DarwishAl‑Anfal · 8:48–64

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:48–64

8:48–49Page 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

اللغة:

(نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) رجع القهقرى يمشي إلى ظهره قال الشاعر:

ليس النكوص على الأعقاب مكرمة ... إن المكارم إقدام على الأصل

والعقب بكسر القاف وسكونها: مؤخر القدم والولد وولد الولد، والجمع أعقاب، وأعقاب الأمور أواخرها، يقال: جاء عقبه وبعقبه أي خلفه، ورجع على عقبه أي على الطريق التي جاء منها سريعا، ووطئ عقبه أي مشى في أثره، وسافر على عقب الشهر أي في آخره.

الإعراب:

(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) الظرف إذ منصوب باذكر محذوفا وجملة زين مضاف إليها ولهم متعلق بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به. (وَقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) وقال عطف على زين ولا نافية للجنس وغالب اسمها مبني على الفتح ولكم خبرها ومن الناس حال من الضمير في لكم لتضمنه معنى الاستقرار.

(وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) الواو عاطفة للجملة التي في حيز القول ولذلك كسرت همزتها، وإن واسمها وجار خبرها ولكم متعلق بجار لأنها بمعنى مجير ومعين وناصر لكم، قيل أتاهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك سيد ناحية كنانة. (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) الفاء عاطفة ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة وتراءت الفئتان فعل وفاعل ونكص عطف على تراءت والجملة لا محل لها وعلى عقبيه حال أي هاربا. (وَقالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) وقال عطف على نكص وان واسمها وخبرها ومنكم جار ومجرور متعلقان ببريء والجملة مقول القول. (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) إن واسمها وجملة أرى خبرها وما مفعول به وجملة لا ترون صلة والعائد محذوف. (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) إن واسمها وجملة أخاف الله خبرها والله مبتدأ وشديد العقاب خبر والجملة عطف على ما في حيز القول. (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الظرف معمول اذكر أو نكص وجملة يقول المنافقون مضافة والذين عطف على المنافقون وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) الجملة مقول القول وهؤلاء مفعول غر ودينهم فاعله، يعني هؤلاء المنافقون ومرضى القلوب: ان المسلمين اغتروا بدينهم، وسولت لهم أنفسهم لقاء زهاء ألف وهم لا يتجاوزون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فقال الله لهم مبكتا: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويتوكل فعل الشرط وعلى الله متعلق بيتوكل وجواب الشرط محذوف تقديره يغلب والفاء رابطة للتعليل وان الله عزيز حكيم إن واسمها وخبراها.

8:50–54Page 183

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١

That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣

That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

الإعراب:

(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) الواو استئنافية وترى فعل مضارع وهي بصرية والفاعل مستتر تقديره أنت والمفعول به محذوف أي الكفرة أو حالهم وإذ ظرف لترى أي: ولو ترى الكفرة أو حال الكفرة حين تتوفاهم الملائكة ببدر. ولو الامتناعية تردّ الفعل المضارع ماضيا كما أن «إن» ترد الماضي مضارعا، وجملة يتوفى مضافة والذين مفعول به والملائكة فاعل وجملة كفروا صلة، وقد تقدم سر الحذف لجواب لو والمفعول به وقد اجتمعا هنا وتقدير الجواب:

لرأيت شيئا عظيما. (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) جملة يضربون حال من الملائكة أو من الذين كفروا لأن فيهما ضميريهما، ويجوز أن يكون فاعل يتوفى هو ضمير الله تعالى لتقدمه في قوله ومن يتوكل على الله، وعندئذ فالملائكة مبتدأ خبره ما بعده والجملة حال من الذين كفروا وذوقوا، معطوف على يضربون على إرادة القول أي ويقولون ذوقوا، وعذاب الحريق مفعول به. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ذلك رفع بالابتداء وبما قدمت خبره وما مصدرية أو موصولة وأيديكم فاعل وأن الله عطف على ما أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله، وجملة ليس خبر إن وبظلام الباء حرف جر زائد وظلام خبر ليس محلا وللعبيد جار ومجرور متعلقان بظلام وظلام صيغة مبالغة تفيد النسب. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الكاف في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون سواء كانت اسمية أم حرفية وآل مضاف وفرعون مضاف إليه والذين عطف على آل ومن قبلهم صلة الذين والجملة استئنافية مسوقة لبيان ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم قال ابن عباس: والمعنى أن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي فكذبوه، فكذلك حال هؤلاء لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق كذبوه، فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزلها بآل فرعون. (كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ) جملة كفروا بآيات الله تفسيرية لدأب آل فرعون، وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بكفروا (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ) عطف على كفروا وأخذهم الله فعل ومفعول به وفاعل وبذنوبهم متعلق بأخذهم أي بسبب ذنوبهم وإن واسمها وقوي خبرها الأول وشديد العقاب خبرها الثاني.

(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ) اسم الاشارة مبتدأ وبأن الله خبره وجملة لم يك خبر أن ويك مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف. وسترد في باب الفوائد خصائص كان، واسم يك مستتر تقديره: الله تعالى ومغيرا خبرها ونعمة مفعول به لمغيرا لأنه اسم فاعل وجملة أنعمها صفة لنعمة والهاء مفعول به وعلى قوم جار ومجرور متعلقان بأنعمها (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) حتى حرف غاية وجر ويغيروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجار والمجرور متعلقان بمغيرا وما مفعول به وبأنفسهم صلة ما. (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) عطف على ما سبقه ولذلك فتحت همزة أن، أي وبسبب أن الله، وسميع خبر أن الأول وعليم خبرها الثاني. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كرره لفوائد نلخصها بما يلي:

1- ان الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول فتكون الجملة تفسيرية.

2- ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وجحدوها وفي الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها.

3- ان التكرير للتأكيد فتكون الجملة مؤكدة تابعة للأولى، وقد تقدم إعرابها على كل حال.

(كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) الجملة تفسيرية أيضا كما تقدم في سابقها وجملة فأهلكناهم بذنوبهم عطف على كذبوا.

(وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ) عطف على ما تقدم وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب (وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) كل مبتدأ ساغ الابتداء فيها لإضافتها ونيابة التنوين عن المضاف إليه كما تقدم في بحث تنوين العوض ولما فيها من معنى العموم أي وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش، وجملة كانوا ظالمين خبر كل وجمع الضمير في كانوا وفي ظالمين مراعاة لمعنى كل، لأن «كل» متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة، ومراعاة معناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل، ولو روعي اللفظ فقط فقيل: وكل كان ظالما، لم تتفق الفواصل.

البلاغة:

1- المجاز المرسل في قوله «بما قدمت أيديكم» فإن هذا العذاب إنما حاق بهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد لأنها ليست موضعا للمعرفة، فلا يتوجه التكليف عليها حتى يمكن إيصال العذاب إليها، ولكن اليد هنا معناها القدرة، والعلاقة السببية، لأن اليد آلة النعمة كما استعملت مجازا بمعنى النعمة.

2- عدل عن ظالم إلى ظلام وقد كان ظاهر الكلام يقضي بنفي الأدنى لأنه أبلغ من نفي الأعلى، لأن نفي الأعلى لا يستلزم نفي الأدنى، وبالعكس ولكنه عدل عن ذلك لأجل العبيد أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه.

الفوائد:

1- صيغة فعّال وفاعل وفعل في النسب:

قد يستغنى عن ياء النسب بصوغ المنسوب إليه على فعّال بتشديد ثانيه، وذلك غالب في الحرف جمع حرفة كبزّاز بزايين معجمتين لبائع البز، ونجار لمن حرفته النجارة، وعوّاج لبياع العاج، وعطّار لبياع العطر، ومن غير الغالب قول امرئ القيس:

وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبّال

أي بذي نبل بدليل ما قبله فاستعمل فعال في غير الحرف، وحمل عليه قوم من المحققين قوله تعالى: «وما ربك بظلام للعبيد» أي بذي ظلم، والذي حملهم على ذلك أن النفي منصب على المبالغة فثبت أصل الفعل، والله تعالى منزه عن ذلك وأمثلة فعّال كثيرة ومع كثرتها قال سيبويه: غير مقيسة فلا يقال لصاحب الدقيق دقّاق، ولا لصاحب الفاكهة فكّاه، ولا لصاحب البر برار، ولا لصاحب الشعير شعّار، والمبرد يقيس هذا.

- هذا ويصاغ المنسوب إليه أيضا على فاعل أو على فعل بفتح أوله وكسر ثانيه بمعنى ذي كذا، فالأول كتامر أي ذي تمر، ولابن أي ذي لبن، وطاعم أي ذي طعام، وكاس أي ذي كساء، والثاني كطعم أي ذي طعام، ونهر أي ذي نهار، قال الراجز:

لست بليلى ولكني نهر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر أنشده سيبويه في كتابه، أي ولكنني نهاريّ أي عامل بالنهار.

واختلفوا في قول الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي

فقال قوم: هو فاعل بمعنى مفعول، أي مطعوم ومكسو على حد قوله تعالى «فهو في عيشة راضية» ، وقال آخرون: هو من باب النسب أي ذي طعام وذي كسوة، وفي كلتا الحالين فهو ذم أي أنه ليس له فضل غير أنه يأكل ويشرب.

2- خصائص كان:

تختص «كان» بأمور:

آ- جواز زيادتها بشرطين:

أحدهما: كونها بلفظ الماضي لتعين الزمان فيه دون المضارع وشذّ قول أم عقيل بن أبي طالب وهي ترقصه:

أنت تكون ما جد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل

فأنت مبتدأ وماجد خبره وتكون زائدة بين المبتدأ والخبر.

والثاني: كونها بين شيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا وليس المراد بزيادتها أنها لا تدل على معنى البتة، بل أنها لم يؤت بها للإسناد، وإلا فهي دالة على المضيّ، ولهذا كثر زيادتها بين ما التعجبية وفعل التعجب لكونه سلب الدلالة على المضي نحو: ما كان أحسن زيدا، فكان زائدة بين المبتدأ وخبره وقال الشاعر:

حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقّلها وقد تزاد بين الفعل ومرفوعه نحو قول بعضهم: لم يوجد كان مثلهم، فزاد كان بين الفعل ونائب الفاعل، واختلف في قول الفرزدق:

فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا، كانوا، كرام

فقال قوم منهم المبرد: إنها في البيت ليست بزائدة بل هي الناقصة والواو اسمها ولنا خبرها والجملة في موضع الصفة لجيران وكرام صفة بعد صفة، فهو نظير قوله تعالى: «هذا كتاب أنزلناه مبارك» ، وذهب سيبويه والخليل إلى أنها في البيت زائدة ولاتباعهما في تخريج اتصالها بالواو أقوال يرجع إليها في المطولات.

ب- ومنها أنها تحذف ويبقى اسمها وخبرها، وكثر ذلك بعد أن المصدرية الواقعة في موضع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل، نحو: أمّا أنت منطلقا انطلقت، فانطلقت معلول وما قبله علة له مقدمة عليه، والأصل: انطلقت لأن كنت منطلقا، ثم قدمت اللام التعليلية وما بعدها المجرور بها على «انطلقت» فصار: لأن كنت منطلقا انطلقت، ثم حذفت كان لذلك فانفصل الضمير الذي هو اسم كان، فصار: أن أنت منطلقا، ثم زيدت ما للتعويض من كان فصار:

أن ما أنت، ثم أدغمت النون في الميم للتقارب في المخرج، فصار أما أنت، وعليه قول عباس بن مرداس:

أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع

أي لأن كنت ذا نفر فخرت، ثم حذف «فخرت» وهو متعلق الجار لأن وما بعدها وأبا خراشة منادى ودخلت الفاء في فإن قومي لأن الثاني مستحق بالأول، فهو مسبّب عنه، والأول سبب فأشبه الشرط والجزاء.

ج- ومنها أنها تحذف مع اسمها ويبقى الخبر ويكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين فمثال لو:

لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل

أي ولو كان صاحب البغي ملكا ذا جنود كثيرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتما من حديد» أي التمس شيئا ولو كان ما تلتمسه خاتما من حديد.

ومثال إن:

قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا

أي إن كان ما قيل صدقا وإن كان ما قيل كذبا، وقولهم: «الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر» بنصب الأول على الخبرية لكان المحذوفة مع اسمها، ورفع الثاني على الخبرية لمبتدأ محذوف أي إن كان عملهم خيرا فجزاؤهم خير وإن كان عملهم شرا فجزاؤهم شر.

د- ومنها أن لام مضارعها وهي النون يجوز حذفها تخفيفا، وصلا لا وفقا، وذلك بشرط أن يكون مجزوما بالسكون غير متصل بضمير نصب ولا بساكن نحو: «ولم أك بغيا» وكالآية التي نحن بصددها.

هـ- ومنها، وهذه الخاصة تشاركها فيها أخواتها إلا ثلاثة، أن تستعمل تامة أي مستغنية بمرفوعها نحو: «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» وقول أبي تمام:

قد كان ما خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا

ومعناها عندئذ حصل، أما الثلاثة التي لزمت النقص فهي: فتىء وزال وليس.

8:55–59Page 184

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.

فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧

So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].

اللغة:

(تَثْقَفَنَّهُمْ) : تصادفهم وتظفر بهم، وفي المصباح: ثقفت الشيء ثقفا من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته، وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف.

(فَانْبِذْ) : فاطرح إليهم العهد، والنبذ الطرح، وهو هنا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم، فشبّه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وأثبت النبذ له تخييلا، ومفعوله محذوف أي عهدهم. وسيأتي مزيد من هذا البحث الهام في باب البلاغة.

الإعراب:

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) إن واسمها والدواب مضاف لشر وعند الله ظرف متعلق بمحذوف حال والذين خبر إن وجملة كفروا صلة، والجملة كلها استئنافية سيقت بعد شرح أحوال المهلكين من شرار الكفرة للشروع في بيان أحوال الباقين منهم وتفصيل أحكامهم.

(فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء الفصيحة وهم مبتدأ وجملة لا يؤمنون خبر، أي لا يتوقع منهم إيمان بعد أن أصروا على الكفر ولجوا فيه. (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) بدل من الذين كفروا فمحله الرفع، أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا، وجعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الذين نكثوا العهود، وجملة عاهدت صلة ومنهم حال. (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) ثم عطف للترتيب مع التراخي وعهدهم مفعول به وفي كل مرة جار ومجرور متعلقان بينقضون والواو عاطفة وهم مبتدأ وجملة لا يتقون خبر. (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) الفاء رابطة لشبه المبتدأ بالشرط لأن الموصول فيه رائحة منه وإن شرطية وما زائدة، وأدغمت النون بالميم، وتثقفنهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به وفي الحرب جار ومجرور متعلقان بتثقفنهم. (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) الفاء رابطة وشرد فعل أمر وبهم جار ومجرور متعلقان بشرد والباء بمعنى السببية أي بسبب تنكيلك بهم، ومن مفعول به لشرد وخلفهم ظرف متعلق بمحذوف صلة، والمعنى انك إذا ظفرت بهؤلاء الكفار الذين نقضوا العهد، فافعل بهم أنماطا من التنكيل تفرق بها جمع كل ناقض للعهد خافر للذمام، حتى يخافك من وراءهم. (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) لعل واسمها وجملة يذكرون خبرها أي لعلهم يتعظون بهم. (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً) الواو عاطفة وإن شرطية أدغمت بما الزائدة وتخافن فعل الشرط ولكنه مبني لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنت ومن قوم جار ومجرور متعلقان بتخافن وخيانة مفعول به.

(فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) الفاء رابطة وانبذ فعل أمر وإليهم جار ومجرور متعلقان بانبذ وعلى سواء في موضع الحال من الفاعل والمفعول معا أي فاعل الفعل وهو ضمير النبي ومفعوله وهو المجرور بإلى أي حال كونهم مستوين في العلم بنقض العهد وسيأتي مزيد بحث في هذه الآية العجيبة الأسلوب. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) إن واسمها وجملة لا يحب الخائنين خبرها، والجملة تعليلية للأمر بالنبذ، والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف. (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) الواو عاطفة ولا ناهية ويحسبن مضارع مبني في محل جزم بلا الناهية والذين كفروا فاعل والمفعول الأول محذوف أي أنفسهم وجملة سبقوا مفعول يحسبن الثاني أي فاتوا عذابه ونجوا منه وان واسمها وجملة لا يعجزون خبرها.

البلاغة:

فن الاشارة:

في قوله تعالى: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء» ، فن يقال له: «فن الاشارة» ، وبعضهم يدرجه في باب الإيجاز لأنه متفرع عنه، ولكن قدامة فرعه من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه فقال، هو أن يكون اللفظ القليل دالا على المعنى الكثير حتى تكون دلالة اللفظ على المعنى كالإشارة باليد فإنها تشير بحركة واحدة إلى أشياء كثيرة لو عبّر عنها بأسمائها احتاجت إلى عبارة طويلة وألفاظ كثيرة. والفرق بينه وبين الإيجاز أن الإيجاز بألفاظ المعنى الموضوعة له، وألفاظ الاشارة لمحة دالة، فدلالة اللفظ على الإيجاز دلالة مطابقة، ودلالة اللفظ في الإشارة إما دلالة تضمين أو دلالة التزام، فقوله تعالى:

«فانبذ إليهم على سواء» تشير إلى الأمر بالمقاتلة بنبذ العهد كما نبذوا عهدك، مع ما يدل عليه الأمر بالمساواة في الفعل من العدل، فإذا أضفت إلى ذلك ما تشير إليه كلمة خيانة من وجود معاهدة سابقة، تبين لك ما انطوت عليه هذه الإشارات الخفية من دلالات كأنها أخذة السحر.

وقد افتن العلماء في بناء حكم الآية، فقالوا: إنه إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن هادنهم الإمام من المشركين بأمر ظاهر مستفيض، استغنى الامام عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب، وإن ظهرت الخيانات بأمارات تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب عليه أن ينبذ إليهم ويعلمهم بالحرب، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا، فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد، بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرعهم إلا وجيشه بمر الظهران وذلك على أربعة فراسخ من مكة.

فن الاشارة في الشعر:

أما فن الاشارة في الشعر فهو شائع في شعرنا العربي كثيرا ومن أطرفه قول بهاء الدين زهير:

عفا الله عنكم أين ذاك التودّد؟ ... وأين جميل منكم كنت أعهد؟

بما بيننا لا تنقضوا العهد بيننا ... فيسمع واش أو يقول مفند

فقد أشار بما إلى ما لا يحصى من دواعي الهوى، ونوازع الشوق، وجميل قول أبي الطيب المتنبي:

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي

فقد أشار بما الأولى وما الثانية إلى ما لا يخفى مما يلقاه قلبه من الوجد فيما يستأنفه، وما لقيه من قبل ذلك فيما أسلفاه، ومما أحدثه الحب فيه من ندوب سواء ما لم يبقه السقم منه مما أفناه، وما بقي منه مما أنحله وأضناه، ولأبي فراس في الإشارة:

وما لك لا تلقى بمهجتك القنا ... وأنت من القوم الذين هم هم وما أبدع قول أبي العلاء المعري:

منك الصدود ومني بالصّدود رضا ... من ذا عليّ بهذا في هواك قضى

بي منك ما لو بعين الشمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا

أما خالد الكاتب فقد بلغ نهاية الحسن بقوله:

رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر

ولم تدر بعد ذهاب الرقا ... د ما فعل الدمع بالناظر

8:60–61Page 184

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠

And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١

And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.

اللغة:

(رِباطِ الْخَيْلِ) هي ما يرتبط منها، ورباط الخيل حبسها واقتناؤها قال: فينا رباط جياد الخيل معلمة ... وفي كليب رباط اللؤم والعار

وقال الزمخشري: «والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال، والمصدر هنا مضاف لمفعوله» .

وفي المصباح، ربطه ربطا- من باب ضرب ومن باب قتل- لغة شده، والرباط ما يربط به القربة وغيرها، والجمع ربط مثل كتاب وكتب، ويقال للمصاب: ربط الله على قلبه بالصبر، كما يقال: أفرغ الله عليه الصبر أي ألهمه، والرباط اسم من رابط مرابطة- من باب قاتل- إذا لازم ثغر العدو، والرباط الذي يبنى للفقراء، مولد ويجمع في القياس على ربط بضمتين ورباطات اهـ. ونرى أن المطابق للقوة التي هي الرمي أن يكون الرباط على بابه والله أعلم.

(جنح) له وإليه: مال، وجنحت الإبل أمالت أعناقها، والمصدر الجنوح، ويقال: جنح الليل أقبل، قال النضر بن شميل: جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له، والجنوح الاتباع أيضا لتضمنه الميل، ومنه الجوانح للأضلاع لميلها على حشوة الشخص، والجناح من ذلك لميلانه على الطائر. قال ذو الرمة:

إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ... بذكراك والعيس المراسيل جنح

وقال النابغة:

جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب (السلم) بكسر السين وفتحها الصلح، ففي المصباح: والسلم بكسر السين وفتحها الصلح ويذكر ويؤنث، وقال الزمخشري: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، قال عباس بن مرداس يخاطب خفاف بن ندبة:

السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع

الإعراب:

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) الواو عاطفة وأعدوا فعل أمر والواو فاعل ولهم جار ومجرور متعلقان بأعدوا، والمراد ناقضو العهد كما يقتضيه سياق الكلام أو للكفار مطلقا، وما مفعول به وجملة استطعتم صلة ومن قوة في موضع نصب على الحال من الموصول أو من العائد عليه ومن رباط الخيل عطف عليه.

(تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) جملة ترهبون حال من فاعل أعدوا أي حال كونكم مرهبين أو حال من مفعول أعدوا وهو الموصول أي حال كونه مرهبا به، وبه متعلق بترهبون وعدو الله مفعول ترهبون وعدوكم عطف على عدو الله وآخرين عطف على عدوكم، والمراد بهم اليهود ومن دونهم صفة لآخرين. (لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)

جملة لا تعلمونهم صفة لآخرين والله مبتدأ وجملة يعلمهم خبر والمفعول الثاني محذوف تقديره محاربين. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) الواو استئنافية وما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم لتنفقوا وتنفقوا فعل الشرط ومن شيء حال وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بتنفقوا ويوف جواب الشرط ونائب الفاعل مستتر وإليكم جار ومجرور متعلقان بيوف، وأنتم مبتدأ وجملة لا تظلمون خبر والجملة معطوفة. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الواو عاطفة وإن شرطية وجنحوا فعل ماض وهو فعل الشرط وللسلم جار ومجرور متعلقان بجنحوا والفاء رابطة واجنح فعل أمر ولها جار ومجرور متعلقان باجنح وتوكل عطف على اجنح وعلى الله متعلق بتوكل، وان واسمها، وهو ضمير فصل والسميع خبر أول والعليم خبر ثان، ويجوز أن يكون هو مبتدأ والسميع العليم خبراه والجملة خبر إنه.

الفوائد:

بحث في المؤنث

اعلم أن العرب قد أنثوا أسماء كثيرة بتاء مقدرة، ويستدل على ذلك التقدير: بالضمير العائد عليها، نحو: «النار وعدها الله الذين كفروا» ، «حتى تضع الحرب أوزارها» ، «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها» . وبالاشارة إليها نحو: «هذه جهنم» . وبثبوت التاء في تصغيرها نحو: أذينة وعيينة مصغر أذن وعين من الأعضاء المزدوجة، فإن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، وغير المزدوج مذكر كالرأس والقلب. أو بثبوت التاء في فعلها نحو: «ولما فصلت العير» وبسقوطها من عددها كقول حميد الأرقط يصف قوما عربية:

أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وأصبع فأذرع جمع ذراع وهي مؤنثة بدليل سقوط التاء من عددها وهو ثلاث.

هذا، والقاعدة المشهورة، هي أنه ما كان من الأعضاء مزدوجا، فالغالب عليه التأنيث إلا الحاجبين والمنخرين والخدين فإنها مذكرة، والمرجع السماع، وعد المنخرين من المزدوج لا ينافي عد الأنف من غيره لأن الأنف اسم للمنخرين معا وكل واحد يسمى منخرا لا أنفا، ومن المزدوج الكف فهي مؤنثة وزعم المبرد أنها قد تذكر وأنشد:

ولو كفي اليمين تقيك خوفا ... لأفردت اليمين عن الشمال

ولم يقل اليمنى، كذا قال المبرد، وهو وهم لأن اليمين مؤنثة بمنزلة اليمنى. وقال ابن يسعون: ذكر حملا على العضو ثم رجع إلى التأنيث، فقال: تقيك.

وما كان من الأعضاء غير مزدوج فالغالب عليه التذكير، ومن غير الغالب اللسان والقفا فإنهما قد يؤنثان.

8:62–64Page 185

وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢

But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers

وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣

And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤

O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.

اللغة:

(حَسْبَكَ) الحسب: بسكون السين الكفاية، يقال حسبك درهم، وتزاد عليه الباء فيقال بحسبك درهم أي كفايتك، وهذا رجل حسبك من رجل، وزيد صديقي فحسبي، أو فحسب، أي يكفيني ويغني عن غيره، وقال جرير:

إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا

فإذا تذوكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا

الإعراب:

(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) الواو عاطفة وإن شرطية ويريدوا فعل الشرط والواو فاعل، وأن وما في حيزها مصدر مفعول به، فإن الفاء رابطة وإن واسمها وخبرها والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) هو مبتدأ والذي خبره وجملة أيدك صلة وبنصره جار ومجرور متعلقان بأيدك وبالمؤمنين عطف على بنصره. (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) وألف عطف على أيدك وبين ظرف متعلق بألف وقلوبهم مضاف اليه. (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لو شرطية وأنفقت فعل وفاعل وما مفعول به وفي الأرض صفة وجميعا حال وما نافية وألفت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

الواو عاطفة أو استئنافية ولكن واسمها وجملة ألف بينهم خبر لكن وإن واسمها وخبراها والجملة تعليلية.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) حسبك خبر مقدم والله مبتدأ مؤخر أو بالعكس ومن عطف على الله وجملة اتبعك صلة ومن المؤمنين حال.

والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنين، أي كافيك الله وكافيك المؤمنون ويحتمل أن تكون بمعنى مع وما بعده منصوب، كما تقول: حسبك وزيدا درهم، والمعنى كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون، قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول: حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك، بإعادة الجار فلو كان قوله ومن اتبعك مجرورا لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس.

الفوائد:

حسب: قال أبو حيان: وحسبك مبتدأ مضاف إلى الضمير وليس مصدرا ولا اسم فاعل.

قال سيبويه: «قالوا حسبك وزيدا درهم لما كان فيه من معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قال: حسبك وبحسب أخاك درهم ولذلك كفيك» كفيك وهو من كفاه يكفيه، وكذلك قطك تقول: كفيك وزيدا درهم، وقطك وزيدا درهم، وليس هذا من باب المفعول معه وإنما جاء سيبويه به حجة للحمل على الفعل للدلالة. فحسبك يدل على كفاك ويحسبني مضارع أحسبني فلان إذا أعطاني حتى أقول حسبي. فالناصب في هذا فعل يدل عليه المعنى، وهو في: كفيك وزيدا درهم. أوضح لأنه مصدر للفعل المضمر أي ويكفي زيدا. وفي قطك وزيدا درهم التقدير فيه أبعد، لأن قطك ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه، إنما هو مفسر من حيث المعنى فقط. وفي ذلك الفعل المضمر فاعل يعود على الدرهم، والنية بالدرهم التقديم، فيصير من عطف الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه ولا عمله، فلا يتوهم ذلك فيه.

وقال الزجاج: «حسب اسم فعل والكاف نصب والواو بمعنى مع» ، فعلى هذا يكون الله فاعلا لحسبك، وعلى هذا التقدير يجوز في: ومن أن يكون معطوفا على الكاف لأنها مفعول باسم الفعل لا مجرور، لأن اسم الفعل لا يضاف، إلا أن مذهب الزجاج خطأ لدخول العوامل على حسبك، تقول: بحسبك درهم وقال تعالى:

«فإن حسبك الله» ولم يثبت كونه اسم فعل في مكان فيعتقد فيه أنه يكون اسم فعل واسما غير اسم فعل كرويد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском