Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:13–27
36:13–19Page 441
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣
And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -
إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤
When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."
قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥
They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."
قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦
They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,
وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧
And we are not responsible except for clear notification."
قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨
They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."
قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩
They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية﴾ تقدم الكلام على نظيره في البقرةِ والنحل والمعنى واضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلاً أي مثهم عند نفسك بأصحاب القرية. فعلى الأول لمَّا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 3] وقال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ [يس: 6] قال: قل لهم ما أنا بدعاً من الرسل بل (قبلي) بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال تعالى: إن الإنذار لا ينفع من أضله اللَّهُ وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه (الصلاة و) السلام: فلا بأس واضرب لنفسك ولقومك «مثلاً» أي مَثِّلْ لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثةُ رُسُل فم يؤمنوا، وصبر الرسل عل القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحداً وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قريةً وأنت بعثت إلى العالم.
قوله: ﴿أَصْحَابَ القرية﴾ أي واضرب لهم مثلاً (مَثَلَ) أصحاب القرية، فترك «المَثَلَ» وأقيم «الأصحاب» مُقامة في الإعراب كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] .
قال الزمخشري: وقيل: لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون: المراد بالقرية أنْطَاكية.
قوله: ﴿إِذْ جَآءَهَا﴾ بدل اشتمال. قال الزمخشري: «إذْ» منصوبة لأنها بدل أصْحَابِ القَرْيَة كأنه تعالى قال: واضْرِب لهم وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقتِ مُحَمَّد.
وقيل: منصوب بقوله: «اضْرِبْ» أي اجعل الضرب كأنه حين مجيئهم وواقع فيه والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مُرْسَلٍ أُرْسل إلى قوم إلى زمان محمد - عليه (الصلاة و) السلام - وهم ثلاثة.
قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ﴾ بدل من «إذ» الأولى، كأنه قال: اضْرب لهم مثلاً إذ أرسلنا إلى اصحاب القرية اثنين. قال ابن الخطيب: والأصح الأوضح أن يكون «إذا» ظرفاً والفعل الواقع فيه «جَاءَها» أي جاءها المرسلون حينَ أرْسَلْنَاهُمْ إلَيْهِمْ.
وإنما جاءوهم حيث أمروا. وهذا فيه لطيفة أخرى وهي أن في القصة أن الرسلَ كانوا مبعوثين من جهة عيسى - عليه (الصلاة و) السلام - أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى (عليه السلام -) هو إرسالنا رسول رسول الله بإذن الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رُسُلَ الرسل وإنما هم رُسُلُ الله، فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ﴾ ويؤيد هذا مسألة فِقْهِيَّةٌ وهي أن وَكيلَ الوكيل بإذن الموكل وَكيلُ المُوَكّل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل (الأول) وهذا على قولنا: «واضرب لهم مثلاً» ضرب المثل لأجل محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ظاهر وقوله: «إذا أرسلنا إليهم اثنين» في بعثة الاثْنَيْنِ حكمةٌ بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى عليه (الصلاة و (السلام) (بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قَوْلُهُمَا على قومهما عند عيسى حجَّةً.
فصل
قال ابن كثير: وروى ابن إسحاق عن ابن عباس وكعب الأحْبار ووهب بن منبّه ورُوِيَ عن بُريدةَ بْنِ الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أن هذه القرية أنطاكية وكان اسم ملكها انطيخش، وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صَادِق وصَدُوق وسلومُ فكذبهم وهذا ظاهر (هـ) أنهم رسل الله - عَزَّ وَجَلَّ - وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من عند المسيح وكان اسم الرسولين الأولين شمْعون ويوحَنّا واسم الثالث بُولص والقرية أنطاكية. وهذا القول ضَعِيف جداً؛ لأن أهل أنطاكية لما بَعث إليهم المسيحُ ثلاثةً من الحواريين كانوا أول مدينة آمن بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها مباركة النصارى وهي أنطاكية والقدس واسكندرية رومية، ثم بعدها قسطنطينية، ولم يهلكوا (إذا) أهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا لقول الله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 29] لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورة في القرآن بعثوا لأهل أنطاكية قديماً فكذبوهم فأهلكهم الله ثم عُمِّرت بعد ذلك فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله فيجوز والله أعلم.
قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ قرأ أبو بكر بتخفيف الزاي بمعنى غَلَبْنا، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: 23] ومنه قولهم: عَزَّ وبَزَّ أي ص له بَزّ.
والباقون بالتشديد بمعنى قَوَّيْنَا يقال: عَزَّز المَطَرُ الأَرْضَ أي قواها ولَبدها، ويقال لِتِلْكَ الأرْضِ العَزاء وكذا كل أرض صُلْبَة. وتعَزَّزَ لَحْمُ النَّاقَة أي صلُبَ وقَوِيَ وعلى كلتا القراءتين المفعول محذوف أي فَقَوّيناهما (أو فغلبناهما بثالث) ؛ لأن المقصود من البعثة نُصرة الحق، لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين والبرهان.
وقرأ عبد الله «بالثُّالثِ» بألفٍ ولام.
قوله: ﴿إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُون﴾ جرد خبر «إنّ» هذه من لام التوكيد، وأدخلها في خبر الثانية، لأنهم في الأولى استكملوا مجرد الإنكار فقابلتهم الرسل بتوكيد واحد وهوا لإتيان ب «إنَّ» وفي الثانية بالَغُوا في الإنكار فقابلتهم (الرسل) بزيادة التأكيد، فأتوا ب «إنَّ» وب «اللاَّم» .
قال أهل البيان: الأخبار ثلاثة أقسام: ابتداءٌ وطلبيُّ وإنكاريُّ.
فالأول: (يقال) لمن لك يتردد في نسبة أحد الطرفين إلا الآخر نحو: زَيْدٌ عَارَفٌ.
والثاني: لمن هو مترد في ذلك طالبٌ له منكِرٌ له بعض إنكار فيقال له: إنَّ زَيْداً عَارِفٌ.
والثالث: لم يبالغ في إنكاره فيقال له: إنَّ زَيْداً لَعاَرِفٌ ومن أحسن ما يحى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس الكِنْديِّ فقال: يا أبا العباس: إني لأجدُ في كلام العرب حشواً قال: وما ذالك؟ قال: يقولون زُيْدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائمٌ، فقال: كلاَّ، بل المعاني مختلفة، «فعبد الله قائم» إخبار بقيامة، و «إنَّ عبد الله قائمٌ» جواب لسؤال سائل و «إنَّ عبد الله لقائمٌ» جواب عن إنكار مُنْكِر وهذا هوا لكندي الذي سئل أن يعارض القرآن ففتح المصحف فرأى سورة المائدة وقال أبو حيان: وجاء أولاً «مرسلون» بغير لام، لأنه ابتداء إخْبار، فلا يحتاج إلى توكيد، وبعد المجاورة «لَمُرْسَلُونَ» بلام التوكيد، لأنه جواب عن إنكارٍ.
قال شهاب الدين: «وهذا قصور عن فهم ما قاله أهل البيان، فإنه جعل المقام الثاني - وهو الطلبي - مقام المقام الأول وهو الابتدائي» .
قوله: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ جعلوا كونهم بشراً مِثلهم دليلاً على عدم الإرسال. وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد عليه (الصلاة و) السلام: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: 8] وإنما ظنُّوه دليلاً بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار وإنما قالوا: إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن (الرجحان) فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] وبقوله: ﴿الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13] إلى غير ذلك. ثم قالوا: «وَمَا أَنْزَل الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ» وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مُتمِّماً لما ذكرو (هـ) فيكون الكل شبهةً واحدة، والمعنى وما أنزل الله إليكم أحداً فكيف صرتم رسلاً؟ ﴿ والثاني: أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة وهي أنهم لما قالوا: أنتم بشر مثلنا، فلا يجوز رُجْحَانُكم علينا. ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المُرْسَلِين ثم قولا شبهة أخرى من جهة المرسِل وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئاً في هذا العالم، فإن تصرفه في العالم العلوي فاللَّهُ لم ينزل شيئاً من الأشياء في الدينا فكيف أنزل إليكم؟﴾ .
وقوله تعالى: ﴿الرحمن﴾ إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله تعالى لما كان رَحْمنَ الدُّنْيَا، والإرسال رحمة فيكف لا ينزل رحمته وهو رَحْمن؟! ثم قال: «إنْ أَنْتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ» أي ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون «إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِم اثْنَيْنِ» قال وهب: اسمهما يحيى وبولس «فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا» برسول «ثَالِثٍ» وهو شمعون وقال كعب: الرسولان صَادِق وصدوق والثالث سلوم. وإنما أضاف الله الإرسال إليه، لأن عيسى عليه (الصلاة و) السلام - إنما بعثهم بأمرهم عَزَّ وَجَلَّ -.
قوله: ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وهذا إشارة إلى أنهم مجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك لهم، وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وأكدوه باللام لأن علم الله يجري مَجْرَى القسم، كقوله:
﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] أي هو عالم بالأمور «وَمَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاَغُ المُبِينُ» وذلك تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا عن عُهْدَةِ ما علينا هو البَلاَغ وقوله «المبين» أي المبين الحق عن الباطل وه والفارق بالمعجزة والبُرهان؛ إذ البلاغ المظهر لما ارسلنا إلى الكل أي لا يكفي أن يبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين. أو المظهر للحق بكل ما يمكن فإذا لم يقبلوا الحق فهنالك الهلاك فما كان جوابهم بعد ذلك إلا قولهم: «إنا تَطَيَّرْنا بِكُمْ» أي تَشَاءمنا بكُمْ وذلك أن المطر حُبِسَ عنهم فقالوا أصابنا هذا بشؤمِكُمْ «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمنَّكُمْ» لنقتلنّكم قاله قتادة.
وقيل: لنشتمنّكم «وليمسنكم منا عذاب أليم» فإن فسرنا الرجم بالحجارة فيكون قولهم: «وليمسنكم منا عَذَابٌ أَلِيمٌ» كأنه قالوا: لا نكتفي برجمكم بحجر أو حجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم أو يكون المراد: ولَيَمسَّنَّكُمْ بسبب الرجم منَّا عذاب أليم أي مُؤْلِم.
وإن قلنا: الرجم الشتم فكأنهم قولوا ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحِسِّيِّ. إذا فسرنا «أليم» بمعنى مؤلم فالفَعِيلُ بمعنى مُفْعِل قليلٌ.
ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] أي ذاتِ رِضَا أي عذابٌ ذُو ألَمٍ، فيكون فعلي بمعنى فَاعِلٍ وهو كثيرٌ.
ثم أجابهم المرسلون فقالوا «طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ» أي شؤمكم معكم، أي كُفْركُمْ.
قوله: «طائركم» العامة على «طائِر» اسم فاعل أي ما طَارَ لكم من الخير والشر، فغبر به عن الحظ والنصيب وقرأ الحسن - فيما روى عنه الزمخشري «اطَّيْرُكُمْ» مصدر اطَّيَّرَ الذي أصله تَطَيَّرَ، فلما أريد إدغامه أبدلت الفاء طاء وسكنت واجتلبت همزة الوصل وصار اطَّيَّر، فيكون مصدره «اطَّيَّاراً» .
ولما ذكر أبو حيان هذا لم يرد عليه وكان (هو) في بعض ما رد به على ابن مالك في شرح التسهيل في باب المصادر أن مصدر «تَطَيَّر وتَدَارأ» إذا أدغما وصار «اطَّيَّر وادَّارأ» لا يجيء مصدرهما علهيما، بل عل أصلهما، فيقال: اطَّيَّر تَطَيُّراً، وادَّارأَ تَدَرُءاً. ولكن هذه القراءة تَردُّه إنْ صحت وهو بعيدٌ.
وقد روى غيره طَيْرُكُمْ بياء ساكنة ويغلب على الظن أنها هذه وإنما تصحفت على الرواي فحسبها مصدراً وظن أن ألف «قالوا» همزةُ وَصْلٍ.
قوله: ﴿أَإِن ذُكِّرْتُم﴾ قرأ السبعة بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية وهم على أصولهم من التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه في سورة (البقرة) واخْتَلَفَ سيبويه ويونسُ إذا اجتمع استفهام وشرط أَيُّهُما يُجَابُ؟ فذهب سيبويه إلى أجابة الاستفهام، ويونُس إلى إجابة الشرط.
فالتقدير عند سيبويه أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيُّرُون وعند يونس تَطَيُّرُوا مجزوماً فالجواب للشرط على القولين محذوف.
وقد تقدم هذا في سورة الأنبياء. وقرأ أبو جفعر وطلحة وزِرّ بهمزتين مفتوحتين، إلاَّ أنَّ زِرّاً لم يسهل الثانية، كقوله:
4172 - أَإِنْ كُنْتَ بْنَ أَحْوَى مُرَحَّلاً ... فَلَسْتَ برَاعٍ لابْن عَمِّكَ مَحْرَمَا
وروي عن أبي عمرو وزرِّ أيضاً كذلك، إلا أنها فصلاً بأَلِفٍ بني الهَمْزَتَين وقرأ المَاجَشُون (بهمزة) واحدة مفتوحة.
وتخرج هذه القراءات الثلاث على حذفلام العلة أي (أَ) لأَنْ ذُكّرْتُمْ تَطَيِّرْتُمْ ف «تطيرتم» هو المعلول، وأن ذكرتم عليته. والاستفهام منسحب عليهما في قراءة الاستفهام. وفي غيرها يكون إخبار بذلك. وقرأ الحسن بهمزة واحدة مكسروة وهي شرط من غير استفهام، وجوابه محذوف أيضاً. وقرأ الأعمش والهَمْدَانيُّ أين ذكرتم فطائركم معكم أو صُحْبَتُكُمْ طائركم، لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ ومن يجوز تقديم الجواب لا يحتاج إلى حذف.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصْمَعِيُّ عن نافع ذُكِرْتُمْ بتخفيف الكاف.
فصل
قوله: «أئن ذكرتم» جواب عن قوله: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي أتفعلون بنا ذلك وإن ذكرتم أي وعظتم بالله وبين لكم الأمر بالمعجز والبُرْهان «بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ» مشركون مجاوزون حيث تجعلون ما يُتَبرَّكُ به يتشاءم بِهِ وتقصدون إيلام من يجب إكرامه، أو مسرفون حيث تكفرون ثم تُصِرُّونَ بعد ظهور الحق بالمُعْجِزة والبُرهان.
فإن قيل: (بل) للإضراب فما (الأمر) المضروب عنه؟
فالجواب: يحتمل أن يقال قوله: أَئِنْ ذُكِّرتم واردة على تكذيبهم فإنهم قالوا: نحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان لا بل قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال: أنحن مشؤومون وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه لا بل أنتم قوم مسرفون. ويحتمل أن يقال: أنحن مستحون الرجم والإيلام وإن بينا صحَّةَ ما أتينا به لا بل أنتم قوم مسرفون.
فصل
ذكر المفسرون أن عيى - عليه (الصلاة و) السلام - بعث رجلين إلى أهل أنطاكية فَدَعَوَا إلى توحيد الله وأظهرا المعجزة من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فحبسهم الملك فأرسل بعدهما شمْعُون، فأتى الملك، ولم يدع الرسالة وقرب نفسه من الملك بحسن التدبير، ثم قال: إني أسْمَعُ (أنَّ) في الحبس رَجُلَيْنِ يَدِّعيَا (نِ) أمراً بديعاً أفلا يحضران نسمع كلامهما؟ فقال الملك: بلى فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقَّةَ فقال شمعون: وهل لكما بيِّنَةٌ؟ قالا: نعم فأبرءا الأكمه والأبرص وأَحْيَيا الموتى. فقال شمعون: يا أيها الملك: إن شئت أن تَغْلِبَهم فقل للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئاً من ذلك فقال له الملك أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم فقال شمعون: فَإذَنْ ظهر لي الحق من جانبهم فآمن الملك (وقوم) وكفر آخرون. وكانت الغلبة للمكذبِينَ.
36:20–27Page 441
وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠
And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.
ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١
Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.
وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢
And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣
Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?
إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤
Indeed, I would then be in manifest error.
إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥
Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦
It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧
Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."
قوله: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ في تعلقه بما قبله وجهان:
أحدهما: أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث أمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله: «مِنْ أَقْصَى المَدِينَة» فيه بلاغة باهرة لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل و (هو) قد آمن دل على (أن) إنذارهم وإبلاغهم بلغ إلى أقصى المدينة.
والثاني: أن ضرب المثل لما كان لتسلية قلب محمد - عليه (الصلاة و) السلام - ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعي المؤمنين في تصديق أنبيائهم، وصبرهم على ما أوذوا، ووصول الجزاء الأوفر إليهم ليكون ذلك تسليةً لقلب أصحاب محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
قوله: ﴿رجل يسعى﴾ في تنكير «الرجل» مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان:
الأولى: أن يكون تعظيماً (لشأنه) أي رجل كامل في الرجولية.
الثانية: أن يكون مفيداً ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال: إنهم تواطئوا والرجل هو حبيب النَّجار كان ينحت الأصنام. وقال السدي: كان قصاراً وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقياً قد أسرع فيه الجُذَامُ وكان منزلة عند أقصى باب المدينة وكان مؤمناً آمن بمحمدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله، ورأى فيه نعت محمد وبعثته وقوله: «يسعى» تصيرٌ للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جَهْدَهم في النُّصْحِ.
قوله: ﴿قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين﴾ تقدم الكلام في فائدة قوله: «يا قوم» عند قوله موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] .
فإن قيل: هذا مثل مؤمن آل فرعون ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون﴾ [غافر: 38] وهذا قال: «اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ» فما الفرق؟ .
فالجواب: هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السَّبِيلَ وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مراراً فقال: «اتَّبِعُونِي في الإيمان بمُوسى وهَارُونَ - عليهما (الصلاة و) السلام - واعلموا أنه لو لم يكن خيراًلما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته» ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول: أنتم تعلمون اتّباعي لهم. واعلم أنه جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله: «اتبعوا» نصيحة وقوله: «المرسلين» إظهار إيمانه وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصيحة وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله: «يسعى» على إرادته النصح.
قوله: ﴿مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ بدل من «المرسلين» بإعادة العامل إلا أن أبا حيان قال: النحاة لا يقولون ذلك إلا إذا كان العامل حرف (جر) وإلا فلا يسمونه بدلاً بل تابعاً وكأنه يريد التوكيد اللفظي بالنسبة إلى العامل.
فصل
هذا الكلام في غاية الحسن لأن لما قال اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونَهُمْ مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة الاستقامة والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه والامتناع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين إما لطالب الدليل الأجرة وإما عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريق المستقيمة الموصولة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين أليسوا بمهتدين فاتبعوهم.
قوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾ أصل الكلام وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عليهم ليكون الكلام أسرع قبولاً ولذلك جاء قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ دون «وإليه أَرْجِعُ» وقوله ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ مبني على كلام الأول وهذه الطريقة أحسن من ادِّعاء الالتفات وقرأ حمزةٌ ويعقوبُ ما لي بإسكان الياء والآخرون فتحها واعلم أن قوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ﴾ أَيْ أيُّ مانع من جانبي وهذا إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه فمن يمنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبي فلا جَرَمَ عبدته وفي العدول من مخاصمة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى وهي أنه لو قال: ما لكم لا تعبدون الذي فطركم «لم يكن في البيان مثل قوله: ﴿وَمَا لِيَ﴾ لأنه لو قال:» وَمَالِي» وأحد لا يخفى عليه (حال) نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد لأنه أعمل بحال نفسه فهو بين عدم المانع وأما لو قال: «وَمَا لَكُمْ» جاز أن يفهم (منه) أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه، وقوله: ﴿الذي فَطَرَنِي﴾ إشارة إلى وجود المقتضي، فإن قوله: «وَمَا لِي» إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضي فقوله: ﴿الذي فَطَرَنِي﴾ دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعمٌ بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته. وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم ما هو أولى بالبيان للحاجة إليه واختار من الآيات فطرة نفسه لأن خَالِقَ عَمْرو يجب على زيدٍ عبادتُه لأن من خلق عمراً (لا يكون إلا) كامل القدرة واجب فهو مستحق العبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على» زيد «بخلق» زيد «أظهر إيجاباً
فصل
أضافَ الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم كأن الفطرة أثر النعمة وكان عليه أظهر وفي الرجوع معنى الشكر وكان بهم أليق. روي أن لما قال: اتبعوا المرسلين أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له:» أَفَأَنْتَ تَتَّبِعُهُمْ» ؟ فقال: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي أي شيء يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم.
ومعنى فطرني: خلفني اخترعاً ابتداء. وقيل جعلني على الفطرة كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] .
قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أتخذ من دونه آلهةً و «مِنْ دُونِهِ» يجوز أن يتعلق «بأَتِّخِذُ» على أنها متعدية لواحد وهو «آلهة» ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «آلهة» وأن يكون مفعولاً ثانياً قدم على أنها المتعدية لاثنين.
فصل
في قوله: «من دونه آلهة» لطيفة وهي أنه لما بين أنه يعبد الذي فطهر بين أن مَنْ دُونَهُ لا يجوز عبادة لأن الكل محتاجٌ مفتقرٌ حادثٌ وقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ إشارة إلى أن غيره ليس بإلَهِ لأن المتخذ لا يكون إلهاً قوله: «إنْ يُرِدْنِي» شرط جوابه «لاَ تُغْنِ عَنِّ» والجملة الشرطية في محل نصب صفة «لآلهةٍ» وفتح طلحة السَّلْمَانِي - وقيل: بِضُمر بمعنى إن يُورِدْنِي ضُرًّا أي يجعله مَوْرداً للضر قال أبو حيان: وهذا والله اعلم رأى في كتب القراءات بفتح الياء فتوهم أنها ياء المضارعة فجعل الفعل متعدياً بالياء المعدية كالهمزة فلذلك دخل همزة التعدية فنصب به اثنين والذي في كتب القراءات الشواذ أنها ياء الإضافة المحذوفة خطًّا ونطقاً لالتقاء الساكنين قال شهاب الدين: وهذا رجل ثِقَةٌ قد نقل هذا لاقراءة فتقبل منه.
فإن قيل: ما الحِكْمَةُ في قوله ﴿إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ﴾ ولم يقل: إنْ يُرِد الرَّحْمَنُ بِي ضُرًّا وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38] ولم يقل: إن أَرَادَ اللُّهُ بي ضُرًّا؟ .
فالجواب: أن الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بالحرف كالأمر تعدى بالحرف في قولهم: ذَهَبَ به وخَرَجَ به. ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف فإذا قال القائل مثلاً: كيف حال فلان؟ يقول: اختصه الملكُ بالكرامة والنعمة. فإذا قال: كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد فيقول المسؤول مفعولاً بغير حرف؛ لأنه هو المقصود وإذا تقرر هذا فالمقصود فيما نحن فيه: بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البُؤْسِ والرَّخاء وليس الضر مقصود بيانه كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله ويُؤَيِّد هذا قولُه مِنْ قَبْل: «الَّذِي فَطَرَنِي» حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فلذلك جعلها مفعول الإرادة ووقع الضر تبعاً وكذلك القول في قوله: «إنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بضُرِّ» المقصود بيان أنه يكون كما يريده الله (وليس الضر) لخصوصيته مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال الله تعالى:
﴿سَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] يعني هو تحت إرادتِهِ.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله هنا: «إن يُرِدْني الرحمن» بصيغة المضارع وقال في الزمر: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ الله﴾ [الزمر: 38] بصيغ الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك اسم الله؟ .
فالجواب أن الماضي والمستقبل مع لاشرط يصير الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلاً لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ﴾ والمذكرو هناك من قبل بصيغة الماضي قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم﴾ [الزمر: 38] .
قوله: ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئا﴾ [يس: 23] أي إن يَمْسَسْنِي اللَّهُ بضرِّ أي بسوء ومكروه لا تُغْنِ شفاعتهم شيئاً أي لا شفاعة لها فتغني «ولا يُنْقِذُونِ» من ذلك المكروه أو لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. قوله تعالى: ﴿إني إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي خطأ ظهار إن فعلت ذلك فأنا ضالٌّ ضلالاً بيناً. و «المُبِينُ» مُفْعِل بمعنى «فَعِيل» وعكسه «فَعِيلٌ» بمعى مُفْعِل في قوله «أليم» بمعنى مؤلم.
قوله: ﴿إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فيه وجوه:
أحدها: أنه خطاب المرسلين. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قلته فأقبل هو للمرسلين وقال: إنِّي آمن بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُوا قولي واشهدوا لي.
والثاني: هم الكفار لمَّا نصحهم وما نفعهم قال آمنت فاسمعون.
الثالث: بركم أيها السامعون فاسمعوني على العموم كقول الواعظ: يا مِسْكينُ ما أَكْثَرَ أَمَلَك (وما أتْرَرَ عَمَلَك «يريد كل سامع يسمعه وفي قوله» فَاسْمَعُونَ «فوائد منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعمل أن لكلامه جماعةً سامعين يتفكر، ومنها أن ينبه القوم ويقول: إن أخبرتكم بما فعلت حتى لا يقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك.
فإن قيل: قال من قبل: مَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الِّذي فطرني، وقال ههنا: آمنتُ بربكم ولم يقل: آمن بربي!؟ فالجواب: إن قلنا: الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر لأنه لما قال: آمنتُ برَبِّكُمْ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال» بِرَبِّكُمْ «وإن قلنا: الخطابُ مع الكفار ففيه (وجوه) بيان للتوحيد لأنه لما قال:» أعبد الذي فطرني» ثم قال: «آمنت بربكم فاسمعون» فُهِمَ أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمن بربي فيقول الكافر: وأنا أيضاً آمنت بربي.
قوله: ﴿فاسمعون﴾ العامة على كسر النون وهي نون الوقاية حذفت بعدها ياء الإضافة مُجتزءاً عنْهَا بكسرة النون وهي اللغة الغالية. وقرأ عِصْمَةُ عن عصم بفتحها وليست إلا غلط (على عاصم) ، إذ لا وجه (لها) وقد وقع لابن عطية وَهَمٌ فاحش في ذلك فقال: وقرأ الجمهور بفتح النون وقال أبو حاتم: هذا خطأ فلا يجوز لأنه أمر فإما حذف النون وإما كسرها على جهة الياء عين ياء المتكلم، وقد يكون قوله: «الجمهور» سبقَ قلم منه أو من النساخ وكان الأصل: وقرأ غيرُ الجمهور فسقط لفظة «غيره» (و) قال ابن عطية حذف من الكلام ما تواترت الأخبار والروايات به وهو أنهم قتلوه فقيل له عند موته: ادْخُلِ الجَنَّة بَعْدَ القتل وقيل: قوله: (قِيلَ) ادخل الجنة عطف على قوله: ﴿آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فعلى الأول يكون قوله: ﴿ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ بعد موته والله أخبر بقوله، وعلى الثاني قال ذلك في حياته وكان يسمع الرسل يقولون إنه من الداخلين الجنة وصدقهم وقعطع به.
قوله: (قَال) يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ «كما علمت فيؤمنون كما آمنت وقال الحسن خرقوا خرقاً في حَلْقِهِ وعلقوه في سرو المدينة وقره بأنطاكية فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ:» قِيلَ ادْخُل الجَنَّة» فلما أقضى إلى الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي أي بغرانربي لي وجعلين من المكرمين. قوله: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ يجوز في (ما) هذه ثلاثة أوجه: المصدرية كما تقدم والثاني: أنها بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي غفره لي ربي واسْتُضْعِفَ هذا من حيث إنه يبقى معناه أنه تمنى أن يعمل قومه بذنبوه المغفورة. ولي المعنى على ذلك إنما المعنى على تَمَنِّي علمهم بغفران رَبِّه ذُنُوبَه والثالث: أنها استفهامية وإليْهِ ذَهَبَ الفرّاء ورده الكسائي بأنه كان ينبغي حذف ألها لكونها مجرورة وهو رد صحيح وقال الزمخشري الأجود وطرح الألف والمشهور من مذهب البصريين وجوب حذف ألها كقوله:
4173 - (عَلاَمَ يقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عَاتِقِي ... إِذَا أَنَا لَمْ أَطْعُنْ إذَا الخَيْلُ كَرَّتِ
إلاَّ في ضرورة كقول الشاعر) .
4174 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئيمٌ ... كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادٍ
وقرئ من المكرمين بتشديد الراء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences