Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
سبإ
Saba
Sheba · Meccan · 54 ayahs
34:1–2Page 428
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١
[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.
يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢
He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.
(p-241)سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ الآيَةَ، وآيُها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعْمَةً، فَلَهُ الحَمْدُ في الدُّنْيا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وعَلى تَمامِ نِعْمَتِهِ. ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ ما في الآخِرَةِ أيْضًا كَذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مِن عَطْفِ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ فَإنَّ الوَصْفَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَيَّدَ الحَمْدَ بِها، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نَعِمُ الآخِرَةِ. ﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدّارَيْنِ. ﴿الخَبِيرُ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ كالغَيْثِ يَنْفُذُ في مَوْضِعٍ ويَنْبُعُ في آخَرَ، وكالكُنُوزِ والدَّفائِنِ والأمْواتِ. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ والفِلِزّاتِ وماءِ العُيُونِ. ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ والأرْزاقِ والأنْداءِ والصَّواعِقِ. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالمَلائِكَةِ وأعْمالِ العِبادِ والأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في شُكْرِ نِعْمَتِهِ مَعَ كَثْرَتِها، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهُ مِن سَوابِقِ هَذِهِ النِّعَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.
34:3Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣
But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ إنْكارٌ لِمَجِيئِها أوِ اسْتِبْطاءُ اسْتِهْزاءٍ بِالوَعْدِ بِهِ. ﴿قُلْ بَلى﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ. ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ﴾ تَكْرِيرٌ لِإيجابِهِ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ مُقَرِّرًا لِوَصْفِ المُقْسَمِ بِهِ بِصِفاتٍ تُقَرِّرُ إمْكانَهُ وتَنْفِي اسْتِبْعادَهُ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عَلّامِ الغَيْبِ» لِلْمُبالَغَةِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ورُوَيْسٌ ( عالِمِ الغَيْبِ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ ( لا يَعْزِبُ ) بِالكَسْرِ. ﴿وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ، ورَفَعَهُما بِالِابْتِداءِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالفَتْحِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُ المَرْفُوعِ عَلى ( مِثْقالُ ) والمَفْتُوحِ عَلى ( ذَرَّةٍ ) بِأنَّهُ فَتَحَ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ، اللَّهُمَّ إلّا إذا جُعِلَ الضَّمِيرُ في ( عَنْهُ ) لِلْغَيْبِ وجُعِلَ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ خارِجًا عَنْهُ لِظُهُورِهِ عَلى المُطالِعِينَ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ.
34:4–5Page 428
لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.
وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥
But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِي إتْيانَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَعَبَ فِيهِ ولا مَنٌّ عَلَيْهِ.
﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِإبْطالِ وتَزْهِيدِ النّاسِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ كَيْ يَفُوتُونا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( مُعَجِّزِينَ ) أيْ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ مِن سَيِّئِ العَذابِ. ﴿ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ، ورَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ.
34:6Page 428
وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦
And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.
﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ ويَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن شايَعَهم مِنَ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ. ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ القُرْآنُ. ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ ومَن رَفَعَ ( الحَقُّ ) جَعَلَ هو مُبْتَدَأً و ( الحَقُّ ) خَبَرَهُ والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ ( يَرى )، وهو مَرْفُوعٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ. وقِيلَ مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى ( لِيَجْزِيَ ) أيْ ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عَيانًا كَما عَلِمُوهُ الآنَ بُرْهانًا ﴿وَيَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى.
34:7–8Page 428
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧
But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?
أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨
Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يُحَدِّثُكم بِأعْجَبِ الأعاجِيبِ. ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إنَّكم تُنْشَؤُونَ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ تَمَزَّقَ أجْسادُكم كُلَّ تَمْزِيقٍ وتَفْرِيقٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ تُرابًا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ فَإنَّ ما قَبْلَهُ لَمْ يُقارِنْهُ وما بَعْدَهُ مُضافٌ إلَيْهِ، أوْ مَحْجُوبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأنْ ( ومُمَزَّقٍ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا بِمَعْنى إذا مُزِّقْتُمْ وذَهَبَتْ بِكُمُ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ وطُرِحْتُمْ كُلَّ مَطْرَحٍ و ( جَدِيدٍ ) بِمَعْنى فاعِلٍ مِن جَدَّ كَحَدِيدٍ مِن حَدَّ، وقِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَدَّ النَّسّاجُ الثَّوْبَ إذا قَطَعَهُ.
﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، واسْتُدِلَّ بِجَعْلِهِمْ إيّاهُ قَسِيمَ الِافْتِراءِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ صِدْقَهُ عَلى أنَّ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ واسِطَةٌ، وهو كُلُّ خَبَرٍ لا يَكُونُ عَنْ بَصِيرَةٍ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ وضَعْفُهُ بَيِّنٌ لِأنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ رَدٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ تَرْدِيدَهم وإثْباتٌ لَهم ما هو أفْظَعُ مِنَ القِسْمَيْنِ، وهو الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ الصَّوابِ بِحَيْثُ لا يُرْجى الخَلاصُ مِنهُ وما هو مُؤَدّاهُ مِنَ العَذابِ، وجَعَلَهُ رَسِيلًا لَهُ في الوُقُوعِ ومُقَدَّمًا عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، والبُعْدُ في الأصْلِ صِفَةُ الضّالِّ ووَصَفَ الضَّلالَ بِهِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ.
34:9Page 429
أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩
Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].
﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهَزْءًا، وتَهْدِيدًا عَلَيْها والمَعْنى أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ، وإنّا إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَشَأْ ) و ( يَخْسِفْ ) و ( يُسْقِطْ ) بِالياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ . والكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ وحَفْصٌ ( كِسَفًا ) بِالتَّحْرِيكِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِما (p-243)
وَما يَدُلّانِ عَلَيْهِ. ﴿لآيَةً﴾ لَدَلالَةً. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ كَثِيرَ التَّأمُّلِ في أمْرِهِ.
34:10–11Page 429
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠
And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,
أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١
[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمَلَكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ. ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِخَلْقِ صَوْتٍ مِثْلَ صَوْتِهِ فِيها أوْ بِحَمْلِها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، أوْ سِيرِي مَعَهُ حَيْثُ سارَ. وقُرِئَ «أُوبِي» مِنَ الأوْبِ أيِ ارْجِعِي في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وهو بَدَلٌ مِن ( فَضْلًا ) أوْ مَن ( آتَيْنا ) بِإضْمارِ قَوْلِنا أوْ قُلْنا. ﴿والطَّيْرَ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ الجِبالِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ أوْ عَلى ( فَضْلًا )، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِـ ( أوِّبِي ) وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ وكانَ الأصْلُ: ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا تَأْوِيبَ الجِبالِ والطَّيْرِ، فَبَدَّلَ بِهَذا النَّظْمَ لِما فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، حَيْثُ جَعَلَ الجِبالَ والطُّيُورَ كالعُقَلاءِ المُنْقادِينَ لِأمْرِهِ في نَفاذِ مَشِيئَتِهِ فِيها. ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ وطَرْقٍ بِآلاتِهِ أوْ بِقُوَّتِهِ.
﴿أنِ اعْمَلْ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ فَـ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿سابِغاتٍ﴾ دُرُوعًا واسِعاتٍ، وقُرِئَ «صابِغاتٍ» وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها. ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ وقَدِّرْ في نَسْجِها بِحَيْثُ يَتَناسَبُ حِلَقُها، أوْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَجْعَلْها دِقاقًا فَتُقْلِقُ ولا غِلاظًا فَتَنْخَرِقُ.
وَرَدَ بِأنَّ دُرُوعَهُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ .
﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِداوُدَ وأهْلِهِ. ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.
34:12–13Page 429
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢
And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.
يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣
They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وقُرِئَ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ وقُرِئَ «الرِّياحُ» . ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وبِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وقُرِئَ «غُدْوَتُها» «وَرَوْحَتُها» . ﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ النُّحاسَ المُذابَ أسالَهُ لَهُ مِن مَعْدِنِهِ فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعَ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنًا وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ. ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) ( ومِنَ الجِنِّ ) حالٌ مُقَدَّمَةٌ، أوْ جُمْلَةٌ مِنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ. ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ﴾ ومَن يَعْدِلْ مِنهم ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ عَمّا أمَرْناهُ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ «يَزُغْ» مِن أزاغَهُ. ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ قُصُورٍ حَصِينَةٍ ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يَذُبُّ عَنْها ويُحارِبُ عَلَيْها. ﴿وَتَماثِيلَ﴾ وصُوَرًا هي تَماثِيلُ لِلْمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى ما اعْتادُوا مِنَ العِباداتِ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ مُجَدَّدٌ.
رُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.
﴿وَجِفانٍ﴾ وصِحافٍ. ﴿كالجَوابِ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ. ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها. ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ حِكايَةٌ عَمّا قِيلَ لَهم ( وشُكْرًا ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أيِ: اعْمَلُوا لَهُ واعْبُدُوهُ شُكْرًا، أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ العَمَلَ لَهُ شُكْرًا أوِ الوَصْفِ لَهُ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿وَقَلِيلٌ مِن (p-244)عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفّى حَقُّهُ، لِأنَّ تَوْفِيقَهُ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَتِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ.
34:14–15Page 429
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ أيْ عَلى سُلَيْمانَ. ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ﴾ ما دَلَّ الجِنُّ وقِيلَ آلُهُ. ﴿إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ أيِ الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها يُقالُ: أرْضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرَضًا فَأرْضَتْ أرَضًا مِثْلَ أكَلَتِ القَوادِحُ الأسْنانَ أكْلًا فَأكَلَتْ أكْلًا. ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ عَصاهُ مِن نَسَأتِ البَعِيرُ إذا طَرَدَتْهُ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ قَلْبًا وحَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ إذِ القِياسُ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ، و «مِنساءَتَهُ» عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مَيْضَأةٍ و «مِن سَأتِهِ» أيْ طَرَفُ عَصاهُ مُسْتَعارٌ مِن سَأتِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ وقُحَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو مِنسَأتَهُ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وحَمْزَةُ إذا وقَفَ جَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ. ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ عَلِمَتِ الجِنُّ بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ حِينَما وقَعَ فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ، أوْ ظَهَرَتِ الجِنُّ وأنَّ بِما في حَيِّزِهِ بَدَلٌ مِنهُ أيْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ. وذَلِكَ أنَّ داوُدَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَماتَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْمَلَ الجِنَّ فِيهِ فَلَمْ يَتِمَّ بَعْدَ إذْ دَنا أجَلُهُ وأُعْلِمَ بِهِ، فَأرادَ أنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ لِيُتِمُّوهُ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ، فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى أكَلَتْها الأرَضَةُ فَخَرَّ ثُمَّ فَتَحُوا عَنْهُ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ، فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً مِقْدارًا فَحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمُرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً ومَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ عِمارَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ. ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو لِأنَّهُ صارَ اسْمَ القَبِيلَةِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ أخْرَجَهُ بَيْنَ بَيْنَ فَلْمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ. ( في مَساكِنِهِمْ ) في مَواضِعِ سُكْناهم، وهي بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرَبٌ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالإفْرادِ والفَتْحِ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِنَ القِياسِ كالمَسْجِدِ والمَطْلَعِ. ﴿آيَةٌ﴾ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مَجازٌ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ مُعاضَدَةٌ لِلْبُرْهانِ السّابِقِ كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِن ( آيَةٌ ) أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الآيَةُ جَنَّتانِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.
﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في تَقارُبِها وتَضامِّهِما كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ. ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَ لَهم نَبِيُّهم، أوْ لِسانُ الحالِ أوْ دَلالَةٌ بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى مُوجِبِ الشُّكْرِ، أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ. وقُرِئَ ( الكُلَّ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قِيلَ كانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها لَمْ يَكُنْ فِيها عاهَةٌ ولا هامَّةٌ.
34:16–17Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
﴿فَأعْرَضُوا﴾ عَنِ الشُّكْرِ. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ أيِ الصَّعْبُ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ أوِ الجُرَذُ، أضافَ إلَيْهِ الـ ( سَيْلَ ) لِأنَّهُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ سَكْرًا ضَرَبَتْهُ لَهم بَلْقِيسُ فَحَقَنَتْ بِهِ ماءَ الشَّجَرِ وتَرَكَتْ فِيهِ ثُقْبًا عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوِ المُسْناةُ الَّتِي عَقَدَتْ سَكْرًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَرْمَةٍ وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ، وقِيلَ اسْمُ وادٍ جاءَ السَّيْلُ مِن قِبَلِهِ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ ثَمَرٍ بَشِعٍ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أُخِذَ طُعْمًا مِن مَرارَةٍ، وقِيلَ الأراكُ أوْ كُلُّ شَجَرٍ لا شَوْكَ لَهُ، والتَّقْدِيرُ أكَلَ أكْلَ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. ﴿وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ( أُكُلٍ ) لا عَلى ( خَمْطٍ )، فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( جَنَّتَيْنِ ) ووُصِفَ السِّدْرُ بِالقِلَّةِ فَإنْ جَناهُ وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ ( جَنَّتَيْنِ ) لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «ذَواتَيْ أُكُلِ» بِغَيْرِ تَنْوِينِ اللّامِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ بِتَخْفِيفِ ( أُكُلٍ ) .
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ أوْ بِكُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّخْصِيصِ. ( وهَلْ يُجازى إلا الكَفُورُ ) وهَلْ يُجازى بِمِثْلِ ما فَعَلْنا بِهِمْ إلّا البَلِيغُ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ( نُجازِي ) بِالنُّونِ و ( الكَفُورَ ) بِالنَّصْبِ.
34:18–19Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩
But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها وهي قُرى الشَّأْمِ. ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ مُتَواصِلَةً يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أوْ راكِبَةً مَتْنَ الطَّرِيقِ ظاهِرَةً لِأبْناءِ السَّبِيلِ. ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ بِحَيْثُ يُقِيلُ الغادِي في قَرْيَةٍ ويَبِيتُ الرّائِحُ في قَرْيَةٍ إلى أنْ يَبْلُغَ الشّامَ. ﴿سِيرُوا فِيها﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ. ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ مَتّى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ. ﴿آمِنِينَ﴾ لا يَخْتَلِفُ الأمْنُ فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، أوْ سِيرُوا آمِنِينَ وإنْ طالَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم فِيها، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ أعْمارِكم وأيّامَها لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أشِرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوا العافِيَةَ كَبَنِي إسْرائِيلَ فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الشّامِ مَفاوِزَ لِيَتَطاوَلُوا فِيها عَلى الفُقَراءِ بِرُكُوبِ الرَّواحِلِ وتَزَوُّدِ الأزْوادِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِتَخْرِيبِ القُرى المُتَوَسِّطَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ «بَعِّدْ»، ويَعْقُوبُ ﴿رَبَّنا باعِدْ﴾ بِلَفْظِ الخَبَرِ عَلى أنَّهُ شَكْوى مِنهم لِبُعْدِ سَفَرِهِمْ إفْراطًا في التَّرَفُّهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ومِثْلُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ «رَبَّنا بَعِّدْ» أوْ «بَعُدَ» عَلى النِّداءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى بَيْنَ. ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ حَيْثُ بَطَرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها. ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِهِمْ تَعَجُبًّا وضُرِبَ مَثَلٌ فَيَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ. ﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَفَرَّقْناهم غايَةَ التَّفْرِيقِ حَتّى لَحِقَ غَسّانُ مِنهم بِالشَّأْمِ، وأنْمارٌ بِيَثْرِبَ، وجُذامُ بِتِهامَةَ، والأزْدُ بِعُمانَ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ فِيما ذُكِرَ. ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَنِ المَعاصِي. ﴿شَكُورٍ﴾ عَلى النِّعَمِ.
34:20–21Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أيْ صَدَقَ في ظَنِّهِ أوْ صَدَقَ بِظَنِّ ظَنِّهِ مِثْلَ فَعَلْتَهُ جُهْدَكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في: ( صَدَقَ وعْدَهُ ) . لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، وشَدَّدَهُ الكُوفِيُّونَ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ أوْ وجَدَهُ صادِقًا. وقُرِئَ بِنَصْبِ إبْلِيسَ ورُفِعَ الظَّنُّ مَعَ التَّشْدِيدِ بِمَعْنى وجَدَهُ ظَنَّهُ صادِقًا، والتَّخْفِيفُ بِمَعْنى قالَ لَهُ ظَنُّهُ الصِّدْقُ حِينَ خَيَّلَهُ إغْواءَهم، وبِرَفْعِهِما والتَّخْفِيفِ عَلى الأبْدانِ وذَلِكَ إمّا ظَنُّهُ بِسَبَأٍ حِينَ رَأى انْهِماكَهم في الشَّهَواتِ أوْ بِبَنِي آدَمَ حِينَ رَأى أباهُمُ النَّبِيَّ ضَعِيفَ العَزْمِ، أوْ ما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، أوْ سَمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ قَوْلَهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ فَقالَ: ( لَأُضِلَّنَّهم ) و ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ .
﴿فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إلّا فَرِيقًا هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَبِّعُوهُ، وتَقْلِيلُهم بِالإضافَةِ إلى الكُفّارِ، أوْ إلّا فَرِيقًا مِن فِرَقِ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ في العِصْيانِ وهُمُ المُخْلَصُونَ.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والِاسْتِغْواءِ. ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ إلّا لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ تَعَلُّقًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، أوْ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ مِنَ الشّاكِّ، أوْ لِيُؤْمِنَ مَن قُدِّرَ إيمانُهُ ويَشُكَّ مَن قُدِّرَ ضَلالُهُ، والمُرادُ مِن حُصُولِ العِلْمِ حُصُولُ مُتَعَلِّقِهِ مُبالَغَةً، وفي نَظْمِ الصِّلَتَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ مُحافِظٌ والزِّنَتانِ مُتَآخِيَتانِ.
34:22–23Page 430
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣
And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.
﴿قُلِ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً، وهُما مَفْعُولا زَعَمَ حُذِفَ الأوَّلُ لِطُولِ المَوْصُولِ بِصِلَتِهِ والثّانِي لِقِيامِ صِفَتِهِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولَهُ الثّانِيَ لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ الضَّمِيرِ كَلامًا ولا ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَهُ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى ادْعُوهم فِيما يُهِمُّكم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ لَعَلَّهم يَسْتَجِيبُونَ لَكم إنْ صَحَّ دَعْواكم، ثُمَّ أجابَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ وأنَّهُ لا يَقْبَلُ المُكابَرَةَ فَقالَ: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ في أمْرٍ ما وذَكَرَهُما لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أوْ لِأنَّ آلِهَتَهم بَعْضُها سَماوِيَّةٌ كالمَلائِكَةِ والكَواكِبِ وبَعْضُها أرْضِيَّةٌ كالأصْنامِ، أوْ لِأنَّ الأسْبابَ القَرِيبَةَ لِلشَّرِّ والخَيْرِ سَماوِيَّةٌ وأرْضِيَّةٌ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ. ﴿وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ﴾ مِن شَرِكَةٍ لا خَلْقًا ولا مَلَكًا. ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ يُعِينُهُ عَلى تَدْبِيرِ أمْرِهِما.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ فَلا يَنْفَعُهم شَفاعَةٌ أيْضًا كَما يَزْعُمُونَ إذْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ. ﴿إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ أذِنَ لَهُ أنْ يَشْفَعَ، أوْ أذِنَ أنْ يَشْفَعَ لَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ كاللّامِ في قَوْلِكَ: الكَرْمُ لِزَيْدٍ وعَلى الثّانِي كاللّامِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِزَيْدٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الهَمْزَةِ. ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غايَةً لِمَفْهُومِ الكَلامِ مِن أنَّ ثُمَّ تَوَقُّفًا وانْتِظارًا لِلْإذْنِ أيْ: يَتَرَبَّصُونَ فَزِعِينَ حَتّى إذا كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهم بِالإذْنِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ضِمْنًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَزَّعَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقُرِئَ «فُرِّغَ» أيْ نُفِيَ الوَجَلُ مِن فَرَغَ الزّادُ إذا فَنِيَ. ﴿قالُوا﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشَّفاعَةِ. ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ قالُوا قالَ القَوْلَ الحَقَّ وهو الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ مَقُولُهُ الحَقُّ. ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ذُو العُلُوِّ والكِبْرِياءِ لَيْسَ لِمَلَكٍ ولا نَبِيَّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَتَكَلَّمَ ذَلِكَ اليَوْمَ إلّا بِإذْنِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences