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
(الْآصالِ) جمع أصيل وهو من العصر إلى الغروب.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) إن واسمها، وجملة اتقوا صلة، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن، متضمن معنى الشرط، وجملة مسهم في محل جر بالإضافة لوقوعها بعد الظرف، والهاء مفعول به لمسّ، وطائف فاعله، ومن الشيطان جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائف، وإذا وشرطها وجوابها الآتي خبر إن (تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) جملة تذكروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، والفاء عاطفة، وإذا فجائية، وقد تقدم الكلام عنها، وهم مبتدأ ومبصرون خبر (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) اضطربت أقوال المعربين والمفسرين في هذه الآية، وتفاديا للضياع في متاهات الأقوال المتشعبة نجتزئ بأشهر الأقوال وأقربها إلى العقل والمنطق، فنقول: وإخوانهم: الواو استئنافية، وإخوانهم مبتدأ، والضمير فيه يعود على الشيطان، لأنه لا يراد به الواحد بل الجنس، والضمير المنصوب في يمدونهم يعود على الكفار، والمرفوع يعود على الشيطان، والتقدير وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين، وعلى هذا فالخبر جار على غير من هو له في المعنى، ألا ترى أن الإمداد مسند إلى الشياطين، وهو في اللفظ خبر عن إخوانهم؟ قال الزمخشري:
وهذا الوجه أوجه، لأن «إخوانهم» في مقابلة «الذين اتقوا» ، وفي الغي جار ومجرور متعلقان بيمدونهم، وثم حرف عطف وتراخ، ولا يقصرون عطف على يمدونهم، ولا نافية. وهناك أوجه ترجع من حيث النتيجة إليه، فنكتفي به (وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَها) الواو حرف عطف، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة لم تأتهم في محل جر بالإضافة، وبآية جار ومجرور متعلقان بتأتهم، وجملة قالوا لا محل لها من الإعراب، ولولا حرف تحضيض، فالكلام طلبيّ، أي: اجتبها واخترعها من عند نفسك، كما هي عادتك (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) إنما كافة ومكفوقة، وأتبع فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة يوحى بالبناء للمجهول لا محل لها لأنها صلة الموصول، وإلي جار ومجرور متعلقان بيوحى، ومن ربي جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هذه الجملة تتمة لقول القول، داخلة في حيزه، وهذا اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، وبصائر خبره، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبصائر، وهدى عطف على بصائر، وكذلك رحمة ولقوم جار ومجرور متعلقان برحمة، وجملة يؤمنون صفة لقوم (وَإِذا قُرِئَ، الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة، ويحتمل أن تكون عاطفة، والكلام من جملة المقول المأمور به، وإذا شرط مستقبل، وجملة قرئ القرآن في محل جر بالإضافة، والقرآن نائب فاعل، والفاء رابطة، وجملة استمعوا له لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وله جار ومجرور متعلقان باستمعوا، واختلف في الاستماع والمراد به، وأظهر الأقوال أنه الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة أو غير صلاة، وقيل: معنى «فاستمعوا» :
فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. ولعل واسمها، وجملة ترحمون خبرها، وجملة الرجاء حالية (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) الواو عاطفة، واذكر فعل أمر، وربك مفعول به، وفي نفسك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وهو عام في الأذكار، وتضرعا وخيفة في نصبهما وجهان: أحدهما أنهما مفعولان لأجلهما، والثاني أنهما مصدران وقعا موقع الحال، أي: متضرعين خائفين (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) الواو عاطفة، ودون ظرف متعلق بمحذوف معطوف على في نفسك، أي: في السّرّ وفي الجهر، ومن القول جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وبالغدو والآصال جار ومجرور متعلقان باذكر، والواو عاطفة، ولا ناهية، وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية، ومن الغافلين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) كلام مستأنف مسوق لذكر المؤمنين الذين استأهلوا القرب من الله. وإن واسمها، وعند ربك ظرف متعلق بمحذوف لا محل له من الإعراب، لأنه صلة الموصول، وجملة لا يستكبرون خبر إن، والمراد بالعندية القرب من الله والزلفى إليه، وعن عبادته جار ومجرور متعلقان بيستكبرون، ويسبحونه عطف على ما تقدم، وله الواو عاطفة والجار والمجرور متعلقان بيسجدون، ويسجدون عطف على يسبحونه، ويجوز ان تكون الواو حالية أو استئنافية، وجملة يسبحونه خبر لمبتدأ محذوف، أي: وهم يسبحونه.
الفوائد:
وهذا فصل ممتع للإمام الغزالي ننقل بعضه لمناسبته ونفاسته.
قال: «ولأجل شرف ذكر الله عظمت رتبة الشّهادة، لأنّ المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله تعالى، والقلب مستغرق بالله عز وجل، فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فانه قطع الطّمع عن مهجته وأهله، وماله وولده، بل من الدنيا كلّها، فإنه يريدها لحياته. وقد هون على قلبه حياته في حب الله عز وجل، وطلب مرضاته، فلا تجرّد أعظم من ذلك، ولذلك عظم أمر الشّهادة.
ولما استشهد عبد الله بن عمرو الأنصاريّ يوم أحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: ألا أبشّرك يا جابر؟ قال: بلى بشّرك الله بالخير، قال: إنّ الله أحيا أباك فأقعده بين يديه، وليس بينه وبينه حجاب ولا رسول. فقال تعالى: تمنّ عليّ يا عبدي، ما شئت أعطيكه.
فقال: يا ربّ! إن تردّني إلى الدنيا حتّى أقتل فيك وفي نبيّك مرّة أخرى. فقال الله عزّ وجل: سبق القضاء منّي بأنهم إليها لا يرجعون.
ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة.
وصيّة عمر لبعض قوّاده:
وتعجبني دعوة عمر بن الخطاب إلى ذكر الله وخشيته، رجاء غوثه ورحمته، في وصية لبعض قواده: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وأن تكون أنت ومن معك أشدّ احتراسا من المعاصي فيكم من عدوّكم، فإنّ ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences