Ibn 'AdilAr‑Rum · 30:51–60

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:51–60

30:51–54Page 410

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١

But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1

فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢

So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.

وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤

Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.

قوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ لما بين أنهم عند توقف الخير يكونون مُنِيبِينَ آيِسِينَ، وعند ظهوره يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضاً لا يدومون عليها بل لو أصاب زرعهم ريحٌ مفسِد لكفروا فهم متقلبون غير تأمِّين نظرهم إلى الحالة لا إلى المآلِ.

فصل

سمى النافعة رياحاً، والضارة ريحاً لوجوه:

أحدها: أن النافعة كثيرة ألنواع كبيرة الأفراد، فجمعها لأن في كل يوم وليلة (تَهُبُّ) نفحات من الرياح النافعة، (و) لا تهب الريح الضارة في أعوام بل الضارة لا تهب في الدهور.

الثاني: أن النافعة لا تكون إلا رياحاً وأما الضارة فنفحة واحدة تقتل كريح السَّمُوم.

الثالث: جاء في الحديث «أن ريحاً هَبَّتْ فقال عليه (الصلاة و) السلام:» اللَّهم اجْعلها رِيَاحاً وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وقوله: ﴿يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] وإشارة إلى قوله تعالى: ف ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ [الذاريات: 41] وقوله: ﴿رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ الناس﴾ [القمر: 19، 20] .

فصل

معنى الآية ولئن أرسلنا ريحاً أي مُضرّة أفسدت الرزعَ فرأوه مصفراً بعد الخُضْرَة لظلّوا لصاروا من بعد اصفرار الزرع يكفرون يجحدون ما سلف من النعمة يعني أنهم يفرحون عند الخَصْب، ولو أرسلت عذاباً على زرعهم (جحدوا) سالِفَ نعمتي.

قوله: «فَرَأَوْهُ» أي فرأوا النبات لدلالة السياق عليه أو على الأثر، لأن الرحمة هي الغيث وأثرها هو النبات وهذا ظاهر على قراءة الإفراد، وأما على قراءة الجمع فيعود على المعنى. وقيل: الضمير للسَّحَابِ. وقيل: للريح. وقرأ (جَنَاح) بْنُ حبيش مُصْفَاراً بألف و «لظلوا» جواب القسم الموطأ لَهُ» بِلَئِنْ «وهو ماض لفظاً مستقبل معنى، كقوله: ﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: 145] والضمير في» من بعده» يعود على الاصفرار المدلول عليه بالصفة كقوله:

4045 - إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

أي السَّفَهُ، لدلالة السفيه عَلَيهِ.

قوله (تَعَالى:) ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ لما علم رسوله وجوه الأدلة ووعد وأوعد ولم يزدهم دعاؤه إلا فراراً وكفراً وإصراراً، قال: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ وقد تقدم الكلام على نحو ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ﴾ إلى آخره في الأنبياء، وفي النمل. واعلم أن إرشاد الميِّتِ محالٌ والمحالُ أبعد من الممكن ثم إرشاد الأصمِّ صعبٌ فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم بالإشارة والفهام بالإشارة صعب ثم إرشاد الأعمى أيضاً صعب وإنك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى يمينه لكنه لا يبقى عليه بل يَحيد عن قرب، وإرشاد الأصَمُ أصعب ولهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسْهَل من المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع لأن غايته الإفهامُ بالكلام وليس كلّ ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة، فإن المعدومَ والغائب لا إشارة إليه فقال: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ (ثم قال: وَلاَ الصُمَّ وَلاَ تَهْدِي العُمْيَ) وقال في الأصم: ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ ؛ ليكون أدخل في الامتناع لأن الأصمَّ وإن كان يَفْهِم فإنما يفهم بالإشارة، (فإِذَا وَلَّى لا يكون نظره إلى المشير فامتنع إفهامه بالإشارة أيضاً) ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العمي عَن ضَلاَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ لما نفى استماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حيّاً سميعاً وهو كذلك لأن المؤمنَ ينظر في البراهين ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ويفعل ما يجب عليه فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى (عهنم) :

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285] .

قوله: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ لما أعاد دليل الآفاق بقوله: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ [الروم: 48] أعاد دليلاً من دلائل الأنفس أيضاً وهو خلق الآدمي وذكر أحواله فقال: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ أي (بأذى ضعف) كقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20] ، وقرىء: «ضُعْف» بضم الضاد، وفتحها، فالضم لُغة قريش، والفتح لغة تميم «» مِنْ ضَعْف «أي من نطفة. وتقدم الكلام في القراءتين والفرق بينهما في الأنفال، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ (أي) من بعد ضعف الطفولية شباباً وهو وقت القوة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً﴾ هَرَماً» وَشَيْبَةً «والشيبة هي تمام الضعف ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ .

(فإن قيل: ما الحكمة في قوله ههنا: ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ ) فقدم العلم على القدرة، وقولِهِ من قبل: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ والعزة إشارة إلى كما القدرة، والحكمة إشارة إلى كمال العلم، فقدم القدرة هناك على العلم؟! .

فالجواب أن المذكور هناك الإعادة ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ لأن الإعادة بقوله:» كُنْ فَيَكُونَ» فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوارٌ وأحوالٌ والعلم بكل حال حاصل فالعلم هَهُنا أظهر ثم إن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العليم القدير﴾ فيه تبشير وإنذار؛ لأنه إذا كان عالماً بأحوال الخلق يكون عالماً بأحوال المخلوق فإن علموا خيراً علمه ثم إذا كان قادراً فإذا علم الخير أثاب، وإذا علم الشر عاقب، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب اللَّذَيْن هما بالقدرة (والعلم) قدم العِلم، وأما الآية الأخرى فالعلم بتلك الأحوال قبل العقاب فقال: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ .

30:55–58Page 410

وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥

And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦

But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧

So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨

And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."

قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون﴾ يحلف المشركون «مَا لَبِثُوا» في الدنيا «غَيْرَ سَاعَةٍ» أي إلا ساعة، لما ذكر الإعادة والإبداء ذكره بذكر أحوالها ووقتها.

قوله: «مَا لَبِثُوا» جواب قوله «يُقْسِمُ» وهو على المعنى؛ إذا لو حكى قولهم بعينه لقيل: ما لبثنا، والمعنى أنهم استلقوا أجل الدينا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات: 46] وقوله: ﴿يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: 35] .

قوله: «كَذَلِكَ» أي مثْلُ ذَلِكَ الإفك «كانَوا يُؤفَكُونَ» أي يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال الكلبي ومقاتل كذبوا في (قبورهم) قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث، والمعنى أن الله تعالى أراد يَفْضَحَهُمْ فحلفوا على شيء (يتبين) لأهل الجمع أنهم كاذبون، ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم فقال: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله﴾ أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه في اللَّبث في القبور. وقيل: في كتاب الله في حُكْم الله أي فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث فيكون «في كتاب الله» متعلقاً «بلَبِثْتُم» وقال مقاتل وقتادة: فيه تقديم وتأخير معناه وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان لقد لبثتم إلى يَوْم البَعْثِ.

وفي «تَرِدُ بمعنى الباء [و] العامة على سكون عين» البَعْثِ «والحسن بفتحها، وقرىء، بكسرها، فالمكسور اسم، والمفتوح مصدر.

قوله: ﴿فهذا يَوْمُ البعث﴾ في الفاء قولان: اظهرهما: أنها عاطفة هذه الجملة على» لَقَدْ لَبِثْتُمْ «.

وقال الزمخشري هي جواب شرط مقدر كقوله:

4046 - فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا ... كأنه قيل: إن صحَّ ما قلتم إن» خرسان «أقصى ما يراد بكم وآن لنا أن نخلص وكذلك إن كنتم منكرين فهذا يوم البعث، ويشير إلى البيت المشهور.

4047 - قالوا خُرَاسان أقْصَى ما يُرادُ بِنَا ... قُلْنَا القُفُول فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا

قوله:» لا تَعْلَمُونَ» أي البعث أي ما يراد بكم (أو) لا يقدر له مفعول أي لم يكونوا من أولي العلم وهو المَنْع.

فصل

اعلم أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها، فالمجرم إذا حُشِرَ عَلِمَ أن مصيره (إلى النار يستقل مدة اللَّبْثِ ويخترا تأخير الحشر والإبقاء في الإبقاء، والمؤمن إذا حُشِرَ عَلِمَ أن مصيره) إلى الجنة فيستكثر المدة ولا يريد تأخيرها فيختلف الفريقان ويقول أحدهما: إن مدة لَبْثنا قليلٌ وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث﴾ ونحن صرنا إلى يوم البعث، وهذا يوم البعث ﴿ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه في الدنيا يعني أن طلبكم (التأخير لأنكم كنتم لا تعلمون البعث ولا تعترفون به، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير ولا ينفعكم العلم به الآن.

قوله: «فَيَوْمَئِذٍ» أي إِذْ يَشْفَعُ ذَلك يقولُ الذين أثوتوا العلمَ تلك المقالة «لا ينفع» هو الناصب ليومئذ قبله، وقرأ الكوفيون هنا وفي غافر بالياء من تحت وافقهم نافعٌ على ما في غافر؛ لأن التأنيث مجازيّ ولأنه قد فصل أيضاً والباقون بالتأنيث فيهما مراعاةٌ للفظ.

قوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال الزمخشري من قولك: أسْتَعْتَبَنِي فلانٌ فَأَعْتَبْتُهُ أي اسْتَرْضَانِي فَأَرضَيْتُهُ، وذلك إذا كان جانياً (عليه) وحقيقة «أَعْتَبْتُهُ» أزلت عَتْبَهُ ألا ترى إلى قوله:

4048 - غَضِبَتْ تَمِيمٌ أن تقَتَّلَ عَامِرٌ ... يَوْمَ النِّسَارِ فَأُعْتِبُوا بالصَّيْلَمِ

كيف جعلهم غضاباً، ثم قال: «فأُعْتِبُوا» أي أُزِيلَ غَضَبُهُمْ، والغضب في معنى العتب والمعنى لا يقال (لهم) أرضوا ربكم بتوبة وطاعة، ومثله قوله تعالى: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ [الجاثية: 35] . فإن قلتَ: كيف جعلوا غير مُسْتَعْتَبِين في بعض الآيات وغير مُعْتَبِينَ في بعضها وهو قوله: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين﴾ [فصلت: 24] قلت: أما كونهم غي مُسْتَعْتَبِينَ فهذا معناه، وأما كونهم غير معتبين فمعناه أنهم غيرُ راضينَ بما هم فيه فشُبِّهَتْ حالُهُمْ بحال قوم جُنِيَ عليهم فهم عاتبون على الجاني غير راضين (منه) فإن يستعتبو الله أي يسألون إزالة ما هم فيه فما هم من المُجَابِينَ انتهى. وقال ابن عطية ويستعتبون بمعنى يعتبون كما تقول يَمْلِكث، ويَسْتَمْلِكُ، والباب في «استفعل» طلب الشيء وليس هذا منه؛ لأن المعنى كان يفسد إذْ كان المفهوم منه ولا يُطْلَبُ منهم عُتْبَى، قال شِهابُ الدِّين: وليس (هذا) فاسداً لما تقدم في قوله الزمخشري.

قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهذا إشارة إلى إزالة الأعْذَار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار وأنه لم يبقَ من جانب الرسول تقصيرٌ فَإن طلبوا شيئاً آخر فذاك عناد مَحْض لأن من كذَّب دليلاً لا يَصْعبُ عليه تكذيب الدلائل بل يا يجوز للمستدل أن يَشْرَع في دليل آخر بعد ذكره دليلاً جيِّداً مستقيماً ظاهراً لا إشكال عليه، وعانده الخصم لأنه إما أن يعترف بوُرُودِ سُؤال الخَصْم عليه أو لا يعترف فإن اعترف يكون انقطاعاً وهو يَقْدَحُ في الدليل والمستدلّ إما أن يكون الدليل فاسداً وإما أن المستدل جاهل بوجه الدلالة والاستدلال وكلاهما لا يجوز الاعراف (به) من العلم فكيف من النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وإن لم يعترف بكون الشُّرُوعِ في غيره يوهم أن الخَصم معاند فيحترز عن العناد في الثاني أكثر.

فإن قيل: فالأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام ذكروا أنواعاً من الدلائل، فنقول سردوها سَرْداً ثم فردوها فرداً فرداً (كما) يَقُولُ: الدليلُ عليه من وجوه: الأول: كذا، والثاني: كذا، والثالث: كذا.

وفي مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يريد تضييع الوقت كي لا يتمكن المُسْتَدِلُ مِن الإتيان بجميع ما وعد من الدليل فتَنْحَطُّ درجته وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ أي ما أنتم إلا على باطل، ووحد في قوله: «جئْتَهُمْ» وجمع في قوله: «إنْ أَنْتُمْ» لنكتةٍ وهي أنه تعالى أخبر في موضع آخر فقال: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي جاءت بها الرسل فقال الكفار ما أنتم أيها المُدعُون الرسالة (كلكم) إلا كذا.

30:59–60Page 410

كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩

Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠

So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].

قوله: «كَذَلك يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله.

(فإن قيل: من لا يعلم شيئاً أيّ فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه؟

فالجواب:) معناه أن من لا يعلم الآن فقد طبع على قلبه من قبل، ثم إنه تعالى سَلَّى نبيه عليه (الصلاة و) السلام فقال: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ في نصرتك وإظهارك على عدوك وتبيين صدقك.

قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ العامة من الاسْتِخْفَافِ - بخاء مُعْجَمَةٍ وفاءٍ - ويعقوبُ، وابنُ أبي إسحاق بحاء مهملة وقاف من الاسْتِحْقَاق. وابنُ أبي (عبلة) ويعقوبُ بتخفيف نون التوكيد والنهي من باب: لاَ أَرَينْكَ هَهُنَا.

فصل

المعنى ولا يَسْتَجْهِلَنَّكَ أي لا يَجْهَلَنَّكَ ﴿الذين لا يوقون﴾ على الجهل واتباعهم في البغي، وقيل: لا يَسْتَحِقَّنَ رأيكَ وحِلْمَك الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، وهذا إشارة إلى وجوب مُدَاومَةِ النبي - عليه السلام - على الدعاء إلى الإيمان، فإنه لو سكت لَقَالَ الكافريون: إن هـ متقلب قابل الرأي لا ثبات له.

روى أبو أمامة عن أبيِّ بْنِ كَعْبٍ قال: «قال رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» مَنْ قَرَأَ سُورَة الرُّومِ كان لَهُ من الاجر عشر حسناتٍ بعدد كُلّ مَلَك يُسَبِّح اللَّهُ بَيْنَ السَّمَاء والأرض وأَدْرَكَ ما صَنَعَ في يومه وليلته» رواه في تفسير والله أعلم (وأحكم) .

سورة لقمان

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском