Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:48–68
7:48–51Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨
And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١
Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.
الإعراب:
(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) الواو عاطفة أو استئنافية، مسوقة لبيان ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار. ونادى أصحاب الأعراف فعل وفاعل، ورجالا مفعول به، وجملة يعرفونهم صفة ل «رجالا» ، وبسيماهم جار ومجرور متعلقان بيعرفونهم، أي: ممن كانوا في الدنيا موسومين بالعظمة والخيلاء (قالُوا: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) جملة القول لا محل لها لأنها مفسرة، فسرت النداء. وما اسم استفهام للتوبيخ، أي: أيّ شيء أغنى عنكم؟ ويصح أن تكون نافية، وعلى الأول تكون مفعولا مقدما لأغنى، أي نفعكم ودفع عنكم جمعكم في الدنيا، وجمعكم فاعل، وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر معطوف على جمعكم، أي: واستكباركم، المفهوم قوله «وكنتم تستكبرون» ، وجملة تستكبرون خبر كنتم، والجملة مقول القول (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، وهؤلاء مبتدأ، والذين اسم موصول خبر، وجملة أقستم صلة الموصول، وجملة لا ينالهم الله برحمة لا محل لها لأنها جواب للقسم، ولا نافية، وينالهم الله فعل ومفعول به وفاعل، وبرحمة جار ومجرور متعلقان بينالهم (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) الجملة الأمرية مقول قول محذوف، أي: قد قيل لهم، والجملة القولية المحذوفة خبر ثان لاسم الاشارة، أو حال منه، أي مقولا لهم ذلك، ولا نافية مهملة وخوف مبتدأ، ساغ الابتداء به لدخول النفي عليه، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وجملة ولا أنتم تحزنون عطف على الجملة المتقدمة (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ) تقدم إعراب نظيرها (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أن مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وقد تقدمت لها نظائر، وأفيضوا فعل أمر والواو فاعل، وعلينا جار ومجرور متعلقان بأفيضوا، ومن الماء جار ومجرور متعلقان بأفيضوا أيضا، لأن معنى الإفاضة هنا متضمن معنى الإلقاء، وأو حرف عطف، ومما جار ومجرور متعلقان بمحذوف معطوف من الماء، ولا بد من تقدير فعل، أي: وأطعمونا، على حدّ قولهم: «علفتها تبنا وماء باردا» ، أو بتضمين أفيضوا معنى ألقوا يصح تعلق المعطوف به، وجملة رزقكم الله صلة، والأولى أن تكون «أو» بمعنى الواو ليصح، ولها نظائر في اللغة (قالُوا: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) الجملة مستأنفة لتقرير جوابهم، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب مقول قولهم، وجملة حرمهما خبر إن، وعلى الكافرين جار ومجرور متعلقان بحرمهما، والمراد بالتحريم لازمه وهو المنع (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً) اسم موصول في محل جر صفة للكافرين، وجملة اتخذوا صلة، ودينهم مفعول اتخذوا الأول، ولهوا مفعوله الثاني، ولعبا عطف على «لهوا» (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) الواو عاطفة، وغرتهم الحياة فعل ومفعول به وفاعل، والدنيا صفة للحياة، أي: استهوتهم بزخارفها وشغلتهم بالأطماع (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) الفاء هي الفصيحة، واليوم ظرف زمان متعلق بننساهم، والكاف حرف جر، وما مصدرية، أي: كنسيانهم، والجار والمجرور في محل نصب صفة لمفعول مطلق محذوف، ولقاء مفعول به لنسوا، ويومهم مضاف إليه، وهذا نعت ليومهم أو بدل منه (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) الواو حرف عطف، وما مصدرية، والمصدر المنسبك معطوف على المصدر الأول وكان واسمها، وجملة يجحدون خبرها، والجار والمجرور متعلقان بيجحدون.
7:52–53Page 157
وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣
Do they await except its result?1 The Day its result comes, those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than what we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
الإعراب:
(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما ورد في الكتاب من تفصيل ما فعلوه. واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجئناهم فعل وفاعل ومفعول به، والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم، وبكتاب جار ومجرور متعلقان بجئناهم، وجملة فصلناه نعت للكتاب، وعلى علم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال إما من الفاعل في «فصلناه» ، أي: فصلناه عالمين بتفصيله، وإما من المفعول، أي: فصلناه مشتملا على علم (هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هدى ورحمة حال من مفعول فصلناه، أي:
هاديا وراحما. ويجوز أن يعربا مفعولا من أجله، أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة، ولقوم جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وجملة يؤمنون نعت لقوم (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) كلام مستأنف لبيان موقفهم من الكتاب الذي يجحدون، وفي نفس الوقت ينتظرون ما يؤول إليه وعاقبة أمره. وهل حرف استفهام بمعنى النفي والإنكار، أي: ما ينتظرون ويتوقعون غير ذلك، وإلا أداة حصر، نزلهم منزلة المتوقع المنتظر، وهم ليسوا كذلك لجحودهم له، وتأويله مفعول به (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما يقولونه في ذلك اليوم. والظرف متعلق بيقول، وجملة يأتي تأويله في محل جر بالإضافة، وتأويله فاعل يأتي، ويقول الذين فعل وفاعل، وجملة نسوه صلة الموصول، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بنسوة، أي: من قبل إتيان تأويله (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) الجملة في محل نصب مقول قولهم، وجاءت رسل ربنا فعل وفاعل:
وبالحق جار ومجرور متعلقان بجاءت (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) الفاء عاطفة، وهل حرف استفهام، ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وشفعاء مجرور بمن لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر، والفاء فاء السببية لوقوعها في جواب الاستفهام، ويشفعوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، ولنا جار ومجرور متعلقان بيشفعوا (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) أو حرف عطف ونرد فعل مضارع مبني للمجهول، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد؟ ورفع نرد لوقوعه موقع الاسم، فيكون من باب عطف الاسم المؤول على الاسم الصريح، أي: فهل لنا شفعاء فشفاعة منهم لنا؟ والفاء للسببية أيضا، ونعمل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب الاستفهام الثاني، وغير مفعول نعمل، والذي مضاف إليه، وجملة كنا نعمل صلة، وكان واسمها، وجملة نعمل خبر كان (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير الإجابة عن الاستفهامين السابقين، وقد حرف تحقيق، وخسروا فعل وفاعل، وأنفسهم مفعول به، وضل عنهم عطف على خسروا، وعنهم جار ومجرور متعلقان بضل، وما اسم موصول فاعل، وجملة كانوا يفترون صلة الموصول، وجملة يفترون خبر كانوا.
7:54–55Page 157
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.
ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥
Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1
اللغة:
(يُغْشِي) : يغطّي، وانجلت عنه غشية الحمّى أي: لمّتها، ونزلت به غشية الموت، وغشي عليه، وأصابه غشي، قال ذو الرّمة: وردت وأغباش السّواد كأنها ... سمادير غشي في العيون النواظر
وعلى قلبه غشاوة فما يقبل الحق، واستغش ثوبك كي لا تسمع ولا ترى، وكثرت غاشية فلان. وللغين مع الشين فاء وعينا للفعل معنى يكاد يكون متشابها، وهو التغطية والستر، وغشّ معروف كأنه أخفى كيده، وغشم الوالي الرعية وهو غشوم إذا خبطهم بعسفه، وغشمر السيل: أقبل، والرجل: ركب رأسه في الحق والباطل فلا يبالي بما صنع، وهذا من دقيق اللغة فتدبره.
الإعراب:
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير خلق السموات والأرض. وإن واسمها، والله خبرها، والذي اسم موصول في محل رفع نعت الله، وجملة خلق السموات والأرض صلة، وفي ستة أيام جار ومجرور متعلقان بخلق (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، واستوى فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره هو، أي: تمكن واستقرّ استقرارا مجردا عن الكيفية، وعلى العرش جار ومجرور متعلقان باستوى (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) الجملة حال، والليل مفعول به أول ليغشي، والنهار مفعول به ثان، أو بالعكس، أي: يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) الجملة حال من الليل، لأنه هو المحدّث عنه، أي: يغشي النهار طالبا له، ويجوز أن تكون حالا من النهار، أي: مطلوبا، ويطلبه فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وحثيثا حال من فاعل يطلبه.
أو من مفعوله، أي: حاثا أو محثوثا، ويجوز أن يعرب نعتا لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق، أي طلبا حثيثا، والشمس والقمر والنجوم والألفاظ الثلاثة منصوبة عطفا على السموات والأرض، ومسخرات حال منها، أي: مذللات لما يراد منها من طلوع وأفول، وبأمره جار ومجرور متعلقان بمسخرات أو بمحذوف حال، وتكون الباء للمصاحبة، أي: مصاحبة لأمره غير خارجة عنه في تسخيره (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) كلام مستأنف مسوق للتنويه بالرد على القائلين بأن لهذه الأمور تأثيرات في هذا العالم العجيب. وألا أداة استفتاح وتنبيه، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والخلق مبتدأ مؤخر، والأمر عطف عليه (تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) استئناف آخر مسوق للتنويه بكثرة خيره تعالى وتبارك وتقديسه وتنزيهه. وتبارك فعل ماض، أي: تقدس وتنزه، وهو فعل جامد لا يتصرف، أي لا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، والله فاعل، ورب العالمين صفة أو بدل من الله (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) كلام مستأنف مسوق للتنويه بأن الدعاء يجب أن يكون مصروفا إليه تعالى وحده.
وادعوا فعل أمر، والواو فاعل، وربكم مفعول به، وتضرعا نصب على الحال، أي: ذوي تضرع، وخفية، عطف عليه، ويجوز أن يعرب صفة لمصدر محذوف، أي ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية، وأيهما أفضل؟
هناك خلاف يرجع إليه في المطولات. ويجوز أن يعربا مفعولا لأجله، وجملة إنه لا يحب المعتدين تعليلية داخلة في حكم الاستئنافية، لا محل لها، ومعنى الاعتداء هنا تجاوز الحدّ، وجملة لا يحب المعتدين خبر «إن» .
7:56–58Page 157
وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦
And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨
And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.
اللغة:
(بُشْراً) بضمّ الباء وسكون الشين جمع بشير، أي مبشرات.
وفيه أربع قراءات سبعية، والثانية بشرا بضمتين، والثالثة فشرا بالنون وبضمتين، والرابعة نشرا بفتح النون وسكون الشين، ومعنى نشرا متفرقة.
(أَقَلَّتْ) : حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلا.
(نَكِداً) النكد: بكسر الكاف الذي لا خير فيه، أو الذي اشتدّ وعسر، وقوم أنكاد ومناكيد، قال أبو الطيب: لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إنّ العبيد لأنجاس مناكيد
الإعراب:
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) كلام مستأنف مسوق لتحذير البشر من الفساد في الأرض. ولا ناهية، وتفسدوا فعل مضارع مجزوم بلا، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتفسدوا، وبعد ظرف متعلق بتفسدوا أيضا، وإصلاحها مضاف إليه (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) عطف على ما تقدم، وخوفا وطمعا منصوبان على الحال، أي: خائفين وطامعين، أو على أنهما صفة لمصدر محذوف، أو على أنهما مفعولان لأجلهما (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الجملة تعليل لما ذكر، وإن واسمها، وقريب خبرها، ومن المحسنين جار ومجرور متعلقان بقريب (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الواو عاطفة، والكلام معطوف على ما قبله، وهو: إن ربكم إلخ، وهو مبتدأ، والذي اسم موصول في محل رفع خبر، وجملة يرسل الرياح صلة لا محل لها، وبشرا حال، أي: مبشرات بالخصب والنماء، فهو من المفعول به، وبين ظرف مكان متعلق بيرسل، وإضافته إلى يدي مجاز مرسل، (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) حتى حرف غاية وجر، والغاية للإرسال، وإذا ظرف زمان مستقبل، وجملة أقلت في محل جر بالإضافة، والظرف متعلق بسقناه الذي هو جواب الشرط، وسحابا مفعول به، وثقالا صفة، وجملة سقناه لا محل لها، ولبلد جار ومجرور متعلقان بسقناه، وميت صفة لبلد (فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) الفاء عاطفة، وأنزلنا فعل وفاعل، وبه جار ومجرور متعلقان بأنزلنا، والباء للسببية، والضمير يعود على البلد الميت، أو السحاب، فعلى الأول تكون الباء للظرفية بمعنى أنزلنا في ذلك البلد الميت الماء، وعلى الثاني تكون الماء للسببية، أي فأنزلنا الماء بسبب السحاب، والماء مفعول به، والفاء عاطفة، وأخرجنا عطف على أنزلنا، والضمير في «به» يعود على الماء أو البلد أو السحاب أيضا كما تقدم، ومن كل الثمرات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة للمفعول به المحذوف، أي: رزقا أو نباتا (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) كلام مستأنف مسوق بأسلوب بلاغي على طريق التشبيه بمعنى أن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس قادر على إحياء الموتى. وكذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق مقدم، ونخرج الموتى فعل وفاعل مستتر ومفعول به، وجملة الرجاء حالية، وجملة تذكرون خبر لعل (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق لتتميم التشبيه. والبلد مبتدأ، والطيب صفة، وجملة يخرج نباته خبر، وبإذن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، كأنه قيل: يخرج نباته حسنا وافيا، لأنه في مقابلة قوله: «نكدا» فيما بعد، ففي الكلام حذف لفهم المعنى، ولدلالة البلد الطيب، ولمقابلتها بقوله: نكدا (وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) الواو عاطفة، والذي مبتدأ، وهو وصف لمحذوف، أي البلد الذي خبث، وجملة خبث صلة، وجملة لا يخرج خبر، وإلا أداة حصر لتقدّم النفي، ونكدا حال، أي: عسرا مبطئا، ويجوز أن ينتصب على المصدرية، أي أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إلا خروجا نكدا (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) كذلك نعت لمصدر محذوف، وقد تقدم إعراب نظائر له، والآيات مفعول نصرف، ولقوم جار ومجرور متعلقان بنصرف، وجملة يشكرون نعت لقوم.
البلاغة:
1- المجاز المرسل في قوله: «بين يدي رحمته» التي هي الغيث، والعلاقة هي السببية، لأن اليد سبب الإنعام، والإنعام الرحمة.
2- التشبيه المرسل في قوله: «كذلك نخرج الموتى» . وقد تقدمت الإشارة إليه في الإعراب.
الفوائد:
قال الزمخشري: «وإنما ذكّر «قريب» على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي: شيء قريب، على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي» وقال أبو عبيدة: تذكير «قريب» على تذكير المكان، أي: مكان قريب. ورد عليه الأخفش فقال: هذا خطأ، ولو كان كما قال لكان «قريب» منصوب، كما تقول إن زيدا قريبا منك. وقال الفراء: إن القريب إذا كان بمعنى المسافة يذكر ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم، فيقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب، قال تعالى: «لعل الساعة تكون قريبا» .
ومنه قول امرئ القيس:
لك الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
7:59–64Page 158
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩
We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠
Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١
[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢
I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤
But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1
اللغة:
(الْمَلَأُ) : الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم نساء.
وفي المصباح: «الملأ مهموز: أشراف القوم، سموا بذلك لملاءتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أبهة والصدور هيبة، والجمع أملاء، مثل سبب وأسباب» . وفي الأساس: وقام به الملأ والأملاء: الأشراف الذين يتمالئون في النوائب.
قال:
وقال لها الأملاء من كل معشر ... وخير أقاويل الرجال سديدها وما كان هذا الأمر عن ملأ منّا: أي ممالأة ومشاورة. ومنه هو مليء بكذا: مضطلع به. وعليها ملاءة الحسن. قال ابن ميّادة:
بذّتهم ميالة تميد ... ملاءة الحسن لها جديد
وجمّش فتى من العرب حضرية فتشاحّت عليه، فقال لها: والله مالك ملاءة الحسن ولا عموده ولا برنسه، فما هذا الامتناع؟
الإعراب:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق لذكر قصص عن الأنبياء السابقين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وليتأسّى بمن قبله، فلا يتحيّفه يأس، ولا يخالجه فتور أو وهن في أداء رسالته.
واللام جواب للقسم المحذوف، ولا يكاد العرب ينطقون بهذه اللام إلا مع قد، وأرسلنا نوحا فعل وفاعل ومفعول به، وإلى قومه جار ومجرور متعلقان بأرسلنا (فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) الفاء عاطفة، ويا أداة نداء، وقوم منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة بدليل الكسرة، واعبدوا فعل أمر، والواو فاعله، والله مفعوله، وما نافية، ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ومن حرف جر زائد، وإله مبتدأ مؤخر محلا، وغيره صفة ل «إله» على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره، وجملة اعبدوا الله في محل نصب مقول القول، وجملة مالكم من إله غيره استئنافية (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الجملة تعليل للأمر بالعبادة لا محل لها، وإن واسمها، وجملة أخاف خبرها، وعليكم جار ومجرور متعلقان بأخاف، وعذاب مفعول به، ويوم مضاف إليه، وعظيم صفة (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)
كلام مستأنف مسوق لبيان جواب قومه. وقال الملأ فعل وفاعل، ومن قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وجملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول القول، وإن واسمها، واللام المزحلقة، ونراك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة خبر «إن» ، وفي ضلال جار ومجرور متعلقان بنراك على أنه مفعول به ثان للرؤية، والرؤية هنا قلبية، ومبين صفة (قالَ: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان ردّ نوح عليهم، وهو من أحسن الكلام وأبلغه. ليس فعل ماض ناقص، وبي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدّم، وضلالة اسمها المؤخر. (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو عاطفة، ولكن واسمها، وقد جاءت في أحسن موقع لأنها بين نقيضين، ورسول خبر لكن، ومن رب العالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسول (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل أحكامها ومهمتها. ويجوز أن تكون الجملة صفة ثانية لرسول، ولكنه راعى الضمير السابق الذي للمتكلم، فقال: أبلغكم، ولو راعى الاسم الظاهر بعده لقال: يبلغكم، والكاف مفعول أبلغكم الأول، ورسالات ربي مفعوله الثاني، وأنصح لكم عطف على أبلغكم، ومعلوم أن «نصح» يتعدى بنفسه وباللام، يقال نصحه ونصح له (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) عطف على أبلغكم، ومن الله جار ومجرور متعلقان بأعلم، ولا بد من تقدير محذوف، أي: جهته، وما اسم موصول في محل نصب مفعول به، وجملة لا تعلمون صلة الموصول لا محل لها (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) عطف على ما تقدم مسوق في أسلوب الاستفهام الإنكاري في الهمزة، والواو عاطفة، وعجبتم معطوف على محذوف لا بد من تقديره، أي: أكذبتم وعجبتم، وأن حرف مصدري ونصب، وهي مع مدخولها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: من أن جاءكم، وذكر فاعل، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لذكر أو بجاءكم، وعلى رجل صفة لذكر، ولا بد من تقدير محذوف، أي: على لسان رجل، ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرجل، أي من جملتكم ومن جنسكم، لأنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر، ويقولون: «لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» (لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) اللام علة للمجيء، وينذركم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، ولتتقوا عطف على لينذركم، وجملة الرجاء حالية، وجملة ترحمون خبر لعل. جعل العلل لمجيء الذكر على لسان رجل منهم ثلاثا:
أولاها لينذركم، وثانيتها لتتقوا، وثالثتها لعلكم ترحمون. وهو ترتيب حسن بالغ موقعه من الإجادة والحسن (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) الفاء الفصيحة لأنها وقعت جواب شرط محذوف، أي:
إذا أردت أن تعلم مغبة أمرهم فقد كذبوه. وكذبوه فعل وفاعل ومفعول به، وفأنجيناه عطف على فكذبوه، والواو للمعية، والذين اسم موصول في محل نصب مفعول معه، ولك أن تعطفه على الهاء، ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أي: استقروا معه في الفلك، وفي الفلك جار ومجرور متعلقان بما في الملك من الاستقرار، أي بمتعلق الظرف أو بأنجيناه (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) عطف على ما تقدم، وأغرقنا الذين فعل وفاعل ومفعول به، وجملة كذبوا صلة، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) الجملة تعليل لما سبق من هلاكهم، أي: هلكوا لعمى في بصيرتهم.
وإن واسمها، وجملة كانوا خبرها، وقوما خبر كانوا، وعمين صفة ل «قوما» .
البلاغة:
1- المجاز المرسل:
في قوله تعالى: «إنا لنراك في ضلال مبين» وقوله: «ليس بي ضلالة» فقد جعل الضلال ظرفا والضلال ليس ظرفا يحل فيه الإنسان.
لأنه معنى من المعاني، وإنما يحل في مكانه فاستعمال الضلال في مكانه مجاز مرسل أطلق فيه الحال وأريد المحل، فعلاقته الحاليّة، وفائدته المبالغة في وصفه بالضلال وإيغاله فيه، حتى كأنه مستقر في ظلماته لا يتزحزح عنها. وزادوا في المبالغة بأن أكدوا ذلك بأن صدّروا الجملة بأن وزادوا اللام في خبرها.
2- نفي الأخصّ والأعمّ:
وأردف ذلك بقوله: «ليس بي ضلالة» للإطاحة بما زعموه، وتفنيد ما توهموه، وهو من أحسن الرد وأبلغه وأفلجه للخصم، لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة، فضلا عن أن يحيط به الضلال، فلم يقل: ضلال، كما قالوا، كما يقتضيه السياق. وقد توثّب خيال الزمخشري فقرر أن الضلالة أخص من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل لك: ألك تمر؟ فقلت: مالي ثمرة. ولكن الزمخشري غفل عن نقطة هامة جدا في هذا البحث العظيم، لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، فلا يستلزمه ضرورة أن الأعم لا يستلزم الأخص، بخلاف العكس، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا ليس بإنسان، لم يستلزم ذلك أن لا يكون حيوانا، ولو قلت: هذا ليس بحيوان، لاستلزم أن لا يكون إنسانا.
فنفي الأعم كما ترى أبلغ من نفي الأخص، إذا تقرر هذا فالتحقيق في الجواب أن يقال: الضلالة أدنى من الضلال وأقل، لأنها لا تطلق إلا على الفعلة الواحدة منه، وأما الضلال فينطلق على القليل والكثير من جنسه، ونفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، لا من حيث كونه أخص بل من حيث التنبيه بالأدنى على الأعلى، كما قررنا في مستهل هذا البحث.
الفوائد:
1- الاسم إذا كان سبقه الضمير:
كل اسم سبقه ضمير حاضر من متكلم أو مخاطب يجوز فيه وجهان، أولهما: مراعاة الضمير السابق، وثانيهما مراعاة الاسم الظاهر، تقول: أنا رجل أفعل كذا، مراعاة للضمير «أنا» ، وان شئت قلت: يفعل كذا، مراعاة لرجل. ومثله: أنت رجل تفعل العجائب، ويفعل العجائب، بالخطاب والغيبة. قال الإمام علي بن أبي طالب:
أنا الذي سمّتن أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظرة
قاله حين بارز اليهودي «مرحبا» يوم خيبر فقال اليهودي:
قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
فأجابه علي بذلك. وكانت أمه فاطمة بنت أسد سمته كاسم أبيها، لأن حيدرة من أسماء الأسد. فلما حضر أبو طالب سماه عليا.
وسمّي الأسد حيدرة لشدة انحداره على من يصول عليه، والليث اسم جامد للأسد، واشتقوا منه: لايثه أي: عامله معاملة الليث.
والغاب بيته الذي يغيب فيه. وكان الظاهر أن يقول: إن الذي سمته أمه، ليطابق الضمير مرجعه، وهو الموصول في الغيبة، ولكنه أتى بضمير المتكلم ذهابا إلى المعنى، وحسنه تقدم ضمير المتكلم، أي:
أنا الشجاع الذي ظهرت عليّ أمارات الشجاعة من صغري فسمتني أمي باسم الأسد. ولا أكذبها ظنا.
وقد استدرك ابن جني على أبي الطيب المتنبي قوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
عدولا عن لفظ الغيبة، ولكن الآية الكريمة كفيلة بتسويغ ما استعمله أبو الطيب.
2- اللام الداخلة على قد:
لا يكاد العرب ينطقون بهذه اللام إلا مع «قد» ، وقل عنهم نحو قول امرئ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
وذلك لأنه لما كانت الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها كانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم، وقد جرى ابن الرومي الشاعر العباسي على غرار امرئ القيس بقوله:
لرأينا مستيقظين أمورا ... حسبنا أن تكون رؤيا منام
وقيل: إذا أجيب القسم بماض متصرف مثبت فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد جميعا، نحو: «تالله لقد آثرك الله علينا» ، وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها، كقول امرئ القيس الآنف الذكر وقول ابن الرومي.
7:65–68Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
اللغة:
(سَفاهَةٍ) : جهالة وخفة حلم وسخافة عقل.
الإعراب:
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) الواو حرف عطف، والى عاد جار ومجرور متعلقان بالفعل المعطوف على أرسلنا، وأخاهم مفعول به لأرسلنا، وهودا بدل مطابق من «أخاهم» (قالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) حذف العاطف من «قال» خلافا للآية الأولى في قصة نوح، والسر في ذلك أن العاطف ينتظم الجمل حتى يصيرها كالجملة الواحدة، فاجتنب لإرادة استقلال كل واحدة منها في معناها. وجملة النداء والأمر مقول القول (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) الجملة مستأنفة، وقد تقدم إعراب نظيرها بحروفه (أَفَلا تَتَّقُونَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، والاستعباد لعدم اتقائهم العذاب بعد ما علموا ما حل بقوم نوح. والفاء للعطف على مقدر، أي: ألا تتفكرون؟ أو أتغفلون فلا تتقون؟ ولا نافية، وتتقون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعل (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان ماذا أجابه قومه على دعوته. وقال الملأ فعل وفاعل، والذين نعت، وجملة كفروا صلة، ومن قومه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، ووصف الملأ هنا ولم يصف الملأ في قصة نوح، لأنه كان في أشراف هود من آمن به، منهم فيما يروى مرثد بن سعد الذي أسلم، وكان يكتم إسلامه، فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. ويجوز أن يكون إيراد الوصف تسجيلا للذمّ، ونعتهم بالكفران المجرد والإنحاء عليهم بما يتبرأ منه العقلاء (إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) جملة إن وما في حيزها في محل نصب مقول قول الملأ، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وجملة نراك خبر إن، وفي سفاهة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو مفعول به ثان إن كانت الرؤية قلبية، ولعلها الأولى (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) عطف على ما تقدم، وقد سبق إعراب مثيله (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ) كلام مستأنف مساق لبيان جواب هود، وما بعده مقول لقوله، وليس فعل ماض ناقص، وبي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها المقدم وسفاهة اسمها المؤخر (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو حالية، ولكن واسمها، ورسول خبرها، وهو استدراك على ما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد، ومن رب العالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لرسول (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) سبق إعرابها قريبا (وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) الواو عاطفة، وأنا مبتدأ، ولكم جار ومجرور متعلقان بناصح، وناصح خبر أنا الأول. وأمين خبر أنا الثاني، ويجوز إعرابه صفة لناصح.
البلاغة:
1- المجاز المرسل:
في جعل السفاهة ظرفا على طريق المجاز المرسل، وعلاقته الحاليّة كما تقدم في آية نوح، وهي «إنا لنراك في ضلال مبين» . ويقال في تصدير الجملة بإن وزيادة اللام المزحلقة في خبرها ما قيل هناك، فجدّد به عهدا.
2- العدول إلى الاسمية:
أتى في قصة هود بالجملة الاسمية، فقال: «وأنا لكم ناصح أمين» ، وأتى في قصة نوح بالجملة الفعلية، حيث قال: «وأنصح لكم» ، وذلك لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح يكرر دعاءه ليلا ونهارا من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعلية، وأما هود فلم يكن كذلك وقتا بعد وقت وقت، فلهذا عبر عنه بالاسمية.
3- الكناية:
وذلك في قوله: «قال: يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين» ، فقد كنى عن تكذيبهم بقوله لهود عليه السلام:
إنا لنراك في سفاهة وقد تقدم البحث عنها كثيرا فجدد به عهدا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences