Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:30–44
25:30–31Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرسول يارب إِنَّ قَوْمِي اتخذوا هذا القرآن﴾ .
قال أكثر المفسرين: إنَّ هذا القول وقع مع الرسول. وقال أبو مسلم: بل المراد أنَّ الرسول يقوله في الآخرة كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] . والأول أولى، لأنَّ قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ تسلية للرسول، ولا يليق ذلك إلا إذا وقع القول منه. و «مَهْجُوراً» مفعول ثان ل «اتَّخَذُوا» ، أو حال. وهو مفعول من الهجر - بفتح الهاء - وهو التَّرْكُ والبُعْدُ. أي: جعلوه متروكاً بعيداً، لم يؤمنوا به، ولم يقبلوه، وأعرضوا عن استماعه. وقيل: هو من الهُجر - بالضم - أي: مهجوراً فيه. ثم حذف الجار بدليل قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] . وهجرهُم فيه: قولهم فيه: إنه شعر، وسحر، وأساطير الأولين، وكذب وهُجْر، أي: هذيان.
قال عليه السلام: «من تعلم القرآن وعلق مصحفاً، ولم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقاً به، يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه» وجعل الزمخشري «مَهْجُوراً» هنا مصدراً بمعنى الهجر قال كالمَجْلُود والمعقول. قال شهاب الدين: وهو غير مقيسٍ، ضَبَطَهُ أهل اللغة في أُلَيْفاظ فلا يُتعدى إِلاَّ بنقل.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية. جعل ذكر ذلك تسلية للرسول، وأن له أسوة بسائرة الرسل، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبر أولُو العزم من الرسل. ﴿وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ .
قال المفسرون: الباء زائدة بمعنى كفى ربك «هَادِياً ونَصِيراً» منصوبان على الحال، وقيل: على التمييز «هَادِياً» إلى مصالح الدين والدنيا، «ونَصِيراً» على الأعداء.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر، لأنَّ قوله: ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ يدل على أن تلك العداوة من جعل الله تعالى، وتلك العداوة كفر. قال الجبائي: المراد من الجعل التبيين، لأنه تعالى لمَّا بيّن أنهم أعداؤه، فقد جعل أنهم أعداء، كما إذا بيَّن الرجل أَنَّ فلاناً لص، فقد جعله لصاً، وكما يقال في الحاكم: إنه عدّل فلاناً، وفسّق فلاناً، وجرّحه.
وقال الكعبي: إنه تعالى لما أمر (الأنبياء) بعداوة الكفار، وعداوتهم للكفار تقتضي (عداوة الكفار) لهم، فلهذا جاز أن يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ ، لأنه - سبحانه - هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة.
وقال أبو مسلم: يحتمل في العدو أنه البعيد الغريب، إذ المعاداة المباعدة، كما أن النصرة قرب من المظاهرة، وقد باعد الله بين المؤمنين والكافرين. والجواب عن الأول: أنَّ التبيين لا يسمى التيه جعلاً، لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال: إنه جعل الصانع وجعل قدمه.
والجواب عن الثاني: أنَّ الذي أمره الله تعالى (بِهِ) هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم، أو ليس له فيه تأثير؟ .
فإن كان الأول فقد تم الكلام، لأنّ عداوتهم للرسول كفر، فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة، فقد أمر بما له أثر في وقوع الكفر، وإِنْ لم يكن له فيه تأثير ألبتة كان منقطعاً عنه بالكلية، فيمتنع إسناده إليه، وهذا هو الجواب عن أبي مسلم. فإن قيل: قوله - عليه السلام -: ( «يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً» في المعنى كقول نوح - عليه السلام) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 5 - 6] فكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا هنا، فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] .
فالجواب: أن نوحاً - عليه السلام - لما ذكر ذلك دعا عليهم وأما محمد - عليه السلام - لما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر، فلما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ (من المجرمين) كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم (فافترقا) . فإن قيل: قوله: «جعلنا» صيغة تعظيم، والعظيم إذا ذكر نفسه في معرض التعظيم، وذكر أنه يعطي، فلا بد وأن تكون العطية عظيمة كقوله: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم وقوله: «إنا أعْطَيْنَاكَ» ، فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا؟
فالجواب: خلق العدو تسبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب.
25:32–34Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن﴾ الآية.
هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة) ، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و «جملة» حال من «القرآن» ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً.
قوله: «كذلك» الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و «لِنُثَبِّتَ» علة لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و «لنثبت» متعلقة بذلك الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش، وجعل منه «ولتصغى» ، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي الله تعالى.
فصل
هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه:
أحدها: أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط.
وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل.
وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل.
ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة.
وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى.
وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب.
وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً.
فصل
قوله: «كذلك» يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل.
ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي: كذلك أنزلناه، مفرقاً. فإن قيل: «كذلك» إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، (فكيف فسره ب «كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» ) مفرقاً؟
فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة. قوله: «ورتلناه ترتيلاً» الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر رَتِلٌ ومُرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله «جُمْلَةً» لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله.
فصل
«وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً» قال ابن عباس: بيناه بياناً. والترتيل التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السديّ: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية. قوله: «ولا يَأْتُونَك» يعني المشركين «بمثل» يَضربونه في إبطال أمرك ﴿إلا جئناك بالحق﴾ الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلاً، وسمى ما يدفع به الشُّبَه) حقاً.
قوله: ﴿إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق﴾ هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، «وأحْسَنَ تَفْسِيراً» أي: بياناً وتفضيلاً، و «تفسيراً» تمييز. والمفضّل عليه محذوف: تفسيراً من مثلهم.
والتفسير: تفعيل من الفَسْرِ، وهو كشف ما قد غطي.
ثم ذكر مآل المشركين فقال: ﴿الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ﴾ بساقون ويجرُّون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام: «إنّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» والأولى أولى، لأنه ورد أيضاً.
قوله: «الّذِينَ يُحْشَرُونَ» يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} ، ويجوز أن يكون «أُولَئِكَ» بدلاً أو بياناً للموصول، و «شَرٌّ مَكَاناً» خبر الموصول.
قوله: ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً﴾ منزلاً ومصيراً من أهل الجنة «وأضل سبيلاً» وأخطأ طريقاً وههنا سؤال كما تقدم في قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: 24] .
ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع في ذكر القصص على الطريقة المعلومة.
25:35–36Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ الآية. لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه الآيات فرُدّ) : فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك فقد رُدّ) . فإن قيل: كون هارون وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً، بل يجب أن يقال: إنه لما صار (شريكاً) خرج عن كونه وزيراً. فالجواب: لا منافاة بين الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً، وظهيراً، ومعيناً له. ولا وجه لقول من قال في قوله: «فَقُلْنَا اذْهَبا» إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: 43] .
قوله: «هَارونَ» بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و «وَزِيراً» مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله «معه» . قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: 11] أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً.
قوله: ﴿فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني القبط.
قوله: «فَدمَّرْنَاهُمْ» . العامة على «فَدَمَّرْنَا» فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْميراً» أهلكناهم إهلاكاً. وقرأ عليّ - كرم الله وجهه - «فدمِّراهم» أمر لموسى وهارون، وعنه أيضاً: «فَدَمِّرَانِّهِمْ» كذلك أيضاً، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه أيضاً: «فدمِّرا بِهِم» بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري «فَدَمَّرْتُهم» بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة.
فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن قوله: «كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.
25:37–39Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية. يجوز أن يكون «قَوْمَ» منصوباً عطفاً على مفعول « دَمَّرْنَاهم» ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله: «أَغْرَقْنَاهُمْ» وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن «لما» ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن «أَغْرَقْنَاهُمْ» حينئذ جواب «لما» ، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح.
فصل
إنما قال: «كذبوا الرسل» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل.
وقوله «أَغْرَقْنَاهُمْ» . قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم «للناس آية» للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، «وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ» في الآخرة «عَذَاباً أَلِيماً» .
قوله تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾ الآية، «وعَادَاً» فيه ثلاثة أوجه:
أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح» ، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ» وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ» لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: «وأَصْحَابَ الرَّسِّ» فيه وجهان: أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر.
والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض.
والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ» ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: «الرَّسُّ» نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45] . وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس.
وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه.
وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة» .
قوله: ( «وقُروناً» ) أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17] .
قوله: «بَيْنَ ذَلك» «ذلك» إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ» عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود.
قوله: «وكُلاً» يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و «ضَرَبْنَا» بيان لسبب إهلاكهم. وأما «كُلاًّ» الثانية فمفعول مقدم.
قوله: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا «تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا» أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا.
قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرته.
25:40–42Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ (مَطَرَ السوء) ﴾ الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، ﴿التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾ أي: أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا.
قوله: «مَطَرَ السَّوْءِ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء.
الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ «مُطِرَتْ» ثلاثياً مبنياً (للمفعول) ، ومطر متعد قال:
3875 - كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ ...
وقرأ أبو السمال «مطر السُّوء» بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله: ﴿أَتَوْا عَلَى القرية﴾ إنما عُدِّي (أتى) ب (على) ، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ.
قوله: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ في هذا الرجاء ثلاثة أوجه:
أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق.
وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.
وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف.
قوله: «وإذَا رَأَوْكَ» الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ .
قوله: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» «إنْ» الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و «هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين:
أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله:» أَهَذَا الَّذي» في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك.
والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به» أهذا الذي «والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول» بعث «محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه.
و» رسولاً» على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف.
قوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ تقدم نظيره في سبحان.
قوله: ﴿لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا﴾ جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و «لولا» في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق) .
فصل
قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال مستهزءاً: «أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً» «إنْ كَادَ» قد كاد «لَيُضِلُّنَا» أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أحسن منها صورة وخلقة) ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة.
والنوع الثاني: قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة) .
قوله: «من أضل» جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون» فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف) . ويجوز في «من» أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ» خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من» تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه.
فصل
لما وصفوه بالإضلال في قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.
25:43–44Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الآية. «أَرَأَيْتَ» كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته.
وقوله: ﴿مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر «هَوَاهُ» والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهاً. قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بالمنطلق.
قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط.
وقرأ ابنُ هُرمز «إِلاَهَةً هَوَاهُ» على وزن فعالة، والإِلهة بمعنى المَأْلُوه، والهاء للمبالغة ك «عَلاَّمَة وَنسَّابة) . و» إِلاَهَةً «مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل عليها (أل) كثيراً فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: أُلاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المَدَنيِّين» آلِهَةً هَوَاهُ «جمعُ إله، وهو أيضاً مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد آلهة شتى. ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول» مَنْ «والثاني الجملة الاستفهامية.
فصل
قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر وعبده. ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ أي: حافظاً تحفظه من اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45] ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ [البقرة: 256] ، قال الكلبي: نسختها آية القتال. ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون﴾ يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و» أم» هنا منقطعة بعنى: بل. ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب) ، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences