DarwishAl‑Anfal · 8:19–31

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:19–31

8:19–23Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

اللغة:

(تَسْتَفْتِحُوا) : تطلبوا الفتح، أي: القضاء والحكم بينكم وبين محمد بنصر المحق وخذلان المبطل، روي أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. أي: أهلكه.

(الدَّوَابِّ) : جمع دابّة. والمراد بها هنا الإنسان. وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا. وفي المصباح: الدابة كل حيوان في الأرض مميز أو غير مميز.

الإعراب:

(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) إن شرطية، وتستفتحوا فعل مضارع مجزوم لأنه فعل الشرط، والفاء رابطة لاقتران الجواب بقد، وقد حرف تحقيق، وجاءكم الفتح فعل ومفعول به وفاعل (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) عطف على ما تقدم، والإعراب مماثل لما قبله، واقتران الجواب بالفاء لأنه جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. وجملة الجواب في الموضعين في محل جزم (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) عطف أيضا.

وجملة الجواب لا محل لها. (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ) عطف أيضا، وفئتكم فاعل تغني، وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به، والواو حالية، ولو شرطية، وكثرت فعل الشرط، والجواب محذوف.

(وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) عطف أيضا، وفتح همزة «أن» بتقدير اللام، والتقدير ولأن الله مع المؤمنين، والله اسم أن ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف هو الخبر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) أطيعوا فعل أمر وفاعل، والله مفعول به، ورسوله عطف على الله، وجملة ولا تولوا عطف على جملة أطيعوا، ولا ناهية، وتولوا مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، وعنه جار ومجرور متعلقان بتولوا، وأنتم: الواو حالية، وأنتم مبتدأ، وجملة تسمعون خبر (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) عطف على ما تقدم، والكاف اسم بمعنى مثل خبر تكونوا، وهي حرف جر، والجار والمجرور خبر، وجملة قالوا صلة، وجملة سمعنا مقول القول، والواو حالية، وجملة هم لا يسمعون في محل نصب على الحال.

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) إن واسمها، وعند الله الظرف متعلق بمحذوف حال، والصم خبر إن، والبكم خبر ثان، والذين صفة، وجملة لا يعقلون صلة (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) الواو استئنافية، ولو حرف امتناع لامتناع متضمن معنى الشرط، وعلم الله فعل وفاعل، وفيهم جار ومجرور متعلقان بعلم، وخيرا مفعول به، ولأسمعهم: اللام رابطة لجواب لو، وأسمعهم فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به. (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الواو عاطفة، ولو لمجرد الربط ولا يصح أن تكون امتناعية، لأنه يصير المعنى: انتفى توليهم لانتفاء إسماعهم، وهذا خلاف الواقع فهي حينئذ لمجرد الربط بمعنى إن، وأسمعهم فعل ماض والهاء مفعول به، لتولوا: اللام رابطة، وتولوا فعل ماض وفاعل، والواو حالية، وهم معرضون مبتدأ وخبر والجملة حالية، والفرق بين الإسماعين أن يراد بالإول: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم إسماعا يخلق لهم به الهداية والقبول، ولو أسمعهم لا على أنه يخلق لهم الاهتداء بل إسماعا مجردا من ذلك لتولوا وهم معرضون.

الفوائد:

قال ابن هشام:

«لهجت الطلبة بالسؤال عن قوله تعالى: «ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا» وتوجيهه أن الجملتين يتركب معهما قياس، وحينئذ فنتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا، وهذا مستحيل.

والجواب من ثلاثة أوجه: اثنان يرجعان إلى نفي كونه قياسا، وذلك بإثبات اختلاف الوسط، أحدهما أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا ولو أسمعهم إسماعا لتولوا. والثاني أن يقدر: ولو أسمعهم، على تقدير عدم علم الخير فيهم. الثالث بتقدير كونه قياسا متحد الوسط صحيح الانتاج، والتقدير: ولو علم الله فيه خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك الوقت.

8:24–26Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) استجيبوا فعل أمر وفاعل، ولله جار ومجرور متعلقان باستجيبوا، وللرسول عطف على لله، وإذا ظرف مستقبل، وجملة دعاكم في محل جر بالإضافة، ولما جار ومجرور متعلقان بدعاكم، وجملة يحييكم صلة ما. واختلفوا في قوله «لما يحييكم» ، والأصح أنه عام شامل لكل ما فيه حياة القلوب والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) واعلموا عطف على استجيبوا، وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا، وجملة يحول خبر أن، وبين ظرف متعلق بيحول، والمرء مضاف إليه، وقلبه عطف على المرء. وسيأتي معنى المجاز في حيلولة الله بين المرء وقلبه في باب البلاغة (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) عطف على أنّ الله، وإليه جار ومجرور متعلقان بتحشرون، وجملة تحشرون خبر أنّ (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) واتقوا عطف على استجيبوا واعلموا، وفتنة مفعول به، وجملة لا تصيبن صفة لفتنة، و «لا» على ذلك نافية، ويجوز أن تكون معمولا لقول محذوف، وتكون لا ناهية، وذلك القول هو الصفة، أي: فتنة مقولا فيها: لا تصيبن، والنهي في الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وقد أعربها الزمخشري إعرابا جميلا حيث قال: ما نصه بالحرف: وقوله: «لا تصيبن» لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر أو نهيا بعد أمر، أو صفة لفتنة. فإذا كان جوابا فالمعنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم.

وهذا كما يحكى أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرا فغمهم الله بالعذاب. وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل واحذروا ذنبا أو عقابا ثم، قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل، واتقوا فتنة مقولا فيها لا تصيبن، ونظيره قوله:

حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قطّ

والذين مفعول به، وجملة ظلموا صلة، ومنكم حال، وخاصة منصوبة على الحال من الفاعل المستتر في قوله: لا تصيبن، وأصلها أن تكون صفة لمصدر محذوف، تقديره: إصابة خاصة (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) واذكروا عطف على اعلموا، وإذ نصب الظرف هنا على أنه مفعول به لا ظرف، أي: اذكروا وقت كونكم أقلة مستضعفين، وجملة أنتم قليل مضافة للظرف، وأنتم مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أخبار، وهي قليل ومستضعفون وفي الأرض (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) جملة تخافون صفة كالتي قبلها، أي: خائفون، ويجوز أن تكون حالا من الضمير في «قليل» و «مستضعفون» ، وأن وما في حيزها مفعول تخافون، والناس فاعل يتخطفكم (فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الفاء عاطفة، وآواكم فعل ماض وفاعل مستتر، وعطف عليه ما بعده، ولعل واسمها، وجملة تشكرون خبرها.

الفوائد:

قال ابن هشام في المغني ما نصه: «قوله تعالى: «لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة» فإنه يجوز أن تقدر لا ناهية أو نافية، وعلى الأول فهي مقولة لقول محذوف هو الصفة، أي: فتنة مقولا فيها ذلك، ويرجحه أن توكيد الفعل بالنون بعد لا الناهية قياس، نحو:

«ولا تحسبن الله غافلا» وعلى الثاني فهي صفة لفتنة، ويرجحه سلامته من تقدير القيد الثاني صلاحيتها للاستغناء عنها، وخرج بذلك الصلة، وجملة الخبر، والجملة المحكية بالقول، فإنها لا يستغنى عنها، بمعنى أن معقولية القول متوقفة عليها.

وقال أبو حيان: «والجملة من قوله «لا تصيبن» خبرية صفة لقوله: «فتنة» ، أي: غير مصيبة الظالم خاصة. إلا أن دخول نون التوكيد على المنفي ب «لا» مختلف فيه، فالجمهور لا يجيزونه، ويحملون ما جاء منه على الضرورة أو الندور. والذي نختاره الجواز، وإليه ذهب بعض النحويين. وإذا كان قد جاء لحاقها الفعل منفيا ب «لا» مع الفصل، نحو قوله:

فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه ... وإن قال قرّظني وخذ رشوة أبى ولا ذا بئيس يتركنّ لبؤسه ... فينفعه شكوى إليه إن اشتكى

فلأن تلحقه مع غير الفصل أولى، نحو: ولا تصيبن.

البلاغة:

1- المجاز في قوله تعالى: «يحول بين المرء وقلبه» . فأصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل: حال الشيء يحول، وباعتبار الانفصال قيل: حال بينهما فحقيقة كون الله يحول بين المرء وقلبه أنه يفصل بينهما، فهو مجاز مرسل عن غاية القرب من العبد، لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما، فالعلاقة المحلية أو السببية. ويجوز أن يكون الكلام استعارة تمثيلية لغاية قربه من العبد، واطلاعه على مكنونات القلوب وسرائر النفوس.

2- واختلف في «لا» من قوله تعالى: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة» على قولين:

أ- أن «لا» ناهية، وهو نهي بعد أمر، أي: إنه كلام منقطع عما قبله، كقولك: صلّ الصبح ولا تضرب زيدا، فالأصل: اتقوا فتنة، أي: عذابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيب الذين ... إلخ، وعلى هذا فالاصابة بالمتعرضين. وتوكيد الفعل بالنون واضح لاقترانه بحرف الطلب، مثل: «ولا تحسبنّ الله غافلا» ، ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع، فوجب إضمار القول، أي: واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك، كما قيل في قوله: حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

ب- أنها نافية، واختلف القائلون بذلك على قولين: أحدهما أن الجملة صفة لفتنة، ولا حاجة إلى إضمار قول، لأن الجملة خبرية.

فلا الجارة الدنيا بها تلحينّها ... ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل

بل هو في الآية أسهل، لعدم الفصل، وهو فيهما سماعي. والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية، وعلى هذا الوجه تكون الاصابة عامة للظالم وغيره لا خاصة بالظالمين، كما ذكره الزمخشري، لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين، خاصة، فكيف تكون مع هذا خاصة بهم! والثاني أن الفعل جواب الأمر، وعلى هذا فيكون التوكيد أيضا خارجا عن القياس وشاذا. وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري، وهو فاسد، لأن المعنى حينئذ: فإنكم إن تتقوها لا تصب الظالم خاصة. وقوله: إن التقدير:

إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة، مردود، لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر، لا من جنس الجواب.

8:27–29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) لا ناهية، وتخونوا مضارع مجزوم بلا الناهية، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والرسول عطف على الله (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الواو يجوز فيها أن تكون واو المعية، فيكون «تخونوا» منصوبا بأن مضمرة بعدها، لأنها وقعت جوابا للنهي، ويجوز أن تكون عاطفة فيكون «تخونوا» مجزوما داخلا في حكم النهي. ولعل الثاني أولى، لأن فيه النهي عن كل واحد على حدته، بخلاف الأول، فإن فيه النهي عن الجمع بينهما. ولا يترتب على النهي عن الجمع بين الشيئين النهي عن كل واحد على حدته. وأماناتكم مفعول به على تقدير محذوف، أي أصحاب أماناتكم. وسيأتى بحث استعارة الخيانة في باب البلاغة، وأنتم الواو للحال، وأنتم مبتدأ، وجملة تعلمون خبر، وجملة أنتم تعلمون حالية، وحذف مفعول يعلمون للعلم به، أي تعلمون أن ما وقع منكم خيانة.

(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)

واعلموا عطف على مقدم، وأنما كافة ومكفوفة، وقد سدت مسد مفعولي اعلموا، ولذلك فتحت همزتها، وسيأتي بحث فتح همزة إن وكسرها في باب الفوائد، وأموالكم مبتدأ، وأولادكم عطف على «أموالكم» ، وفتنة خبر، وجعل الأموال والأولاد فتنة لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو محنة وابتلاء من الله ليسبر، غوركم، ويكتنه حقيقتكم، فما عليكم- والأمر بهذه المثابة- إلا توطين النفس على الإخلاص والتزهد في زخارف الدنيا، وعدم الاغترار بأباطيلها وأفاويقها، وأن الله عطف على أنما أموالكم وأولادكم، وأن واسمها، وعنده الظرف خبر مقدم، وأجر مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «أن» ، وفي هذا صارف لكم عن حب الدنيا وإيثارها على ما عند الله، وهو خير وأبقى. وفي هذا كله حث على اكتساب الأجر، وحسن الأحدوثة، وخلود الذكر.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) إن شرطية، وتتقوا فعل الشرط، ولكم جار ومجرور متعلقان بيجعل، وفرقانا مفعول به، أي: نصرا يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال مشايعيه، والإسلام بتعزيز مناجديه، أو منجاة من الشبهات التي تزيغ فيها الضمائر، وتضل الأفهام، وتعشو النواظر عن رؤية الحق.

هذا وقد اختلف في «الفرقان» هنا، فقال بعضهم: هو ما يفرق به بين الحق والباطل، والمعنى أنه يجعل لهم من ثبات القلوب، وثقوب البصائر، وحسن الهداية، ما يفرقون به بينهما عند الالتباس. وقيل:

الفرقان المخرج من الشبهات، والنجاة من كل ما يخافونه، ومنه قول الشاعر:

مالك من طول الأسى فرقان ... بعد قطين رحلوا وبانوا

ومنه قول الآخر:

وكيف أرجّي الخلّ والموت طالبي ... ومالي من كأس المنية فرقان وقال الفرّاء: المراد بالفرقان: الفتح والنصر. وقال ابن اسحق:

الفرقان الفصل بين الحق والباطل. وقال السّدّيّ: الفرقان النجاة.

(وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) عطف على ما تقدم (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الواو استئنافية، والله مبتدأ، وذو الفضل خبره، والعظيم صفة للفضل.

البلاغة:

الاستعارة في «لا تخونوا أماناتكم» فالخون في الأصل هو النقص، ومنه تخوّنه إذا تنقّصه، ثم استعير فيما هو ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان عليه.

وقد استعير أيضا في قولهم خان الدلو الكرب. والكرب هو- كما في الصحاح- حبل يشد في رأس الدلو. وخان المشتار السبب، والمشتار مجتني العسل، والسّبب الحبل، وإذا انقطع الحبل فيهما فكأنه لم يقف. والاستعارة هنا تصريحية تبعية.

الفوائد:

مواضع كسر همزة إن:

يجب أن تكسر همزة (إن) حيث لا يصح أن يسدّ المصدر مسدها ومسد معمولها، وذلك في اثني عشر موضعا:

1- أن تقع في ابتداء الكلام حقيقة كقوله تعالى: «إنا أنزلناه في ليلة القدر» أو حكما كقوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .

2- أن تقع بعد «حيث» ، نحو: اجلس حيث إن العلم موجود.

3- أن تقع بعد «إذ» ، نحو جئتك إذ إن الشمس تطلع.

4- أن تقع تالية للموصول، نحو «وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة» .

5- أن تقع جوابا للقسم نحو: والله إن العلم نور، وقوله تعالى: «والعصر إن الإنسان لفي خسر» .

6- أن تقع بعد القول محكية به، كقوله تعالى: «قال: إني عبد الله» فإن كان القول بمعنى الظن لم تكسر، مثل أتقول أن عبد الله يقول كذا؟ أي: أتظن. وإن كانت غير محكية بالقول لم تكسر أيضا، نحو: أخصك بالقول أنك فاضل، فهي هنا بمعنى التعليل، أي: لأنك فاضل، فهي مع ما في حيزها منصوبة بنزع الخافض.

7- أن تقع مع ما بعدها حالا، نحو: جئت وإن الشمس تغرب، ومنه قوله تعالى: «كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون» .

8- أن تقع مع ما بعدها صفة لما قبلها، نحو: جاء رجل إنه فاضل.

9- أن تقع صدر جملة استئنافية، نحو: فلان يزعم أني أسأت إليه، إنه لكاذب. وهذه من الواقعة ابتداء.

10- أن تقع في خبرها لام الابتداء أو اللام المزحلقة، كما يسميها النحاة كقوله تعالى «والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» .

11- أن تقع مع ما في حيزها خبرا عن اسم ذات، نحو علي إنه فهفل. ومنه قوله تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم» ، فجملة:

«إن الله يفصل بينهم» خبر إنّ الذين آمنوا، وما عطف عليه، لأنها أسماء.

12- أن تقع بعد «كلّا» الرادعة، كقوله تعالى: «كلا إن الإنسان ليطغى» .

مواضع فتح همزة أن:

ويجب فتح همزة (أن) حيث يصح أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، وذلك في أحد عشر موضعا:

1- أن تكون وما في حيزها في موضع الفاعل، نحو: بلغني أنك مجتهد، ومنه قوله تعالى: «أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب» .

ومن ذلك أن تقع بعد «لو» ، نحو «ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير» فما بعد «أن» في تأويل مصدر مرفوع فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت، واللام لام الجواب فالجملة بعدها جواب «لو» .

2- أن تكون وما في حيزها في موضع نائب الفاعل، نحو قوله تعالى «قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن» أي استماع نفر.

3- أن تكون هي وما في حيزها في موضع المبتدأ، كقوله تعالى: «ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة» فالجار والمجرور خبر مقدم، وما بعد «أن» في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، أي: رؤيتك الأرض خاشعة من آياته.

4- أن تكون هي وما بعدها في موضع الخبر عن اسم معنى غير قول ولا صادق عليه، أي على اسم المعنى خبرها نحو: اعتقادي أنه فاضل، فيجب فتحها لأنها خبر «اعتقادي» ، وهو اسم معنى، غير قول ولا صادق، على اعتقادي خبرها، لأن «فاضل» لا يصدق على الاعتقاد.

وانما فتحت لسد المصدر مسدها ومسد معموليها، والتقدير، اعتقادي فضله أي معتقدي ذلك. ولم يجز كسرها على أن تكون مع معموليها جملة مخبرا بها عن اعتقادي، لعدم الرابط، لأن اسم «أن» لا يعود على المبتدأ الذي هو اعتقادي، لأن خبرها غير صادق عليه، فهو يعود على غيره، فتبقى الجملة بلا رابط، بخلاف: قولي: إنه فاضل، فيجب كسرها، لأنها وقعت خبرا عن «قولي» ولا تحتاج إلى رابط لأن الجملة إذا قصد حكاية لفظها كانت نفس المبتدأ في المعنى، والتقدير: قولي هذا اللفظ لا غيره، وبخلاف: «اعتقاد زيد إنه حق» فيجب كسر همزة «إنه» أيضا، لأن خبرها وهو صادق على الاعتقاد، ولا مانع من وقوع جملة إن ومعموليها خبرا عن المبتدأ، لأن اسم إن رابط بينهما، ولا يصح فتحها لأنه يصير اعتقاد زيد كون اعتقاده حقا، وذلك لا يفيد، لأن الخبر لا بد أن يستفاد منه مالا يستفاد من المبتدأ.

5- أن تكون هي وما في حيزها في موضع تابع لمرفوع على أنه معطوف عليه أو بدل منه، نحو بلغني اجتهادك وأنك حسن الخلق، والتأويل: بلغني اجتهادك وحسن خلقك، فهو معطوف عليه، ونحو: يعجبني سعيد أنه مجتهد، والتأويل يعجبني سعيد اجتهاده فالمصدر المؤول بدل اشتمال من «سعيد» .

6- أن تكون هي وما في حيزها في موضع المفعول به، كقوله تعالى «ولا تخافون أنكم أشركتم بالله» والتأويل: ولا تخافون إشراككم 7- أن تكون هي وما في حيزها في موضع خبرا لكان أو إحدى أخواتها، نحو: كان يقيني أنك تتبع الحق، والتأويل: كان يقيني اتباعك للحق.

8- أن تكون هي وما في حيزها في موضع تابع لمنصوب بالعطف أو بالبدلية، كقوله تعالى: «اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين» والتقدير: اذكروا نعمتي عليكم وتفضيلي إياكم.

وقوله تعالى «وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم» ، والتقدير- كما تقدم- يعدكم إحدى الطائفتين كونها لكم، فما بعد أن في تأويل مصدر منصوب بدل اشتمال من إحدى.

9- أن تقع بعد حرف الجر كقوله تعالى: «ذلك بأن الله هو الحق» .

10- أن تقع هي وما في حيزها في موضع المضاف إليه، كقوله تعالى: «إنه لحق مثلما أنكم تنطقون» ، أي مثل نطقكم.

11- أن تقع هي وما في حيزها في موضع تابع لمجرور بالعطف أو بالبدلية، نحو سررت من أدب علي وأنه عاقل، والتقدير: سررت من أدب علي وعقله. ونحو: عجبت منه أنه مهمل، والتقدير: عجيب منه إهماله، والمعنى: عجبت من إهماله. فما بعد «أن» في تأويل مصدر مجرور بدل اشتمال من الهاء في «منه» .

المواضع التي يجوز فيها الكسر والفتح:

ويجوز الأمران: كسر همزة إن وفتحها حيث يصح الاعتباران:

التأويل بمصدر، وعدم التأويل، وذلك في تسعة مواضع:

1- بعد «إذا» الفجائية، نحو: خرجت فإذا أن سعيدا واقف، فالكسر على معنى: فاذا سعيد واقف، والفتح على تأويل ما بعدها بمصدر مبتدأ محذوف الخبر، والتأويل: فإذا وقوفه حاصل.

وقد روي بالوجهين قول الشاعر:

وكنت أرى زيدا، كما قيل سيدا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم

أنشده سيبويه ولم يعزه إلى أحد، وأرى بضم الهمزة، وأصله:

يريني الله، فعمل فيه العمل المشهور من ضم أوله وفتح ما قبل آخره وحذف الفاعل، وزيد على ذلك هنا ابدال الياء همزة للاحتياج إلى ذلك، لأنه لما حذف الفاعل وأنيب المفعول به لزم إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم، ولا يسندله إلا المبدوء بالهمزة، فحذفت الياء واتي بالهمزة عوضها، وهو متعد إلى ثلاثة مفاعيل، الأول هو النائب عن الفاعل، والثاني «زيدا» ، والثالث «سيدا» ، وجملة «كما قيل» اعتراضية، فالكسر على معنى الجملة، أي فإذا هو عبد القفا، والفتح على معنى الإفراد، أي: فالعبودية حاصلة، على جعلها مبتدأ حذف خبره، كما تقول: خرجت فإذا الأسد، أي: حاضر. واللهازم جمع لهزمة، بكسر اللام والزاي، وهي عظم ناتئ تحت الأذن. والمعنى: كنت أظن سيادته فلما نظرت إلى قفاه ولهازمه تبين لي عبوديته وكنى عن ذلك بأنه يضرب على قفاه ولهزمتيه، والقفا موضع الصفع.

2- بعد فاء الجزاء، كقوله تعالى: «من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم» ، قرى بكسر «إن» وفتحها، فالكسر على جعل ما بعد فاء الجزء جملة تامة، والمعنى: فالغفران والرحمة حاصلان، والفتح على تقدير أن ومعموليها خبرا لمبتدأ محذوف، والمعنى: فالحاصل الغفران والرحمة، أو مبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: فالغفران والرحمة حاصلان.

3- أن تقع مع ما في حيزها في موضع التعليل كقوله تعالى:

«صل عليهم إن صلاتك سكن لهم» ، فالكسر على أنها جملة تعليلية، والفتح على تقدير لام التعليل الجارة، أي: لأن صلاتك سكن لهم.

ومنه الحديث الشريف: «لبيك إن الحمد والنعمة لك» ، يروى بكسر «إن» وفتحها، فالكسر على أنه تعليل مستأنف، والفتح على تقدير لام العلة.

4- أن تقع بعد فعل قسم ولا لام بعدها، كقول رؤبه:

أو تحلفي بربك العليّ ... أني أبو ذيّالك الصّبي

يروى بكسر «إن» وفتحها فالكسر على الجواب للقسم، والفتح بتقدير «على» .

5- أن تقع خبرا عن قول، ومخبرا عنها بقول، والقائل للقولين واحد، نحو: قولي أني أحمد الله، بفتح همزة «أن» وكسرها. فالفتح على حقيقته من المصدرية، أي قولي حمدا لله، والكسر على معنى المقول، أي: مقولي إني أحمد الله.

6- أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، كقوله تعالى: «إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ ولا تضحى» ، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر في «وإنك لا تظمأ» إما على الاستئناف أو العطف على جملة «إن» الأولى، وعليهما فلا محل لها من الإعراب.

وقرأ الباقون من السبعة بالفتح بالعطف على «أن لا يجوع» من عطف المفرد على مثله، والتقدير: أن لك عدم الجوع وعدم الظمأ.

7- أن تقع بعد «حتى» ، ويختص الكسر بالابتدائيه، نحو:

مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، ويختص الفتح بالجارة والعاطفة، نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل ف «حتى» في هذا المثال تصلح لأن تكون جارة ولأن تكون عاطفة، وأن فيهما مفتوحة.

8- أن تقع بعد «أما» بفتح الهمزة وتخفيف الميم، نحو:

أما أنك فاضل فالكسر على أن «أما» حرف استفتاح بمنزلة «ألا» وتلك تكسر «إن» بعدها، والفتح على أنها مركبة من همزة الاستفهام و «ما» العامة بمعنى شيء، وصارا بعد التركيب بمعنى: أحقا.

9- أن تقع بعد «لا جرم» ، نحو قوله تعالى: «لا جرم أن الله يعلم ما يسرون» ، والغالب الفتح، ووجهه أن تجعل ما بعد «أن» مؤولا بمصدر مرفوع فاعل لجرم، وجرم معناه ثبت وحق، وأصل الجرم القطع، وعلم الله بالأشياء مقطوع به، لأنه حق وثابت، ولا حرف نفي للجواب يراد به كلام سابق، فكأنه قال: لا، أي: ليس الأمر كما زعموا، ثم قال جرم ان الله يعلم، أي حق وثبت علمه.

وسيأتي مزيد من القول في «لا جرم» عند الكلام عليها في موضعها.

تنبيه لا بد منه:

حيث جاز فتح «إن» وكسرها فالكسر أولى وأكثر لعدم تكلفه، إلا إذا وقعت بعد «لا جرم» كما علمت.

8:30–31Page 180

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

اللغة:

(أَساطِيرُ) : جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث: ما سطر وكتب من القصص والأخبار.

الإعراب:

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) الظرف مفعول به لأذكر مقدرة، والمعنى: واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا. والمكر الاحتيال في إيصال الضرر للآخرين. وقصة هذا المكر في المطولات. وجملة يمكر مضاف إليها الظرف، وبك متعلق بيمكر، والذين فاعل يمكر، وجملة كفروا صلة الموصول، واللام للتعليل، ويثبتوك منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، أو يقتلوك عطف عليه، أو يخرجوك عطف أيضا. والمعنى: اذكر إذ اجتمعوا في دار الندوة- وهي أول دار بنيت بمكة- ليثبتوك، أي: يوثقوك ويحبسوك، أو يقتلوك كلهم قتلة رجل واحد، أو يخرجوك من مكة (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)

الواو استئنافية، ويمكرون فعل مضارع، والواو فاعل، ويمكر الله عطف، والله مبتدأ، وخير الماكرين خبره، وسيأتي بحث هذا في باب البلاغة (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا) الواو استئنافية، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة تتلى مضاف إليها الظرف، وعليهم جار ومجرور متعلقان بتتلى، وآياتنا نائب فاعل، وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة قد سمعنا مقول القول (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) لو شرطية، ونشاء فعل الشرط، واللام رابطة، وجملة قلنا لا محل لأنها جواب شرط غير جازم، ومثل صفة لمفعول مطلق، أي: قولا مثل هذا (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) إن نافية، وهذا مبتدأ، وإلا أداة حصر، وأساطير الأولين خبر هذا.

البلاغة:

1- يحتمل قوله «ويمكر الله» أن يكون استعارة تبعية من إطلاق المكر على الرد، لأنه لما كان معنى المكر حيلة يجلب بها مضرة إلى الآخرين، وهو ما لا يجوز في حقه تعالى، كان المراد بمكر الله رد مكرهم، أي عاقبته ووخامته عليهم. ويجوز أن يكون من باب المشاكلة، وقد تقدم نظيره، كما تقدم الحديث عن هذا الفن، أي:

ان المراد بمكر الله مجازاتهم على مكرهم بجنسه، على سبيل المجاز المرسل، والعلاقة السببية. ويحتمل أن يكون الكلام استعارة تمثيلية، بتشبيه حالة تعليل المسلمين في أعينهم الحامل لهم على هلاكهم بمعاملة الماكر المحتال الذي يظهر خلاف ما يبطن.

2- في قوله تعالى «قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا» فن يسمى التغاير، وهو تغاير المذهبين، أما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئا أو يذمه أو يذم ما مدحه غيره، أو بالعكس أو يفضل شيئا على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلا، والفاضل مفضولا. وقد تقدمت الإشارة اليه مع ذكر نماذج منه. ونقول إن التغاير هنا المقصود مغايرتهم أنفسهم، فقد قالت قريش عن القرآن: «ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين» إنكارا منهم لغرابة أسلوبه وما بهرهم من فصاحته. ويلزم هذا الكلام إقرارهم بالعجز عن محاكاته، ثم غايرت قريش نفسها فقالت قد سمعنا «لو نشاء لقلنا مثل هذا» ، ولو كان القولان في وقت واحد لكان ذلك تناقضا، وهو عيب، ولم يعد في المحاسن، لكن وقوعه في زمنين مختلفين ووقتين متباينين اعتد من المحاسن، ولذلك سمي تغايرا لا تناقضا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском