Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:17–30
7:17–18Page 152
ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧
Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."
قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨
[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."
اللغة:
(مَذْؤُماً) في المختار: الذّأم: العيب يهمز ولا يهز، يقال:
ذأمه من باب قطع إذا عابه وحقره، فهو مذءوم.
(مَدْحُوراً) : دحره: طرده وأبعده، وبابه قطع.
الإعراب:
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) ثم حرف عطف للترتيب والمهلة، واللام موطّئة للقسم، وآتينهم: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر، والهاء مفعول به، ومن بين أيديهم جار ومجرور متعلقان بآتينهم، أي: لآتينهم من الجهات الأربع الي يأتي منها العدو، ولكنه خالف بين حرفي الجر، فجعل الفعل في الأولين يتعدى بمن، وهي للابتداء، وفي الأخيرين بعن، وهي للمجاوزة، لأنه يتوجه من الأولين وينحرف من الآخرين متجاوزا، وسيأتي المزيد من التفصيل في باب البلاغة (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) الواو استئنافية أو عاطفة، فالجملة بعدها مستأنفة أو معطوفة، ولا نافية، وتجد فعل مضارع إمّا من الوجود بمعنى اللّقاء فيتعدّى لواحد، فيكون «أكثرهم» مفعولا به، وشاكرين حالا، وإما من الوجود بمعنى العلم فيكون قوله «شاكرين» مفعولا به ثانيا (قالَ: اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً) الجملة مستأنفة، وأخرج فعل أمر، ومنها جار ومجرور متعلقان باخرج، ومذءوما مدحورا حالان من فاعل اخرج والجملة مقول القول (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) اللام هي الموطئة للقسم المحذوف، ومن اسم شرط جازم في محل رفع، وتبعك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ومنهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ولأملأن اللام جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه والجملة القسمية مستأنفة.
ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء، ومن اسم موصول في محل رفع مبتدأ، وجملة تبعك صلة، ولأملأن جواب قسم محذوف، وذلك القسم وجوابه في محل رفع للمبتدأ، والتقدير: للذي تبعك منهم والله لأملأن جهنم منكم، وجهنم مفعول به، ومنكم جار ومجرور متعلقان بأملأن، وأجمعين تأكيد للضمير.
البلاغة:
في هذه الآية فن المخالفة بين حرفي الجر، فقد ذكر الجهات الأربع، لأنها هي التي يأتي منها العدوّ عدوّه، ولهذا ترك جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين بمن، والى الأخريين بعن، لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجها بكليته، والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفا، فناسب في الأولين التعدية بحرف الابتداء، وفي الآخرين التعدية بحرف المجاوزة. وهو تمثيل لوسوسته وتسويله بمن يأتي حقيقة.
فصل رائع للزمخشري:
وفيما يلي فصل رائع للزمخشري بهذا الصدد، نقتبس منه الفقرات التالية، لما تضمنته من تجسيد حي، قال: «فإن قلت: كيف قيل: «من بين أيديهم ومن خلفهم» بحرف الابتداء، وعن أيمانهم وعن شمائلهم» بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التغدية في ذاك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، قلنا: معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، ونحوه من المفعول به قولهم: «رميت عن القوس، وعلى القوس، ومن القوس» ، لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدأ الرمي منها. وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه، بمعنى فيه، لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، تقول: جئته من الليل تربد يعض الليل» .
7:19–20Page 152
وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠
But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."
اللغة:
(وسوس) الوسوسة: الكلام الخفي المكرر، ومثله الوسواس، وهو صوت الحليّ. والوسوسة أيضا: الخطرة الرديئة، ووسوس لا يتعدى إلى مفعول بل هو لازم، يقال: هو رجل موسوس بكسر الواو، ولا يقال بفتحها. قاله ابن الأعرابيّ. وقال غيره: يقال موسوس له، وموسوس إليه. وقال الليث: الوسوسة: حديث النفس، والصوت الخفي من ريح تهزّ قضيبا ونحوه، كالهمس.
وقال الأزهري: وسوس ووزوز بمعنى واحد، وفي القاموس: رجل موزوز أي مغرّد. وسيأتي سرّ تكرير الحروف في باب البلاغة.
(وُورِيَ) : ستر وغطّي، وهو ماض مبني للمجهول، وأصله:
وارى كضارب، فلما بني للمجهول أبدلت الألف واوا كضورب.
(السوآت) : العورات، وكلّ ما يستحيا منه.
الإعراب:
(وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الواو عاطفة أو استئنافية، ويا حرف نداء، وآدم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب، والكلام معطوف على اخرج، أو بتقدير عامل، أي: قلنا: يا آدم، واسكن فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره أنت، وأنت تأكيد للفاعل المستتر، وزوجك عطف على الضمير المستتر، والجنة مفعول به، على السعة، أو منصوب بنزع الخافض، وقد تقدم (فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) الفاء حرف عطف، وكلا فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعل، ومن حرف جر، وحيث ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلقان بكلا، وجملة شئتما في محل جر بالإضافة (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) الواو عاطفة، ولا ناهية، وتقربا فعل مضارع مجزوم بلا، والألف فاعل، وهذه اسم إشارة في محل نصب مفعول به، وقرب يستعمل لازما ومتعديا كما هنا، والشجرة بدل من اسم الاشارة، فتكونا الفاء هي السببية، وتكونا فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء لوقوعها جوابا للنهي، والألف اسم تكونا، ومن الظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكونا (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما) الفاء عاطفة، ووسوس فعل ماض، ولهما جار ومجرور متعلقان بوسوس، والشيطان فاعل، وليبدي اللام لام التعليل، ويبدي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام ويصح أن تكون لام الصيرورة أو العاقبة، ولهما جار ومجرور متعلقان بيبدي، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة ووري صلة لا محل لها، وعنهما جار ومجرور متعلقان بووري، ومن سوءاتهما: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. (وَقالَ: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ) الواو عاطفة، وقال فعل ماض معطوف على وسوس، وما نافية، ونهاكما فعل ماض، والكاف مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، وربكما فاعل، وعن هذه جار ومجرور متعلقان بنهاكما، والشجرة بدل من اسم الإشارة. وإلا أداة حصر. وأن وما في حيزها استثناء مفرغ من أعم العلل. فهو مفعول لأجله على حذف مضاف، أي، إلا كراهة. وأن تكونا مصدر مؤول في محل جر بالإضافة، تكونا فعل مضارع ناقص منصوب بأن، والألف اسمها، وملكين خبر تكونا، وأو تكونا من الخالدين عطف على جملة تكونا الأولى، وجملة ما نهاكما مقول القول.
البلاغة:
سر تكرير الحروف في اللفظ الواحد:
هذا باب من أبواب البلاغة، قلّ من يتفطن له. وقد المع إليه الزمخشري في كشافه وابن الأثير في مثله السائر وابن جني في خصائصه.
ولكن إلماعهم لا يعدو لغة النظر التي لا تنقع الغلة، ولا تشفي من الأوام، ويتلخص هذا الباب في أنه كلما تكررت الحروف في اللفظ الواحد كان ذلك إيذانا بتكرير العمل ونقل الفعل من وزن إلى وزن، لم يجنح إليه الواضح في الأصل إلا لهذا السر الخفي، واللفظ هنا «وسوس» فهو تجسيد حي وتصوير بليغ لدأب إبليس على الإغواء، وإجهاده نفسه لحملها على أن تزل بهما القدم، ويرتطما في مزالق الشر، فهو يوسوس إليهما المرة بعد المرة.
ومن ذلك قولهم: خشن واخشوشن، لا تفيد خشن ما تفيد كلمة اخشوشن، لما فيه من تكرير الحروف. وقل مثل هذا في أعشب المكان واعشوشب. فكأنهم لما رأوا كثرة العشب قالوا: اعشوشب.
وسيرد معنا في القرآن الكريم العجيب منه، كما في هذه الآية.
نموذج شعري للتكرير:
ويحسن بنا هنا أن نورد الآن نموذجا شعريا تعلق فيه الشاعر بأذيال هذا السر الخفي، وهو قول البحتري من قصيدة يمدح بها المتوكل على الله، ويذكر حديث الصلح بين أبناء العمومة والخئولة من بني تغلب، منها قوله:
رفعت بضبعي تغلب بنة وائل ... وقد يئست أن يستقلّ صريعها
فكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها
تألّفتهم من بعد ما شرّدت بهم ... حفائظ أخلاق بطيء رجوعها
فأبصر غاويها المحجّة فاهتدى ... وأقصر غاليها ودانى شسوعها
وموضع الاستشهاد قوله: «تألّفتهم من بعد ما شردت بهم» فتثقيل تألّفتهم وشردت بهم أمر يستوجبه المقام، لأنه مقام الإصلاح وإعادة المياه إلى مجاريها بين أبناء العمومة والخئولة. وحسبنا ما تقدم الآن. وسيرد له ما يدعمه ويظهر مكان حسنه في مكان آخر.
7:21–22Page 152
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١
And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢
So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"
اللغة:
(وَقاسَمَهُما) : أقسم لهما، والمفاعلة هنا ليست على بابها بل للمبالغة، ويجوز أن تبقى على باب المفاعلة كما قرر الزمخشري، كأنه قال أقسم لكما أني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ فجعل ذلك مقاسمة بينهم.
(فَدَلَّاهُما) التدلية والإدلاء: إرسال الشيء من الأعلى إلى الأسفل. وقال الأزهري: وأصله أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا مطمع فيه، ولا فائدة منه. قال الفرزدق:
هما دلّتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
(بِغُرُورٍ) الغرور: إظهار النصح وإبطان الغش. وغرّه غرّا وغرّة وغرورا: أي خدعه وأطمعه بالباطل. وفي أمثالهم: «أفرّ من ظبي مقمر» لأنه يخرج في الليلة المقمرة، يرى أنه النهار، فتأكله السباع، ولم يزل يطلب غرّته حتى صادفها، وأصاب منه غرّة فبطش به. وما غرّك به؟ كيف اجترأت عليه. و «ما غرّك بربك الكريم» ؟
وأنا غريرك من هذا الأمر: أي إن سألتني على غرّة أجبك به، لاستحكام علمي بحقيقته. وهو على غرارة: أي على خطر، وقال النمر بن تولب:
تصابى وأمسى علاه الكبر ... وأمسى لجمرة حبل غرر
أي: غير موثوق به. ورضى أعرابي عن امرأة فقال: هي الغرّاء بنت المخضبة. شبهها بالزبدة. ويقال للسوق درّة غرار: أي نفاق وكساد. و «لا غرار في الصلاة» وأصله: غارّت الناقة غرارا إذا نقص لبنها. وفلان مغار الكف للبخيل. ومنه: ما أذوق النوم إلا غرارا. وهذه المادة عجيبة في تنوع معانيها وتساوقها، في حين تئول كلها إلى أصل واحد.
(طَفِقا) : من أفعال الشروع، وسيأتي الحديث عنها في باب الفوائد.
(يَخْصِفانِ) : في المختار: «خصف النعل خصفا: خرزها.
وقوله تعالى: «وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» : أي يلزقان بعضه ببعض ليسترا به عورتهما» . وفي المصباح: «خصف الرجل نعله خصفا من باب ضرب فهو خصّاف، وهو فيه كرقع الثوب» .
الإعراب:
(وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الواو استئنافية، وقاسمهما فعل وفاعل مستتر، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة مستأنفة، وجملة إن وما في حيزها مفسرة، لما تنطوي عليه المقاسمة، وإن واسمها، ولكما جار ومجرور متعلقان بالناصحين، ونصح فعل يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر، وقال الفراء: «العرب لا تكاد تقول نصحتك، وإنما يقولون: نصحت لك، وأنصح لك، وقد يجوز نصحتك» . واللام هي المزحلقة، ومن الناصحين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) الفاء عاطفة، ودلاهما فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وبغرور جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي مصاحبين للغرور، فالفاء للمصاحبة، ويجوز أن يتعلقا بدلاهما، فتكون لمجرد السببية، أي:
دلاهما بسبب غروره إياهما (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) الفاء عاطفة، ولما حينية ظرفية، أو حرف لمجرد الربط، وذاقا الشجرة فعل وفاعل ومفعول به وجملة ذاقا في محل جر بالإضافة، وجملة بدت لهما لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، ولهما جار ومجرور متعلقان ببدت، وسوءاتهما: فاعل بدت (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) الواو حرف عطف، وطفقا من أفعال الشروع، وسيأتي حكمها، والألف اسمها، وجملة يخصفان خبرها، وعليهما: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ومن ورق الجنة جار ومجرور متعلقان بيخصفان، والجنة مضاف إليه (وَناداهُما رَبُّهُما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) الواو عاطفة، وناداهما ربهما فعل ومفعول به وفاعل، وجملة ألم أنهكما مفسرة لا محل لها، والهمزة للاستفهام، وتفيد العتاب والتقريع على الخطأ، حيث لم يتحوّطا ويعتصما بالحذر مما حذرهما الله منه، وعن تلكما جار ومجرور متعلقان بأنهكما، والشجرة بدل من اسم الاشارة (وَأَقُلْ لَكُما: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ) الواو حرف عطف، وأقل فعل مضارع معطوف على الفعل المجزوم بلم، وإن واسمها، ولكما جار ومجرور متعلقان بعدو أو بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة لعدو، وتقدم عليه، ومبين صفة لعدو، وجملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول القول.
الفوائد:
أفعال المقاربة: يطلق النحاة على الأفعال التي تعمل عمل كان وأخواتها اسم أفعال المقاربة، من إطلاق الجزء على الكل، وحقيقة الأمر في ذلك أن هذه الأفعال ثلاثة أنواع:
1- ما وضع للدلالة على قرب الخبر المسمى باسمها، وهو ثلاثة أنواع: كاد وكرب وأوشك.
2- ما وضع للدلالة على رجائه، وهو ثلاثة أنواع: عسى وحرى واخلولق.
3- ما وضع للدلالة على الشروع فيه، وهو كثير، وقد أنهى أفعاله بعضهم إلى نيف وعشرين فعلا، وأشهرها: أنشأ وطفق وطبق- بكسر الباء- وجعل وعلق وهلهل وقام وابتدأ.
شرط الخبر لهذه الأفعال:
ويجب أن يكون خبر هذه الأفعال جملة، وشذّ مجيئه مفردا بعد كاد وعسى كقول تأبط شرّا:
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر وقولهم في المثل: «عسى الغوير أبؤسا» ، وقد قالته الزّبّاء، والغوير اسم موضع بعينه، وأوله بعضهم بأنه خبر «يكون» محذوفة، وقال الأصمعي: خبر «يصير» محذوفة، واختار ابن هشام أن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف، نحو: «فطفق مسحا» ، أي: يمسح مسحا. وشرط الفعل أن يكون رافعا لضمير الاسم. فأما قول أبي حية النّميريّ:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل
وقول ذي الرّمّة:
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه
ف «ثوبي» في البيت الأول، و «أحجاره» في البيت الثاني بدلان من اسمي جعل وكاد، بدل اشتمال لا فاعلان ليثقلني وتكلمني، بل فاعلهما ضمير مستتر، والتقدير: جعل ثوبي يثقلني، وكادت أحجارة تكلمني، فعاد الضمير على البدل دون المبدل منه. وأن يكون فعلا مضارعا، وأن يكون مقرونا ب «أن» إن كان دالا على الترجّي، وأن يكون مجردا منها إن كان دالا على الشروع. والغالب في خبر عسى وأوشك الاقتران بها، كقوله تعالى: «عسى ربكم أن يرحمكم» وقوله:
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل: هاتوا أن يملّوا ويمنعوا والتجرد من «أن» قليل، كقول هدبة:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
وقول أمية بن أبي الصلت:
يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها
وكاد وكرب بالعكس، فمن الغالب قوله تعالى: «وما كادوا يفعلون» ، وقول كلحبة اليربوعي:
كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة: هند غضوب
ومن القليل قوله:
كادت النفس أن تفيض عليه ... مذ غدا حشو ربطة وبرود
تنبيه:
هذه الأفعال ملازمة لصيغة الماضي إلا أربعة استعمل لها مضارع، وهو كاد، نحو: «يكاد زيتها يضيء» ، وأوشك، نحو:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غرّاته يوافقها
وطفق يطفق، وجعل. واستعمل اسم فاعل لثلاثة، وهي: كاد وعليه قول كثير بن عبد الرحمن: أموت أسى يوم الرجاء وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد
وكرب، قال عبد قيس بن خفاف بن ندبة:
أبنيّ إنّ أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
وأوشك نحو قول كثير بن عبد الرحمن:
فإنّك موشك أن لا تراها ... وتعدو دون غافره العوادي
7:23–27Page 153
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧
O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.
اللغة:
(رِيشاً) الريش: لباس الزينة، استعير من لباس الطائر لأنه لباسه وزينته. وفيه قولان:
1- أنه اسم لهذا الشيء المعروف.
2- أنه مصدر، يقال: راشه يريشه ريشا إذا جعل فيه الريش.
فينبغي أن يكون الريش مشتركا بين المصدر والعين. ومن المجاز رشت فلانا: قويت جناحه بالإحسان إليه، فارتاش وتريّش. قال:
فرشني بخير طال ما قد بريتني ... فخير الموالي من يريش ولا يبري
وقال النابغة:
كم قد أحلّ بدار الفقر بعد غنى ... قوما وقد راش قوما بعد إقتار
يريش قوما ويربي آخرين بهم ... لله من رائش عمرو ومن بار
وقال جرير:
فريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما
«ولعن الله الراشي والمرتشي والرائش» وهو المتوسط الذي يريش هذا من مال هذا، وفلان له رياش: لباس وحسن حال وشارة.
وأجاز النعمان النابغة بمائة من عصافيره بريشها: أي برجالها. وقيل:
كانت الملوك يجعلون في أسنمتها ريشا ليعلم أنها حباء ملك. ومن المجاز اللطيف قولهم: أخفّ من ريشة، يراد خفة اللحم وقلته من الهزال. فما أعجب هذه المادة! (قَبِيلُهُ) القبيل الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا، من جماعة شتى. هذا قول أبي عبيدة. والقبيل: الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة. وفي المصباح: «والقبيل:
الجماعة ثلاثة فصاعدا من قوم شتى، والجمع قبل بضمتين، والقبيلة لغة فيها، وقبائل الرأس: القطع المتصل بعضها ببعض، وبها سمّيت قبائل العرب، الواحدة قبيلة، وهم بنو أب واحد» .
الإعراب:
(قالا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) جملة القول مستأنفة، مسوقة للإخبار عن اعتراف آدم وحواء على أنفسهما بالذنب وشعورهما بالندم. وقالا فعل وفاعل، وربنا منادى محذوف منه حرف النداء، وظلمنا: فعل وفاعل، وأنفسنا مفعول به، والجملة نصب على أنها مقول للقول (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو عاطفة، وإن شرطية، ولم حرف نفي وقلب وجزم، وتغفر فعل الشرط، ولنا جار ومجرور متعلقان بتغفر، وترحمنا عطف على تغفر، ولنكونن: اللام جواب للقسم المقدر، ونكونن فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها مستتر تقديره نحن، ومن الخاسرين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، وجملة وتكونن جواب للقسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، والتقدير: ولئن لم تغفر لنا وترحمنا. ويجوز العكس، فلا داعي لتقدير القسم، وتكون اللام موطئة للقسم (قالَ: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) جملة القول مستأنفة، مسوقة للبت فيما جرى في صفحة المقدور. وجملة اهبطوا في محل نصب مقول القول، وبعضكم مبتدأ، ولبعض جار ومجرور متعلقان بعدوّ، أو حال منه لأنه كان صفة وتقدمت عليه، وعدو خبر، والجملة الاسمية حال من الواو في اهبطوا (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) الواو عاطفة، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بمستقر، ومتاع عطف على مستقر، والى حين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمتاع، أي: ممتد إلى حين (قالَ: فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ) جملة القول مستأنفة، وكرر الاستئناف للاعتناء بمضمون ما بعده من الحياة البشرية. وفيها جار ومجرور متعلقان بتحيون، وما بعده عطف عليه، والجملة كلها مقول قوله تعالى (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) جملة مستأنفة مسوقة لتذكير أبناء آدم ببعض النعم. ويا حرف نداء، وبني آدم منادى مضاف، وقد حرف تحقيق، وأنزلنا فعل وفاعل، وعليكم جار ومجرور متعلقان بأنزلنا، ولباسا مفعول به، وجملة يواري سوءاتكم صفة ل «لباسا» وريشا عطف على قوله لباسا (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) الواو استئنافية أو حالية، ولباس مبتدأ، والتقوى مضاف إليه، وذلك اسم اشارة مبتدأ ثان، وخير خبر ذلك، والرابط هو اسم الإشارة، لأن أسماء الاشارة تقرب من الضمائر، وسيأتي تفصيل الروابط في باب الفوائد، وجملة ذلك خير خبر «لباس» ، (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) الجملة مستأنفة لتأكيد ما تقدم. وذلك مبتدأ، ومن آيات الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، ولعل واسمها، وجملة يذكرون خبرها، وجملة الرجاء حالية (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ) كلام مستأنف لمخاطبة بني آدم وتحذيرهم، ولا الناهية، ويفتننكم فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا، والكاف مفعول به، والشيطان فاعل (كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) كما نعت لمصدر محذوف، أي: لا يفتننّكم فتنة مثل إخراج أبويكم من الجنة، وأبويكم مفعول، ومن الجنة جار ومجرور متعلقان بأخرج (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) الجملة حالية من الضمير في «أخرج» العائد على الشيطان، أو من الأبوين، وعنهما جار ومجرور متعلقان بينزع، ولباسهما مفعول به، وليريهما: اللام للتعليل، ويريهما فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور متعلقان بينزع، وسوءاتهما مفعول به (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) الجملة تعليلية لا محل لها مسوقة لتعليل النهي، والتحذير من فتنة الشيطان. وإن واسمها، وجملة يراكم خبرها، و «هو» تأكيد للضمير المرفوع، في «يراكم» ، وقبيله عطف على الضمير المرفوع، أو «هو» مبتدأ خبره محذوف دل عليه سياق الكلام (مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) من حيث جار ومجرور متعلقان بيراكم، وجملة لا ترونهم في محل جر بالإضافة (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) الجملة تعليل لما تقدم، وإن واسمها، وجملة جعلنا خبرها، والشياطين مفعول به أول، وأولياء مفعول به ثان، وللذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأولياء، وجملة لا يؤمنون صلة الموصول.
البلاغة:
1- الالتفات:
في قوله تعالى: «ولباس التقوى ذلك خير» ، وقد تقدم بحث.
هذا الفنّ، فإنه سبحانه لما امتنّ على البشر بما أنزل عليهم من اللباس المواري سوءاتهم بعد سياق قصة خروج أبيهم آدم من الجنة، وأراد تذكيرهم وتحريضهم على التقوى قال قبل تمام الامتنان: «ولباس التقوى ذلك خير» . وكان يمكن في هذه الآية ما أمكن في الآية التي قبلها من تأخير الجملة، بحيث يقال: قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ذلك من آيات الله، ولباس التقوى ذلك خير.
وإنما جنح إلى تأخير ما كان يجوز تقديمه ليحصل في نظم الكلام نوع من المحاسن يقال له: التعطّف، وذلك مجيء الكلام مستهلا بذكر اللباس كما استهلّه في أوله، وتفاديا من أن يفصل بين لآيات التي يلائم بعضها بعضا بألفاظ من غير جنسها ليوصف الكلام بالائتلاف، وهذا يسميه قدامة الالتفات، وغيره يرى الالتفات غير ذلك، كابن المعتز وأضرابه. وقد جرينا على رأي ابن المعتز فيما قدمناه في مكان آخر من أول الكتاب.
تعريف قدامة للالتفات:
أما تعريف قدامة للالتفات فهو كما جاء في كتابه «نقد الشعر» أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظنّ أن رادا ردّه عليه، أو سائلا سأله عنه أو عن سببه، فيلتفت قبل فراغه من التعبير عنه، فإما أن يجلّي شكه أو يؤكده ويقرره ويذكر سببه. والذي نراه أن هذا أشبه بالاعتراض، وأولى أن يندرج في سلكه.
وهناك التفات آخر في قوله «لعلهم يذكرون» فقد التفت عن الخطاب إلى الغيبة وكان مقتضى المقام: لعلكم.
2- الاستعارة:
في قوله «لباس التقوى» وقد تقدمت الإشارة إليها، ومثلها كثير الوقوع في كلام الشعراء، ومنه:
إذا المرء لم يلبس لباسا من التقى ... تقلّب عريانا وإن كان كاسيا
وقول الآخر:
تغطّ بأثواب السّخاء فإنني ... أرى كلّ عيب والسّخاء غطاؤه
والاستعارة في الريش، والريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته. أي: أنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوءاتكم ولباسا يزينكم، لأن الزينة غرض صحيح.
3- الطباق:
بين قوله «تحيون» وقوله «تموتون» .
4- التشبيه التمثيلي:
في تمثيل فتنة الشيطان لهم بقصة آدم وحواء حين أخرجهما الشيطان بأحابيله من الجنة، وجاء بالمضارع في قوله: «ينزع عنهما لباسهما» لاستحضار الصورة التي وقعت في أوغل العصور وتجسيدها أمام السامع.
الفوائد:
روابط الخبر الجملة:
يشترط في الجملة الواقعة خبرا أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، والروابط أربعة:
آ- الضمير البارز، نحو: الظلم مرتعه وخيم، أو المستتر نحو:
«الحق يعلو» .
ب- الإشارة إليه، نحو: «ولباس التقوى ذلك خير» .
ج- إعادة المبتدأ بلفظه، نحو: «الحاقّة ما الحاقّة» ، وقول كعب:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
د- العموم، نحو: زيد نعم الرجل، فزيد مبتدأ، وجملة نعم خبره، والرابط بينهما العموم. ومنه قول ابن ميّادة:
ألا ليت شعري هل إلى أمّ معمر ... سهيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا
فالصبر مبتدأ، وعنها جار ومجرور متعلقان به، ولا نافية للجنس، وصبرا اسمها مبني على الفتح، والخبر محذوف تقديره «لي» ، وجملة لا صبر لي خبر المبتدأ، والرابط بينهما العموم الذي في اسم «لا» لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.
وقد لا تحتاج الجملة إلى رابط:
هذا وقد تكون الجملة الواقعة خبرا نفس المبتدأ في المعنى.
فلا تحتاج إلى رابط، لأنها ليست أجنبية عنه، كقوله تعالى: «قل هو الله أحد» ، ف «هو» ضمير الشأن مبتدأ، والجملة الاسمية بعده هي الخبر، لا تحتاج إلى رابط لأنها عينه.
7:28–30Page 153
وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨
And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"
قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -
فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠
A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.
الإعراب:
(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا: وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا) الواو للاستئناف، ولعله أظهر، ويجوز أن تكون عاطفة على الصلة قبلها، وفيها على الحالين تأكيد على إصرارهم على الفاحشة، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، متعلق بالجواب وهو قالوا، وجملة فعلوا في محل جر بالإضافة، وفاحشة مفعول به، وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة وجدنا عليها آباءنا في محل نصب مقول القول (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) والله الواو عاطفة، والله مبتدأ، وجملة أمرنا بها خبر، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة، داخلة في حيّز القول، أي:
وقالوا: الله أمرنا بها (قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) جملة القول مستأنفة مسوقة لردّ قولهم، وإن التقليد ليس حجة، وجملة إن وما في حيزها نصب مقول القول، وإن واسمها، وجملة لا يأمر خبرها، وبالفحشاء جار ومجرور متعلقان بيأمر، والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي، وتقولون فعل مضارع مرفوع، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتقولون، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لا تعلمون صلة (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) كلام مستأنف مسوق لبيان ما أمر الله به حقيقة، وجملة أمر ربي في محل نصب مقول القول، وبالقسط جار ومجرور متعلقان بأمر، وأقيموا الواو عاطفة، وأقيموا فعل أمر معطوف على الأمر المقدر الذي ينحلّ اليه المصدر، وهو القسط، على حد قول ميسون:
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
كأنه قال: أقسطوا وأقيموا، تفاديا لعطف الإنشاء على الخبر، وهو ضعيف. ووجوهكم مفعول به لأقيموا، وعند ظرف مكان متعلق بأقيموا، وكل مسجد مضاف إليه (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) عطف على ما تقدم، وادعوه فعل أمر وفاعل ومفعول به، ومخلصين حال، وله جار ومجرور متعلقان بمخلصين، والدين مفعول لمخلصين لأنه اسم فاعل (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كما نعت لمصدر محذوف تقديره:
تعودون عودا مثلما بدأكم، وجملة بدأكم لا محل لها لوقوعها بعد موصول حرفي (فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) فريقا مفعول به مقدم لهدى، وفريقا الثاني منصوب بإضمار فعل يفسره قوله: حق عليهم الضلالة، من حيث المعنى والتقدير، وأضلّ فريقا حق عليهم، وقدره الزمخشري: وخذل فريقا، هادفا إلى تأييد مذهبه الاعتزالي.
والجملة الفعلية والجملة المعطوفة عليها في محل نصب على الحال من فاعل بدأكم، أي: بدأكم حال كونه هاديا فريقا ومضلا فريقا، أو تكون الجملتان مستأنفتين، ومن التكلف إعراب «فريقا» حالا كما ورد لبعض المعربين، وجملة حق عليهم الضلالة صفة ل «فريقا» (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة اتخذوا الشياطين خبر، والشياطين مفعول به أول لاتخذوا، وأولياء مفعوله الثاني، ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والواو عاطفة أو حالية، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يحسبون، ومهتدون خبر أنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences