Ibn 'AdilAl‑Isra · 17:71–77

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:71–77

17:71Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

لما ذكر كرامات الإنسان في الدُّنيا، شرح درجات أحواله في الآخرة.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ﴾ : فيه أوجه:

أحدها: أنه منصوبٌ على الظرفية، والعامل «فضَّلنَاهُمْ» أي: فضَّلناهم بالثواب يوم ندعُو، قال ابن عطيَّة في تقريره: وذلك أنَّ فضل البشر على سائر الحيوان يوم القيامة بيِّنٌ، إذ هم المكلَّفون المنعَّمون المحاسبون الذين لهم القدرُ؛ إلا أنَّ هذا يردُّه أنَّ الكفار [يومئذٍ] أخسرُ مِنْ كلِّ حيوانٍ؛ لقولهم: ﴿ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: 40] .

الثاني: أنه منصوبٌ على الظرف، والعامل فيه «اذكُرْ» قاله الحوفيُّ وابن عطيَّة، وهذا سهوٌ؛ كيف يعمل فيه ظرفاً؟ بل هو مفعولٌ.

الثالث: أنه مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وإنما بُنِيَ لإضافته إلى الجملة الفعلية، والخبر الجملة بعده، قال ابن عطيَّة في تقريره: ويصحُّ أن يكون «يوم» منصوباً على البناء، لمَّا أضيف إلى غير متمكِّنٍ، ويكون موضعه رفعاً بالابتداء، وخبره في التقسيم الذي أتى بعده في قوله «فَمنْ أوتِي كِتابَهُ» إلى قوله «ومَنْ كَانَ» قال أبو حيان: قولهُ «منصوبٌ على البناء» كان ينبغي أن يقول: مبنياً على الفتح، وقوله «لمَّا أضيف إلى غير متمكِّن» ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ المتمكِّن وغير المتمكِّن، إنما يكون في الأسماءِ، لا في الأفعالِ، وهذا أضيف إلى فعلٍ مضارع، ومذهبُ البصريين فيه أنه معربٌ، والكوفيون يجيزون بناءه، وقوله: « [والخبر] في التقسيم» إلى آخره، التقسيم عارٍ من رابطٍ يربط جملة التقسيم بالابتداء. قال شهاب الدين: الرابط محذوفٌ للعلم به، أي: فمن أوتي كتابه فيه.

الرابع: أنه منصوب بقوله «ثُمَّ لا تجِدُوا» قاله الزجاج.

الخامس: أنه منصوب ب «يُعِيدكُمْ» مضمرة، أي: يعيدكم يوم ندعو.

السادس: أنه منصوبٌ بما دلَّ عليه «ولا يُظلَمُونَ» بعده، أي: لا يظلمون يوم ندعو، قاله ابن عطية وأبو البقاء.

السابع: أنه منصوب بما دلَّ عليه «متى هو» .

الثامن: أنه منصوبٌ بما تقدَّمه من قوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 52] .

التاسع: أنه بدلٌ من «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ» . وهذان القولان ضعيفان جدًّا؛ لكثرة الفواصل.

العاشر: أنه مفعول به بإضمار «اذكر» وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممَّا تقدَّم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثيرٌ.

وقرأ العامة «نَدْعُو» بنون العظمة، ومجاهدٌ «يَدعُو» بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو الملك، و «كُلَّ» نصْبٌ مفعولاً به على القراءتين.

وقرأ الحسن فميا نقله الدَّانيُّ عنه «يُدعَى» مبنيًّا للمفعول «كُلُّ» مرفوعٌ؛ لقيامه مقام الفاعل، وفيما نقله عنه غيره «يُدْعَوْ» بضم الياء، وفتح العين، بعدها واوٌ، وخرجت على وجهين:

أحدهما: أن الأصل: «يُدْعَوْنَ» فحذفت نون الرفع، كما حذفت في قوله - صلوات الله وسلامه عليه -:

«لا تَدْخُلُوا الجَنَّة حتَّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتَّى تَحابُّوا» وقوله: [الرجز]

3446 - أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي ... وجْهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي

و «كلُّ» مرفوع بالبدلِ من الواو التي هي ضميرٌ، أو بالفاعلية، والواو علامة على لغة «يَتعاقَبُون فِيكُمْ مَلائِكةٌ» .

والتخريج الثاني: أنَّ الأصل «يُدْعَى» كما نقله عنه الدَّاني، إلاَّ أنه قلب الألف واواً وقفاً، وهي لغة قومٍ، يقولون: هذه أفْعَوْ وعَصَوْ، يريدون: أفْعى وعَصَا، ثم أجري الوصل مجرى الوقفِ. و «كُلُّ» مرفوعٌ لقيامه مقام الفاعل على هذا، ليس إلا.

قوله تعالى: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ يجوز أن تكون الباء متعلقة بالدعاء، أي: باسم إمامهم، قال مجاهدٌ: بِنَبِيِّهِمْ.

ورواه أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مرفوعاً، فيقال: يا أمَّة فلانٍ، وقال أبو صالحٍ والضحاك: بِكتَابهمْ.

وقال الحسنُ وأبو العاليةِ: بأعمَالِهمْ.

وقال قتادة: بكتابهم الذي فيه أعمالهم؛ بدليل سياق الآية. وقوله تعالى: ﴿أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [يس: 12] .

وعن انب عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسعيد بن جبيرٍ: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالٍ أو هدًى.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41] .

وقيل: بمعبودهم.

وأن تكون للحالِ، فيتعلق بمحذوفٍ، أي: ندعوهم مصاحبين لكتابهم، والإمامُ: من يقتدى به، وقال الزمخشريُّ: «ومن بدعِ التفاسير: أن الإمام جمع» أمٍّ «وأنّ الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وأن الحكمة فيه رعايةُ حقِّ عيسى - صلوات الله عليه -، وإظهار شرف الحسن والحسين، وألاَّ يفضح أولادُ الزِّنى» قال: وليت شعري أيُّهما أبدعُ: أصحَّة لفظه، أم بهاءُ حكمته؟ «.

وهو معذورٌ لأنَّ» أم «لا يجمع على» إمام «هذا قول من لا يعرف الصناعة، ولا لغة العرب، وأمَّا ما ذكروه من المعنى، فإنَّ الله تعالى نادى عيسى - صلوات الله عليه - باسمه مضافاً لأمِّه في عدَّة مواضع من قوله ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 110] ، وأخبر عنه عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وكرَّم وجهه.

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وحمل على اللفظ أولاً في قوله ﴿أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ فأفرد، وعلى المعنى ثانياً في قوله:» فأولَئِكَ» فجمع. لأن من أوتي كتابه في معنى الجمع.

ثم قال: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ .

الفَتِيلُ: القشرة التي في شقِّ النَّواة، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه إذا رام الإنسان إخراجهُ انفتل، وهذا مثلٌ يضرب للشَّيء الحقير التَّافهِ، ومثله: القطميرُ والنَّقير.

والمعنى: لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيلٍ ونظيره ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم: 60] وروى مجاهدٌ عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: الفتيلُ هو الوسخُ الذي يفتلهُ الإنسانُ بين سبَّابته وإبهامه.

وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ.

فإن قيل: لم خصَّ أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أنَّ أهل الشِّمال يقرءونه؟! فالجواب: الفرق بينهما أنَّ أهل الشِّمال، إذا طالعوا كتابهم، وجدوه مشتملاً على المهلكاتِ العظيمة، والقبائح الكاملة، والمخازِي الشديدة، فيستولي الخوف والدهشة على قلبهم، ويثقل لسانهم، فيعجزوا عن القراءةِ الكاملة، وأما أصحاب اليمين، فعلى العكس، فلا جرم أنَّهم يقرءون كتابهم على أحسن الوجوه، ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم، بل يقولون لأهل المحشر: ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ [الحاقة: 19] فظهر الفرق.

17:72Page 289

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه﴾ : يجوز في «مَنْ» ما جاز في «مَنْ» قبلها، وأمال الأخوان وأبو بكر «أعْمَى» في الموضعين من هذه السورة، وأبو عمرو أمال الأول، دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإمالة؛ لكونهما من ذوات الياء، والتفخيمُ؛ لأنه الأصل، وأمَّا أبو عمرو، فأمال الأول؛ لأنه ليس أفعل تفضيلٍ، فألفه متطرفةٌ لفظاً وتقديراً، والأطرافُ محل التغيير غالباً، وأمَّا الثاني، فإنه للتفضيلِ، ولذلك عطف عليه «وأضلُّ» فألفه في حكم المتوسطة؛ لأنَّ «مِن» الجارَّة للمفضولِ، كالملفوظ بها، وهي شديدة الاتصال بأفعلِ التفضيلِ، فكأنَّ الألف وقعت حشواً، فتحصَّنتْ عن التغيير.

كذا قرَّره الفارسي والزمخشري، وقد ردَّ هذا بأنهم أمالوا ﴿وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ﴾ [المجادلة: 7] مع التصريح ب «مِنْ» فلأن يميلوا «أعْمَى» مقدراً معه «مِنْ» أولى وأحرى.

وأمَّا «أعْمَى» في طه [الآية: 124] فأماله الأخوان، وأبو عمرو، ولم يمله أبو بكر، وإن كان يميله هنا، وكأنه جمع بين الأمرين، وهو مقيَّد باتِّباع الأثر، وقد فرَّق بعضهم: بأنَّ «أعمى» في طه من عَمَى البصر، وفي الإسراء من عمى البصيرة؛ ولذلك فسَّروه هنا بالجهل فأميل هنا، ولم يملْ هناك؛ للفرق بين المعنيين، والسؤال باقٍ؛ إذ لقائلٍ أن يقول: فَلِمَ خُصِّصَتْ هذه بالإمالةِ، ولو عكسَ الأمر، لكان الفارقُ قائماً.

ونقل ابن الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن أبي عليٍّ الفارسيِّ، قال: الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أنَّ المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى، وبهذا التفسير تكون هذه الكلمة تامَّة، فتقبل الإمالة، وأما في الكلمة الثانية، فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل، وبهذا التقدير: لا تكونُ تامة؛ فلم تقبل الإمالة.

فصل

قال عكرمة: جاء نفرٌ من أهل اليمن إلى ابن عبَّاس، فسأله رجلٌ عن هذه الآية، فقال: اقْرَأ ما قبلها، فقرأ ﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ﴾ [الإسراء: 66] إلى قوله ﴿تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70] .

فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعمِ المذكورة في الآيات المتقدمة.

روى الضحاك عن ابن عباس: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة الله تعالى، وعن رؤية الحقِّ، فهو في الآخرة أعمى أشدُّ عمًى ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، أي: أخطأ طريقاً وعلى هذا؛ فالإشارة ب «هذه» إلى الدنيا.

وعلى هذين القولين: فالمراد من كان أعمى عن معرفة الدلائل، والنِّعمِ، فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى.

وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالاً كافراً، فهو في الآخرة أعمى، وأضلُّ سبيلاً؛ لأنَّه في الدنيا؛ تقبل توبته، وفي الآخرة، لا تقبل توبته، وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر، ويكون التقدير: فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: 124 - 126] .

وقال جلَّ ذكره: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ [الإسراء: 97] .

وهذا العمى زيادة في عقوبتهم.

17:73–75Page 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ .

روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا خَيْرَ في دينِ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بها» وفي رواية: «وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَدْ أمْسََ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية» .

وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه.

وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقامَ عمر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ.

وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ ىية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية.

قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى:

﴿قُلْ يا أيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1، 2] . ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] .

وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك غدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] .

ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52] .

ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات.

قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ : «إنْ» هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين طإن «النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى» ما «النافية، واللام بمعنى» إلاَّ «وضمِّن» يَفْتِنُونَكَ «معنى» يَصْرفُونكَ «فلهذا عدِّي ب» عَنْ «تقديره: ليصرفونك بفتتنتهم، و» لِتَفْترِي «متعلق بالفتنة.

قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ﴾ » إذَنْ «حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و» لاتَّخذُوكَ «جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ» إذَنْ «تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ:» أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ «تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ» لاتَّخَذُوك «جوابٌ ل» لو «محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه.

فصل في معنى الآية

قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت» إنْ «و» اللام» للتأكيد، و «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.

والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار.

يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.

وقوله: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ يعني على الحق، بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً.

قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئاً» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً.

قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» .

ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾ [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] .

فإن قيل: قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف.

فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.

فإن قيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟ .

قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عَزَّ وَجَلَّ عن حديث النفس.

والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ .

وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا.

فصل

احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه:

الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب.

الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم.

الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد.

والجواب عن الأوَّل: أنَّ «كاد» معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: «كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً» لا يدلُّ على أنَّه ضربه.

والجواب عن الثاني: أنَّ «لَوْلاَ» تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك مرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا.

فقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ .

معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان حصول ذلك التَّثْبِيت معانعاً من حصول ذلك الرُّكون.

والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: 44 - 46] .

وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] .

وقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 1] .

فصل في ألا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى

احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى.

قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك.

والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ملا كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.

17:76Page 290

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

قال مجاهد، وقتادة: الأرض: أرض مكة، والآية مكيَّةٌ. هَمَّ المشركون في أن يخرجوه منها، فكفَّهم الله عنه؛ حتَّ أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، وهذا أليق بالآية؛ لأنَّ ما قبلها خبر عن أهل مكَّة، وهذا اختيار الزجاج.

وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لمَّا هاجر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة حسدته اليهود، وكرهوا قربه منهم، ومقامه بالمدينة، فأتوهُ، وقالوا: يا أبا القاسم، لقد علمت ما هذه بدارِ الأنبياءِ، وأنَّ أرض الأنبياء بالشَّام، وهي الأرض المقدسة، وبها كان إبراهيم والأنبياء - صلوات الله عليهم - فإن كنت نبيًّا مثلهم، فأت الشَّام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإنَّ الله يمنعك من الرُّوم، إن كنت نبيًّا، فعسكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وقيل: بذي الحليفة؛ حتَّى يجتمع إليه أصحابه، ويراه النَّاس عازماً على الخُروج إلى الشَّام، فيدخلون في دين الله - سبحانه وتعالى - فأنزلت هذه الآية، وهذا قول الكلبيِّ، وعلى هذا، فالآية مدنية، والمراد بالأرض: أرض المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكانٌ مخصوصٌ؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ [المائدة: 33] أي: من مواضعهم.

وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ [يوسف: 80] .

يعني: التي كان يقصدها؛ لطلب الميرة.

فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13] . يعني: «مكَّة» ؟! .

فالجواب: أنَّهم همُّوا بإخراجه، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - ما خرج بسبب إخراجهم، وإنَّما خرج بأمر الله تعالى؛ فزال التَّناقضُ، والاستفزازُ: هو الإزعاج بسرعة.

﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ : قرأ العامة برفع الفعل بعد «إذَنْ» ثابت النون، وهي مرسومةٌ في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال «إذن» فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنها توسَّطت بين المعطوف، والمعطوف عليه، قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ما وجهُ القراءتين؟ قلت: أمَّا الشائعة - يعني برفع الفعل - فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر» كاد «وخبر» كاد «واقعٌ موقع الاسم» قلت: فيكون «لا يَلْبَثُونَ» عطفاً على قوله «ليَيْتَفِزُّونكَ» .

الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير: وواللهِ، إذن لا يلبثون.

الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذن لا يلبثون.

وقرأ أبيٌّ بحذف النون، فنصبه ب «إذَنْ» عند الجمهور، وب «أنْ» مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد الله «لا يَلبَثُوا» بحذفها، ووجه النصب: أنه لم يجعل الفعلُ معطوفاً على ما تقدَّم، ولا جواباً، ولا خبراً، قال الزمخشريُّ: وأمَّا قراءة أبيِّ، ففيها الجملة برأسها التي هي: إذن لا يلبثوا، عطجف على جملة قوله «وإنْ كادُوا ليَسْتفزُّونكَ» .

وقرأ عطاء «لا يُلبَّثُونَ» بضمِّ الياء، وفتح اللام والباء، مشددة مبنيًّا للمفعول، من «لبَّثَهُ» بالتشديد، وقرأها يعقوب كذلك، إلا أنه كسر الباء، جعله مبنياً للفاعل.

قوله تعالى: «خِلافَكَ» قرأ الأخوان، وابن عامرٍ، وخفص: «خِلافكَ» بكسر الخاء، وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاءِ، وسكون اللام، والقراءتان بمعنى واحدٍ.

قال الأخفش: خلافك: بمعنى: خلفك.

وروى ذلك يونس عن عيسى، وهذا كقوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ [التوبة: 81] .

وأنشدوا في ذلك: [الكامل]

3447 - عَفتِ الدِّيارُ خِلافَهُم فكأنَّما ... بَسطَ الشَّواطِبُ بَينهُنَّ حَصِيرا

والمعنى: بعد خروجك، وكثر إضافة «قَبْل» و «بَعْدُ» ونحوهما إلى أسماء الأعيان؛ على حذف مضاف، فيقدَّرُ من قولك: جاء زيدٌ قبل عمرو، أي: قبل مجيئه.

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يجوز أن تكون صفة لمصدر، أو لزمانٍ محذوف، أي: إلا لبثاً قليلاً، أو إلاَّ زماناً قليلاً؛ أي: حتَّى يهلكوا، فالمراد بالقليل: إمَّا مدَّة حياتهم، وإما ما بين خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة إلى حين قتلهم ببدرٍ.

17:77Page 290

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن ينتصب على المصدر المؤكِّد، أي: سنَّ الله ذلك سنة، أو سننَّا ذلك سُنَّة.

الثاني: - قاله الفراء - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه على إسقاط الخافض، أي: كسُنَّةِ الله تعالى، وعلى هذا لا يوقف على قوله «إلاَّ قليلاً» .

الثالث: أن ينتصبَ على المفعول به، أي: اتَّبعْ سُنَّة.

فصل في سنة الله في رسله

سنة الله في الرُّسل، إذا كذَّبتهم الأممُ: ألا يعذِّبهم، ما دام نبيُّهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم، عذَّبهم ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ أي: إَّ ما أجرى الله به العادة، لم يتهيَّأ لأحدٍ أن يقلب تلك العادة؛ لأنَّ اختصاص كلِّ حادثٍ بوقته المعيَّن، وصفته المعينة ليس أمراً ثابتاً له لذاته، وإلا لزم أن يدوم أبداً على تلك الحالة، وألاَّ يتميَّز الشيء عمَّا يماثلهُ في تلك الصِّفات، بل إنَّما يحصل ذلك التخصيص بتخصيص المخصِّص، وهو الله تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقتِ، ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت، فنقول: هذه الصفات الثلاث المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص، إن كانت حادثة، افتقر حدوثها إلى مخصِّصٍ آخر، وتسلسل؛ وهو محالٌ، وإن كانت قديمة، فالقديم يمتنع تغيُّره؛ لأنَّ ما ثبت قدمه، امتنع عدمه، ولمَّا كان التغيُّر على تلك الصِّفات المؤثِّرة في ذلك الاختصاص ممتنعاً، كان التغيُّر في تلك الأشياء المقدرة ممتنعاً، فثبت بهذا البرهان صحَّة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском