DarwishAt‑Tawbah · 9:30–47

Darwish · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:30–47

9:30–32Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

اللغة:

(يُضاهِؤُنَ) في المصباح: ضاهأه مضاهأة مهموز عارضه وباراه، ويجوز التخفيف فيقال: ضاهيته مضاهاة وهي مشاكلة الشيء بالشيء.

(يُؤْفَكُونَ) يصرفون.

(أَحْبارَهُمْ) في المختار: الحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر، والحبر أيضا الأثر وفي الحديث: يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره، قال الفراء: أي هيئته ولونه. وقال الأصمعي:

الجمال والبهاء وأثر النعمة وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه.

والحبر بالفتح الحبور وهو السرور، وحبره أي سره، وبابه نصر، وحبرة أيضا بالفتح ومنه قوله تعالى: «فهم في روضة يحبرون» أي يسرون وينعمون ويكرمون، والحبر بالفتح والكسر واحد أحبار اليهود والكسر أفصح لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال الفراء:

هو بالكسر، وقال أبو عبيدة: هو بالفتح. وقال الأصمعي: لا أدري أنه بالفتح أو بالكسر، وقال: الحبر بالكسر منسوب إلى الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب والحبرة كالعنبة برد يماني والجمع حبر كعنب وحبرات بفتح الباء. وفي المنجد: الحبر والحبر بالفتح والكسر: العالم الصالح، السرور والنعمة، رئيس من رؤساء الدين، الحبر الأعظم: خلف السيد المسيح على الأرض، رئيس الكهنة عند اليهود، والجمع أحبار وحبور.

(رُهْبانَهُمْ) جمع راهب وهو من اعتزل الناس إلى دير طلبا للعبادة والمؤنث راهبة وجمعها راهبات ورواهب.

الإعراب:

(وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) الواو استئنافية وقالت اليهود فعل وفاعل وعزير مبتدأ وابن الله خبر ولذلك أثبتت ألف ابن لأنها تحذف إذا وقعت ابن صفة أو بدلا بين علمين، ونوّن عزير لأنه عربي فلم يبق فيه إلا علة واحدة وهي العلمية وقرىء بمنع الصرف باعتباره أعجميا، وقرىء قوله تعالى: «وقالت اليهود عزير ابن الله» على وجهين: بتنوين عزير لأن ابنا خبر عن عزير فجرى مجرى قولك زيد ابن عمرو، والقراءة الأخرى بمنع التنوين وهي على وجهين: أحدهما أن يكون عزير خبرا لمبتدأ محذوف وابن وصفا له فحذف التنوين من عزير لأن ابنا وصف له فكأنهم قالوا: هو عزير بن الله والوجه الآخر أن يكون جعل ابنا خبرا عن عزير وحذف التنوين لالتقاء الساكنين.

(وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) جملة مماثلة معطوفة على سابقتها وجملة المبتدأ والخبر مقول القول. (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) ذلك مبتدأ وقولهم خبر وبأفواههم حال وسيرد في باب البلاغة سر ذكر الأفواه. (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) الجملة حالية وقول مفعول به والذين مضاف إليه وجملة كفروا صلة ومن قبل حال. (قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) قاتلهم الله فعل ومفعول به وفاعل والجملة دعائية لا محل لها وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال مقدم ويؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل أي كيف يصرفون عن الحق. (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) اتخذوا فعل وفاعل وأحبارهم مفعول به ورهبانهم عطف على أحبارهم وأربابا مفعول به ثان ومن دون الله صفة لأربابا والمسيح عطف على أحبارهم والمفعول الثاني بالنسبة إليه محذوف أي ربا وابن صفة للمسيح أو بدل منه وثبتت الألف فيه لأنه صفة بين علمين والمسيح لقب واللقب من أقسام العلم (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) الواو للحال وما نافية وأمروا فعل ماضي مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر واللام للتعليل ويعبدوا منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وواحدا صفة إلها. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الجملة صفة ثانية لإلها وقد تقدم القول مفصلا في اعراب «لا إله إلا الله» . (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحان مفعول مطلق والهاء مضاف إليه وهو مصدر بمعنى التنزيه الله عن الإشراك به وعما متعلقان بسبحانه وجملة يشركون صلة ما. (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ) جملة يريدون حالية لتمثيل حالهم في محاولتهم أن يبطلوا نبوة محمد بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم وسيأتي بحث ذلك في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريدون ونور الله مفعول به وبأفواههم جار ومجرور متعلقان بيطفئوا. (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) ويأبى الله عطف على يريدون وإلا أداة حصر لأن الكلام على تقدير النفي لأن يأبى تجري مجرى لم يرد وأن وما في حيزها مفعول يأبى ولو الواو حالية ولو شرطية جوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره لأتمه ولم يبال بكراهتهم والجملة حالية والمعنى لا يريد الله إلا إتمام نوره ولو كرهوه وقد قيل: كيف دخلت «إلا» الاستثنائية على يأبى ولا يجوز كرهت أو أبغضت إلا زيدا، وقال الفراء: إنما دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد، وقال الزجاج: إن العرب تحذف مع أبى والتقدير ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره، وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس: وهذا أحسن كما قال الشاعر:

وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنا

البلاغة:

في قوله تعالى: «ذلك قولهم بأفواههم» إيهام بأن القول لا يكون إلا بالفم فما معنى ذكر أفواههم؟ ولكن السر كامن في الأفواه وهو أن ما تندبه لا يكون إلا مجرد قول لا يؤبه له ولا يعضده برهان ولا تنهض به حجة فما هو إلا لفظ فارغ وهراء لا طائل تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تنطوي على معان وما لا معنى له لا يعدو الشفتين.

9:33–35Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

اللغة:

(يَكْنِزُونَ) يجمعون ويدفنون، وفي المصباح: كنزت المال كنزا من باب ضرب جمعته وادخرته، وكنزت التمر في وعائه كنزا أيضا، وهذا زمن الكناز قال ابن السكيت: لم يسمع إلا بالفتح، وحكى الأزهري: كنزت التمر كنازا وكنازا بالفتح والكسر، والكنز المال المدفون معروف تسميته بالمصدر والجمع كنوز مثل فلس وفلوس، واكتنز الشيء اكتنازا اجتمع وامتلأ، وفي الأساس: وإنه لكنيز اللحم مكتنزه: صلبه، وناقة كناز اللحم، ومن المجاز: معه كنز من كنوز العلم وقال زهير:

عظيمين في عليا معد وغيرها ... ومن يستبح كنزا من المجد يعظم

وهذا كتاب مكتنز بالفوائد.

(الذَّهَبَ) معروف وهو يذكر ويؤنث، وله أسماء عديدة وهي:

نضر، نضار، نضير، زبرج، زخرف، عسجد، عقيان.

الإعراب:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ) الجملة مستأنفة وهو مبتدأ والذي خبره وجملة أرسل رسوله صلة وبالهدى أي بالقرآن متعلق بأرسل ودين الحق عطف على الهدى. (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) اللام للتعليل ويظهر منصوب بأن مضمرة والهاء مفعول به يعود على الرسول، وعلى الدين جار ومجرور متعلقان بيظهره وكله تأكيد للدين والواو حالية ولو شرطية وصلية وكره المشركون فعل وفاعل والمفعول به محذوف أي ذلك. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها. (إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) إن واسمها ومن الأحبار صفة لكثيرا والرهبان عطف على الأحبار وليأكلون اللام المزحلقة، وجملة يأكلون خبر إن وأموال الناس مفعول به بالباطل حال وسيأتي تحقيق الأكل في باب البلاغة. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عطف على يأكلون. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة يكنزون صلة والذهب مفعول يكنزون والفضة عطف على الذهب ولا ينفقونها عطف على يكنزون وفي سبيل الله متعلقان بينفقونها. (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الفاء رابطة لما في الشرط من معنى العموم ورائحة الشرط وبشرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب جار ومجرور متعلقان ببشرهم وأليم صفة وجملة بشرهم خبر، والأحسن أن يكون الذين منصوبا بتقدير بشر الذين يكنزون (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) الظرف متعلق بقوله بعذاب أليم وقيل بمحذوف يدل عليه عذاب أي يعذبون يوم يحمى أو بمحذوف تقديره اذكر وجملة يحمى مضافة للظرف ويحمى يحتمل أن يكون من حميت وأحميت ثلاثيا ورباعيا يقال حميت الحديدة وأحميتها أي أوقدت عليها لتحمى ونائب الفاعل المحذوف هو النار تقديره يوم تحمى النار عليها، فلما حذف نائب الفاعل ذهبت علامة التأنيث لذهابه كقولهم رفعت القصة إلى الأمير ثم تقول رفع إلى الأمير، وعليها في محل رفع نائب فاعل كما تقدم وفي نار جهنم متعلق بيحمى، فتكوى الفاء عاطفة وتكوى عطف على تحمى وبها متعلقان بتكوى وجباههم نائب فاعل وجنوبهم وظهورهم عطف على جباههم وسيأتي سر تخصيص هذه الأعضاء في باب البلاغة.

(هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) الجملة مقول القول محذوف أي يقال لهم، وهذا مبتدأ وما خبره وجملة كنزتم صلة ولأنفسكم متعلقان بكنزتم.

(فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) الفاء الفصيحة وذوقوا فعل أمر وفاعل وما مفعول به وجملة كنتم تكنزون صلة وجملة تكنزون خبر كنتم.

البلاغة:

في هذه الآيات فنون عديدة من أفانين البلاغة نجملها فيما يلي:

1- الاستعارة في أكل الأموال إذ هي مما لا يؤكل ولكن الأكل استعير للأخذ ومعنى أكلهم بالباطل، أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام.

2- أفرد الضمير في قوله «ينفقونها» مع أنه ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ذهابا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة.

3- خصص الجباه والوجوه والظهور لأنهم كانوا يتوخون من جمع الأموال واكتنازها الأغراض الدنيوية التي يرفعون بها جباههم ويصونون ماء وجوههم، يحتفل بهم الناس لدى رؤيتهم إياهم ويطرحون مناعم الثياب على ظهورهم، وهذه أسرار انفرد بها القرآن العزيز.

الفوائد:

روى التاريخ أن أبا ذر قال: نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب وفي المسلمين ووجه هذا القول أن أهل الكتاب موصوفون بالحرص على أخذ المال من أي وجه، ثم ذكر الله بعد ذلك وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء أكان من أهل الكتاب أم من المسلمين.

روى مسلم عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أبو ذرّ فقلت له: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله» فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إلي أن أقدم المدينة، فقدمتها فازدحم علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا منا فهذا هو الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا عليّ عبدا حبشيا لسمعت وأطعت.

حديث هام عن الذهب والفضة:

وروى سالم بن الجعد انها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبا للذهب تبا للفضة، قالها ثلاثا، فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟

قال: لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه. هذا وقد اختلف العلماء في حد رأس المال فقال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز، وردوا عليه بأن هذا معقول قبل أن تفرض الزكاة وهناك كلام طويل يرجع إليه في المطولات وليس هو من غرض هذا الكتاب.

9:36–37Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

اللغة:

(النَّسِيءُ) مصدر نساء إذا أخره، يقال: نسأه نسئا ونسيئا ونساء كقولك مسّه مسّا ومساسا ومسيسا، وقيل هو فعيل بمعنى مفعول من نسأه إذا أخره فهو منسوء، ثم حوّل مفعول إلى فعيل كما حوّل مقتول إلى قتيل، وفي المختار: والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذا النساء بالفتح والمد التأخير والنسيء في الآية فعيل بمعنى مفعول من قولك نسأه من باب قطع أي أخره فهو منسوء فحوّل منسوء إلى نسيء كما حول مقتول إلى قتيل والمراد به هنا تأخير حرمة المحرم إلى صفر وسيأتي في باب الفوائد تفصيل ذلك.

الإعراب:

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) إن واسمها والشهور مضاف إليه وعند الله ظرف متعلق بمحذوف حال أي في حكمه واثنا خبر إن مرفوع بالألف لأنه مثنى وعشر جزء عددي مبني على الفتح وشهرا تمييز وهي الشهور القمرية المعروفة. (فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) في كتاب الله صفة لاثني عشر ويوم ظرف متعلق بمحذوف أو بكتاب الله إن جعل مصدرا والمعنى: إن هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الكائنات وقيل يوم خلق بدل من قوله عند الله والتقدير ان عدة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، وفائدة الإبدالين تقرير الكلام في الأذهان، وجملة خلق مضاف إليها الظرف. (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) منها خبر مقدم وأربعة مبتدأ مؤخر وحرم صفة والجملة صفة ثانية لاثني عشر شهرا وهي ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ذلك مبتدأ والدين خبر والقيم صفة. (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) الفاء الفصيحة ولا الناهية وتظلموا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفيهن متعلقان بتظلموا وأنفسكم مفعول به. (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) الواو عاطفة وقاتلوا فعل أمر والواو فاعل والمشركين مفعول به وكافة حال من الفاعل أو المفعول وهي في الأصل مصدر معناه جميعا ولا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أل ولا يتصرف فيه بغير الحال، هذا ما قرره النحاة بشأن كافة، ولكن صحح الشهاب الخفاجي أن يقال جاءت الكافة، وأطال البحث فيه في شرح الشفاء، وقال شارح اللباب: إنه استعمل مجرورا واستدل له بقول عمر بن الخطاب: «على كافة بيت مال المسلمين» ، وقال ابراهيم الكوراني: من قال من النحاة: إن كافة لا تخرج عن النصب فحكمه ناشىء عن استقراء ناقص، واستعملها الزمخشري مجرورة بالكاف في خطبة كتابه «المفصل» فقال:

«محيط بكافة الأبواب» كما استعملها في غير الأناسي. كما الكاف بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف أو هي حرف جر وما مصدرية مؤولة مع ما في حيزها بمصدر صفة لمصدر محذوف أي قتالا كقتالكم وقد تقدمت له نظائر فجدد به عهدا. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا وأن واسمها ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر. (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) إنما كافة ومكفوفة والنسيء مبتدأ وزيادة خبر وفي الكفر متعلق بزيادة. (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) فعل وفاعل وبه متعلقان به والذين كفروا فاعله وقرىء يضل به الذين كفروا بالبناء للمجهول والجملة خبر ثان للنسيء. (يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) الجملة تفسيرية للضلال فلا محل لها ويجوز أن تعرب حالية وعاما ظرف متعلق بيحلونه. (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) اللام للتعليل وهي مع مجرورها المؤول متعلقة بيحرمونه أو بيحلونه حسب قانون التنازع وعدة مفعوله وما موصول مضاف إليه وجملة حرم الله صلة. (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ) عطف على ليواطئوا وما مفعول يحلوا. (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ) الجملة حالية من الفاعل أي مزينين أو استئنافية ولعله أولى، ولهم متعلقان بزين وسوء أعمالهم فاعل.

(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) مبتدأ وجملة لا يهدي خبر.

الفوائد:

ما يقوله التاريخ عن النسيء:

روى التاريخ أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم وتعظيمها وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم إلى الأشهر الحلال فنسئوا يعني: أخروا تحريم شهر إلى شهر آخر فنزلت.

وقال المبرد في كامله: «نسأ الله في أجلك، ونسأ الله أجلك، وأنسأ الله أجلك، والنسيء من هذا ومعناه تأخير شهر عن شهر، وكانت النسأة من بني مذلج بن كنانة فأنزل الله عز وجل «إنما النسيء زيادة في الكفر» لأنهم كانوا يؤخرون الشهور فيحرمون غير الحرام ويحلون غير الحلال لما يقدرونه من حروبهم وتصرفهم فاستوت الشهور لما جاء الإسلام» .

9:38–40Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

اللغة:

(اثَّاقَلْتُمْ) أصله تثاقلتم فأبدلت التاء ثاء ثم أدغمت في الثاء ثم اجتلبت همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن وأنشد الكسائي:

تولي الضجيع إذا ما اشتاقها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتّابع القبل

(الغار) الكهف ويجمع على أغوار وغيران، وألفه منقلبة عن واو وغار حراء نقب في جبل ثور عن يمين مكة على مسيرة ساعة.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها. (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) ما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وإذا طرف مستقبل متعلق باثاقلتم وقيل فعل ماض مبني للمجهول ولكم جار ومجرور متعلقان به وانفروا فعل أمر وفاعل والجملة مقول القول وفي سبيل الله متعلقان بانفروا وجملة اثاقلتم حال وإلى الأرض متعلقان باثاقلتم، والمعنى: أي شيء لكم من الأعذار حالة كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم انفروا أي اخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة تسع بعد رجوعهم من الطائف وقد استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وتكالب العدو فشق عليهم.

(أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) الاستفهام للانكار والتوبيخ المقترنين بالتعجب ورضيتم فعل وفاعل وبالحياة جار ومجرور متعلقان برضيتم والدنيا صفة ومن الآخرة متعلقان بمحذوف حال أي بديلا من الآخرة. (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) الفاء الفصيحة وما نافية ومتاع مبتدأ والحياة مضاف إليه والدنيا صفة وفي الآخرة متعلقان بمحذوف حال أي محسوبا في جنب الآخرة وإلا أداة حصر وقليل خبر متاع ويجوز تعليق في الآخرة بقليل وقد سمى الشهاب «في» الداخلة على الآخرة قياسية أي بالقياس إلى الآخرة ولعمري ليس ببعيد. (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) إن شرطية ولا نافية وتنفروا فعل الشرط ويعذبكم جوابه وعذابا مفعول مطلق وأليما صفة ويستبدل عطف على يعذبكم وقوما مفعول به وغيركم صفة ل «قوما» . (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولا تضروه عطف على يستبدل والواو فاعل والهاء مفعول به وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر والله مبتدأ وقدير خبره وعلى كل متعلقان بقدير. (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) إن شرطية ولا نافية وقد أدغمتا كما تقدم وتنصروه فعل الشرط والفاء رابطة وجملة قد نصره الله جواب الشرط وقد علله الزمخشري تعليلا حسنا إذ قال: «فإن قلت كيف يكون قد نصره الله جوابا للشرط قلت فيه وجهان أحدهما إلا تنصروه في المستقبل فسينصر من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد فدل بقوله قد نصره الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت، والثاني أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا في ذلك الوقت فلن يخذل من بعده، واتفق المفسرون على أن الجواب محذوف لأن غزوة تبوك في التاسعة، وقوله إذ أخرجه الذين كفروا قبل ذلك بكثير وقالوا فقد نصره الله بمثابة تعليل للجواب المحذوف وهذا قريب من قول الزمخشري الأول. (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) الظرف متعلق بنصره الله وجملة أخرجه في محل جر باضافة الظرف إليها والذين فاعل وجملة كفروا صلة وثاني اثنين حال من الهاء في أخرجه والتقدير إذ أخرجه الذين كفروا حال كونه منفردا عن جميع الناس إلا أبا بكر، واثنين مضاف إليه وإذ بدل من إذ الأولى أي فيفرض زمن إخراجه ممتدا بحيث يصدق على زمن استقرارهما في الغار وزمن القول المذكور فهو بدل بعض من كل، وهما مبتدأ وفي الغار خبر والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها.

(إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) إذ بدل أيضا وجملة لا تحزن مقول القول وجملة إن الله معنا تعليلية وإن واسمها والظرف متعلق بمحذوف خبرها. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) الفاء عاطفة وأنزل الله سكينته فعل وفاعل ومفعول به وعليه متعلقان بأنزل وأيده عطف على أنزل وبجنود جار ومجرور متعلقان بأيده وجملة لم تروها صفة لجنود (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا) الواو عاطفة أيضا وجعل فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله وكلمة مفعول به والذين مضاف إليه وجملة كفروا صلة والسفلى مفعول به ثان لجعل وكلمة الواو حالية وكلمة الله مبتدأ وهي ضمير فصل أو مبتدأ والعليا خبر كلمة أو خبر هي والجملة خبر كلمة. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الله مبتدأ وعزيز حكيم خبراه.

9:41–43Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

اللغة:

(خِفافاً وَثِقالًا) اختلفت عبارات المفسرين فيهما ولكنها ترجع إلى منبع واحد، أي انفروا على الصفة التي يخفّ عليكم فيها الجهاد، وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها الجهاد، وهذان الوصفان من العموم والشمول بحيث تندرج تحتهما جميع الأقسام وستأتي قصة والي حمص في باب الفوائد.

(عَرَضاً) العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها ومن أقوالهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر.

(قاصِداً) : السفر القاصد هو الوسط المقارب.

(الشُّقَّةُ) : المسافة الشاطة الشاقة.

الإعراب:

(انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) انفروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وخفافا وثقالا حالان وجاهدوا عطف على انفروا وبأموالكم جار ومجرور متعلقان بجاهدوا وأنفسكم عطف على بأموالكم وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بجاهدوا أيضا. (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ذلكم مبتدأ أي المذكور من الأمرين وهما انفروا وجاهدوا وخير خبر ولكم متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل الشرط وجملة تعلمون خبر كنتم وجواب الشرط محذوف أي فجاهدوا أو فلا تثاقلوا. (لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ) لو شرطية امتناعية وكان عرضا كان واسمها مستتر تقديره الشأن أي ما دعوا إليه وعرضا خبرها، وسفرا قاصدا عطف عليه، لاتبعوك: اللام واقعة في جواب لو واتبعوك فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها. (وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل للتخفيف وبعدت عليهم الشقة فعل وفاعل وعليهم متعلقان ببعدت والجملة حالية. (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) الواو استئنافية والسين للاستقبال وبالله متعلقان بيحلفون وجملة لو استطعنا جواب القسم وجملة لخرجنا جواب لو ولك أن تجعل جملة لو استطعنا مقول قول محذوف منصوب على الحال أي قائلين فتكون لخرجنا سادّة مسد القسم والشرط جميعا ومعكم ظرف متعلق بخرجنا. (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) جملة يهلكون أنفسهم بدل من سيحلفون أو حال أي مهلكين وأنفسهم مفعول به والله مبتدأ وجملة يعلم خبر وان واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي يعلم. (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) جملة دعائية قدم «عفا» فيها في معرض المعاتبة تليينا لقلب الرسول ورأفة به وقد أخطأ الزمخشري إذ فسره بقوله: أخطأت وبئس ما فعلت، ولقد أحسن من قال في هذه الآية إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب ولو قال له ابتداء لم أذنت لهم لتفطر قلبه. ولم: اللام حرف جر دخل على ما الاستفهامية فحذف ألفها وقد تقدم حكمها وكلتا اللامين متعلقة بالإذن لاختلافهما في المعنى، فالأولى للتعليل والثانية للتبليغ والضمير المجرور لجمع المستأذنين وتوجيه الإنكار إلى الإذن لشموله الجميع. (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) حتى حرف غاية وجر أي إلى أن يتبين لك من صدق في عذره ممن كذب فيه ولك متعلقان بيتبين والذين فاعل وجملة صدقوا صلة وتعلم عطف على يتبين والكاذبين مفعول به.

الفوائد:

قصة والي حمص والدمشقي:

ونروي بصدد الجهاد والدعوة إلى الاستنفار القصة الرائعة التالية ونكتفي بها لأن مباحث الجهاد والاستنفار مبسوطة في المطولات:

فعن صفوان بن عمر قال: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت:

يا عم لقد أعذر الله إليك فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أن من يحبه الله يبتليه.

تكثير السواد وحفظ المتاع:

وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: انك عليل صاحب ضرر فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

9:44–47Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

اللغة:

(وَلَأَوْضَعُوا) أي لسعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين، وأصل الإيضاع الإسراع.

الإعراب:

(لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير ما يستدل منه على أن المؤمنين ليس من عادتهم أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ويستأذنك فعل مضارع ومفعول به والذين فاعل وجملة يؤمنون صلة وبالله جار ومجرور متعلقان بيؤمنون واليوم الآخر معطوف على الله. (أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) أن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض أي في الجهاد وهو متعلق بيستأذنك وبأموالهم جار ومجرور متعلقان بيجاهدوا وأنفسهم عطف على أموالهم والله مبتدأو عليم خبر وبالمتقين متعلقان بعليم.

(إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إنما كافة ومكفوفة وما بعده تقدم إعرابه والمعنى إن الذين يستأذنون هم المترددون المتحيرون، أما المستبصرون المؤمنون فهم مستقرون على ما عزموا عليه وما هو واجب عليهم، وهذا من أرقى أفانين الأدب الواجبة الاحتذاء، فانه لا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي إليه معروفا كما لا يليق بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه، فإن الاستئذان في هذا الموطن دليل التكلف، وخليق بذوي المروءة وأرباب الفتوة أن لا يتثاقلوا إذا ندبوا إلى أمر جدير بالمروءة قال طرفة:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

وقال آخر:

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا

وأشعارهم طافحة بذلك.

(وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) عطف على لا يؤمنون وارتابت قلوبهم فعل وفاعل أي شكت في الدين، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وفي ريبهم جار ومجرور متعلقان بيترددون وجملة يترددون خبر.

(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) كلام معطوف أيضا ولك أن تجعله مستأنفا ولو شرطية وأرادوا الخروج فعل وفاعل ومفعول به واللام واقعة في جواب لو وأعدوا فعل وفاعل وله متعلقان بأعدوا وعدة مفعول به. (وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ) الواو عاطفة على محذوف كأنه قيل ما خرجوا ولكن كره الله انبعاثهم. (فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) الفاء عاطفة وثبطهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وقيل فعل ماض مبني للمجهول لأن القائل محتمل أن يكون عائدا إلى الله ويحتمل أن يكون عائدا إلى ما ركز في أنفسهم من الشقاء وسوء المصير واقعدوا فعل أمر وفاعل ومع ظرف متعلق باقعدوا والقاعدين مضاف إليه وسيرد في باب البلاغة سر قوله مع القاعدين. (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) كلام مستأنف مسوق لتقرير المفاسد المترتبة على خروجهم وخرجوا فعل وفاعل وفيكم متعلقان بخرجوا وجملة ما زادوكم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وزادوكم فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر وخبالا مفعول به ثان والاستثناء هنا متصل لا منقطع لأن الاستثناء المنقطع هو أن بكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك: ما زادوكم خيرا إلا خبالا والمستثنى منه غير مذكور في الآية وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء فكان استثناء متصلا لأن الخبال بعض أعمّ العام كأنه قيل ما زادوكم شيئا إلا خبالا، والخبال الفساد والشر وذلك بتخذيل المؤمنين وإدخال الوهن في قلوبهم.

(وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ولأوضعوا معطوف على ما زادوكم واللام واقعة في جواب لو وخلالكم منصوب على الظرفية ومتعلق بأوضعوا أي سعوا بينكم بالنمائم والإغراء، وجملة يبغونكم حال من فاعل أوضعوا أي لأسرعوا فيما بينكم باغين فتنتكم، والفتنة مفعول يبغونكم والكاف منصوب بنزع الخافض أي يبغون لكم الفتنة.

(وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) الواو للحال وفيكم خبر مقدم وسماعون مبتدأ مؤخر ولهم متعلقان بسماعون والمعنى وفيكم عيون لهم يتجسسون عليكم وينقلون إليهم أخباركم ويكشفون لهم خططكم، والله مبتدأ وعليم خبر وبالظالمين متعلق بعليم.

البلاغة:

في الآية التميم بذكر مع القاعدين وعدم الاكتفاء بذكر اقعدوا، لأنه لو اقتصر على الأمر لم يفد سوى القعود، ولكنه أراد أن ينظمهم في سلك الزمنى والمرضى وأصحاب العاهات والمعتوهين والنساء والصبيان الذين من شأنهم الجثوم في البيوت بأنهم الموصوفون عند الناس بالتخلف والتقاعد والموسومون بسمة التلكؤ والجبانة. وسيرد المزيد من هذا الفن العجيب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском