Al-BaydawiIbrahim · 14:1–23

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

ابراهيم

Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

14:1Page 255

الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ١

Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

(p-192)سُورَةُ إبْراهِيمَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الر كِتابٌ﴾ أيْ هو كِتابٌ. ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ بِدُعائِكَ إيّاهم إلى ما تَضَمَّنَهُ. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ مِن أنْواعِ الضَّلالِ. ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الهُدى. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِتَوْفِيقِهِ وتَسْهِيلِهِ مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وهو صِلَةٌ ﴿لِتُخْرِجَ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ. ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَسْألُ عَنْهُ، وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المَظْهِرُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَذِلُّ سالِكُهُ ولا يَخِيبُ سابِلُهُ.

14:2–3Page 255

ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢

Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe [i.e., destruction] to the disbelievers from a severe punishment -

ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allāh, seeking to make it [seem] deviant. Those are in extreme error.

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ ﴿اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والَّذِي صِفَتُهُ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ كالعِلْمِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ عَلى الحَقِّ. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والوَيْلُ نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَّجاةُ، وأصْلُهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُشْتَقَّ مِنهُ فِعْلٌ لَكِنَّهُ رُفِعَ لِإفادَةِ الثَّباتِ.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها مِن غَيْرِهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ. وقُرِئَ « ويُصَدُّونَ» مِن أصَدَّهُ وهو مَنقُولٌ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ ولَيْسَ فَصِيحًا، لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ.

﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ويَبْغُونَ لَها زَيْغًا ونُكُوبًا عَنِ الحَقِّ لِيَقْدَحُوا فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ يَحْتَمِلُ الجَرَّ صِفَةً لِلْكافِرِينَ والنُّصْبَ عَلى الذَّمِّ والرَّفْعَ عَلَيْهِ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ووَقَعُوا عَنْهُ بِمَراحِلَ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ فَوُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي بِهِ الضَّلالُ فَوُصِفَ بِهِ لِمُلابَسَتِهِ.

14:4Page 255

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِي هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أُمِرُوا بِهِ فَيَفْقَهُوهُ عَنْهُ بِيُسْرٍ وسُرْعَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوهُ ويُتَرْجِمُوهُ إلى غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أوْلى النّاسِ إلَيْهِ بِأنْ يَدْعُوَهم وأحَقُّ بِأنْ يُنْذِرَهم، ولِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ أوَّلًا، ولَوْ نَزَلَ عَلى مَن بُعِثَ إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ كُتُبٌ عَلى (p-193)ألْسِنَتِهِمِ اسْتَقَلَّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ أدّى إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وإضاعَةِ فَضْلِ الِاجْتِهادِ في تَعَلُّمِ الألْفاظِ ومَعانِيها، والعُلُومِ المُتَشَعِّبَةِ مِنها وما في إتْعابِ القَرائِحِ وكَدِّ النُّفُوسِ مِنَ القُرَبِ المُقْتَضِيَةِ لِجَزِيلِ الثَّوابِ.

وَقُرِئَ « بِلُسُنِ» وهو لُغَةٌ فِيهِ كَرِيَشٍ ورِياشٍ، ولُسُنَ بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ عَلى الجَمْعِ كَعُمُدٍ وعُمْدٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكُتُبَ كُلَّها بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فَإنَّهُ ضَمِيرُ القَوْمِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ ونَحْوُهُما لَمْ تَنْزِلْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَخْذُلُهُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.

﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَهْدِي إلّا لِحِكْمَةٍ.

14:5Page 255

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ يَعْنِي اليَدَ والعَصا وسائِرَ مُعْجِزاتِهِ. ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ بِمَعْنى أيْ أخْرِجْ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِأنْ أخْرِجْ فَإنَّ صِيَغَ الأفْعالِ سَواءٌ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ فَيَصِحُّ أنَّ تُوصَلَ بِها أنِ النّاصِبَةُ. ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ بِوَقائِعِهِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ وأيّامُ العَرَبِ حُرُوبُها. وقِيلَ بِنَعْمائِهِ وبَلائِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ يَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ ويَشْكُرُ عَلى نَعْمائِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ بِما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلُ مِنَ البَلاءِ وأُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعْماءِ اعْتَبَرَ وتَنَبَّهَ لِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ. وقِيلَ المُرادُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ عُنْوانُ المُؤْمِنِ.

14:6Page 256

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِهِ إيّاكم، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إنْ جُعِلَتْ مُسْتَقِرَّةً غَيْرَ صِلَةٍ لِلنِّعْمَةِ، وذَلِكَ إذا أُرِيدَتْ بِها العَطِيَّةُ دُونَ الأنْعامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن نِعْمَةِ اللَّهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أحْوالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ بِالعَذابِ ها هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» و « الأعْرافِ» لِأنَّهُ مُفَسَّرٌ بِالتَّذْبِيحِ والقَتْلِ ثَمَّةَ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ التَّذْبِيحُ ها هُنا، وهو إمّا جِنْسُ العَذابِ أوِ اسْتِعْبادُهم أوِ اسْتِعْمالُهم بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِإقْدارِ اللَّهِ إيّاهم وإمْهالِهِمْ فِيهِ. ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ابْتِلاءٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ والمُرادُ بِالبَلاءِ النِّعْمَةُ.

14:7–8Page 256

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ٨

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy."

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى ﷺ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم. ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿تَأذَّنَ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.

﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ (p-194)بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.

14:9Page 256

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٩

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and ʿAad and Thamūd and those after them? No one knows them [i.e., their number] but Allāh. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths1 and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ. ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا، أوِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ ولا يَعْلَمُهُمُ اعْتِراضٌ، والمَعْنى أنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبَ النَّسّابُونَ. ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ . أوْ وضَعُوها عَلَيْها تَعَجُّبًا مِنهُ أوِ اسْتِهْزاءً عَلَيْهِ كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ، أوْ إسْكاتًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرًا لَهم بِإطْباقِ الأفْواهِ، أوْ أشارُوا بِها إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ أوْ رَدُّوها في أفْواهِ الأنْبِياءِ يَمْنَعُونَهم مِنَ التَّكَلُّمِ، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا. وقِيلَ الأيْدِي بِمَعْنى الأيادِي أيْ رَدُّوا أيادِيَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي مَواعِظُهم وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ في أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ. ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ عَلى زَعْمِكم. ﴿وَإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ وقُرِئَ « تَدْعُونا» بِالإدْغامِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الشَّيْءِ.

14:10Page 256

۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠

Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّ الكَلامَ في المَشْكُوكِ فِيهِ لا في الشَّكِّ. أيْ إنَّما نَدْعُوكم إلى اللَّهِ وهو لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ وظُهُورِ دَلالَتِها عَلَيْهِ. وأشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهو صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وشَكٌّ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ بِبَعْثِهِ إيّانا. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أوْ يَدْعُوَكم إلى المَغْفِرَةِ كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ لِيَنْصُرَنِي، عَلى إقامَةِ المَفْعُولِ لَهُ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ بَعْضِ ذُنُوبِكم وهو ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ تَعالى، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ دُونَ المَظالِمِ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولَعَلَّ المَعْنى فِيهِ أنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَّبَةً عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةً بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوِ ذَلِكَ فَتَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ. ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ آخِرَ أعْمارِكم. ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ إلى البَشَرِ رُسُلًا لَبَعَثَ مِن جِنْسٍ أفْضَلَ. ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بِهَذِهِ الدَّعْوى. ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِكم واسْتِحْقاقِكم لِهَذِهِ المَزِيَّةِ، أوْ عَلى صِحَّةِ ادِّعائِكُمُ النُّبُوَّةَ كَأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا ما جاءُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والحُجَجِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرى تَعَنُّتًا ولَجاجًا.

14:11–12Page 257

قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢

And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."

(p-195)﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ سَلَّمُوا مُشارَكَتَهم في الجِنْسِ وجَعَلُوا المُوجِبَ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ فَضْلَ اللَّهِ ومَنَّهُ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ وأنَّ تَرْجِيحَ بَعْضِ الجائِزاتِ عَلى بَعْضٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ لَيْسَ إلَيْنا الإتْيانُ بِالآياتِ ولا تَسْتَبِدُّ بِهِ اسْتِطاعَتُنا حَتّى نَأْتِيَ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، وإنَّما هو أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَخُصُّ كُلَّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ الآياتِ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَلْنَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، عَمَّمُوا الأمْرَ لِلشَّعارِ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ. ﴿وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ الَّتِي بِها نَعْرِفُهُ ونَعْلَمُ أنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ ها هُنا وفي « العَنْكَبُوتِ» . ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدُوا بِهِ تَوَكُّلَهم وعَدَمَ مُبالاتِهِمْ بِما يَجْرِي مِنَ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما اسْتَحْدَثُوهُ مِن تَوَكُّلِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ إيمانِهِمْ.

14:13–14Page 257

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position1 and fears My threat."

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ حَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا إخْراجُهم لِلرُّسُلِ أوْ عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، وهو بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى مِلَّتِهِمْ قَطُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ. ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أيْ إلى رُسُلِهِمْ. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الإيحاءِ مَجْراهُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ.

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ . وقُرِئَ « لَيُهْلِكَنَّ» « ولَيُسْكِنَنَّكم» بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ. ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ مَوْقِفِي وهو المَوْقِفُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ العِبادُ لِلْحُكُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ وحِفْظِي لِأعْمالِهِ وقِيلَ المَقامُ مُقْحَمٌ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ أوْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكَفّارِ.

14:15–17Page 257

وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥

And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦

Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ سَألُوا مِنَ اللَّهِ الفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ مِنَ الفَتاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَأوْحى﴾ والضَّمِيرُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّ كُلَّهم سَألُوهُ أنْ يَنْصُرَ المُحِقَّ ويُهْلِكَ المُبْطِلَ. وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى « لَيُهْلِكَنَّ» . ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ فَفَتَحَ لَهم فَأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ عَلى اللَّهِ مُعانِدٍ لِلْحَقِّ فَلَمْ يُفْلِحْ، ومَعْنى الخَيْبَةِ إذا كانَ الِاسْتِفْتاحُ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنَ القَبِيلَيْنِ كانَ أوْقَعَ.

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنَّهُ مُرْصَدٌ بِها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ مِن وراءِ حَيّاتِهِ وحَقِيقَتُهُ ما تَوارى عَنْكَ. ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ يَلْقى فِيها ما يَلْقى ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ﴾ . ﴿صَدِيدٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿ماءٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَتَكَلَّفُ جَرْعَهُ وهو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يُسْقى﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يُسِيغُهُ بَلْ يَغُصُّ بِهِ فَيَطُولُ عَذابُهُ، والسَّوْغُ جَوازُ الشَّرابِ عَلى الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ وقَبُولُ (p-196)نَفْسٍ. ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ فَتُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ. وقِيلَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أصُولِ شَعْرِهِ وإبْهامِ رَجْلِهِ. ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ فَيَسْتَرِيحَ. ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ. ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ يَسْتَقْبِلُ في كُلِّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ مِمّا هو عَلَيْهِ. وقِيلَ هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ الآيَةُ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ قِصَّةِ الرُّسُلِ نازِلَةٌ في أهْلِ مَكَّةَ طَلَبُوا الفَتْحَ الَّذِي هو المَطَرُ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِ، فَخَيَّبَ رَجاءَهم فَلَمْ يَسْقِهِمْ ووَعَدَ لَهم أنْ يَسْقِيَهم في جَهَنَّمَ بَدَلَ سُقَياهم صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.

14:18Page 257

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكم صِفَتُهُمُ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، أوْ قَوْلُهُ ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ مَثَلِهِمْ. وقِيلَ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الـ ﴿مَثَلُ﴾ والخَبَرُ ﴿كَرَمادٍ﴾ . ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ وقَرَأ نافِعٌ « الرِّياحُ» . ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ العَصْفُ اشْتِدادُ الرِّيحِ وُصِفَ بِهِ زَمانُهُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ ولَيْلُهُ قائِمٌ، شَبَّهَ صَنائِعَهم مِنَ الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وعِتْقِ الرِّقابِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ في حُبُوطِها وذَهابِها هَباءً مَنثُورًا، لِبِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ، أوْ أعْمالَهم لِلْأصْنامِ بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفُ. ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ. ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ لِحُبُوطِهِ فَلا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِنَ الثَّوابِ وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم مُحْسِنُونَ. ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ فَإنَّهُ الغايَةُ في البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

14:19–20Page 258

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩

Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠

And that is not difficult for Allāh.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَفَرَةِ عَلى التَّلْوِينِ. ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خالِقُ السَّمَواتِ» . ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يَعْدِمْكم ويَخْلُقْ خَلْقًا آخَرَ مَكانَكم، رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا بِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن خَلَقَ أُصُولَهم وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَخْلِيقُهم ثُمَّ كَوَّنَهم بِتَبْدِيلِ الصُّوَرِ وتَغْيِيرِ الطَّبائِعِ قَدَرَ أنْ يُبَدِّلَهم بِخَلْقٍ آخَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ رَجاءً لِثَوابِهِ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ يَوْمَ الجَزاءِ.

14:21Page 258

وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١

And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ يَبْرُزُونَ مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُخْفُونَ ارْتِكابَ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ يُرِيدُ بِهِ ضِعافَ (p-197)الرَّأْيِ، وإنَّما كُتِبَتْ بِالواوِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم. ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغائِبٍ وغُيَّبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَلى إضْمارِ مُضافٍ. ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ دافِعُونَ عَنّا. ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنِ الأُولى لِلْبَيانِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ أيْ بَعْضَ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونا لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَعْضَ شَيْءٍ هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، والإعْرابُ ما سَبَقَ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الأوْلى مَفْعُولًا والثّانِيَةُ مَصْدَرًا، أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ. ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ لِلْإيمانِ ووَفَّقَنا لَهُ. ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم أيِ اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم وأغْنَيْناهُ عَنْكم كَما عَرَّضْناكم لَهُ، لَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ. ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ مُسْتَوَيانِ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ. ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مَنجى ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِنَ الحَيْصِ وهو العَدْلُ عَلى جِهَةِ الفِرارِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا كالمَبِيتِ ومَصْدَرًا كالمَغِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعُ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلا يَنْفَعُهم، فَيَقُولُونَ تَعالَوْا نَصْبِرُ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُونَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ .

14:22Page 258

وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أُحْكِمَ وفُرِغَ مِنهُ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ خَطِيبًا في الأشْقِياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعْدَ الباطِلِ وهو أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ وإنْ كانا فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَكم. ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ جَعَلَ تَبَيُّنَ خُلْفِ وعْدِهِ كالإخْلافِ مِنهُ. ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ تَسَلُّطٍ فَأُلْجِئُكم إلى الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْها بِتَسْوِيلِي وهو لَيْسَ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ ولَكِنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا. ﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسْرَعْتُمْ إجابَتِي. ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بِوَسْوَسَتِي فَإنَّ مَن صَرَّحَ العَداوَةَ لا يُلامُ بِأمْثالِ ذَلِكَ. ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ أطَعْتُمُونِي إذْ دَعَوْتُكم ولَمْ تُطِيعُوا رَبَّكم لِما دَعاكم، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِأمْثالِ ذَلِكَ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِأفْعالِهِ ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، إذْ يَكْفِي لِصِحَّتِها أنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلٌ ما في فِعْلِهِ وهو الكَسْبُ الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا. ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بِمُغِيثِكم مِنَ العَذابِ. ﴿وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بِمُغِيثِيَّ وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الياءِ عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو أصْلٌ مَرْفُوضٌ في مِثْلِهِ لِما فِيهِ مِنَ اجْتِماعِ ياءَيْنِ وثَلاثِ كَسَراتٍ مَعَ أنَّ حَرَكَةَ ياءِ الإضافَةِ الفَتْحُ، فَإذا لَمْ تُكْسَرْ وقَبْلَها ألِفٌ فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تُكْسَرُ وقَبْلَها ياءٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يُزِيدُ ياءً عَلى ياءِ الإضافَةِ إجْراءً لَها مَجْرى الهاءِ والكافِ في: ضَرَبْتُهُ، وأعْطَيْتُكَهُ، وحَذْفُ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ. ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ « ما» إمّا مَصْدَرِيَّةٌ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِأشْرَكْتُمُونِي أيْ كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ أيْ في الدُّنْيا بِمَعْنى تَبَرَّأْتُ مِنهُ واسْتَنْكَرْتُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ . أوْ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى مِن نَحْوِ ما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا، و ﴿مِن﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿كَفَرْتُ﴾ أيْ كَفَرْتُ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ وهو اللَّهُ تَعالى بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن قَبْلِ إشْراكِكم، حِينَ رَدَدْتُ أمْرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأشْرَكَ مَنقُولٌ مَن شَرَكْتُ زَيْدًا لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ. ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَتِمَّةُ كَلامِهِ أوِ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفي حِكايَةِ أمْثالِ ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ (p-198)وَإيقاظٌ لَهم حَتّى يُحاسِبُوا أنْفُسَهم ويَتَدَبَّرُوا عَواقِبَهم.

14:23Page 258

وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ والمُدْخَلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ. وقُرِئَ « وأدْخَلَ» عَلى التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ فِيها بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском