Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
(p-272)سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، رَتَّبَ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ عَلى إنْزالِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ نَعْمائِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ الهادِي إلى ما فِيهِ كَمالُ العِبادِ والدّاعِي إلى ما بِهِ يَنْتَظِمُ صَلاحُ المَعاشِ والمَعادِ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِاخْتِلالٍ في اللَّفْظِ وتَنافٍ في المَعْنى، أوِ انْحِرافٍ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى جَنابِ الحَقِّ وهو في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ.
18:2–3Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣
In which they will remain forever
﴿قَيِّمًا﴾ مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ ولا تَفْرِيطَ، أوْ ﴿قَيِّمًا﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ قَيِّمًا أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لَهُ﴾، أوْ مِنَ ﴿الكِتابَ﴾ عَلى أنَّ الواوَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ لِلْحالِ دُونَ العَطْفِ، إذْ لَوْ كانَ لِلْعَطْفِ لَكانَ المَعْطُوفُ فاصِلًا بَيْنَ أبْعاضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وقُرِئَ « قَيِّمًا» . ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أيْ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ واقْتِصارًا عَلى الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ. ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِإسْكانِ الدّالِّ كَإسْكانِ الباءِ مَن سَبْعٍ مَعَ الإشْمامِ لِيَدُلَّ عَلى أصْلِهِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ. ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الجَنَّةُ.
﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ في الأجْرِ. ﴿أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ.
18:4–5Page 293
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ وكَرَّرَ الإنْذارَ مُتَعَلِّقًا بِهِمُ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُنْذَرَ بِهِ اسْتِغْناءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.
﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ بِالوَلَدِ أوْ بِاتِّخاذِهِ أوْ بِالقَوْلِ، والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَهُ عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ وتَوَهُّمٍ كاذِبٍ، أوْ تَقْلِيدٍ لِما سَمِعُوهُ مِن أوائِلِهِمْ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوا بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ والِابْنَ بِمَعْنى المُؤَثِّرِ والأثَرِ. أوْ بِاللَّهِ إذْ لَوْ عَلِمُوهُ لَما جَوَّزُوا نِسْبَةَ الِاتِّخاذِ إلَيْهِ. ﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ تَقَوَّلُوهُ بِمَعْنى (p-273)التَّبَنِّي. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ لِما فِيها مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّشْرِيكِ، وإيهامِ احْتِياجِهِ تَعالى إلى ولَدٍ يُعِينُهُ ويَخْلُفُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الزَّيْغِ، و ﴿كَلِمَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والأوَّلُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى المَقْصُودِ. ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لَها تُفِيدُ اسْتِعْظامَ اجْتِرائِهِمْ عَلى إخْراجِها مِن أفْواهِهِمْ، والخارِجُ بِالذّاتِ هو الهَواءُ الحامِلُ لَها. وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِأنَّ كَبُرَ ها هُنا بِمَعْنى بِئْسَ وقُرِئَ « كَبْرَتْ» بِالسُّكُونِ مَعَ الإشْمامِ. ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ .
18:6Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتِلُها. ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ إذا ولَّوْا عَنِ الإيمانِ، شَبَّهَهُ لِما يُداخِلُهُ مِنَ الوَجْدِ عَلى تَوَلِّيهِمْ بِمَن فارَقَتْهُ أعِزَّتُهُ فَهو يَتَحَسَّرُ عَلى آثارِهِمْ ويَبْخَعُ نَفْسَهُ وجْدًا عَلَيْهِمْ. وقُرِئَ « باخِعُ نَفْسِكَ» عَلى الإضافَةِ. ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِهَذا القُرْآنِ. ﴿أسَفًا﴾ لِلتَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ أوْ مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ، والأسَفُ فَرْطُ الحُزْنِ والغَضَبِ. وقُرِئَ « أنْ» بِالفَتْحِ عَلى لِأنْ فَلا يَجُوزُ إعْمالُ ﴿باخِعٌ﴾ إلّا إذا جُعِلَ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ.
18:7–8Page 294
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ. ﴿زِينَةً لَها﴾ ولِأهْلِها ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ في تَعاطِيهِ، وهو مَن زَهِدَ فِيهِ ولَمْ يَغْتَرَّ بِهِ وقَنَعَ مِنهُ بِما يُزْجِي بِهِ أيّامَهُ وصَرَفَهُ عَلى ما يَنْبَغِي، وفِيهِ تَسْكِينٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَزْهِيدٌ فِيهِ، والجُرُزُ الأرْضُ الَّتِي قُطِعَ نَباتُها. مَأْخُوذٌ مِنَ الجَرْزِ وهو القَطْعُ، والمَعْنى إنّا لَنُعِيدَ ما عَلَيْها مِنَ الزِّينَةِ تُرابًا مُسْتَوِيًا بِالأرْضِ ونَجْعَلُهُ كَصَعِيدٍ أمْلَسَ لا نَباتَ فِيهِ.
18:9Page 294
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ بَلْ أحَسِبْتَ. ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ في إبْقاءِ حَياتِهِمْ مُدَّةً مَدِيدَةً. ﴿كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ وقِصَّتُهم بِالإضافَةِ إلى خَلْقِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الأجْناسِ والأنْواعِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ عَلى طَبائِعَ مُتَباعِدَةٍ وهَيْئاتٍ مُتَخالِفَةٍ تُعْجِبُ النّاظِرِينَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ رَدُّها إلَيْها لَيْسَ بِعَجِيبٍ مَعَ أنَّهُ مِن آياتِ اللَّهِ كالنَّزْرِ الحَقِيرِ. والكَهْفُ الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ. والرَّقِيمُ اسْمُ الجَبَلِ أوِ الوادِي الَّذِي فِيهِ كَهْفُهم، أوِ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ أوْ كَلْبِهِمْ. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎ ولَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا. . . وصَيْدَهُمُو والقَوْمُ في الكَهْفِ هُجَّدٌ
أوْ لَوْحٌ رَصاصِيٌّ أوْ حَجَرِيٌّ رُقِمَتْ فِيهِ أسْماؤُهم وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ أصْحابُ الرَّقِيمِ قَوْمٌ آخَرُونَ كانُوا «ثَلاثَةً خَرَجُوا يَرْتادُونَ لِأهْلِهِمْ، فَأخَذَتْهُمُ السَّماءُ فَأوَوْا إلى الكَهْفِ فانْحَطَّتْ صَخْرَةٌ وسَدَّتْ بابَهُ. فَقالَ أحَدُهُمُ اذْكُرُوا أيُّكم عَمَلَ حَسَنَةً لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنا بِبَرَكَتِهِ، فَقالَ أحَدُهم: اسْتَعْمَلْتُ أُجَراءَ ذاتَ يَوْمٍ فَجاءَ رَجُلٌ وسَطَ النَّهارِ وعَمَلَ في بَقِيَّتِهِ مِثْلَ عَمَلِهِمْ فَأعْطَيْتُهُ مِثْلَ أجْرِهِمْ، فَغَضِبَ أحَدُهم وتَرَكَ أجْرَهُ فَوَضَعْتُهُ في جانِبِ البَيْتِ، ثُمَّ مَرَّ بِي بَقَرٌ فاشْتَرَيْتُ بِهِ فَصِيلَةً فَبَلَغَتْ ما شاءَ اللَّهُ، فَرَجَعَ إلَيَّ بَعْدَ حِينٍ شَيْخًا ضَعِيفًا لا أعْرِفُهُ وقالَ: إنَّ لِي عِنْدَكَ حَقًّا وذَكَرَهُ لِي حَتّى عَرَفْتُهُ فَدَفَعْتُها إلَيْهِ جَمِيعًا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فانْصَدَعَ الجَبَلُ حَتّى رَأوُا الضَّوْءَ. وقالَ آخَرُ: كانَ فِيَّ فَضْلٌ وأصابَتِ النّاسَ شِدَّةٌ، فَجاءَتْنِي امْرَأةٌ فَطَلَبَتْ مِنِّي مَعْرُوفًا فَقُلْتُ: واللَّهِ ما هو دُونَ نَفْسِكِ فَأبَتْ وعادَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ ثَلاثًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ لِزَوْجِها فَقالَ أجِيبِي لَهُ وأغِيثِي عِيالكِ، فَأتَتْ وسَلَّمَتْ إلَيَّ نَفْسَها فَلَمّا تَكَشَّفْتُها وهَمَمْتُ بِها ارْتَعَدَتْ فَقُلْتُ: ما لَكِ قالَتْ أخافُ اللَّهَ، (p-274)فَقُلْتُ لَها: خِفْتِهِ في الشِّدَّةِ ولَمْ أخَفْهُ في الرَّخاءِ فَتَرَكْتُها وأعْطَيْتُها مُلْتَمَسَها، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فانْصَدَعَ حَتّى تَعارَفُوا. وقالَ الثّالِثُ كانَ لِي أبَوانِ هَرِمانِ وكانَتْ لِي غَنَمٌ وكُنْتُ أُطْعِمُهُما وأسْقِيهِما ثُمَّ أرْجِعُ إلى غَنَمِي فَحَبَسَنِي ذاتَ يَوْمٍ غَيْثٌ فَلَمْ أبْرَحْ حَتّى أمْسَيْتُ، فَأتَيْتُ أهْلِي وأخَذْتُ مَحْلَبِي فَحَلَبْتُ فِيهِ ومَضَيْتُ إلَيْهِما، فَوَجَدَتْهُما نائِمَيْنِ فَشَقَّ عَلَيَّ أنْ أُوقِظَهُما، فَتَوَقَّعْتُ جالِسًا ومَحْلَبِي عَلى يَدَيَّ حَتّى أيْقَظَهُما الصُّبْحُ فَسَقَيْتُهُما. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا. فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهم فَخَرَجُوا» وقَدْ رَفَعَ ذَلِكَ نُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ.
18:10–11Page 294
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ يَعْنِي فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ فَأبَوْا وهَرَبُوا إلى الكَهْفِ، ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تَوَجَّبْ لَنا المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ والأمْنَ مِنَ العَدُوِّ. ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُفارَقَةِ الكُفّارِ. ﴿رَشَدًا﴾ نَصِيرُ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا كُلَّهُ رَشَدًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا وأصْلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ.
﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ بِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ. ﴿فِي الكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظَرْفانِ لِضَرَبْنا.
﴿عَدَدًا﴾ أيْ ذَواتِ عَدَدٍ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّكْثِيرَ والتَّقْلِيلَ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ.
18:12–13Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْقَظْناهم. ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا تَعَلُّقًا حالِيًّا مُطابِقًا لِتَعَلُّقِهِ أوَّلًا تَعَلُّقًا اسْتِقْبالِيًّا. ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ المُخْتَلِفَيْنِ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ. ﴿أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ ضَبَطَ أمَدَ الزَّمانِ لُبْثِهِمْ وما في أيٍّ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عُلِّقَ عَنْهُ لِنَعْلَمَ، فَهو مُبْتَدَأٌ و ﴿أحْصى﴾ خَبَرُهُ. وهو فِعْلٌ ماضٍ و ﴿أمَدًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ و ﴿لِما لَبِثُوا﴾ حالٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ إنَّهُ المَفْعُولُ واللّامُ مَزِيدَةٌ وما مَوْصُولَةٌ و ﴿أمَدًا﴾ تَمْيِيزٌ، وقِيلَ ﴿أحْصى﴾ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الإحْصاءِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِمْ: هو أحْصى لِلْمالِ وأفْلَسُ مِنَ ابْنِ المُذْلَقِ، و ﴿أمَدًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أحْصى﴾ كَقَوْلِهِ:
وَأضْرَبُ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ بِالصِّدْقِ. ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ شُبّانٌ جَمْعُ فَتى كَصَبِيٍّ وصِبْيَةٍ. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ بِالتَّثْبِيتِ.
18:14–15Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الوَطَنِ والأهْلِ والمالِ، والجَراءَةِ عَلى إظْهارِ الحَقِّ والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ. ﴿إذْ قامُوا﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا ذا شَطَطٍ أيْ ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ في الظُّلْمِ.
(p-275)﴿هَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ. ﴿قَوْمُنا﴾ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ خَبَرُهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى إنْكارٍ.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ هَلّا يَأْتُونَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى عِبادَتِهِمْ. ﴿بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّياناتِ مَرْدُودٌ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ غَيْرُ جائِزٍ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ﴿وَما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ وإذِ اعْتَزَلْتُمُ القَوْمَ ومَعْبُودِيهِمْ إلّا اللَّهَ، فَإنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَسائِرِ المُشْرِكِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً عَلى تَقْدِيرِ وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وعِبادَتِهِمْ إلّا عِبادَةَ اللَّهِ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ بِالتَّوْحِيدِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ (إذِ) وجَوابِهِ لِتَحْقِيقِ اعْتِزالِهِمْ. ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكُمْ﴾ يَبْسُطِ الرِّزْقَ لَكم ويُوَسِّعْ عَلَيْكم. ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ في الدّارَيْنِ. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ ما تَرْتَفِقُونَ بِهِ أيْ تَنْتَفِعُونَ، وجَزْمُهم بِذَلِكَ لِنُصُوعِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿مِرْفَقًا﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ وهو مَصْدَرٌ جاءَ شاذًّا كالمَرْجِعِ والمَحِيضِ فَإنَّ قِياسَهُ الفَتْحُ.
18:17Page 295
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
﴿وَتَرى الشَّمْسَ﴾ لَوْ رَأيْتَهم، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ تَمِيلُ عَنْهُ ولا يَقَعُ شُعاعُها عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِيهِمْ، لِأنَّ الكَهْفَ كانَ جَنُوبِيًّا، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى زُوَّرَها عَنْهم. وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِحَذْفِها وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « تَزْوَرُّ» كَتَحْمَرُّ، وقُرِئَ « تَزْوارُّ» كَتَحْمارُّ وكُلُّها مِنَ الزَّوْرِ بِمَعْنى المَيْلِ. ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ جِهَةَ اليَمِينِ وحَقِيقَتُها الجِهَةُ ذاتُ اسْمِ اليَمِينِ. ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تَقْطَعُهم وتَصْرُمُ عَنْهم. ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ يَعْنِي يَمِينَ الكَهْفِ وشِمالَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ وهم في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، يَعْنِي في وسَطِهِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ ولا يُؤْذِيهِمْ كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ، والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارُهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابَلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جانِبَيْهِ، ويُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ ويُعَدِّلُ هَواءَهُ ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِي أجْسادَهم ويُبْلِي ثِيابَهم. ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ شَأْنُهم وإيواؤُهم إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ كَذَلِكَ، أوْ إخْبارُكَ قِصَّتَهم، أوِ ازْوِرارُ الشَّمْسِ عَنْهم وقَرْضُها طالِعَةً وغارِبَةً مِن آياتِ اللَّهِ. ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ. ﴿فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ الَّذِي أصابَ الفَلاحَ، والمُرادُ بِهِ إمّا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ أوِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها. ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ مَن يَلِيهِ ويُرْشِدُهُ.
18:18Page 295
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ لِانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ. ﴿وَهم رُقُودٌ﴾ نِيامٌ. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ في رَقْدَتِهِمْ.
(p-276)﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما يَلِيها مِن أبْدانِهِمْ عَلى طُولِ الزَّمانِ. وقُرِئَ « ويُقَلِّبُهم» بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، و « تَقَلُّبَهم» عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَحْسَبُهم أيْ وتَرى تَقَلُّبَهم. ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أنا أحَبُّ أحِبّاءِ اللَّهِ فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم. أوْ كَلْبُ راعٍ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « وكالِبُهم» أيْ وصاحِبُ كَلْبِهِمْ. ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولِذَلِكَ أُعْمِلُ اسْمُ الفاعِلِ. ﴿بِالوَصِيدِ﴾ بِفِناءِ الكَهْفِ، وقِيلَ الوَصِيدُ البابُ، وقِيلَ العَتَبَةُ. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَنَظَرْتَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ « لَوُ اطَّلَعْتَ» بِضَمِّ الواوِ. ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ لَهَرَبْتَ مِنهم، و ﴿فِرارًا﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْلِيَةِ والعِلَّةِ والحالِ. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ خَوْفًا يَمْلَأُ صَدْرَكَ بِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الهَيْبَةِ أوْ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ وانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ. وقِيلَ لِوَحْشَةِ مَكانِهِمْ. وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ غَزا الرُّومَ فَمَرَّ بِالكَهْفِ فَقالَ: لَوْ كَشَفْتَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ فَقالَ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ فَلَمْ يَسْمَعْ وبَعَثَ ناسًا فَلَمّا دَخَلُوا جاءَتْ رِيحٌ فَأحْرَقَتْهم. وقَرَأ الحِجازِيّانِ (لَمُلِّئْتَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿رُعْبًا﴾ بِالتَّثْقِيلِ.
18:19–20Page 295
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ وكَما أنَمْناهم آيَةً بَعَثْناهم آيَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا. ﴿لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَتَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ بِناءً عَلى غالِبِ ظَنِّهِمْ لِأنَّ النّائِمَ لا يُحْصِي مُدَّةَ نَوْمِهِ ولِذَلِكَ أحالُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وهَذا إنْكارٌ الآخَرِينَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وانْتَبَهُوا ظَهِيرَةً وظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ أوِ اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قالُوا ذَلِكَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا هَذا ثُمَّ لَمّا عَلِمُوا أنَّ الأمْرَ مُلْتَبِسٌ لا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِهِ أخَذُوا فِيما يُهِمُّهم وقالُوا: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ. وقُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ وبِالتَّخْفِيفِ مَكْسُورَ الواوِ مُدْغَمًا وغَيْرَ مُدْغَمٍ، ورُدَّ المُدْغَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وحَمْلُهم لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ والمَدِينَةُ طَرْسُوسُ. ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيُّ أهْلِها. ﴿أزْكى طَعامًا﴾ أحَلُّ وأطِيبُ أوْ أكْثَرُ وأرْخَصُ. ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ. ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ.
﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم أوْ يَظْفَرُوا بِكم، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في ﴿أيُّها﴾ . ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ. ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أوْ يُصَيِّرُوكم إلَيْها كَرْهًا مِنَ العَوْدِ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. وقِيلَ كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ فَآمَنُوا. ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِمْ.
18:21Page 296
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١
And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2
(p-277)﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِتَزْدادَ بَصِيرَتُهم أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ. ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ. ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ بِالبَعْثِ أوِ المَوْعُودِ الَّذِي هو البَعْثُ. ﴿حَقٌّ﴾ لِأنَّ نَوْمَهم وانْتِباهَهم كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ. ﴿وَأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ وأنَّ القِيامَةَ لا رَيْبَ في إمْكانِها، فَإنَّ مَن تَوَفّى نُفُوسَهم وأمْسَكَها ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ حافِظًا أبْدانَها عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ، ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها قَدَرَ أنْ يَتَوَفّى نُفُوسَ جَمِيعِ النّاسِ مُمْسِكًا إيّاها إلى أنْ يَحْشُرَ أبْدانَهم فَيَرُدَّها عَلَيْها. ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ. ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ أمْرَ دِينِهِمْ، وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ تُبْعَثُ الأرْواحُ مُجَرَّدَةً وبَعْضُهم يَقُولُ يُبْعَثانِ مَعًا لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ أنَّهُما يُبْعَثانِ مَعًا، أوْ أمْرَ الفِتْيَةِ حِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثانِيًا بِالمَوْتِ فَقالَ بَعْضُهم، ماتُوا وقالَ آخَرُونَ نامُوا نَوْمَهم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ قالَتْ طائِفَةٌ نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيانًا يَسْكُنُهُ النّاسُ ويَتَّخِذُونَهُ قَرْيَةً، وقالَ آخَرُونَ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا يُصَلّى فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وقَوْلُهُ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ إمّا مِنَ اللَّهِ رَدًّا عَلى الخائِضِينَ في أمْرِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ في زَمانِهِمْ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ فِيهِمْ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ لِلرَّدِّ إلى اللَّهِ بَعْدَ ما تَذَكَّرُوا أمَرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهم ذَلِكَ.
حُكِيَ أنَّ المَبْعُوثَ لَمّا دَخَلَ السُّوقَ وأخْرَجَ الدَّراهِمَ وكانَ عَلَيْها اسْمُ دِقْيانُوسَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ. وكانَ نَصْرانِيًّا مُوَحِّدًا. فَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ آباءَنا أخْبَرُونا أنَّ فَتِيَّةً فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِن دِقْيانُوسَ فَلَعَلَّهم هَؤُلاءِ، فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأبْصَرُوهم وكَلَّمُوهم، ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الجِنِّ والإنْسِ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ فَماتُوا فَدَفَنَهُمُ المَلِكُ في الكَهْفِ وبَنى عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا. وقِيلَ لَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ لَهُمُ الفَتى مَكانَكم حَتّى أدْخَلَ أوَّلًا لِئَلّا يَفْزَعُوا، فَدَخَلَ فَعَمِيَ عَلَيْهِمُ المَدْخَلُ فَبَنَوْا ثَمَّ مَسْجِدًا.
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيِ الخائِضُونَ في قِصَّتِهِمْ في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُؤْمِنِينَ. ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ أيْ هم ثَلاثَةُ رِجالٍ يُرَبِّعُهم كَلْبُهم بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ. قِيلَ هو قَوْلُ اليَهُودِ وقِيلَ هو قَوْلُ السَّيِّدِ مِن نَصارى نَجْرانَ وكانَ يَعْقُوبِيًّا. ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ قالَهُ النَّصارى أوِ العاقِبُ مِنهم وكانَ نَسْطُورِيًّا. ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ يَرْمُونَ رَمْيًا بِالخَبَرِ الخَفِيِّ الَّذِي لا مَطْلَعَ لَهم عَلَيْهِ وإتْيانًا بِهِ، أوْ ظَنًّا بِالغَيْبِ مِن قَوْلِهِمْ رَجَمَ بِالظَّنِّ إذا ظَنَّ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ بِالسِّينِ اكْتِفاءً بِعَطْفِهِ عَلى ما هو فِيهِ. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ إنَّما قالَهُ المُسْلِمُونَ بِإخْبارِ الرَّسُولِ لَهم عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيماءِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِأنْ أتْبَعَهُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ وأتْبَعَ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وبِأنْ أثْبَتَ العِلْمَ بِهِمْ لِطائِفَةٍ بَعْدَ ما حَصَرَ أقْوالَ الطَّوائِفِ في الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ عَدَمَ إيرادِ رابِعٍ في نَحْوِ هَذا المَحَلِّ دَلِيلُ العَدَمِ مَعَ أنَّ الأصْلَ يَنْفِيهِ، ثُمَّ رَدَّ الأوَّلَيْنِ بِأنْ أتْبَعَهُما قَوْلُهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ لِيَتَعَيَّنَ الثّالِثُ وبِأنْ أدْخَلَ فِيهِ الواوَ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ تَشْبِيهًا لَها بِالواقِعَةِ حالًا مِنَ المَعْرِفَةِ، لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم وأسْماؤُهم: يَمْلِيخا ومَكْشَلِينِيا (p-278)وَمَشْلِينِيا هَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ، ومَرْنُوشُ ودَبْرَنُوشُ وشاذَنُوشُ أصْحابُ يَسارِهِ وكانَ يَسْتَشِيرُهم، والسّابِعُ الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرُ واسْمُ مَدْيَنَتِهِمْ أفْسُوسُ.
وَقِيلَ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ لِأهْلِ الكِتابِ والقَلِيلِ مِنهم. ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ فَلا تُجادِلْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ إلّا جِدالًا ظاهِرًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ، وهو أنْ تَقُصٍّ عَلَيْهِمْ ما في القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهم والرَّدِّ عَلَيْهِمْ. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ ولا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ قِصَّتِهِمْ سُؤالَ مُسْتَرْشِدٍ فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ لَمَندُوحَةً مِن غَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِها ولا سُؤالَ مُتَعَنِّتٍ تُرِيدُ تَفْضِيحَ المَسْؤُولِ وتَزْيِيفَ ما عِنْدَهُ فَإنَّهُ مُخِلٌّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences