Ibn 'AdilAn‑Naml · 27:30–40

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:30–40

27:30–33Page 379

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

قوله: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ﴾ العامة على كسر الهمزتين على الاستئناف جواباً لسؤال قومها، كأنهم قالوا: ممن الكتاب؟ وما فيه؟ فأجابتهم بالجوابين. وقرأ عبد الله: ﴿وَإِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ بزيادة واو عاطفة ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ على قوله: ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ [النمل: 29] . وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتح الهمزتين، صرح بذلك الزمخشري وغيره. ولم يذكر أبو البقاء إلا الكسر في ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ وكأنه سكت عن الثانية، لأنها معطوفة على الأولى، وفي تخيرج الفتح فيهما أوجه:

أحدهما: أنه بدل من «كِتَاب» بدل اشتمال، أو بدل كلٍّ من كلّ، كأنه قيل: ألقي إليَّ أنه من سليمان، وأنه كذا وكذا، وهذا هو الأصح.

والثاني: أنه مرفوع ب «كَرِيم» ذكره أبو البقاء.

الثالث: أنه على إسقاط حرف العلة.

قال الزمخشري: ويجوز أن يريد لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره باسم الله. وقال مكي: وأجاز الفراء الفتح فيهما في الكلام، كأنه لم يطلع على أنها قراءة وقرأ أُبيّ: أنْ من سليمان وأنْ بسم الله بسكون النون فيهما، وفيها وجهان:

أظهرهما: أنها «أن» المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول.

والثاني: أنها المخففة واسمها محذوف، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين؛ لأن اسمها لا يكون إلا ضمير شأن وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها.

فصل

قال المفسرون: أخذ الهدهد هذا الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكان بأرض يقال لها: «مأرب» من صنعاء، فرمى بالكتاب إليها، فأخذته بلقيس، وكانت قارئة، ومن ثم اتخذ الناس البطائق، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت، لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكاً منها، لطاعة الطير وهيبة الخاتم، فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد، فقعدت على سرير ملكها، وجمعت الملأ من قومها، وقالت لهم: ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] قال عطاء والضحاك: سمته كريماً، لأنه كان مختوماً.

وروى ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «كرمه ختمه» وقال مقاتل والزجاج: كريم أي: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس أي: شريف لشرف صاحبه.

وقيل سمته كريماً، لأنه مصدر ب «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ثم بينت ممن الكتاب، فقالت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ، وبينت المكتوب فقالت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ . فإن قيل: لم قد سليمان اسمه على قوله: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ؟ فالجواب: حاشاه من ذلك، بل ابتدأ الكتاب ب ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ، وإنما كتب اسمه عنواناً بعد ختمه، لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود، ولذلك قالت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ، أي: إنّ الكتاب ...

فالتقديم واقع في حكاية الحال. واعلم أن قوله: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ مشتمل على إثبات الصانع سبحانه، وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً.

فصل

وقد استنبط الشيخ الإمام العالم شرف الدين محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري من أسرار البسملة ما أبطل به مذهب النصارى، فقال: بلغني أن بعض النصارى انتصر لدينه، وانتزع من البسملة الشريفة دليلاً على تقوية اعتقاده في المسيح وصحة يقينه فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدم فيها وأخر وفكّر وقدر فتقل كيف قدر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: قد انتظم من البسملة: «المسيح ابن الله المحرر» . وظن ذلك سراً في قلب البسملة مضمراً، وعلى جبين الكتاب العزيز مسطراً، فنظرت إلى ما عزاه إلى البسملة واستخرجه من حروفها المستعملة والمهملة فإذا هو: «لا ما المسيح ابن الله محرر» ، فأسقط في يده، ونكص على عقبيه، وقامت حجته من لسانه عليه، ثم عاد إليّ رسوله يخبر أن الذي صح له نظمه وتمت عنده منها حكمه: «ألم المسيح ابن الله محرراً» ، فقلت: ورسل الله كلهم ألموا وأنبياؤه، فأي خصوصية لربك بالنبوة، وأي رتبة زدته بهاعلى النبوة، فقال: أردت بالألم إثبات ما أنكرته من الصلب، ونقيته عنه من ألم الطعن والضرب، وقد شهدت به كتب الله المنزلة، وشافهتك به حروف البسملة، فقلت: وهل شهدت لك إلا بالنقيض، ورحت منها بأخيب قداح المفيض، وحيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكماً وجوزت منها أحكاماً عليك وحكماً، فالتنصرن البسملة الأخيار منا على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجن على أصحاب النار، وحيث كان مقصودك من ذكر الألم الإفصاح عما أردته من الصلب والطعن والضرب والثلب وسقيه من الخل الممزوج بالمرار بئس الشراب فخذ الجواب عنه، والله الموفق للصواب: أما دعواك النبوة فقد قالت لك البسملة بلسان حالها: لا ما المسيح ابن الله محرر، وألحقته بقولها: الحلم ربح رأس المال، لحملة الإيمان، الحلم ربح رأس مال الإيمان، ليس برّاً من أَحَلَّ ما حرم الله، المسلم له نبي حرم الراح لنبيه، سلم بالله من يحرم الراح، لله نبي مسلم حرم الراح، المسلم للرحمانية رابح، لا مرحمة للئام أبناء السحرة، رحم حر مسلم أناب إلى الله، إنما الله رب للمسيح راحم. وزعمت أنه ربك، فقالت: حرم من لا رب له إلا المسيح، وقالت أيضاً: النحر لأمم لها المسيح رب، وقلت: إنه حمل الله، فقالت: أسمي لله ابن المحرر حملاً، وقالت ما أسلم الرب حمله يسخر، وقالت: ألا يحرس الرب حمله من ألم؟ وقلت: إنه ألم، فقالت المحرر من ربه حل الألم، وقالت: سل حمرنا أربهم يحل الألم؟ وقالت: حرم حمار ينسب لله الألم، وقلت: إنه طعن بالحربة مسمراً، فقالت: من رأى المسيح ألم للحربة، وقالت: إن ربّاً حلل مسمره لحليم، وقالت: أحالل ربنا الحليم مسمره؟ وقالت: أمحالل الرب الحي من سمره، وقلت: إنه إله يحلل ويحرم، فقالت: ابن سليل رحم لا غله محرم، وقالت: سل ابن مريم أحل الحرام، وقالت: أمحلل لم حرمه رب الناس، وإن قلت: إنه رسول صدقتك، وقالت: أيل أرسل الرحمة من بلحم ويرحمه؛ أيل اسم من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم «بيت لحم» الذي ولد في المسيح.

وقلت: إنه ركب الحمار، فقالت: سلم أن الرب لا يحمله حمار، وقالت للناس: رب لم يحمله حمار وباهيتها ببسملتك التي لفقها الفلاسفة للأساقفة، فقالت لم نر أحبار الملة المسيح، وقالت: أحبار الملة محل مرسلين، وقال: ما حرر إلا المسيح الأمانة وقلت: إن النصارى لا تمسهم النار، فقالت: حر لهب النار لأمم المسيح، وكهرت الإسلام بإيمان، وقالت: من حرم الإسلام لا ربح له، وقالت: إن المسلم لحري بالرحمة، وقالت: ما برح الله راحم المسلمين، وقالت: إن ملة الإسلامة رحم رحيب، وقالت: لا راحة لمحارب المسلمين، وقالت: إن ملة الإسلام رحم رحيب، وقالت: لا راحة لمحارب المسلمين، وقالت: الإسلام حرم لا رأي لمحاربه. وقالت: المسلم حرب للنار الحامية، وقالت: حن المسلم إلى رحمة الرب، وقالت: الأحبار رحمة للمسلمين، وقالت: المحراب راحة للمسلمين، ونَقِمْتَ قيام الدين بالسيف، فقالت: أم الحسام للنبي الرحمة، وأثنت البسملة على نفسها فقالت: البسملة لأرحم الراحمين، وقالت: الحرُّ ينال الرحمة ما بسمل. فانظر إلى البسملة قد لاحت لك بارقة من أنوارها وحلت لك عقدة من إزار أسرارها تخبر أن من وارء رجلها خيولاً وليوثاً، ومن دون طلبها سيولاً وغيوثاً، وأما بسملتك فلو كان على أصل ثابت، أو لم تغرس من الكفر على أخبث المنابت، لهززت إليك بجذعها، واستدللت عل طيب أصلها بخير فروعها، لكنّي ودتها شجرة خبيثة، وثمرة لا تسوغها القديمة ولا الحديثة، ألفاظها تصم الأسماع ومعانيها تحلّ عقود الإجماع، والنظر فيها يصدىء الأفهام والعقول، ويعلم كل غائب ما يقول، ولذلك ضربت عن ذكرها صفْحاً، وعددت الإعراض عنها غنيمةً وربحاً، فكفرها قائم وقاعد، والمعترف بها سواء والجاحد، والثلاثة الآلهة فيها يوصفون بالواحد، وأما بسملة المسلمين: فإنّ الله أودعها من العلوم والحكم ما فضلهم به على سائر الأمم، وأعلم أنّ منها ألفات اختصرت، وبين الهجاء مواضعها غابت أو حضرت، وقد استعملت بعضها في بعض المواضع؛ لأبين حكمها وأحيي رسمها، وصرفتها للمسألتين، وصارت كعبة فضلها للقبلتين، وتارة توافق حروفها في العدد والعادة، وتارة تقضي على ألفات الوصل بالزيادة، وما أخطأت - بحمد الله - منها واحدة صواباً، ولا عييت جواباً ولا خرجت عن حدها كتابة ولا حساباً، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة، فنسجت على منوالها، وقابلت الواحدة منها بعشر أمثالها، وما كان ذلك الهذيان مما يُجاب، لولا ما يداخلك من التيه والإعجاب، فتظن أنّك جِئْتَ بشيء عُجاب، أو حكمة كلمك الله بها وحياً أو من وراء حجابٍ، وتقول لإخوانك الذين يمدُّونك في الغَيّ ويحسبون أنك على شيء: قد أفحمت بكلمتي المسلمين، وأسكت بمسألتي فُضلاء المتكلمين، فتذر قومك في طغيانهم، وتقرهم على فساد إيمانهم، ولا أنت ممن يجري بمحاكاة كفرك قلمي، ولا أحرّك به لساني، ولا أفغر به فمي، وقد أتيتك بما يتعبك فيبهتك ويسمعك ما يصمّك عن الإجابة، ويصمتك على أسلوب رأيته في كتب أنبيائك، وتفاسير علمائك تعلم به أنّ هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون، ومستودع لجوهر سرِّها المكنون، أَلاَ ترى أَنَّ البسملة إذا حصلت جُمَلها كان عدده سبعمائة وستة وثمانين ب، س، م، ا، ل، ل، هـ، ا، ل، ر، ح، م، ن، ا، ا، ل، ر، ح، ي، م، 2، 60، 40، 1، 30، 30، 5، 1، 30، 200، 8 40، 50، 1، 30، 200، 8، 10، 40 وإذا قُلتَ إِنّ مثل عيسى كآدم وافق جملها سبعمائة وستّة وثمانين، وإنْ باهيتها ببسملتك التي ترعد من كفرها الفرائص، وتجوز بالبهتان ما لا يجوز على الله من النقائص، ردت عليه وقالت: ليس لله من شريك، جملها سبعمائة وستة وثمانين، بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة، وقالت: ولا أشر ربّي أحداً سبعمائة وستة وثمانين، وقالت: ما لِعُلُومِ الفلسفة أنوار هداية، سبعمائة وستة وثمانين، وقالت: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ: سبعمائة وستة وثمانين، بإسقاط ألف الجلالة.

ولو استشهدت ببسملتك لشهدت لي بالحقّ عليك، وشكت إلى الله وإلى النّاس مما نسبت من الإفك والبهتان إليك، إذا ألفاظها - وحاكي الكفر ليس بكافر - تنافي المعقول والمنقول، وتنافر: «بسم الب والابن وروح القدس، إله واحد» ، وباطنها يقول: «ما سبح إلاّ بنور، الإله القدوس واحد» ، وتقول: بسملوا بالقرآن، ووحّدُوا الله بلا جسد، فهي كافرة الظاهرة مؤمنة الباطن، كسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت في محصلها من العدد، فإذا جملته ستمائة وستة وتسعون، فإذا قلت: أُفٍّ لها بسملة ما نزّل اللَّه بها من سُلطَانٍ، وافقت المعنى وطابقت العدد، وكانت ستمائة وستة وتسعون، وكذلك ما عطفته عليها من الكلام، وهو: ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان﴾ [الحجرات: 11] موافق للمعنى مطابق للعدد: ستمائة وستة وتسعون، وكذلك قولك: «لا بسملة بحقّ كبسملةِ المسلمين» ستمائة وستة وتسعون، وقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خُبراً، وجاءتك بما لم تستطع عليه صبراً، على الأسلوب الذي تضمنته شريعتكم، فإنّي رأيت في إنجيلك وقد سَأَلَتْ بنو إسرائيل المسيح أن يُرِيهم آية، ليؤمنوا به وهو في بيت المقدس، فقال: تهدمون هذا الهيكل، وأنا أٌقِيمُه في ثلاثة أيام، فقالوا: بيت بني في خمسة وأربعين سنة، يقيمه في ثلاثة أيام!! وعلله في الإنجيل أنه أشار إلى هيكل نفسه الذي هو هيكل آدم، وحمله خمسة وأربعون وفي هذا ردّ عليهم ليس هذا موضعه.

ورأيتُ في التوراة في البشارة بإسماعيل بعد قوله: «وأكبره وأنميه بماد ماد» ومعناه بحد جدلها بل اشار بها إلى اسم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، بطريق الحمل، إذ هو اثنان وتسعون في الموضعين، وفي قصة يعقوبإذ قال لبنيه ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: 133] ، فقالوا له: أعلم إسرائيل (الله أحد) فطابت نفسه، وعلم أن بنيه الاثني عشر سبطاً يعبدون الله وحده، لأنّهم عَدَلُوا عن قولهم: «اللَّه واحدٌ» إلى قولهم: «اللَّهُ أَحَدٌ» ، إذ جملها ثلاثة عشر، وهي إشارة إلى أنّ الاثني عشر سبطاً يعبدون الله الواحد. وفيه أنّ المصلّي إذا دخل في الصلاة تكون على رأسه طيلسان يسمى: «صيصيت» ، وفي طرفه خمسة خيوط وثمان عقد ليجتمع له من جمع صيصت وهو ستمائة ومن خمسة خيوط وثمان عقد ثلاثة عشر لتتمة ما عليهم من الفرائض، وهي ستمائة، وثلاث عشرة فريضة، ليذكورا بها ما كتب الله عليهم من الفرائض، والتزموا (بها) . ولنرجع إلى الإعراب والتفسير.

قوله: «أَلاَّ تَعْلوا» فيه أوجه:

أحدها: أن «أَنْ» مفسرة كما تقدم في أحد الأوجه في «أَنْ» قبلها في قراءة عكرمة، ولم يذكر الزمخشري غيره، وهو وجه حسن، لما في ذلك من المشاكلة، وهو عطف الأمر عليه، وهو قوله: «وَأْتُونِي» .

الثاني: أنها مصدرية في محل رفع بدلاً من «كِتَاب» ، كأنّه قيل: ألقي إليَّ أن لا تعلُوا عَلَيَّ.

الثالث: أنها في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أي هو أن لا تعلوا.

الرابع: أنها على إسقاط الخافض، أي: بأن لا تعلوا، فيجيء في موضعها القولان المشهوران.

والظاهر أن «لا» في هذه الأوجه الثلاثة للنهي، وقد تقدّم أن «أَنْ» المصدرية توصل بالمتصرف مطلقاً. وقال أبو حيان: و «أَنْ» في قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْلُواْ﴾ في موضع رفع على البدل من «كتاب» ، وقيل في موضع نصب على: ﴿بأَنْ لاَّ تَعْلُوا﴾ ، وعلى هذين التقديرين تكون «أن» ناصبة للفعل. فظاهر هذا أنّها نافية، إذ لا يتوصر أن تكون ناهية بعد «أن» الناصبة للمضارع، ويؤيّد هذا ما حكاه عن الزمخشري، فإنّه قال: وقال الزمخشري: و «أن» في أن لا تَعْلُوا مفسرة، قال: فَعَلَى هذا تكون «لا» في: « لاَ تَعْلُوا» للنهي، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه فقوله: «فعلى هذا» : إلى آخره صريح بأنّها على غير هذا يعني الوجهين المتقدمين ليس للنهي فيهما، ثم القول بأنّها للنفي لا يظهر، إذ يصير المعنى - على الإخبار منه عليه السلام - بأنّهم لا يعلون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنّما المقصود أن ينهاهم عن ذلك.

وقرأ ابن عباس والعقيلي: «تغلوا» - بالغين المعجمة، من الغلو، وهو مجاوزة الحد.

فصل

قال ابن عباس: «لا تتكبروا عليَّ» ، وقيل: لا تتعظموا ولا ترتفعوا عليَّ أي: لا تمتنعوا من الإجابة، فإنّ ترك الإجابة من العلوّ والتكبر، «وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» : مؤمنين طائعين، قيل: هو من الإسلام، وقيل: من الاستسلام. فإنْ قيل: النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد.

فالجواب: معاذ الله أن يكون هناك تقليد؛ وذلك لأنّ رسول سليمان إلى بلقيس الهدهد، ورسالة الهدهد معجزة، والمعجزة تدل على وجود الصانع وصفاته، وتدل على صدق المُدَّعِي للرسالة، فلمَّا كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة، لا جرم لم يذكر في الكتاب دليل آخر.

قوله: ﴿يا أيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي﴾ أشيروا عليَّ فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم، والفتوى هي الجواب في الحادثة، استفتت، على طريق الاستفادة من الفتي في السن، أي: أجيبوني في الأمر الفتي، وقصدت بذلك استطلاع آرائهم وتطييب قولبهم.

﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً﴾ قاضية وفاصلة، ﴿حتى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون. «قَالُوا» مجيبين لها، ﴿نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾ في القتال، ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ، في الحرب، قال مقالت: أرادوا بالقوة كثرة العدد، وأرادوا بالبأس الشديد: الشجاعة، والبأس: النجدة والبلاء في الحرب، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: «وَالأَمْرُ إِلَيْكِ» أيتها الملكة في التقال وتركه.

قوله: «مَذَا تَأْمُرِينَ» ماذا هو المفعول الثاني ل «تأمرين» ، والأول محذوف تقديره: « تأمريننا» ، والاستفهام معلق للنظر، ولا يخفى حكمه مما تقدم قبله، والمعنى: فانظري في الرأي ماذا تأمرين تجدينا لأمرك طائعين. قالت - مجيبة لهم - عن التعريض بالقتال -:

27:34–37Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥

But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦

So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.

ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧

Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً﴾ بالقهر «أَفْسَدُوهَا» : خرّبوها، ﴿وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ ، فذكرت لهم عاقبة الحرب، وحذرتهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم.

قوله: «وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ» أي: مثل ذلك الفعل يفعلون، وهل هذه الجملة من كلامها - وهو الظاهر - فتكون منصوبة بالقول، أو من كلام الله تعالى، فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب، وهي معترضة بين قولها.

قوله: ﴿وكذلك يَفْعَلُونَ﴾ : ما بعث على وجه الإكرام، وهي اسم للمهدى، فيحتمل أن يكون اسماً صريحاً، ويحتمل أن تكون - في الأصل - (مصدراً أطلق على اسم المفعول، وليست مصدراً قياسياً، لأن الفعل منه: أهدى رباعياً، فقياس) مصدره: إهداء.

فصل

اعلم أنَّ بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست فقالت للملأ من قومها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ، أي: لسليمان وقومه «بِهَديَّةٍ» أصانعه على ملكي وأختبره بها أَمَلِكٌ أَم نبيّ، فإن يكن ملكاً قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّاً لم يقبل الهديّة ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ ، (وهذا الكلام يدل على أنّها لم تثق بالقبول وجوّزت الرد، وأرادت أن ينكشف لها غرض سليمان) .

قوله: «فَنَاظِرَةٌ» عطف على «مُرْسِلَة» ، و «بم» متعلق ب «يرجع» ، وقد وهم الحوفي فجعلها متعلقة ب «نَاظِرَةٌ» ، وهذا لا يستقيم، لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام و «بم يرجع» معلق لناظرة.

قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي: فلما جاء الرسول، أضمره لدلالة قولها «مرسِلة» فإنه يستلزم رسولاً، والمراد به الجنس لا حقيقة رسول واحد، بدليل خطابه لهم بالجمع في قوله: «أَتَمِدُّونَنِي. .» إلى آخره، وكذلك قرأ عبد الل: فلما جاءوا، وقرأ: «فارجعوا إليهم» ، اعتباراً بالأصل المشار إليه.

قوله: «أَتُمِدُونَنِي» استفهام إنكار، وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وأام الياء فإنه يحذفها وقفاً، ويثبتها وصلاً على قاعدته في الزوائد، والباقون بنونين - على الأصل - وأما الياء فإن نافعاً وأبا عمرو كحمزة يثبتانها وصلاً ويحذفانها وقفاً، وابن كثير يثبتها في الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين.

وروي عن نافع أنه يقرأ بنون واحدة، فتكملت ثلاثة قراءات كما في: ﴿تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64] .

قال الزمخشري: ما الفرق بين قولك: أتمدونني بمال وأنا أغنى منكم، وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو فقد جعلت مخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى، وهو - مع ذلك - يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفي عليه حالي، وإنما أخبره الساعة بما لا أحتاح معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت فإني غني عنه، وعليه ورد قوله: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ﴾ انتهى.

وفي هذا الفرق نظر، إذ لا يفهم ذلك بمجرد الواو والفاء، ثم إنه لم يجب عن السؤال الأول، وهو أنه: لم عدل عن قوله: وأنا إغنى منكم إلى قوله: ﴿فَمَآ آتَانِي الله﴾ ؟

وجوابه: أنه أسند إيتاء الغنى إلى الله، إظهاراً لنعمته عليه، ولو قال: وأنا أغنَى منكم، كان فيه افتخار من غير ذكر لنعمة الله عليه، فأظهر - بهذا الكلام - قلة الاكتراث بذلك المال. قوله: «بَلْ أَنْتُم» إضراب انتقال، قال الزمخشري: فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم الإمداد، وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه، وهو أنهم لا يعرفوهم سبب رضى إلا مما يهدى إليهم من حظوظ الدنيا التي لا يعرفون غيرها، والهدية: يجوز إضافتها إلى المهدي وإلى المهدى إليه، وهي هنا محتملة للأمرين. قال أبو حيان: وهي هنا مضافة للمهدى إليه، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكون مضافة إلى المهدي، أي: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار.

قال شهاب الدين: كيف يجعل الأول هو الظاهر، ولم ينقل أن سليمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أرسل إليهم هدية في هذه الحالة، حتى يضيفها إليهم، بل الذي يتعين إضافتها إلى المهدي. ومعنى الآية: ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا ومكاثرة بها تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحداً، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة. قوله: «ارْجِعْ» الظاهر أن الضمير يعود على الرسول، وتقدمت قراءة عبد الله: «ارجعوا» ، وقيل: يعود على الهدهد. «فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ» وهذا جواب قسم مقدر، وكذلك قوله: «ولَنُخْرَجَنَّهُم» . قوله: «لاَ قِبَلَ» صفة ل «جُنُود» ، أي: فيجري مجرى المؤنثة الواحدة كقولهم: الرِّجَالُ وأعضَادَها. وقرأ عبد الله «بهم» على الأصل. «ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا» أي من بلادهم وأرض سبأ «أَذِلَّةً» حال، والذل: أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك. وقله: «وَهُمْ صَاغِرُون» حال ثانية، والظاهر أنها مؤكدة، لأن «أَذِلَّةً» تغني عنها. فإن قيل: قوله «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ» ، و «لَنُخْرِجَنَّهُمْ» قسم، فلا بد أن يقع فالجواب: أنه معلق على شرطٍ حُذِفَ لفهم المعنى، أي: إن لم يأتوني مسلمين، والصغار: أن يقعوا في أسر واستبعاد.

فصل

قال ابن عباس: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك، ولا لنا به من طاقة، وبعثت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم آذنت بالرحيل إلى سليمان، فلما قربت منه على فرسخ، قرأى سليما رهجاً قريباً، فقال ما هذا؟ قالوا بلقيس قد نزلت منا بهذا المكان. قال ابن عباس: وكان بن الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان حينئذٍ على جنوده، فقال: ﴿قَالَ يا أيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؟ .

27:38–40Page 380

قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨

[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"

قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩

A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."

قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠

Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."

قال ابن عباس: طائعين، واختلوفا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليها مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها، وقيل: ليريها قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. وقال قتادة: لأنه أعجبه صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيرها وتغييرها، فيختبر بذلك عقلها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أتهتديا﴾ [النمل: 41] .

قوله: «قَالَ عِفْرِيتٌ» العامة على كسر العين وسكون الفاء بعدها تاء مجبورة.

وقرأ أبو حيوة: بفتح العين، وأبو رجاء وأبو السمال - ورويت عن أبي بكر الصديق - « عفرية» مفتوحة بعدها تاء التأنيث المنقبلة هاء وقفاً، وأنشدوا على ذلك قول ذي الرمة:

3962 - كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ فِي إِثْرِ عِفْرِيَةٍ ... مَصَوَّبٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ

قرأت اطائفة «عِفْر» بحذف الياء والتاء، فهذه أربع قراءات قد قرىء بهن، وفيه لغتان أخريان، وهما: عُفَارِيَّةٌ، وطيّىء وتميم يقولون: عِفْرَى بألف التأنيث كذكرى، واشتقاقه من العفر، وهو التراب، يقال: عافره فعفره أي: صارعه فصرعه وألقاء في العفر وهو التراب. وقيل: من العفر، وهو القوة. والعفريت من الجن المارد الخبيث، ويقال: عفريت نفريت، وهو إتباع كشيطان ليطان، وحسن بسن. ويستعار للعارم من الإنس، ولاشتهار هذه الاستعارة وصف في الآية بكونه من الجن، تمييزاً له. قال ابن قتيبة: العفرية الموثق الخلق. وعفرية الديك والحبارى للشعر الذي على رأسهما. وعَفَرْنَى للقويّ، ورجل عِفِرٌّ - بتشديد الراء - للمبالغة، مثل: شرّ شِمرٌّ. قيل: إِنَّ الشيطان أقوى من الجن، وإن المردة أقوى من الشياطين، وإن العفريت أقوى منهما. قال بعض المفسرين: العفريت من الرجال الخبيث المنكر، وقال ابن عباس: العفريت، الداهية، وقال الربيع: الغليظ، وقال الفراء: القوي الشديد.

قوله: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾ يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً، فوزنه أفعل، نحو: أضرب، والأصل: أأتيك - بهمزتين - فأبدلت الثانية ألفاً، وأن يكون اسم فاعل، ووزنه فاعل، والألف زائدة، والهمزة أصلية عكس الأول. وأمال حمزة «آتيك» في الموضعين في هذه السورة بخلاف عن خلاد.

فصل

قوله: ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ أي: مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: كان له في كل غداة مجلس يقضي فيه إلى انتصاف النهار، «وإِنِّي عليهِ» على حمله، «لَقويٌّ أَمين» به على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا، ف ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب﴾ ، فقيل: هو جبريل - عليه السلام - وقيل: ملك من الملائكة أيَّد الله به نبيه سلمان - عليه السلام - وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخياء، وكان وزير سليمان، وكان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم، إذا دعا به أجيب، وقيل: بل هو سليمان نفسه، والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان - عليه السلام - إظهار معجزة، فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت.

(قال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علماً وفهماً: ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ، قال سليمان: هاتِ، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، قال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت. وضعف السهيلي ذلك بأنه لا يصح من سياق الكلام) ، قال ابن الخطيب: وهذا القول أقرب لوجوه:

الأول: أن لفظة «الذي» موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفها بقضية معلومة، والشخص المعروف بأنه عنده علم من الكتاب هو سليمان - عليه السلام - فوجب انصرافه إليه أقصى ما في الباب أن يقال: كان آصف كذلك أيضاً، لكنا نقول: إن سليمان كان أعرف بالكتاب منه، لأنه هو النبي، فكان صرف اللفظ إلى سليمان أولى.

الثاني: أن غحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان، لاقتضى ذلك قصور حال سلميان في أعين الخلق.

الثالث: أن سليمان قال ﴿هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ليبلونيا أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ فظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان.

فصل

واختلفوا في الكتاب، فقيل: هو اللوح المحفوظ، والذي عنده علم الكتاب جبريل - عليه السلام - وقيل: كتاب سليمان، أو كتاب بعض الأنبياء، وفي الجملة فإنّ ذلك مدح، وإن لهذا الوصف تأثيراً في نقل ذلك العرش، ولذلك قيل: إنَّه اسم الله الأعظم، وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات.

قوله: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: أنه الجفن عُبِّر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وهذا قول مجاهد، وقال الزمشخري: وهو تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر.

الثاني: أنه بمعنى المطروف، أي: الشيء الذي تَنْظُره، والأول هو الظاهر، لأن الطرف قد وصف بالإرسال في قوله:

3963 - وَكُنْتَ إَذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِداً ... لِقَلْبكَ يوماً أَتْعَبَتْكَ المَناظِرُ

رَأيتَ الَّذِي لا كلّه أَنْتَ قَادِر ... عَليْه ولاَ عن بعضهِ أَنْتَ صَابِرُ

قال سعيد بن جبير «من قبل أن يرتد» أي: من قبل أن يرجع إليك أقصى (من ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك.

وقال مجاهد: يعني إدامة النظر) حتى يرتد الطرف خاسئاً. وقال وهب: تمد عينك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك. فإن قيل: هذا يقتضي (إما القول بالطفرة) أو حصول الجسم الواحد دفة واحدة ي مكانين.

والجواب: أن المهندسين قالوا: كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة ثم إن زمان طلوعها زمان قصير، فإن زمان طلوع تمام القرص على زمان البعد الذي بين الشام واليمن كانت تلك اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلاً إمكان وجود هذه الحركة السريعة وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال.

قوله: «فَلَما رآهُ» يعني سليمان، العرش «مستقراً» عنده محمولاً إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف، ف «مُسْتَقِراً» حال، لن الرؤية بصرية، و «عنده» معمول له، لا يقال إذا وقع الظرف حالاً وجب حذف متعلقه، فكيف ذكر هنا؟ لأن الاستقرار هنا ليس هو ذلك الحصول المطلق، بل المراد به هنا الثابت الذي لا يتقلقل، قاله أبو البقاء. وقد جعله ابن عطية هو العامل في الظرف الذي كان يجب حذفه، فقال: وظهر العامل في الظرف من قوله «مُسْتَقِراً» ، وهذا هو المقدر أبداً مع كل ظرف جاء هنا مظهراً، وليس ي كتاب الله مثله، وما قاله أبو البقاء أحسن على أنه قد ظهر العامل المطلق في قوله:

3964 - فَأَنْتَ لَدَى بُحْبوحَةِ الهُونِ كَائِن ...

وقد تقدم ذلك محققاً في أول الفاتحة.

قوله «أأشكر» معلق «ليبلوني» ، وأم متصلة، وكذلك قوله: ﴿نَنظُرْ أتهتدي أَمْ تَكُونُ﴾ [النمل: 41] . قوله: ﴿ومَنْ شَكَر ... ومن كفر﴾ يحتمل أن تكون «من» شرطية، أو موصولة مضمّنة معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في الخبر، والظاهر أن جواب الشرط: الثاني: أو خبر الموصول قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ولا بد حينئذ من ضمير يعود على «من» تقديره غني عن شكره، وقيل الجواب محذوف تقديره: فإنما كفر عليه، لدلالة مقابله، وهو قوله ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ عليه.

فصل

تقدم معنى الابتلاء، وقوله: أشكر نعمته أم أكفرها فلا أشكرها، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، أي: يعود نفع شكره إليه وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن لاشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، ومن كفر فإن ربي غني عن شكره كريم بالإفضال لعى من يكفر نعمه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском