Ibn 'AdilAl‑An'am · 6:77–83

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:77–83

6:77Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

«بَازِغاً» حالٌ من «القمر» والبزوغ: الطُّلُوع، يقال: بَزَغَ بفتح الزاي: يَبْزُغ بضمها بزوغاً، والبُزُوغُ: الابتداء في الطلوع.

قال الأزهري: كأنه مأخوذ من البَزْغ وهو الشَّقُّ كأنه بنُورِهِ يِشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقاً، ويستعمل قاصراً ومتعدياً، يقال: بَزَغَ البَيْطَارُ الدَّابَّةَ، أي: أسال دَمَها، فبزغ هو، أي: سال، هذا هو الأصل.

ثم قيل لكل طلوع: بزوغ، ومنه بَزَغَ نَابُ الصبي والبغير تَشْبيهاً بذلك.

والقمر معروف سُمِّيَ بذلك لِبَيَاضِهِ، وانشار ضَوْئِهِ، والأقْمَرُ: الحمار الذي على لون الليلة القمراء، والقَمرَاءُ ضوء القمر.

وقيل سُمِّيَ القمر قمراً؛ لأنه يقمر ضوء الكواكب ويفوز به، واللَّيَالي القُمْرُ: ليالي تَدَوُّرِ القمر، وهي الليالي البِيضُ؛ لأن ضوء القمر يستمر فيها إلى الصباح.

قيل: ولا يقال له قمراً إلا بعد امتلائه في ثالث ليلة وقبلها هِلالٌ على خلاف بين أهل اللغة تقدم في البقرة عند قوله: ﴿عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: 189] فإذا بلغ بعد العشر ثالث ليلة، قيل له: «بدر» إلى خامس عشر.

ويقال: قمرت فلاناً، أي: خدعته عنه، وكأنه مأخوذ من قَمِرَت القِرْبَةُ: فَسَدَت بالقَمْراء.

قوله: ﴿لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي﴾ يدلُّ على أن الهدايةَ ليست إلاَّ من الله، ولا يمكن حمل لفظ الهداية إلا على التمكينن وإزاحة الأعْذَارِ، ونَصْبِ الدلائل؛ لأن كل ذلك كان حاصلاً لإبراهيم عليه السلام.

6:78Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.

إنما ذكر اسم الإشارة مذكراً والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه:

إما ذهاباً بها مذهب الكواكب، وإما ذهاباً بها مذهب الضوء والنور، وإما بتأويل الطَّالع أو الشخص؛ كما قال الأعشى: [السريع]

2218 - قَامَتْ تُبَكِّيهِ عَلَى قَبْرِهِ ... مَنْ لِيَ بَعْدكَ يَا عَامِرُ تَرَكْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا غُرْبَةٍ ... قَدْ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَاصِرُ

أو الشيء، أو لأنه لما أخبر عنها بمذكَّرٍ أعْطِيَتْ حُكْمَه؛ تقول: هند ذاك الإسنان وتيك الإنسان؛ قال: [البسيط]

2219 - تَبِيتُ نُعْمَى عَلَى الهِجْرَانِ غَائِبَةً ... سَقْياً ورعْياً لِذاكَ الغَائِبِ الزَّاري

فأشار إلى «نعمى» وهي مؤنث إشارة المُذكرِ بوصف الذكورن أو لأن فيها لُغَتَيْنِ: التذكير والتأنيث، وإن كان الأكثر التأنيث، فقد جمع بينهما في الآية الكريمة فانَّث في قوله: «بازغة» ، وذكَّرَ في قوله: «هذا» .

وقال الزمخشري: «جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيء واحد؛ كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك، و ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾ [الأنعام: 23] وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرَّبِّ عن شُبْهَةِ التأنيث، إلا تَرَاهُمْ قالوا في صفة الله: علاَّم، ولم يقولوا: عَلاَّمة، وإن كان أبْلَغَ، احترازاً من علامة التأنيث» .

قلت: وهذا قريبٌ مِمَّا تقدَّم في أن المؤنث إذا أخبر عنه بمذكَّرِ عومل معاملة المُذكَّرِ، نحو: «هند ذاك الإنسان» .

وقيل: لأنها بمعنى: هذا النَّيِّر، أو المرئي.

قال أبو حيَّان: «ويمكن أن يقال: إن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر، ولا في الإشارة بين المُذَكَّرِ والمؤنث سواء، فلذلك اشار إلى المؤنَّثِ عندنا حين حكى كلام إبراهيم بما يشار به إلى المذكر، بل لو كان المؤنث بِفَرْجِ لم يكن له علامة تَدُلُّ عليه في كلامهم، وحين أخبر - تعالى - عنها بقوله:» بَازِغَةً «و» افَلَتْ «أتت على مقتضى العربية، إذ ليس ذلك بحكاية» انتهى.

وهذا إنما يظهر أن لو حكى كلامهم بِعَيْنِهِ في لغتهم، أما شيء يعبر عنه بلغة العرب، ويعطى حكمه في لغة العَجَمِ، فهو مَحَلُّ نَظَرٍ.

فصل في بيان سبب تسمية العبرية والسريانية.

قال الطبري: إن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إنما نطق بالعبرانية حين عَبَرَ النَّهْرَ فاراً من النَّمْرُودِ حيث قال للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم من يتكلم بالسريانية فأتُونِي به، فلما أدْرَكُوُ اسْتَنْطَقُوهُ، فَحوَّلَ الله نُطْقَهُ لساناً عربياً، وذلك حين عبر النَّهْرَ، فسميت العبرانية لذلك.

وأما السُّرْيَانِيَّةُ فذكر ابن سلام أنها سميت بذلك؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - حين علم آدم الأسماءَ علَّمهُ سِرَّا من الملائكة، وأنطقه بها حنيئذ، فَسُمِّيتِ السريانية لذلك، والله أعلم.

قوله: «هَذَا أكْبَرُ» أي: أكبر الكواكب جِرْماً، وقواها قولة، فكان أوْلَى بالإلهية، قوله: ﴿إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ «ما» مصدرية، أي: بريء من إشراككم، أو موصولة أي: من الذين يشركونه مع الله في عبادةته، فحذف العائدن ويجوز أن تكون الموصوفة والعائد محذوف أيضاًن إلا أنَّ حَذْفَ عائد الصِّفَةِ أقل من حَذْفِ عائد الصِّلة، فالجملة بعدها لا محلًّ لها على القولين الأوَّليْنِ، ومحلها الجر على الثالث، ومعنى الكلام أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للرُّبُوبيَّةِ والإلهية، لا جَرَمَ تبَرَّأ من الشِّرْكِ.

فإن قيل: هَبْ أن الدليل دَلَّ على أن الكواكب لا تصلح للربوبية، لكن لا يلزم من هذا نَفْيُ الشرك مطلقاً؟

فالجواب: أن القوم كانوا مُسَاعدين على نَفْي سائر الشُّركاءِ، وإنما في هذه الصورة المعينة، فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشْياءَ ليست أرْبَاباً، وثبت بالاتفاق نَفْيُ غيرها، لا جرم حصل الجَزْمُ بنفي الشركاء.

6:79Page 137

إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩

Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."

المراد: وجهت عبادتي وطاعتي لعبادته ورضاه، كأنهم نَفوا بذلك وَهْمَ من يَتَوهَّمُ الجهة، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مُطِيعاً لغيره مُنْقَاداً لأمره، فإنه يتوجَّه بوجهه إليه، فجعل توجيه الوجه إليه كِنايةً عن الطاعة.

وفتح الباء من وجهي نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، والباقون تركوا هذا الفتح.

قوله: «لِلَّذي فَطَرَ» فدروا قبله مُضافاً؛ أي: وجهت وَجْهِي لعبادته كما تقدم و «حنيفاً» حال من فاعل «وجَّهْتُ» .

وقد تقدَّم تفسير هذه الألفاظ، و «ما» يحتمل أن تكون الحجازية، وأن تكون التميمية.

6:80Page 137

وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

لما أورد إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - الحُجَّة عليهم المذكورة، أورد القوم عليه جُجَجاً على صحة أقوالهم:

منها: أنهم تَمَسَّكُوا بالتقليد، كقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] وكقولهم للرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] وكقول قوم هود: ﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء﴾ [هود: 54] فذكروا من جِنْس هذا الكلام، وإلا فالله - تعالى - لم يَحْكِ محاجتهم.

فأجاب الله - تعالى - عن حُجَّتِهِمْ بقوله تعالى - ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتحاجواني فِي الله﴾ .

قرأ نافع، وابن ذكوان، وهشام بخلاف عنه بنون خفيفة، والباقون بنون ثقيلة، والتثقيل هو الأصل؛ لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة الخمسة، والثانية نون الوقاية، استثقل اجتماعهما، وفيهما لغات ثلاث: الفَكُّ وتركهما على حالهما، والإدغام، والحذف، وقد قرئ بهذه اللغات كلها في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] وهنام لم تقرأ إلا بالحذف أو الإدغام، ونافع بالحذف، والباقون يفتحون النون، لأنها عندهم نون رفعن وفي سورة النحل: ﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [آية: 27] بفتح النون عند الجمهور، لأنها نون رفع، وثرؤه نافع بنون مكسورة خفيفة على الحذف، فنافع حذف إحدى النونين في جميع المواضع المذكورة فإنه يقرأ في الزُّمر أيضاً بحذف أحدهما:

وقوله تعالى: ﴿أتعدانني﴾ في الأحقاف [آية: 17] قرأه هشام بالإدغام، والباقون بالإظهار دون الحذف.

واختلف النحاة في أيَّتهما المحذوفة؛ فمذهب سيبويه ومن تبعه أن المحذوفة هي الأولى واستدلَّ سيبويه على ذلك بأن نون الرفع قد عُهِدَ حذفها دون مُلاقاةِ مِثْلِ رفعاً؛ وأنشد: [الطويل]

2220 - فإنْ يَكُ قَوءمٌ سَرًّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ ... سَتَحْتَلِبُوهَا لاقِحاً غَيْرَ بِاهِلِ

أي: فَسَتَحْتَلِبُونَهَا، لا يقال: إن النون قد حذفت جَزْماً في جواب الشرط؛ لأن الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطاًن وإذا تقرر وجوب الفاءن وإنما حذفت ضَرُورةً ثبت أن نون الرفع كان من حقها الثبوت، إلا أنها حذفت ضرورة، وأنشدوا أيضاً قوله: [الرجز]

2221 - أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتي تَدْلُكِي ... وَجْهَكِ بالعَنْبَرِ والْمِسْكِ الذّكِي

أي: تبيتين وتدلكين.

وفي الحديث: «والَّذِي نَفْسِي بَيدهِ لا تَدْخُلُوا الجَنَّة حَتَّى تُؤمِنُوا ولا تُمِنُوا ولا تُؤمنُوا حتَّى تَحَابُّوا» ف «لا» الدّاخلة على «تدخلوا» و «تؤمنوا» نافية لا ناهية لفساد المعنى عليه، وإذا ثبت حَذْفُهَا دون مُلاقاة مِثْلٍ رفعاً فلأن تحذف مع ملاقاة مِثلٍ في فَصيح الكلام؛ كقراءة أبي عمرو ﴿يَنصُرْكُم﴾ [آل عمران: 160] و ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: 109] ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: 67] وبابه بسكون آخر الفعل، وقوله الشاعر: [السريع]

2222 - فَاليْومَ أشْرَبْ غَيْرُ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْماً مِنْ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ

وإذا ثبت حذف الأصْلِ، فليثبت حذف الفَرْعِ لئلا يلزم تَفْضِيلُ فَرْعِس على أصله، وأيضاً فإنَّ ادِّعاءَ حذف نوع الرفع لا يُحْوِجُ غلى حَذْفٍ آخرن وحذف نون الوقاية قد يُحْوِجُ إلى ذلكن وبيانه بأنه إذا دَخَلَ نَاصِبٌ أو جازم على أحد هذه الأمثلة، فلو كان المحذوف نُونَ الوقاية لكان ينبغي أن تُحْذَفَ هذه النون، وهي تسقط للناصب والجازم، بخلاف ادِّعاءِ حذف نون الرفع، فإنه لا يحوج إلى ذلك؛ لأنه لا عمل له في الَّتِي للوقاية.

ولقائل أن يقول: لا يلزم من جوازِ حذفت الأصل حَذْفُ الفرع؛ لأن في الأصل قوة تقتضي جوازَ حذفه، بخلاف نون الوقاية، ودخول الجازم والناصب لم نجد له شيئاً يحذفه؛ لأن النون حذفت لعارِضٍ آخر.

واستدلُّوا لسيبويه بأن نون الوقاية مَكْسُورةٌ، فبقاؤها على حالها لا يلزم منه تغيير، بخلاف ما لو ادَّعَيْنَا حذفها، فإنَّا يلزمنا تغيير نون الرفع من فتح إلى كسر، وتعليل العمل أوْلى، واستدلوا أيضاً بأنها قد حذفت مع مثلها، وإن لم تكن نون وقاية؛ كقوله: [البسيط] 2223 - كُلُّ نِيَّةٌ في بُغْضِ صَاحبهِ ... بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا

أي: وتَقْلُونَنَا، فاملحذوف نون الرفع لا نون «ن» ؛ لأنها ضميرن وعورض هذا بأن نون الرفع ايضاً لها قوة لدلالتها على الإعرابن فحذفها أيضاً لا يجوز، وجعل سيبويه المحذوفة من قول الشاعر: [الوافر]

2224 - تَرَاهُ كالثَّغَامش يُعَلُّ مِسْكاً ... يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلضيْنِي

نون الفاعنل لا نون الوقاية، واستدلَّ الأخفش بأن الثقل إنما حصل بالثانية؛ ولأنه قد استْتُغْنِيَ عنها، فإنه إنما أتى بها لِتَقِيَ الفعل من الكسر، وهو مَأمُونٌ لوقوع الكسْرِ على نون الرفع، ولأنها لا تَدُلُّ على معنى، بخلاف نون الرفع، وأيضاً فإنها تُحْذَفُ في نحو ليتنين فيقال: ليتي؛ كقوله: [الوافر]

2225 - كَمُنْيَةِ جَابِرٍ إذْ قَالَ: لَيْتِي ... أصَادِفُهُ وأتْلِفُ بَعْضَ مَالِي

واعلم أن حَذْفَ النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يلتفت إلى قَوْلِ مَنْ مَنَعَ من ذلك إلاَّ في ضرورة أو قليل من الكلام، ولهذا عيبَ على مكي بن ابي طالب حيث قال: «الحذف بِعِيدٌ في العربية فبيح مكروه، وإنما يجوز في الشعر لِلْوزْنِ، والقرآن لا يحتمل ذلك فيهح إذ لا ضرورة تدعو إليه» .

وتَجَاسَرَ القولان مَرْدُودَانِ عليهما؛ لتواتر ذلك، وقد تقدم الدليل على صِحَّته لغة.

وأيضاً فإن الثِّقات بت «أتُحَاجُّونِّي» لا ب «حَاجَّهُ» ، والمسألة من باب التَّنَازُعِ، وأعْمِلَ الثاني؛ لأنه لمَّا أضمر في الأول حذف، ولو أعمل الأول لأضمر في الثاني من غير حَذْفِ، ومثله: ﴿يَستَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ [النساء: 176] كذا قال أبو حيَّان، وفيه نظر من حيث إن المعنى ليس على تَسَلُّطِ «وَحَاجَّهُ» على قوله: «في اللَّه» ؛ إذ الظاهر انْقِطَاعُ الجملة القولية عما قبلها.

وقوله: «في اللَّهِ» أي: في شأنه، ووحدانيته.

قوله «وَقَدْ هَدَانيِ» أي: للتوحيد والحقن وهذه الجملة في مَحَلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان:

أظهرهما: أنَّهُ الياء في «أتحاجونني» ، أي: أتجادلونني فيه حال كوني مهدياً من عنده.

والثاني: أنَّهُ حالٌ من «الله» أي: أتخاصمون فيه حال كونه هادياً لي، فحجتكم لا تُجْدِي شيئاً؛ لأنها دَاحِضَةٌ.

قوله: «ولا أخَافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ» هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، أخبر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بأنه لا يخاف ما يشركون به، وإنما ثِقتُهُ برَبِّه، وكانوا قد خَوَّفُوهُ من ضَرَر يحل لَهُ بسبب سَبِّ آلهتهم.

ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصب على الحال باعتبارين:

أحدهما: أن تكون ثانيةً عَطْفاً على الأولىن فتكون الحالان من اليااء في «أتُحَاجُّونِّي» .

والثاني: أنها حالٌ من «الياء» في «هداني» ، فتكون جملةً حاليةً من بعض جملة حاليةٍ، فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلاَّ أنه لا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أنَّ الفعل المضارع المنفي بت «لا» حُكْمُهُ حُكْمُ المثبت من حيث إنه لآ تُبَاشِرُهُ الواو.

و «ما» يجوز فيها الأوحه الثلاثة: أن تكون مصدريَّة، وعلى هذا فالهاء في «به» لا تعود على «ما» عند الجمهور، بل تَعُودُ على اللَّهِ تعالى، والتقديرُ: ولا أخَافُ إشراككم باللَّهِ، والمفعول محذوف؛ أي: ما تشركون غير اللَّهِ به، وأن تكون بمعنى «الذي» ، وأن تكون نَكِرَةً موصوفةً، والهاء في «به» على هَذيْنِ الوجهين تعود على «ما» ، والمعنى: ولا أخاف الذين تشركون الله به، فحذف المعفول أيضاً، كما حذفه في الوجه الأوَّلِ.

وقدَّرَ أبو البقاءِ قبل الضمير مُضَافاً، فقا: ويجوز أن تكون الهاء عائدجة على «ما» أي: ولا أخافُ الذي تشركون به، ولا حاجةَ إلى ذلك.

قوله: «إلاَّ أنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً» في هذا الاستثناء قولان:

أظهرهما: أنه متَّصِلٌ.

والثاني: أنه منقطع، والقائلون بالاتِّصالِ اختلفوا في المستثنى منه، فجعله الزمخشري زماناً، فقال: «إلاَّ وقت مشيئة ربِّي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني: لا أخافُ معبوداتكم في وقتٍ قَطُّ؛ لأنها لا تَقْدِرُ على منفعة ولا مضرَّة، إلاَّ إذا شاء رَبِّي» .

وجعله أبو البقاء حالاً، فقال: تقديره إلاَّ في حال مشيئة ربِّين أيْ: لا أخافها في كُلِّ حالٍ إلاَّ في هذه الحالِ.

وممن ذهب إلى انْقِطَاعِهِ ابن عطية، والحوفي، وأبو الققاء في أحَدِ الوجهين.

فقال الحوفي: تقديره: «ولكنْ مشيئة اللَّهِ أيَّاي بضُرِّ أخاف» .

وقال غيره: معناه: ولكن إن شاء ربِّي شيئاً، أي سواء فيكون ما شاء.

وقال ابن عطية: استثناءً ليس من الأوَّلِ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضُرّاً، استثنى مشيئة ربَّه في أن يريده بِضُرٍّ.

قوله: «شيئاً» يجوز فيه وجهان:

أظهرهما: أنه مَنْصُوبٌ على المصدر تقديره: إلاَّ أن يشاء ربي شيئاً من المَشِيئةِ.

والثاني: أنَّهُ مفعول به ل «شيئاً» ، وإنما كان الأوَّلُ أظْهَرَ لوجهين:

أحدهما: أن الكلام المؤكّد أقوى وأثبت في النَّفْس من غير المؤكّد.

والثانهي: أنَّهُ قد تقدَّمَ أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكران إلاَّ إذا كان فيهما غرابة كقوله: [الطويل]

2226 - وَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ...

فصل في بيان معنى الاستثناء

إنما ذكر عليه الصًّلاة والسَّلام هذا الاستثناء؛ لأنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المَكَارِهِ، والحَمْقَى من الناس يحملون ذلك على أنَّهُ إنما حَدَثَ ذلك المكروه بسبب أن طَعَنَ في إليه الأصنام، فذكر إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - ذلك حتى إنَّهُ لو حَدَثَ به شيء من المَكَارِهِ لمي يحمل على هذا السبب.

وقوله: «وسِعَ ربِّي كُلَّ شَيءٍ عِلْماً» يعني: أنه عالم الغيوب، فلا يفعل إلاَّ الخير والصلاح والحكمة، فبتقدير أن يحدث من مَكَارِهِ الدنيا شيءٌ، فذلك؛ لأنه - تعالى - عرف وَجْهَ الصَّلاحِ والخير فيه، لا لأجل أنه عقوبة على الطّعن في إلهية الأصْنَام.

قوله: «علماً» فيه وجهان:

أظهرهما: أنه منصوب على التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن الفاعلِ، تقديره: «وسع علم ربّي كُلَّ شيء» كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] أي: شيب الرأس.

والثاني: أنه مَنصُوبٌ على المفعولِ المطلق، لأن معنى وَسِعَ: عَلِمَ.

قال أبو البقاء: «لأنَّ الشَّيْءَ فَقَدْ أحَاطَ به، والعالم بالشيء مُحيطٌ بعلمه» .

قال شهابُ الدِّين: وهذا الَّذِي ادَّعَاهُ من المجاز بعيدٌ.

و «كل شيء» مفعول لت «وسع» على التقديرين.

و «أفَلا تَتَذَكَّرُونَ» جملة تقرير وتوبيخ، ولا مَحَلَّ لها لاستئنافها، والمعنى: أفلا تتذكرون أن نَفْيَ الشركاء والأضداد والأنداد عن اللَّهِ لا يوجبُ حلول العذاب ونزول العقاب، والسَّعْي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العذاب والعقاب.

6:81–82Page 137

وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢

They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.

قد تقدَّم الكلامُ على «كيف» في أوَّل البقرة [آية 28] ، و «ما» يجوز فيها ثلاثة أوجهٍ، في حيِّز التَّعْجُّبِ والإنكار، وأن تكون حاليةً، أي: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين إشراككم، ولا بُدَّ من إضْمَارِ مبتدأ قبل المضراع المنفي ب «لا» لما تقدَّم غير مرَّةٍ، أيك كيف أخاف الذي تشركون، أو عاقبة إشارككم حال كونكم آمنين من مَكْرِ اللَّهِ الذي أشركتم به غيره، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رَابِطٌ يعود على ذِي الحالِ لا يَضُرُّ ذلك، لأن الواو بنفسها رابطة.

وانظر إلى حُسْنِ هذا النَّظْمِ السَّويِّن حيث جعل متعلّق الخَوْفِ الواقع منه الأصنام، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشاركهم باللَّهِ غيره تَرْكاً لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبْرَزَ التركيب على هذا، فقال: «ولا تخافون اللَّه» مُقَابَلَةً لقوله: «وكيف أخافُ معبوداتكم» . وأتى ب «ما» في قوله: «ما أشركتم» وفي قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ إلاَّ أنهم غير عقلاء؛ إذ هي جماد وأحْجَارٌ وخشبٌ كانوا يَنْحِتُونَهَا ويعبدونها.

وقوله: «مَا لَمْ يُنَزَّلْ» مفعول لت «أشركتكم» ، وهي موصولة اسميَّة أو نكرة، ولا تكون مَصْدريَّةً لفساد المعنى، و «به» و «عليكم» ، متعلقان ب «يُنَزِّلْ» ويجوز في «عَلَيْكُمْ» وجه آخر، وهو أن يكون حالاً، من «سًلْطَاناً» ؛ لأنَّهُ تَأخَّر عنه لجاز أن يكون صِفَةً.

وقرا الجمهور: «سُلْطَاناً» ساكن اللام حيث وقع، وقُرِئَ بِضَمِّهَا، وهل هي لغة مُسْتَقِلَّةٌ، فيثبت فيها بناء فعل بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى.

ومعنى الآية: وكيف أخَافُ الأصنام التي لا قُدْرَةَ لها على النَّفْعِ والضُّرِّ ولا تُبْصرُ ولا تَسْمَعُن وأنتم لا تخافون من الشِّرْكِ الذي هو أعظم الذنوب، وليس لكن حُجَّةٌ على ذلك.

وقوله: ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن﴾

أي: ما لكم تنكرون عَلَيَّ الأمْنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمْنَ في موضع الخوفِ فقال: «فَأيُّ الفريقَيْنِ أحَقُّ» ولم يَقُل: «فايُّنَا أحَقُّ نَحْنُ أم أنتم» إلزاماً لِخَصْمِهِ بما يدَّعيهِ عليهن وأحترازاً من تَزْكِيَة نفسه، فعدل عنه إلى قوله: «فايُّ الفَريقَيْنِ أحَقُّ بالأمْنِ» ، يعني: فريق المشركين أم الموحدين؟ وهذا بخلاف قول الآخر: [الكامل]

2227 - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعلَمَنْ ... أيِّي أيُّكَ فَارِسُ الأحْزَابِ

فَلِلِّهِ فَصَاحَة القُرْآن وآدابه.

وقوله: «إنْ كُنْتُمْ» جوابه محذوف، أي: فأخبروني، ومعلّق العلم محذوف، ويجوز ألاَّ يُرَادَ له مفعول؛ أي: إن كنتم من ذوي العلم.

قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا» هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلامه قومه، أو من كلام اللَّهِ تعالى؟ ثلاثة أقوالٍ، وعلهيا يَتَرتَّبُ الإعرابُ.

فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم كانت جواباً عن السؤال في قوله «فأيُّ الفَريقَيْنِ» .

وكذا إن قلنا: إنها كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حُجَّة عليهم كأن الموصول خب مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنا، وإن جعلناه من كلام اللَّهِ تعالى، وأنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بأن يجيب به السُّؤال المتقدم، فكذلك أيضاً.

وإن جعلناه لِمُجَرَّدِ الإخبار من الباري - تعالى - كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه:

أحدهما: أنه الجملة بعده، فإن «أولئك» ، و «أولئك» مبتدأ ثانٍ، و «الأمن» مبتدأ ثالث، و «لهم» خبره، والجملةُ خَبَرُ «أولئك» ، و «أولئك» وخبره خبر الأوَّلِ.

الثاني: أن يكون «أولئك» بَدَلاً أو عطف بَيَان، و «لهم» خبر الموصول، و «الأمن فاعلٌ به لاعتماده.

الثالث: كذلك، إلا أنَّ» لهم «خبرٌ مقدَّم، و» الأمن «مبتدأ مؤخر، والجُمْلَةُ خبر الموصُول.

الرابع: أن يكون» أولئك «مبتدأ ثانياً، و» لهم» خبره، و «الأمن» فاعل به، والجملةُ خبر الموصول.

الخامس: وإليه ذهب أبو جَعْفَرٍ النحاسُ، والحوفي أن» لهم الأمن «خبر الموصول، وأن» أولئك «فَاصِلَةٌ، وهو غريب؛ لأن الفَصْلَ من شأنِ الضمائر لا من شَأنِ أسماء الإشارة.

وأمَّا على قولنا بأن» الذين «خبر مبتدأ محذوف، فيكون» أولئك «مبتدأ فقط، وخبره الجملة بعده، أو الجار وَحْدَهُ، و» الأمْن» فاعل به، والجملة الأولى على هذا مَنْصُوبةٌ بقولٍ مُضْمَرٍ، أي: قُلْ لهم الذين آمنوا إن كانت من كلام الخليلن أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه.

قوله: «وَلَمْ يَلْبِسُوا» يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلةِ، فلا مَحضلِّ لها حينئذٍ.

والثاني: أن تكون الواو للحال، الجملة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: آمنوا غير مُلْبسينَ بِظُلْم.

وهو كقوله تعالى: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: 20] ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول ابن عصفور، حيث جعل وقوع الجُمْلَةِ المنفية حالاً قليلاً، ولا إلى قَوْلِ ابن خَرُوفٍ، حيث جعل الواو واجِبَة الدخول على هذه الجملة، وإن كان فيها ضَمِيرٌ يعود على الحالِ.

والجمهور على» يَلْبِسُوا «بفتح الياء بمعنى» يخلطونه «.

وقرأ عكرمةُ بضمها من الإلْبَاسِ.» وهُمْ مُهْتَدُونَ «يجوز اسْتِئْنَافُهَا وحاليتها.

فصل في تفسر الآية

روى عَلْقَمَة عن عَبْدِ اللَّهِ قال: لما نزلت ﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على المُسلمينَ، فقالوا: يا رسول اللَّهِ، فأيُّنَا لا يَظْلِمُ نفسه، فقال: لَيْسَ ذلِكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، ألَمْ تَسْمَعُوا إلى ما قال لُقْمان لابنه: ﴿يا بني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] .

6:83Page 138

وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

«تلك» إشارة إلى الدَّلائل المُتقدِّمة من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: 75] إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 79]

وقيل: إشارة إلى القَوْم لمَّا خَوَّفُوُ بأنَّ آلهتَهُمْ تُخْبِلُهُ لأجل شَتْمِهِ إيَّاها، فقال لهم: أفلا تَخَافُونَ أنتم حيث أقْدَمْتُمْ على الشرك باللَّهِ، وسوَّيْتُمْ في العبادة بين الخالقِ العالم ومُدبِّرِهِ، وبين الخشب المَنْحُوتِ.

وقيل: إشارة إلى الكُلِّ.

ويجوز في «حُجَّتنا» وجهان:

أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ، وفي «آتيْنَاهَا» حينئذٍ وجهان:

أحدهما: أنه في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحالِ، والعامِلُ فيها معنى الإشارة، ويَدُلُّ على ذلك التَّصْرِيحُ بوقوع الحال في نظيرتها. كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: 52] .

والثاني: أنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ على أنه خَبَرٌ ثانٍ أخبر عنها بِخَبَريْنِ، أحدهما مفرد، والآخر جملة.

والثَّاني: أنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ على أنه خَبَرٌ ثانٍ أخبر عنها بِخَيَريْنِ، أحدهما مفرد، والآخر جملة.

والثَّاني من الوَجْهِيْنِ الأوَّلين: أن تكون «حُجَّتُنَا» بدلاً أو بَيَاناً ل «تلك» ، والخبر الجملة الفعلية.

وقال الحوفي: «إن الجملة مِنْ» آتَيْنَاها «في مَوْضِع النعت ل» حُجَّتُنَا «على نِيَّةِ الانْقِصَالِ؛ إذ التقدير: حُجّة لنا» يعني الانفصال من الإضافة لِيَحْصُلَ التنكيرُ المُسَوِّغُ لوقوع الجُمْلَةِ صِفَةً ل «حُجتنا» وهذا لا ينبغي أن يقال.

وقال أيضاً: إنَّ «إبراهيم» مفعول ثانٍ ل «آتَيْنَاهَا» ، والمفعول الأول هو «هاء» ، وقد تقدَّم في أوَّلِ البقرةِ، فإنَّ هذا مَذْهب السُّهَيْلِيْ عند قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ [البقرة: 53] . وأنَّ مذهب الجمهور أن تجعل الأول ما كان عَاقِلاً، والثاني غيره، ولا يبالى بتقديم ولا تأخير.

فصل في الدلالة في الآية

قوله: «آتَيْنَاهَا إبْرَاهيمَ» يَدُلُّ على أنَّ تلك الحُجَّةَ إنما حَصَلتْ لإبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام - بإيتاء الله وإظهاره تلك الحُجَّةِ في عَقْلِهِ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلاَّ بِخَلْقِ الله تعالى، ويؤكده قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ فإن المراد أنه - تعالى - رَفَعَ درجات إبراهيم بسبب أنه - تعالى - أتاه تلك الحُجَّة.

ولو كان حُصُولُ العِلْمِ بتلك الحجة من قبل إبراهيم لا من قِبَلِ اللَّهِ تعالى، لكان إبْراهيمُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - هو الذي رفع درجات نفسه.

قوله: «عَلَى قَوْمِهِ» فيه وجهان:

أحدهما: أنه مُتَعَلَّقٌ ب «آياتنا» قاله ابن عطيَّة والحوفي، أي: أظهرناها لإراهيم على قَوْمِهِ.

والثاني: أنها مُتعلِّقَةٌ بمحذوف؛ على أنها حالٌ، أي: آتيناها إبراهيم حُجَّةً على قومه، أو دَلِيلاً على قومه، كذا قدَّرَهُ أبو البقاء، وييلزم من هذا التَّقديرِ أن تكون حالاً مُؤكّدة؛ إذ التَّقديرُ: وتلك حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا له حُجَّةً.

وقدَّره أبو حيَّان على حَذْفِ مُضَافِ، فقال: أي: آتيناها إبراهيم مُسْتَعْلِيَةً عل ىحُجَجِ قَوْمِهِ قَاهِرةً لها وهذا أحسن.

ومنع أبو البقاء أن تكون مُتعلِّقَةً ب «حجتنا» قال: لأنها مَصْدَرٌ و «آتَيْنَاهَا» خَبَرٌ أو حالٌ، وكلاهما لا يفصل به بين المَوْصُولِ وصِلَتِهِ.

ومنع أبُو حيَّان ذلك أيْضاً، ولكن لكون الحُجَّةِ لَيْسَتْ مَصْدَراً.

قال: إنما هو الكلامُ المُؤلَّفُ للاستلال على الشيء، ثم قال: ولو جعلناها مَصْدَراً لم يَجُزْ ذلك أيضاً؛ لأنه لا يُفْصَلُ بالخبرِ، ولا بمثل هذه الحال بين المصدرِ ومطلوبه.

وفي مَنْعِهِ ومَنْع أبي البقاء نظرٌ؛ لأنَّ الحالَ وإن كانت جُمْلَةً لَيْسَتْ أجْنَبِيَّةً حتَّى يُمْنَعُ الفَصْلُ بها؛ لأنها من جملة مَطْلُوباتِ المصدر، وقد تقدَّم نَظِيرُ ذلك بأشبع من هذا.

قوله: «نرفع» فيه وجهان:

الظاهر منهما: أنها مُسْتأنَفَةٌ لا مَحَلَّ لها من الإعراب.

الثاني: جوَّزَهُ أبو البقاءِ، وبدأ به - أنها في مَوْضَعِ الحالِ من «آتيناها» يعني من فاعل «آتْيْنَاهَا» ، أي: في حال كوننا رَافِعِينَ، ولا تكون حالاً من المفعولِ؛ إذ لا ضمير فيها يَعُودُ إليه.

ويُقْرأ «نَرْفَعُ» بنون العَظَمَةِ، وبياء الغَيْبَةِ، وكذلك «نَشَاء» وقرأ أهل الكُوفة: «دَرَجَاتٍ» بالتَّنْوين، وكذلك التي في يوسف [آية 76] والباقون بالإضافة فيهما، فقرءاة الكوفيين يُحْتَمَلُ نَصْبُ «درجات» فيها من خمسة أوجه: أحدها: أنها مَنْصُوبَةٌ على الظَّرْفِ، و «مَنْ» مفعول «نرفع» ؛ أي: نرفع من نَشَاءُ مراتب ومنازل.

والثاني: أن يَنْتَصِبَ على انه مفعولٌ ثانِ قُدِّم على الأوَّلِ، وذلك يحتاج إلى تَضْمين «نرفع» معنى فعل يتعدَّى لاثنين، وهو «نُعطي» مثلاً، أي: نعطي بالرفع من نشاءُ درجاتٍ، أي: رُتَباً، فالدَّرجاتُ هي المرفوعة لقوله: ﴿رَفِيعُ الدرجات﴾ [غافر: 15] .

وفي الحديث: «اللَّهُمَّ ارفَعْ درَجَتَهُ في عِلِّيِّينَ» وإذا رُفَعت الدرجة فقد رُفِعَ صَاحِبُهَا.

والثالث: يَنْتَصِبُ على حَذْفِ حرف الجرِّ؛ أي: إلى منازل، أو إلى درجات.

الرابع: أن يَنْتَصِبَ على التَّمييزِ، ويكن مُحَوَّلاً مِنَ المَفْعُولِيَّةِ، فتؤول إلى قراءة الجماعة؛ إذ الأصل: «نرفع درجاتِ من نشاءُ» بالإضافة، ثُمَّ حُوِّلَ كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: 12] ، أي: عيون الأرض.

الخامس: أنها مُنْتَصِبَةٌ على الحالِ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ، أي: ذوي درجات، ويشهد لهذه القِراءةِ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: 165] ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ﴾ [الزخرف: 32] ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى﴾ [البقرة: 253] .

وأما قراءة الجماعة: ف «درجات» مفعول «نرفع» .

فصل في معنى الدرجات

قيل: الدَّرَجَاتُ درجاتٌ رفيعة؛ لأنها تُوجِبُ الثَّوابَ العظيم.

وقيل: نرفع درجات من نَشَاءُ بالعلم والفَهْمِ والفضيلة والعقلن كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهْتَدَى. والخِطَابُ في «إنَّ ربَّكَ» للرَّسُولِ محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.

وقيل: للخليل إبراهيم، فلعى هذا يَكُونُ فيه التِفَاتٌ من الغيبة إلى الخطاب مُنَبِّهاً بذلك على تَشْرِيفٍ له وقوله: «حَكِيمٌ عليمٌ» ؛ اي: إنما نرفع درجاتٍ من نشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشَّهْوَةِ والمُجَازفَةِ، فإن أفعال الله - تعالى - مُنَزَّهَةٌ عن العَبَثِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском