Darwish · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:18–29
9:18–22Page 189
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
الإعراب:
(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ) إنما كافة ومكفوفة ويعمر مساجد الله فعل مضارع ومفعول به مقدم والمراد بعمارتها رمّ ما استرمّ منها، وتنظيفها وتنويرها وتعظيمها وتأثيثها بالرياش الفاخر المقتنى، ومن اسم موصول فاعل يعمر وجملة آمن صلة وما بعده عطف عليه وإعرابه ظاهر.
(وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) الواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم ويخش مجزوم بلم والفاعل مستتر يعود على من آمن وإلا أداة حصر ولفظ الجلالة مفعول به. (فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) الفاء الفصيحة وعسى فعل ماض من أفعال الرجاء وأولئك اسمها وأن يكونوا خبرها ومن المهتدين خبر يكونوا، أي فحال هؤلاء الموصوفين بالصفات الأربع مرجوة والعاقبة عند الله معلومة. (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) جملة مستأنفة مسوقة لخطاب المشركين على طريق الالتفات عن الغيبة في قوله «ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله» والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي وجعلتم سقاية الحاج فعل وفاعل ومفعول به أول وعمارة المسجد الحرام عطف على سقاية الحاج والكاف اسم بمعنى مثل مفعول به ثان ومن مضاف اليه وجملة آمن صلة ولا بد من حذف مضاف إما من الأول وإما من الثاني ليتصادق المجعولان والتقدير:
أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن أو أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان من آمن أو كعمل من آمن. (وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) عطف على آمن. (لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) استئناف مؤكد لإبطال المساواة أي لا يستوي الفريقان.
والله مبتدأ وجملة لا يهدي القوم الظالمين خبر، وقد أورد التعليل لنفي المساواة في المعنى. (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حالة الموصوفين بهذه الأوصاف الثلاثة المذكورة، والذين مبتدأ وآمنوا صلة وما بعده عطف عليه وأعظم خبر ودرجة تمييز وعند الله الظرف حال. (وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) مبتدأ وخبر وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان وقد تقدم نظيره. (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ) يبشرهم ربهم فعل مضارع ومفعول به وفاعل وبرحمة جار ومجرور متعلقان بيبشرهم ومنه صفة وبرضوان وجنات معطوفان على رحمة.
(لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ) لهم خبر مقدم وفيها حال ونعيم مبتدأ مؤخر ومقيم صفة (خالِدِينَ فِيها أَبَداً) خالدين حال مقدرة وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف متعلق بخالدين أيضا. (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) إن واسمها والظرف خبر مقدم وأجر مبتدأ مؤخر وعظيم صفة والجملة الاسمية خبر ان.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون من البلاغة نوردها فيما يلي:
أولا- التشبيه الصناعي وأغراضه:
1- التشبيه الذي خرج به الكلام مخرج الإنكار في قوله تعالى:
«أجعلتم سقاية الحاج وعمارة البيت الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر» فهذا إنكار على من جعل حرمة الجهاد كحرمة من آمن بالله واليوم الآخر وفي ذلك أوفى دلالة على تعظيم حال المؤمن بالإيمان وأنه لا يساوى به مخلوق ليس على صفته وهو أحد أغراض التشبيه الصناعي.
2- إخراج الأغمض إلى الأظهر بالتشبيه والى ما تقع عليه الحاسة كقوله تعالى: «والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا» وسيأتي مزيد من الكلام على هذه الآية.
3- ومنها إخراج ما لم تجربه العادة إلى ما جرت به العادة كقوله تعالى: «وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة» .
4- ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة كقوله تعالى: «وجنة عرضها السماوات والأرض» .
5- منها إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في الصفة كقوله تعالى: «وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام» .
6- ومنها بيان إمكان المشبه وذلك حين يسند اليه أمر مستغرب لا تزول غرابته إلا بذكر شبيه له كقول البحتري:
دان إلى أيد العفاة وشاسع ... عن كل ندّ في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السّارين جد قريب
فقد وصف البحتري ممدوحه في البيت الأول بأنه قريب للمحتاجين، بعيد المنزلة، بينه وبين نظرائه في الكرم بون شاسع، ولكن البحتري حينما أحس بأنه وصف ممدوحه بوصفين متضادين هما: القرب والبعد. أراد أن يبين لك أن ذلك ممكن وأن ليس في الأمر تناقض، فشبه ممدوحه بالبدر الذي هو في السماء ولكن ضوءه قريب جدا للسائرين بالليل.
7- ومنها بيان حاله وذلك حينما يكون المشبه غير معروف الصفة قبل التشبيه فيفيده التشبيه الوصف كقول النابغة:
كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فقد شبه النابغة ممدوحه بالشمس وشبه غيره من الملوك بالكواكب، لأن سطوة الممدوح تغض من سطوة كل ملك كما تخفي الشمس الكواكب، فهو يريد أن يبين حال الممدوح وحال غيره من الملوك.
8- ومنها تقرير حاله وذلك إذا كان المشبه معروف الصفة قبل التشبيه معرفة إجمالية، وكان التشبيه يبين مقدار هذه الصفة، كقوله تعالى: «والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه» فقد تحدثت الآية في شأن من يعبدون الأوثان وأنهم إذا دعوا آلهتهم لا يستجيبون لهم، ولا يرجع إليهم هذا الدعاء بفائدة، وقد أراد الله تعالى أن يقرر هذه الحال ويثبتها في الأذهان، فشبه هؤلاء الوثنيين بمن يبسط كفيه إلى الماء ليشرب فلا يصل الماء إلى فمه بالبداهة، لأنه يخرج من خلال أصابعه ما دامت كفاه مبسوطتين، ويأتي هذا الغرض حينما يكون المشبه أمرا معنويا لأن النفس لا تجزم بالمعنويات جزمها بالحسيات فهي في حاجة دائمة إلى الاقناع.
9- تزيين المشبه كقول أبي الحسن الأنباري في مصلوب:
مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات
وهذا البيت من قصيدة نالت شهرة بعيدة في الأدب العربي لا لشيء إلا لأنها حسنت ما أجمع الناس على قبحه والاشمئزاز منه وهو الصلب، فهو يشبه مد ذراعي المصلوب على الخشبة والناس حوله بمدّ ذراعيه بالعطاء للسائلين أيام حياته، والغرض من هذا التشبيه التزيين، وأكثر ما يكون هذا النوع في المديح والرثاء والفخر ووصف ما تميل اليه النفوس.
10- تقبيح المشبه كقول أحد الأعراب في ذم امرأته:
وتفتح- لا كانت- فما لو رأيته ... توهمته بابا من النار يفتح فهو يدعو على امرأته بالحرمان من الوجود فيقول لا كانت ويشبه فمها حينما تفتحه بباب من أبواب جهنم، والغرض من هذا التشبيه التقبيح، وأكثر ما يستعمل في الهجاء ووصف ما تنفر منه النفوس، ومنه قول المتنبي:
وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
هذا وسيأتي المزيد من بحث التشبيه فيما يأتي.
ثانيا- اللف والنشر:
في قوله تعالى: «يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم» بعد أن وصف المؤمنين بثلاث صفات وهي: الايمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال، فبدأ بالرحمة في مقابلة الايمان لتوقفها عليه وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، ثم ثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان، إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم دارا عظيمة دائمة وهي الجنات وهذا فنّ طريف عرّفوه: بأنه ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ثم يرده إلى ما هو له، أما قسم التفصيل فهو ضربان:
آ- أن يكون النشر على ترتيب اللف، بأن يكون الأول من المتعدد في النشر للأول من المتعدد في اللف والثاني للثاني وهكذا إلى الآخر. قال أحدهم: ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
وكالآية التي نحن بصددها.
ب- أن يكون النشر على غير ترتيب اللف كقول أبي فراس:
وشادن قال لي لما رأى سقمي ... وضعف جسمي والدمع الذي انسجما
أخذت دمعك من خدي وجسمك من ... خصري وسقمك من طرفي الذي سقما
وأما قسم الإجمال فهو أن تلف الشيئين في الذكر ثم تتبعهما كلاما مشتملا على متعلق بأحدهما ومتعلق بآخر من غير تعيين كقوله تعالى: «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» فذكر الفريقين على طريق الإجمال دون التفصيل ثم ذكر ما لكل منهما، فالمتعدد المذكور اجمالا هو الفريقان أو قولهما، والأصل: قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بينهما لعدم الالتباس وللثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله.
ثالثا: تنكير المبشر به وهو قوله: «يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات» لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرف.
9:23–24Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
اللغة:
(العشيرة) هي الأهل الأدنون، وقيل هم أهل الرجل الذين يتكثر بهم سواء بلغوا العشرة أم فوقها، وقيل: هي الجماعة المجتمعة بنسب أو عقد أو وداد كعقد العشرة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابه. (لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ) لا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وآباءكم مفعول به وإخوانكم عطف عليه وأولياء مفعول به ثان والجملة استئنافية مسوقة للرد على ما قالوه بعد ما أمر الله تعالى بالتبري من المشركين، فقد قالوا: كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه، فرد الله عليهم بذلك، أي أن مقاطعة الرجل أهله في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه وأخاه وابنه. (إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ) إن شرطية واستحبوا فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط والكفر مفعول استحبوا وعلى الايمان جار ومجرور متعلقان باستحبوا المتضمن معنى اختاروا. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويتولهم فعل الشرط وقد روعي فيه اللفظ فأفرد، ومنكم حال والفاء رابطة وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو ضمير مبتدأ والظالمون خبر أولئك أو هم والجملة خبر أولئك وقد روعي فيه جانب المعنى لمن. (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ) إن شرطية وكان واسمها وما بعده عطف عليه وأحب خبر كان وإليكم حال ومن الله جار ومجرور متعلقان بأحب ورسوله وجهاد في سبيله عطف على الله أي من الهجرة إليهما. (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الفاء رابطة وتربصوا فعل أمر وفاعل وحتى حرف غاية وجر ويأتي منصوب بأن مضمرة بعد حتى والله فاعل وبأمره جار ومجرور متعلقان بيأتي والله مبتدأ وجملة لا يهدي القوم الفاسقين خبر ومعنى الأمر هنا التهديد ومفعوله محذوف، أي انتظروا عقوبة عاجلة أو آجلة، وهذه الآية من أشد الآيات تهديدا وإرعادا وإبراقا وردعا لكل من تسول له نفسه إيثار الفانية على الباقية ومراعاة جانب الأهل والعشيرة وترك جانب الله.
9:25–27Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
اللغة:
(المواطن) جمع موطن والمواطن مثل الوطن، وفي المصباح:
«الوطن مكان الإنسان ومقره، والجمع أوطان مثل سبب وأسباب، والموطن مثل الوطن والجمع مواطن كمسجد ومساجد، والموطن أيضا:
المشهد من مشاهد الحرب» وعبارة الزمخشري: «مواطن الحرب مقاماتها وموافقها قال:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
أي كثير من مواطن الحرب لولاي موجود لطحت بكسر الطاء وضمها، من باع وقال أي هلكت فيها كما هوى منهو أي ساقط من قلة النيق أي من رأس الجبل. ومذهب سيبويه أن لولا حرف جر إذا وليها ضمير نصب ومذهب الأخفش أنه وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع على الابتداء، أما المبرد فقد أنكر وروده وهو محجوج بهذا البيت وغيره، وأراد الله تعالى بالمواطن الكثيرة الأماكن التي وقعت فيها وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وفي القاموس: الموطن: الوطن والمشهد من مشاهد الحرب، فلا حاجة عندئذ لتقدير مضاف كما ذهب بعضهم، والفعل منه وطن يطن من باب ضرب وطنا وأوطن إيطانا بالبلد أقام به، واستوطن البلد: اتخذه وطنا.
(حُنَيْنٍ) هو واد بين مكة والطائف، أي يوم قتالكم فيه هوازن وذلك في شوال سنة ثمان فهي عقيب الفتح وستأتي الإشارة إلى هذه الوقعة في باب الفوائد.
(رَحُبَتْ) في المختار: الرحب بالضم السعة يقال منه: فلان رحيب الصدر، والرحب بالفتح الواسع وبابه ظرف وقرب، والمصدر رحابة كظرافة ورحب كقرب اه.
الإعراب:
(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) جملة مستأنفة مسوقة لتذكير المؤمنين بآلائه عليهم واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونصركم الله فعل ومفعول به وفاعل وفي مواطن جار ومجرور متعلقان بنصركم وكثيرة صفة. (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) الواو عاطفة ويوم ظرف معطوف على قوله مواطن، ولا مانع من عطف الظرفين المكاني والزماني أحدهما على الآخر كعطف أحد المفعولين على الآخر والفعل واحد، إذ يجوز أن تقول: ضرب زيد عمرا في المسجد ويوم الجمعة، كما تقول ضربت زيدا وعمرا ولا يحتاج إلى إضمار فعل جديد غير الأول هذا مع أنه لا بد من تغاير الفعلين الواقعين بالمفعولين في الحقيقة. فإنك إذا قلت: اضرب زيدا اليوم وعمرا غدا لم يشك في أن الضربين متغايران بتغاير الظرفين، ومع ذلك الفعل واحد في الصناعة، فعلى هذا يجوز في الآية بقاء كل واحد من الظرفين على حاله غير مؤول إلى الآخر، على أن الزمخشري وغيره يوجبون تعدد الفعل وتقدير ناصب لظرف الزمان غير الفعل الأول وإن كانا جميعا زمانين لعلة أن كثرتهم لم تكن ثابتة في جميع المواطن ولذلك قدر الزمخشري محذوفا قال: «فإن قلت كيف عطف الزمان على المكان وهو يوم حنين على المواطن؟ قلت: معناه وموطن يوم حنين أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين ومقدم الحاج، على أن الواجب أن يكون يوم حنين منصوبا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر وموجب ذلك أن: إذ أعجبتكم بدل من يوم حنين فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن ولم يكونوا كثيرا في جميعها، فبقي أن يكون ناصبة فعلا خاصا به» .
وإذ ظرف لما مضى منصوب على البدلية من يوم حنين كما تقدم أو منصوب بإضمار اذكر وجملة أعجبتكم مضافة للظرف وأنفسكم فاعل.
ومنع بعضهم إبدال إذ من يوم حنين بل هو منصوب بفعل مقدر أي اذكروا إذ أعجبتكم كثرتكم. (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) الفاء عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتغن مضارع مجزوم بلم وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به. (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) وضاقت عطف على ما تقدم عليكم جار ومجرور متعلقان بضاقت والأرض فاعل والباء حرف جر بمعنى مع وما مصدرية أي مع رحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبسا بها تعني مع ثياب السفر. (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) عطف على ما تقدم ومدبرين حال من التاء في وليتم. (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ثم حرف عطف وتراخ وأنزل الله فعل وفاعله وسكينته مفعول به وعلى رسوله جار ومجرور متعلقان بأنزل وعلى المؤمنين عطف على رسوله. (وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها) وأنزل جنودا عطف على ما تقدم وجملة لم تروها صفة لجنودا. (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) عطف أيضا وذلك مبتدأ وجزاء الكافرين خبره (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عطف على ما تقدم مقترن بالتراخي ومن بعد ذلك حال وعلى من يشاء متعلقان بيتوب والله مبتدأ وغفور رحيم خبراه.
الفوائد:
استفاضت السير في الروايات لهذه الوقعة ويؤخذ منها أن المسلمين كانوا اثني عشر ألفا الذين حضروا فتح مكة منضما إليهم ألفان من الطلقاء عند ما التقوا مع هوازن وثقيف فيمن ضامّهم من امداد سائر العرب فكانوا الجم الغفير، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتتلوا اقتتالا شديدا، وأدركت المسلمين نشوة الإعجاب بالكثرة، وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود، فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت، في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام دابته وأبو سفيان ابن الحارث ابن عمه، روى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عبد الرحمن عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة، فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله، قال فتلقّانا عنده رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فانهزمنا وركبنا أكتافنا.
وهناك روايات كثيرة تختلف في سردها وتتفق في معناها على أن ذلك الموقف كان شهادة صدق على تناهي شجاعة النبي ورباطة جأشه، وأن الرجال تكثر بالنصر وتقل بالخذلان.
2- قال الصفاقسي: ظاهر كلام الزمخشري أولا منع عطف الزمان على المكان، ولم أر من نص عليه وفيه نظر، وأما وجوب إضمار الفعل فهو مبني على اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في متعلقات الفعل وهو ممنوع، وقد أشار إلى منعه ابن الحاجب في مختصره في الأصول.
والتحقيق والتدقيق إن قوله يوم حنين، إن جعلته عطفا على مواطن فالواو قائم مقام حرف الجر وهو «في» فكأنه قال: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة في يوم حنين، وهذا المعنى باطل لأنه يعين مكان النصرة وزمانها. ولا شك أنه ليس زمان النصرة في المواطن الكثيرة يوم حنين سواء أجعلت «إذ أعجبتكم» بدلا أم لا وأما إذا عطفت «ويوم حنين» على محل «في مواطن» كما هو الظاهر فحرف العطف قائم مقام «نصركم» العامل «في مواطن» فكأنه قال: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين خاصة وحينئذ جاز أن يكون «إذ أعجبتكم» بدلا من يوم، وهذا كما تقول: رأيت مرارا في مصر وليلة العيد إذ أفاض الناس من عرفة. هذا هو الصدق الحق الذي لا غطاء على وجهه المنير فلا تخش من قعقعة سلاح الزمخشري فإنها جعجعة من غير طحن ولكن جواد كبوة.
9:28–29Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
اللغة:
(نَجَسٌ) في القاموس: «النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك ككتف وعضد ضد الطاهر، وقد نجس كسمع وكرم وأنجسه ونجّسه فتنجّس، وداء ناجس ونجيس ككريم إذا كان لا يبرأ منه وتنجس فعل فعلا يخرج به عن النجاسة، والتنجيس اسم شيء من القذر أو عظام الموتى أو خرقة الحائض كان يعلق على من يخاف عليه من ولوع الجن به والمعوّذ منجّس» وجاء في شرح التاج على القاموس تعليقا على قوله المعوذ منجس: «قال ثعلب قلت لابن الاعرابي: لم قيل للمعوذ منجّس وهو مأخوذ من النجاسة؟ فقال: إن للعرب أفعالا تخالف معانيها ألفاظها يقال فلان يتنجّس إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة» وفي سجعات الأساس: «إذا جاء القدر لم يغن المنجم ولا المنجس، ولا الفيلسوف ولا المهندس» ، وعن الحسن في رجل تزوج امرأة كان قد زنى بها هو أنجسها فهو أحق بها.
(عَيْلَةً) فقر، وفي المصباح: العيلة بالفتح الفقر وهي مصدر عال يعيل من باب سار فهو عائل والجمع عالة وهو في تقدير فعلة مثل كافر وكفرة، وعيلان بالفتح اسم رجل ومنه قيس بن عيلان قال بعضهم:
ليس في كلام العرب عيلان بالعين المهملة إلا هذا، وفي المختار: وعيال الرجل من يعولهم وواحد العيال عيل والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل والمرأة معيلة، قال الأخفش أي صار ذا عيال» .
(الْجِزْيَةَ) سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء من القتل، ومن غريب أمر الجيم والزاي أنهما إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة دلتا على معنى الأخذ والشدة، فجزأت الشيء تجزئة، وشيء مجزأ أي مبعض، وذلك لا يتأتى إلا بالقوة والشدة، وبعير مجزىء قوي سمين لأنه يجزىء الراكب والحامل، وجزر لهم الجزّار نحر لهم جزورا وهم نحّارون للجزر، وأخذ الجازر جزارته وهي حقه وإياكم وهذه المجازر، ومنه الجزر والمدّ، والجزيرة والجزائر ويقال جزيرة العرب لأرضها ومحلتها لأن بحر فارس وبحر الحبش ودجلة والفرات قد أحدقت بها، وجزّ الشعر والزرع والنخيل، وهذا زمن الجزاز، ويقال: جزّوا ضأنهم وحلقوا معزهم، وجزع الوادي قطعة عرضا قال أبو تمام:
إليك جزعنا مغرب الملك كلما ... قطعنا ملا صلت عليك سباسبه
وهم بجزع الوادي وهو منعطفه، وتجزّع الشيء: تقطّع وتفرق، قال الراعي:
ومن فارس لم يحرم السيف خطّه ... إذا رمحه في الدارعين تجزّعا ومنه الجزع الظفاري لأن لونه قد يجزّع إلى بياض وسواد، قال امرؤ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
وجزف كذا اتباعه منه جزافا وبالجزاف، وجازفه في البيع مجازفة وجزافا، وحطب جزل قاس يابس. وأنشد ثعلب:
فويها لقدرك ويها لها ... إذا اختير في المحل جزل الحطب
وقال:
فأصبحت أنى تأتها تستجر بها ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وضرب الصيد فجزله جزلتين أي قطعتين، ومن المجاز رجل جزل: ذو عقل ورأي وقد جزل وما أبين الجزالة فيه، وهو جزل العطاء، وإن فعلت كذا فلك الذكر الجميل والثواب الجزيل، وامرأة جزلة ذات أرداف، وجزمت ما بيني وبينه قطعته، وجزم اليمين قطعها البتة، وجزم على كذا عزم عليه، وتقول هذا حكم جزم وقضاء حتم.
فإذا رجعنا لجزى رأينا عجبا من هذه المادة تقول يجزيك الله عني ويجازيك قال لبيد:
وإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) إنما كافة ومكفوفة والمشركون نجس مبتدأ وخبر أي ذوو نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فلا تنفك تلابسهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة عينها مبالغة في وصفهم بها، والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، أو هو مجاز عن خبث الباطن وفساد العقيدة. (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية ويقربوا مضارع مجزوم بها والواو فاعل والمسجد مفعول به والحرام صفة. (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) الظرف متعلق بيقربوا وعامهم مضاف إليه وهذا نعت لعامهم أو بدل منه وهو العام التاسع للهجرة. وفي هذا الحكم مسائل فقهية يرجع إليها في المظانّ المطولة. (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ) الواو عاطفة وإن شرطية وخفتم فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعيلة مفعول به، فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ويغنيكم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل والجملة في محل جزم جواب الشرط ومن فضله جار ومجرور متعلقان بيغنيكم وإن شرطية وشاء فعلها والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فسوف يغنيكم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ان واسمها وخبراها.
(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) جملة مستأنفة مسوقة للأمر بغزو المشركين، وقاتلوا فعل أمر وفاعل والذين مفعول به وجملة يؤمنون صلة وبالله متعلقان بيؤمنون ولا باليوم الآخر عطف على بالله.
(وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) عطف على ما تقدم وما مفعول يحرمون وجملة حرم الله ورسوله صلة. (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) الواو عاطفة ودين الحق يجوز أن يكون مصدر يدينون فهو مفعول مطلق، ويجوز أن يكون مفعولا به مع تضمين يدينون معنى يعتقدون.
ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي بدين الحق ولعله أظهر.
(مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) حال من الضمير في يدينون أو من الذين الأولى مع ما في حيزها وجملة أوتوا الكتاب صلة والكتاب مفعول به ثان. (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) حتى حرف غاية وجر ويعطوا منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجزية مفعول به وعن يد حال وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة (وَهُمْ صاغِرُونَ) حال ثانية وهم مبتدأ وصاغرون خبر.
البلاغة:
في قوله تعالى «عن يد» كناية عن الانقياد، يقال: أعطى فلان بيده إذا سلم وانقاد، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل: قاتلوهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد دون أن يكرهوا عليها ثم إن المراد بها إما يد المعطي وإما الآخذ ومعناه على إرادة يد المعطي حتى يعطوها عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه، وأما يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام عليهم لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم نعمة عظيمة عليهم، هذا وقد تقدمت مباحث الكناية وسيرد الكثير منها في حينه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences