DarwishAl‑A'raf · 7:88–112

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:88–112

7:88–89Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

اللغة:

(لَتَعُودُنَّ) : لفعل «عاد» في لغة العرب استعمالان: أحدهما وهو الأصل: الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول، وثانيهما:

استعمالها بمعنى صار، وحينئذ ترفع الاسم وتنصب الخبر. وقد جرينا على الإعرابين.

الإعراب:

(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) تقدم هذا الإعراب بنصه، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما قالوه بعد ما سمعوا من المواعظ (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا) اللام موطئة للقسم، ونخرجنك فعل مضارع مبني على الفتح، والكاف مفعول به، والذين عطف على الكاف أو مفعول معه، وجملة آمنوا صلة، ومعك ظرف مكان متعلق بالإخراج لا بالإيمان، وتوسيط النداء باسم شعيب زيادة بيان إغراقهم في الوقاحة والطغيان، ومن قريتنا جار ومجرور متعلقان بنخرجنك (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أو عاطفة، ولتعودن عطف على جواب القسم الأول، أي: والله لنخرجنك والمؤمنين أو لتعودن، وتعودن هنا معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة، وأصله تعودونن، فحذفت النون لتوالي الأمثال، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، والواو إما فاعل وإما اسم تعود على الاستعمالين، وفي ملتنا جار ومجرور متعلقان بتعودن أو بمحذوف خبر تعودن (قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) جملة القول مستأنفة مسوقة لبيان ردّ شعيب عليه السلام، والهمزة للاستفهام الإنكاري، أي إنكار، ولو شرطية لمجرد الربط لا لانتفاء الشيء في الزمن الماضي لانتفاء غيره فيه، وكان واسمها وخبرها، وجملة لو كنا كارهين في محل نصب حال من ضمير الفعل المقدر، أي: أنعود ولو كنا كارهين (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة للتعجب من إصرارهم على موقفهم، وقد حرف تحقيق، وافترينا فعل وفاعل، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بافترينا، وكذبا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، وإن شرطية، وعدنا في ملتكم في محل جزم فعل الشرط، وتقدم إعراب الباقي على الاستعمالين، وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله، أي: فقد افترينا الكذب (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) بعد ظرف زمان متعلق بمحذوف حال، والظرف مضاف إلى ظرف آخر، وجملة نجانا في محل جر بالإضافة والله فاعل، ومنها جار ومجرور متعلقان بنجانا (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها) الواو استئنافية مسوقة لاستبعاد العود، وما نافية، ويكون فعل مضارع، ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، وأن وما في حيزها هو اسم يكون، وفيها جار ومجرور متعلقان بنعود أو بمحذوف خبرها، على الاستعمالين (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) في هذا الاستثناء وجهان: أحدهما أنه متصل، فعلى هذا يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو الأحوال، وثانيهما أنه منقطع، فيكون التقدير: لكن إذا شاء الله العود، والله فاعل يشاء، وربنا بدل من الله (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان سعة علم ربنا، ووسع فعل ماض، وربنا فاعل، وكل شيء مفعول به، وعلما تمييز محوّل عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) الجملة في موضع نصب على الحال، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلنا، وتوكلنا فعل وفاعل (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) الجملة مستأنفة، وربنا منادى مضاف، وافتح فعل أمر، وبيننا ظرف مكان متعلق بافتح، أي: احكم بيننا وبين قومنا، والواو للحال أو للاستئناف أيضا، وأنت مبتدأ، وخير الفاتحين خبر.

الفوائد:

اشتملت هاتان الآيتان على: كثير من الفوائد نلخصها فيما يلي: 1- الشبهة في العود:

إذا كانت «عاد» على معناها الأصلي فكيف يحسن أن يقال:

«أو لتعودنّ» أي: ترجعنّ إلى حالتكم الأولى، مع أن شعيبا عليه السلام لم يكن قط على دينهم ولا في ملتهم؟ وقد أجيب عن هذه الشبهة بأمور:

1- إن هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس والإيهام على العوام بأنه كان على دينهم وفي ملتهم.

2- أن يراد بعوده رجوعه إلى حاله قبل بعثته، وهي السكوت لأنه قبل أن يبعث يخفي إيمانه وهو ساكت.

3- تغليب الجماعة على الواحد، لأنهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج أجروا عليهم حكم العود إلى الملة تغليبا لهم عليه.

على أن استعمال عاد بمعنى صار لا يستدعي العود إلى حالة سابقة بل العكس من ذلك، وهو الانتقال من حالة سابقة إلى حال مؤتنفة، وحينئذ تندفع الشبهة تماما.

وثمة وجه لطيف فني لردّ الشبهة ليس بعيدا وهو أن تبقى عاد على معناها الأصلي، وهو أن يكون الكلام من وادي قوله تعالى:

«الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات» والإخراج يستدعي دخولا سابقا فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان المترعرع على ذراه لم يدخل قط في ظلمة الكفر ولا كان فيها، وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور الايمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الايمان والكفر من الأفعال الاختيارية كان تعبيرا عن السبب بالمسبب لإقامة حجة الله على عباده.

2- لزوم ما لا يلزم:

وفي الآية الأولى لزوم ما لا يلزم وهي قوله تعالى: «لنخرجنك يا شعيب والذين معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا» فقد لزمت التاء قبل النون، وهذا ما يسمى «لزوم ما لا يلزم» ، وهو أن يلتزم الشاعر في شعره والناثر في نثره حرفا أو حرفين فصاعدا قبل حرف الرّويّ على قدر طاقته، ومقدار قوة عارضته، مشروطا بعدم الكلفة. وسيرد في القرآن الكثير منه.

أبو العلاء المعرّي واللّزوم:

وقد قال أبو العلاء:

كثيّر أنا في حرفي أهبت له ... في التاء يلزم حرفا غير يلتزم

فقد أرخ شاعرنا الفيلسوف في بيته الفنّ الذي أحبه ونذر له نفسه أولا وهو «لزوم ما لا يلزم» . ومعنى البيت أنه حذا حذو كثيّر عزة الذي التزم اللام في تائيته التي يقول في مستهلها:

خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلّت وهذه القصيدة المستجادة تعدّ حسب رواية القالي خمسة وثلاثين بيتا، بناها من أولها إلى آخرها على التزام حرف معين قبل الرّويّ، وهو أمر لم يسبق إليه شاعر من شعراء العرب في استخدام هذا النوع، فقلّده الشعراء، وهل أراد المعري ذلك؟ الجواب: لا، ومن رأينا أن المعري في اقتدائه بكثير عزّة لم يفعل ذلك، لأن كثيّرا أول من استخدم هذا الفن- كما توهم فريق من علماء البيان- بل لأن لزوم ما لا يلزم لم يرد إلا نادرا في شعر العرب قبل عصر كثير، كما أنه ورد في نبذ ومقطوعات قصيرة، أما كثير فقد نظم أشهر وأطول قصيدة لزومية تناقلتها الرواة. وقد أكثر شعراء العرب قبل كثير وبعده من التزام ما لا يلزم قبل تاء التأنيث هذه.

هذا وقد بلغ أبو العلاء الغاية في لزومياته، فقد بنى قافية على دارهم، صدارهم، ملتزما فيها أربعة أحرف، وبنى أخرى على ضرائرهم، صرائرهم، سرائرهم، ملتزما فيها خمسة أحرف.

ويطول بنا الحديث إن أردنا الاستشهاد فحسبنا ما تقدم.

7:90–93Page 162

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢

Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣

And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

اللغة:

(يَغْنَوْا) مضارع غني بالمكان أقام به فهو غان. والمغني المنزل، والجمع المغاني، قال الطائي:

غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكاسيهما الدهر

فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

(آسى) : أصله أأسى بهمزتين، قلبت الثانية ألفا. وفي المصباح:

أسي أسى من باب تعب: حزن.

الإعراب:

(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) تقدم إعرابها (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) الجملة القسمية في محل نصب مقول قولهم، واللام موطئة للقسم، وإن شرطية، واتبعتم شعيبا فعل وفاعل ومفعول به، وإن واسمها، وإذن حرف جواب وجزاء مهمل، واللام المزحلقة، وخاسرون خبر إن، وجملة إنكم جواب القسم لا محل لها، وهي سادة مسد جواب الشرط كما هي القاعدة في اجتماع شرط وقسم (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة، وأخذتهم الرجفة فعل ومفعول به وفاعل، فأصبحوا عطف على فأخذتهم، والواو اسم أصبحوا وجاثمين خبرها، وفي دارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) جملة مستأنفة لبيان حقيقة هؤلاء المكذبين. والذين مبتدأ، وجملة كذبوا شعيبا صلة، وكأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة لم يغنوا فيها خبرها (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) الذين مبتدأ، وجملة كذبوا شعيبا صلة، وجملة كانوا خبر الذين، وهذا التكرير في المبتدأ والخبر مبالغة في الردّ على أشياعهم وتسفيه آرائهم، والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين، وأسند إلى الموصول تعظيما لغير السامعين، فإن خسران مكذبيه يدل على سعادة مصدقه، ويلزمه تعظيم شعيب عليه السلام الذي هو غير المتكلم والمخاطب في هذا المقام (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي) الفاء عاطفة، وتولى فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، وعنهم جار ومجرور متعلقان بتولي، وقال عطف على تولى، وجملة لقد أبلغتكم رسالات ربي مقول القول، ورسالات مفعول به ثان لأبلغتكم (وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) عطف على ما سبق، والفاء استئنافية، وكيف اسم استفهام معناه النفي في محل نصب حال، وآسى فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره أنا، وعلى قوم جار ومجرور متعلقان بآسى، وكافرين صفة لقوم.

البلاغة:

في الآية وصف لحال النفس في ترددها فقد اشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال: كيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم وتماديهم في الطغيان، واستحقاقهم لما نزل بهم؟ ثم يتخلل ذلك العودة عليهم بالملامة، يريد لقد أعذر من أنذر، وبلغت أقصى ما يستطيعه الغيور على قومه من الارتطام في بوادي الجهل المتشعبة، ومهالكه الموبقة.

7:94–96Page 162

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤

And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allāh].

ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥

Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease."1 So We seized them suddenly while they did not perceive.2

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦

And if only the people of the cities had believed and feared Allāh, We would have opened [i.e., bestowed] upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning.1

اللغة:

(عَفَوْا) : كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت. ويقال: عفا: كثر، وعفا:

درس، فهو من أسماء الأضداء. وفي المصباح أنه يتعدى ولا يتعدى، ويتعدى أيضا بالهمزة، فيقال: أعفيته.

الإعراب:

(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) الواو استئنافية، والكلام مستأنف مسوق لبيان أحوال الأمم بصورة مجملة لتكون مع القصة نذيرا للمنذرين. وما نافية، وأرسلنا فعل وفاعل، ومن حرف جر زائد، ونبيّ مجرور لفظا منصوب محلّا على أنه مفعول به (إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) إلا أداة حصر، فالاستثناء مفرّغ من أعم الأحوال، فجملة أخذنا في محل نصب على الحال بتقدير «قد» كما هو الشرط في وقوع الماضي حالا، وقد تقدّم بحثه.

والتقدير: وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا قد أخذنا. وأهلها مفعول به، وبالبأساء جار ومجرور متعلقان بأخذنا، والضراء عطف على البأساء، ولعلهم لعل واسمها، وجملة يضّرّعون خبرها، وجملة لعلهم يضرعون حالية.

(ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) ثم حرف عطف وتراخ، وبدلنا عطف على أخذنا منتظم في حكمه. ومكان مفعول به لبدلنا، والسيئة مضاف إليه، والحسنة مفعول به ثان، وهذا ما منع من نصبه على الظرفية، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة، ومكان السيئة هو المتروك الذاهب، وهو الذي تصحبه الباء في مثل هذا التركيب، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة (حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا: قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) حتى حرف غاية وجر، وعفوا فعل ماض وفاعله، والمصدر المؤول المجرور بأن متعلقان ببدلنا، وقالوا عطف على عفوا، وجملة قد مس مقول القول، وآباءنا مفعول به، والضراء والسراء عطف عليه (فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) فأخذناهم عطف على عفوا، وبغتة حال أو صفة لمصدر محذوف، وهم الواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة لا يشعرون خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) الواو استئنافية، ولو شرطية لمجرد الربط، وأن واسمها، وجملة آمنوا خبرها، وأن وما بعدها فاعل لفعل محذوف، أي: ثبت إيمانهم، ولفتحنا اللام واقعة في جواب لو، وفتحنا فعل وفاعل، والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وعليهم جار ومجرور متعلقان بفتحنا، وبركات مفعول به، ومن السماء والأرض جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبركات (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) الواو حالية، ولكن حرف استدراك مهمل، وكذبوا فعل وفاعل، والجملة نصب على الحال، فأخذناهم الفاء عاطفة، وأخذناهم فعل وفاعل ومفعول به، وبما جار ومجرور متعلقان بأخذناهم، وما مصدرية أو موصولة، وكان واسمها، وجملة يكسبون خبر، وجملة الكون صلة «ما» أو المصدر المؤول، لا محل له بعد الموصول الحرفي.

7:97–99Page 163

أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧

Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?

أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨

Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?1

أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩

Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.

اللغة:

(بَياتاً) البيات يكون بمعنى البيتوتة، يقال: بات بياتا، وقد يكون بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، يقال بيته العدو بياتا، فيجوز أن يراد يأتيهم بأسنا بائتين أو وقت بيات، أو مبيتا أو مبيتين.

والبيات الهجوم على الأعداء ليلا.

(الضُّحى) : اشتداد الشمس وامتداد النهار، يقال: ضحي، ويقال: ضحى وضحاء، إذا ضممته قصرته، وإذا فتحته مددته.

الإعراب:

(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي، والفاء عاطفة على أخذناهم بغتة، وما بينها وهو قوله: «ولو أن أهل القرى» اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد تقدّم أن مثل هذا التركيب يكون حرف العطف في نية التقديم، وإنما تأخر، وتقدمت عليه الهمزة لقوة تصدرها في أول الكلام. وأمن أهل القرى فعل وفاعل (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ) أن المصدرية وما في حيزها مفعول أمن، وبأسنا فاعل يأتيهم، وبياتا حال أو ظرف، والواو حالية، وهم نائمون مبتدأ وخبر، والجملة نصب على الحال من الضمير في يأتيهم (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) عطف على الجملة السابقة مماثلة لها في الإعراب، وضحى ظرف زمان متعلق بيأتيهم (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) تقدم إعرابها، والتكرير لزيادة النكير والتوبيخ، وقد تقدم القول في المراد بمكر الله (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) الفاء عاطفة، ولا نافية، ويأمن مكر الله فعل ومفعول به، وإلا أداة حصر، والقوم فاعل، والخاسرون صفة.

7:100–102Page 163

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠

Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1

تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١

Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.

وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢

And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.

اللغة:

(يَهْدِ) : يبين، من هدى يهدي.

الإعراب:

(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ومعنى يهدي:

أن يتبين وهي مجزومة ب «لم» وللذين متعلقان بيهد، وجملة يرثون الأرض صلة، ومن بعد أهلها جار ومجرور متعلقان بيرثون (أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) أن هنا هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة نشاء خبر، وأن وما بعدها فاعل يهد، ويجوز أن يكون فاعل «يهد» مستترا هو ضمير «الله» أو ضميرا عائدا على المفهوم من سياق الكلام، أي: أولم يهد ما جرى للأمم السابقة، وعندئذ تكون أن وما في حيزها في تأويل مصدر في محل المفعول، والتقدير على الوجه الأول: أولم يهد الله ويبين للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم، ويكون المفعول به محذوفا كما قدرناه.

وعلى الوجه الثاني يكون التقدير: أولم يبين ويوضح الله أو ما جرى للامم إصابتنا إياهم لو شئنا ذلك. وأصبناهم فعل وفاعل ومفعول به، وبذنوبهم جار ومجرور متعلقان به (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة، ولا يجوز عطفه على جواب «لو» لأنه يؤدي إلى كون الطبع منفيا بمقتضى «لو» مع أنه ثابت لهم، وعلى قلوبهم جار ومجرور متعلقان بنطبع (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) الفاء عاطفة لتعقيب عدم السمع بعد الطبع على القلب، وهم مبتدأ، وجملة لا يسمعون خبره (تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها) تلك اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، والقرى بدل من تلك، وجملة نقص خبر تلك. ويجوز أن تكون القرى هي الخبر وجملة نقص حالية، على حد قوله تعالى: «هذا بعلي شيخا» ، وعليك جار ومجرور متعلقان بنقصّ، ومن أبنائها، جار ومجرور متعلقان بنقص أيضا، ومن للتبعيض، أي:

بعض أنبائها، ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك، وجملة الإشارة استئنافية مسوقة لبيان أن هؤلاء لا تجدي فيهم النصائح والعبر، ولا تؤثر فيهم المواعظ، فماتوا مصرين على عنادهم، لم تلن لهم شكيمة، ولم يهدأ لهم عناد (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) الواو استئنافية أو عاطفة، واللام جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجاءتهم فعل ومفعول به، رسلهم فاعل، وبالبينات جار ومجرور متعلقان بجاءتهم (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) الفاء عاطفة، وما نافية، وكان واسمها، واللام للجحود، ويؤمنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أي فما كانوا مريدين ليؤمنوا، وبما جار ومجرور متعلقان بيؤمنوا، وما اسم موصول أو مصدرية، ومن قبل جار ومجرور متعلقان بكذبوا، وعلى كون «ما» موصولة فالعائد محذوف، وهو مجرور، كقوله تعالى في سورة يونس: «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به» ، وهو من اتحاد المتعلق معنى، وبيان كونه من ذلك أن مجموع «ما كانوا ليؤمنوا» بمعنى «كذبوا به» ، فاتحد المتعلقان معنى.

ويمكن أن يقال: قد تعدى قوله تعالى: «ليؤمنوا» بالياء، ويؤمن نقيض يكذب، فأجراه مجراه، لأنهم قد يحملون الشيء على نقيضه، كما يحمل على نظيره (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) الكاف مع مدخولها صفة لمصدر محذوف، أي: مثل ذلك الطبع على قلوب أهل القرى المنتفى عنهم الايمان كذلك يطبع الله على قلوب الكفرة الآتين بعدهم (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) الواو معترضة، والجملة لا محل لها لأنها اعتراضية، وما نافية، ووجدنا فعل وفاعل، ولأكثرهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لعهد، ومن حرف جر زائد، وعهد مفعول به محلا لوجدنا، ويجوز أن يكون لأكثرهم مفعولا ثانيا لوجدنا، بترجيح أنها علمية لا وجدانية (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) الواو عاطفة، وإن مخففة من الثقيلة غير عاملة على قلة، ويجوز أن تكون عاملة واسمها ضمير الشأن، وسيأتي حكمها في باب الفوائد، ووجدنا أكثرهم فعل وفاعل ومفعول به، واللام الفارقة، وفاسقين مفعول به ثان لوجدنا.

الفوائد:

إذا خففت «إن» المكسورة الهمزة أهملت وجوبا إن وليها فعل، كقوله تعالى: «وإن نظنك لمن الكاذبين» ، فإن وليها اسم فالغالب إهمالها أيضا، نحو: إن أنت لصادق، ويقل إعمالها، نحو: إن زيدا لمنطلق. ومتى خففت وأهملت لزمتها اللام المفتوحة وجوبا تفرقة بينها وبين «إن» النافية وتسمى اللام الفارقة.

7:103–106Page 163

ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٠٣

Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them.1 So see how was the end of the corrupters.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤

And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds

حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٠٥

[Who is] obligated not to say about Allāh except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."1

قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٠٦

[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."

الإعراب:

(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها) ثم: حرف عطف وتراخ، وبعثنا فعل وفاعل، من بعدهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والضمير للرسل أو للأمم، وموسى مفعول به، وبآياتنا جار ومجرور متعلقان ببعثنا، والى فرعون جار ومجرور متعلقان ببعثنا أيضا، وملئه عطف على فرعون، أي إلى قومه، فظلموا الفاء للعطف والتعقيب، وبها جار ومجرور متعلقان بظلموا، وأجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من شعبة واحدة، (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) تقدم إعراب نظيرها فجدد به عهدا (وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو استئنافية، والجملة مسوقة لتفصيل ما أجمله من قبل. ويا حرف نداء للتوسط، وفرعون منادى مفرد علم مبني على الضم، وهو لقبه، واسمه الحقيقي الوليد بن مصعب ابن الريان، أما كنيته فأبو مرة، وإن واسمها ومن رب العالمين خبرها، والجملة في محل نصب مقول القول (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) حقيق خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنا حقيق، بمعنى جدير، والجملة استئنافية، وعلى أن لا أقول جار ومجرور متعلقان بحقيق، لأنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وعلى الله جار ومجرور متعلقان بأقول، وإلا أداة حصر، والحق صفة لمصدر محذوف، أي: إلا القول الحق، ويجوز أن يكون مفعولا به لأنه يتضمن معنى جملة (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) الجلة صفة لرسول، وقد حرف تحقيق، وجئتكم فعل وفاعل ومفعول به، وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتكم، ومن ربكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبينة (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا استمعت كلامي وثبت إلى الرشد فخلّ أمرهم واترك سبيلهم حتى يذهبوا معي.

وأرسل فعل أمر، ومعي ظرف متعلق بأرسل، وبني إسرائيل مفعول به، وغاية موسى تحريرهم من العبودية وتخليصهم من ربقة الأسر والهوان (قالَ: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) جملة قال استئنافية لطلب فرعون الإتيان بآية من ربه، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وإن شرطية، وكان واسمها، وجملة جئت خبر كنت، وبآية جار ومجرور متعلقان بجئت، والفاء رابطة للجواب، وأت فعل أمر، وبها جار ومجرور متعلقان به، وكنت كان واسمها في محل جزم فعل الشرط، ومن الصادقين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كنت، وجواب إن محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: فأت بها.

البلاغة:

من سنن العرب في كلامهم القلب، وهو ضربان: الأول قلب الحقيقة إلى المجاز لوجه من المبالغة، وقد تشبث أبو الطيب المتنبي بأهدابه حين قال:

والسيف يشقى كما تشقى الضلوع به ... وللسّيوف كما للناس آجال

والمراد بشقاء السيف انقطاعه في أضلاع المضروب، على حد قوله في بيت آخر:

طوال الرّدينيّات يقصفها دمي ... وبيض السّريجيّات يقطعها لحمي

والضرب الثاني ضرب معرّى عن هذا المعنى البليغ، كقولهم:

خرق الثوب المسمار، وأشباهه.

7:107–112Page 164

فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ١٠٧

So he [i.e., Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent, manifest.1

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ١٠٨

And he drew out his hand; thereupon it was white [with radiance] for the observers.

قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ١٠٩

Said the eminent among the people of Pharaoh, "Indeed, this is a learned magician

يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ١١٠

Who wants to expel you from your land [through magic], so what do you instruct?"

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١

They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ١١٢

Who will bring you every learned magician."

الإعراب:

(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) الفاء عاطفة للتعقيب، وألقى فعل ماض، وعصاه مفعول به، فإذا الفاء عاطفة أيضا، وإذا الفجائية، وقد تقدم القول فيها، وإن النحاة ذهبوا فيها ثلاثة مذاهب: ظرف مكان أو زمان أو حرف، وهي مبتدأ، وثعبان خبر، ومبين صفة (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) الواو عاطفة، ونزع يده فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، أي: أخرجها من جيبه، وهو طوق قميصه، والفاء عاطفة، وإذا فجائية، وهي مبتدأ، وبيضاء خبر، وللناظرين جار ومجرور متعلقان ببيضاء، والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظّارة بياضا عجيبا باهرا خارقا للعادة، مع أنه كان آدم شديد الأدمة، أي السمرة. ولك أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف صفة لبيضاء (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) كلام مستأنف مسوق ليعلن الملأ من قومه عجبهم، ولا منافاة بين ما ورد هنا من صدور الكلام عنهم وما ورد في سورة الشعراء من عزوه إلى فرعون، فقد يكون هو القائل فحكوا قوله. وقال الملأ فعل وفاعل، ومن قوم فرعون جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وإن واسمها، واللام المزحلقة، وساحر خبر، وعليم صفة، والجملة في محل نصب مقول القول (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ) جملة يريد صفة ثانية لساحر، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به ليريد، ويخرجكم فعل مضارع منصوب بأن، ومن أرضكم جار ومجرور متعلقان بيخرجكم، والفاء عاطفة، وماذا اسم استفهام مفعول مقدم لتأمرون، أو «ما» مبتدأ و «ذا» اسم موصول خبرها، وجملة تأمرون لا محل لها، وقد تقدم القول مشبعا في «ماذا» وإعرابها (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ) الكلام مستأنف مسوق لبيان رد الملأ من قومه.

وجملة أرجه نصب مقول القول، وأرجه فعل أمر، أي: أرجه وأخره، وقد حذفت الهمزة تسهيلا، والهاء مفعول به، وأخاه عطف على الهاء، ولك أن تنصبها على أنها مفعول معه (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) الواو عاطفة، وأرسل فعل أمر، وفي المدائن جار ومجرور متعلقان بأرسل، وحاشرين صفة لمفعول به محذوف، أي: رجالا حاشرين السحرة، وقيل: هو منصوب على الحالية، ومفعول حاشرين محذوف، أي: السحرة، والمدائن جمع مدينة، فميمها أصلية وياؤها زائدة، مشتقة من مدن يمدن مدونا: أي أقام، وإذا كانت الياء زائدة في المفرد تقلب همزة في الجمع (يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) يأتوك فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، والواو فاعل، والكاف مفعول به، وبكل جار ومجرور متعلقان بيأتوك، وساحر مضاف إليه، وعليم صفة.

الفوائد:

تقدم القول مستوفى في «إذا» الفجائية، ونورد هنا المسألة الزّنبوريّة، وهي مناظرة جرت بين سيبويه والكسائي. وكان من خبرهما أن سيبويه قدم على البرامكة، فعزم يحيى بن خالد على الجمع بينهما، فجعل لذلك يوما. فلما حضر سيبويه تقدم إليه الفراء وخلف، فقال سيبويه: لست أكلمكما حتى يحضر صاحبكما فحضر الكسائي فقال له: تسألني أو أسألك؟ فقال له سيبويه: سل أنت. فسأله عن المسألة الزنبورية، وهي: قالت العرب: «قد كنت أظنّ أن العقرب أشد لسعا من الزنبور فإذا هو هي» . وقالوا أيضا: «فإذا هو إياها» .

فقال سيبويه: «لا يجوز النصب» فقال يحيى: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي: العرب ببابك، قد سمع منهم أهل البلدين فيحضرون ويسألون. فقال يحيى وجعفر:

أنصفت، فأحضروا فوافقوا الكسائي، فاستكان سيبويه، فأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم، فخرج إلى فارس فأقام بها حتى مات، ولم بعد إلى البصرة. فيقال: إن العرب قد ارشوا على ذلك، وأنهم علموا بمنزلة الكسائي عند الرشيد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском