Al-BaydawiSaba · 34:24–54

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:24–54

34:24Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيرَ قَوْلِهِ ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ . ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إذْ لا جَوابَ سِواهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم إنْ سَكَتُوا أوْ تَلَعْثَمُوا في الجَوابِ مَخافَةَ الإلْزامِ فَهم مُقِرُّونَ بِهِ بِقُلُوبِهِمْ. ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وإنَّ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُوَحِّدِينَ المُتَوَحِّدِ بِالرِّزْقِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ بِالعِبادَةِ، والمُشْرِكِينَ بِهِ الجَمادِ النّازِلِ في أدْنى المَراتِبِ الإمْكانِيَّةِ لَعَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الهُدى والضَّلالِ المُبَيَّنَيْنِ، وهو بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْرِيرِ البَلِيغِ الدّالِّ عَلى مَن هو عَلى الهُدى ومَن هو في الضَّلالِ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ لِأنَّهُ في صُورَةِ الإنْصافِ المُسْكِتِ لِلْخَصْمِ المُشاغِبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎ أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ. . . فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ

وَقِيلَ إنَّهُ عَلى اللَّفِّ والنَّشْرِ وفِيهِ نَظَرٌ، واخْتِلافُ الحَرْفَيْنِ لِأنَّ الهادِيَ كَمَن صَعِدَ مَنارًا يَنْظُرُ الأشْياءَ ويَتَطَلَّعُ عَلَيْها أوْ رَكِبَ جَوادًا يُرْكِضُهُ حَيْثُ يَشاءُ، والضّالُّ كَأنَّهُ مُنْغَمِسٌ في ظَلامٍ مُرْتَبِكٌ لا يَرى شَيْئًا أوْ مَحْبُوسٌ في مَطْمُورَةٍ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَفَصّى مِنها.

34:25–26Page 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذا أدْخَلُ في الإنْصافِ وأبْلَغُ في الإخْباتِ حَيْثُ أُسْنِدَ الإجْرامُ إلى أنْفُسِهِمْ والعَمَلُ إلى المُخاطِبِينَ.

﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ يَحْكُمُ ويَفْصِلُ بِأنْ يُدْخِلَ المُحِقِّينَ الجَنَّةَ والمُبْطِلِينَ النّارَ. ﴿وَهُوَ الفَتّاحُ﴾ الحاكِمُ الفاصِلُ في القَضايا المُنْغَلِقَةِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُقْضى بِهِ.

34:27–28Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ لِأرى بِأيِّ صِفَةٍ ألْحَقْتُمُوهم بِاللَّهِ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو اسْتِفْسارٌ عَنْ شُبْهَتِهِمْ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ. ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ المُشارَكَةِ بَعْدَ إبْطالِ المُقايَسَةِ.

﴿بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَوْصُوفُ بِالغَلَبَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وهَؤُلاءِ المُلْحَقُونَ بِهِ مُتَّسِمُونَ بِالذِّلَّةِ مُتَأبِّيَةٌ عَنْ قَبُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ رَأْسًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ أوْ لِلشَّأْنِ.

﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ إلّا إرْسالَةً عامَّةً لَهم مِنَ الكَفِّ فَإنَّها إذا عَمَّتْهم فَقَدْ كَفَتْهم أنْ يَخْرُجَ مِنها أحَدٌ مِنهم، أوْ إلّا جامِعًا لَهم في الإبْلاغِ فَهي حالٌ مِنَ الكافِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مِنَ النّاسِ عَلى المُخْتارِ. ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى مُخالَفَتِكَ.

34:29–30Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِمْ. ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِهِ والمُنْذَرَ عَنْهُ أوِ المَوْعُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ . ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يُخاطِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.

﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ﴾ وعْدُ يَوْمٍ أوْ زَمانُ وعْدٍ، وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ لِلتَّبْيِينِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «يَوْمَ» عَلى البَدَلِ، وقُرِئَ «يَوْمًا» بِإضْمارٍ أعْنِي. ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ إذا فاجَأكم وهو جَوابُ تَهْدِيدٍ جاءَ مُطابِقًا لِما قَصَدُوهُ بِسُؤالِهِمْ مِنَ التَّعَنُّتِ والإنْكارِ.(p-248)

34:31–32Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولا بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الدّالَّةِ عَلى النَّعْتِ. قِيلَ إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَأخْبَرُوهم أنَّهم يَجِدُونَ نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ فَغَضِبُوا وقالُوا ذَلِكَ، وقِيلَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في مَوْضِعِ المُحاسَبَةِ. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ يَتَحاوَرُونَ ويَتَراجَعُونَ القَوْلَ. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يَقُولُ الأتْباعُ. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلرُّؤَساءِ. ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ لَوْلا إضْلالُكم وصَدُّكم إيّانا عَنِ الإيمانِ. ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ .

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أنْكَرُوا أنَّهم كانُوا صادِّينَ لَهم عَنِ الإيمانِ وأثْبَتُوا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا أنْفُسَهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ الهُدى وآثَرُوا التَّقْلِيدَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ بَنَوُا الإنْكارَ عَلى الِاسْمِ.

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إضْرابٌ عَنْ إضْرابِهِمْ أيْ: لَمْ يَكُنْ إجْرامُنا الصّادَّ بَلْ مَكْرُكم لَنا دائِبًا لَيْلًا ونَهارًا حَتّى أعْوَرْتُمْ عَلَيْنا رَأْيَنا. ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ والعاطِفُ يَعْطِفُهُ عَلى كَلامِهِمُ الأوَّلِ وإضافَةُ الـ ( مَكْرٌ ) إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، وقُرِئَ «مَكْرَ اللَّيْلِ» بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ و «مَكْرٌ اللَّيْلَ» بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ الظَّرْفِ و «مَكَرُّ اللَّيْلِ» مِنَ الكُرُورِ. ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ وأضْمَرَ الفَرِيقانِ النَّدامَةَ عَلى الضَّلالِ والإضْلالِ وأخْفاها كُلٌّ عَنْ صاحِبِهِ مَخافَةَ التَّعْيِيرِ، أوْ أظْهَرُوها فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ إذِ الهَمْزَةُ تَصْلُحُ لِلْإثْباتِ والسَّلْبِ كَما في أشْكَيْتُهُ. ﴿وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ في أعْناقِهِمْ فَجاءَ بِالظّاهِرِ تَنْوِيهًا بِذَمِّهِمْ وإشْعارًا بِمُوجِبِ أغْلالِهِمْ. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا يُفْعَلُ بِهِمْ ما يُفْعَلُ إلّا جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ، وتَعْدِيَةُ يُجْزى إمّا لِتَضْمِينِ مَعْنى يَقْضِي أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ.

34:34–36Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.(p-249)

﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.

﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ. ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ:

34:37–38Page 432

وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].

وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨

And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].

﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ قُرْبَةً والَّتِي إمّا لِأنَّ المُرادَ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم، أوْ لِأنَّها صِفَةُ مَحْذُوفٍ كالتَّقْوى والخَصْلَةِ. وقُرِئَ «بالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم. ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ( تُقَرِّبُكم )، أيِ الأمْوالُ والأوْلادُ لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُعَلِّمُ ولَدَهُ الخَيْرَ ويُرَبِّيهِ عَلى الصَّلاحِ، أوْ مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ. ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ إلى عَشْرٍ فَما فَوْقَهُ، والإضافَةُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ ( بِالأعْمالِ ) عَلى الأصْلِ وعَنْ يَعْقُوبَ رَفْعُهُما عَلى إبْدالِ الضِّعْفِ، ونُصِبَ الجَزاءُ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَهم. ﴿بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ مِنَ المَكارِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقَرَأ حَمْزَةُ «فِي الغُرْفَةِ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها. ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مُسابِقِينَ لِأنْبِيائِنا أوْ ظانِّينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.

﴿أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ .

34:39Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ يُوَسِّعُ عَلَيْهِ تارَةً ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ أُخْرى، فَهَذا في شَخْصٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ وما سَبَقَ في شَخْصَيْنِ فَلا تَكْرِيرَ. ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا إمّا عاجِلًا أوْ آجِلًا. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّ غَيْرَهُ وسَطٌ في إيصالِ رِزْقِهِ لا حَقِيقَةَ لِرازِقِيَّتِهِ.

34:40–41Page 433

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠

And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"

قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١

They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."

( ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ) المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ ( ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ) تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ وتَبْكِيتًا لَهم وإقْناطًا لَهم عَمّا يَتَوَقَّعُونَ مِن شَفاعَتِهِمْ، وتَخْصِيصُ المَلائِكَةِ لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكائِهِمْ والصّالِحُونَ لِلْخِطابِ مِنهم، ولِأنَّ عِبادَتَهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ وأصْلُهُ. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالياءِ فِيهِما.

﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهم، كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتَهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ الشَّياطِينَ حَيْثُ أطاعُوهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. وقِيلَ كانُوا يَتَمَثَّلُونَ لَهم ويُخَيِّلُونَ إلَيْهِمْ أنَّهُمُ (p-250)

المَلائِكَةُ فَيَعْبُدُونَهم. ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ والثّانِي لِـ ( الجِنَّ ) .

34:42–43Page 433

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, they say, "This is not but a man who wishes to avert you from that which your fathers were worshipping." And they say, "This is not except a lie invented." And those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is not but obvious magic."

﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ إذِ الأمْرُ فِيهِ كُلُّهُ لَهُ لِأنَّ الدّارَ دارُ جَزاءٍ وهو المَجازِي وحْدَهُ. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( لا يَمْلِكُ ) مُبَيِّنٌ لِلْمَقْصُودِ مِن تَمْهِيدِهِ.

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُوَنَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَسْتَتْبِعُكم بِما يَسْتَبْدِعُهُ. ﴿وَقالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ القُرْآنَ. ﴿إلا إفْكٌ﴾ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ ما فِيهِ الواقِعَ. ﴿مُفْتَرًى﴾ بِإضافَتِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ أوْ لِلْإسْلامِ أوْ لِلْقُرْآنِ، والأوَّلُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وهَذا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وإعْجازِهِ. ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ، وفي تَكْرِيرِ الفِعْلِ والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ، وما في ( لَمّا ) مِنَ المُبادَهَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ وتَعْجِيبٌ بَلِيغٌ مِنهُ.

34:44–45Page 433

وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤

And We had not given them any scriptures which they could study, and We had not sent to them before you, [O Muḥammad], any warner.

وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥

And those before them denied, and they [i.e., the people of Makkah] have not attained a tenth of what We had given them. But they [i.e., the former peoples] denied My messengers, so how [terrible] was My reproach.

﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فِيها دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الإشْراكِ. ﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ يَدْعُوهم إلَيْهِ ويُنْذِرُهم عَلى تَرْكِهِ، وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ فَمِن أيْنَ وقَعَ لَهم هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وهَذا في غايَةِ التَّجْهِيلِ لَهم والتَّسْفِيهِ لِرَأْيِهِمْ ثُمَّ هَدَّدَهم فَقالَ:

﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ كَما كَذَّبُوا. ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ وما بَلَغَ هَؤُلاءِ عُشْرَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ وطُولِ العُمُرِ وكَثْرَةِ المالِ، أوْ ما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى. ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ فَحِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي جاءَهم إنْكارِي بِالتَّدْمِيرِ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي لَهم فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِهِ، ولا تَكْرِيرَ في كَذَّبَ لِأنَّ الأوَّلَ لِلتَّكْثِيرِ والثّانِي لِلتَّكْذِيبِ، أوِ الأوَّلَ مُطْلَقٌ والثّانِي مُقَيَّدٌ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ.

34:46Page 433

۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allāh, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أُرْشِدُكم وأنْصَحُ لَكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ هي ما دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ وهو القِيامُ مِن مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوِ الِانْتِصابُ في الأمْرِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ مُعْرِضًا عَنِ المِراءِ والتَّقْلِيدِ. ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ مُتَفَرِّقِينَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وواحِدًا واحِدًا، فَإنَّ الِازْدِحامَ يُشَوِّشُ الخاطِرَ ويَخْلِطُ القَوْلَ. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما جاءَ بِهِ لِتَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ، ومَحَلُّهُ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ البَيانِ أوِ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ بِإضْمارِ هو أوْ أعْنِي. ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ فَتَعْلَمُوا ما بِهِ مِن جُنُونٍ يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ، أوِ اسْتِئْنافٌ مُنَبِّهٌ لَهم عَلى أنَّ ما عَرَفُوا مِن رَجاحَةِ عَقْلِهِ كافٍ في تَرْجِيحِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَصَدّى لِادِّعاءِ أمْرٍ خَطِيرٍ وخَطْبٍ عَظِيمٍ مِن (p-251)

غَيْرِ تَحَقُّقٍ ووُثُوقٍ بِبُرْهانٍ، فَيَفْتَضِحُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ ويُلْقِي نَفْسَهُ إلى الهَلاكِ، فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا أيُّ شَيْءٍ بِهِ مِن آثارِ الجُنُونِ: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ قُدّامَهُ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ في نَسَمِ السّاعَةِ.

34:47Page 433

قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allāh, and He is, over all things, Witness."

﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيُّ شَيْءٍ سَألْتُكم مِن أجْرٍ عَلى الرِّسالَةِ. ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ عَنْهُ، كَأنَّهُ جَعَلَ التَّنَبِّيَ مُسْتَلْزِمًا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا الجُنُونُ وإمّا تَوَقُّعُ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ أوْ لِغَيْرِهِ وأيًّا ما كانَ يَلْزَمُ أحَدَهُما ثُمَّ نَفى كُلًّا مِنهُما. وقِيلَ ( ما ) مَوْصُولَةٌ مُرادٌ بِها ما سَألَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ واتِّخاذُ السَّبِيلِ يَنْفَعُهم وقُرْباهُ قُرْباهم. ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مَطَّلِعٌ يَعْلَمُ صِدْقِي وخُلُوصَ نِيَّتِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ الياءِ.

34:48–49Page 433

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨

Say, "Indeed, my Lord projects the truth, Knower of the unseen."

قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

Say, "The truth has come, and falsehood can neither begin [anything] nor repeat [it]."1

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ أوْ يَرْمِي بِهِ إلى أقْطارِ الآفاقِ، فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإفْشائِهِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ. ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ ( إنَّ ) واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( يَقْذِفُ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.

وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِـ ( رَبِّي ) أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ «الغُيُوبِ» بِالكَسْرِ كالبُيُوتِ وبِالضَّمِّ كالعُشُورِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ كالصَّبُورِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةُ غائِبٍ.

﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الإسْلامُ. ﴿وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ وزَهَقَ الباطِلُ أيِ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ قالَ:

؎ أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ. . . فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ

وَقِيلَ الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُهُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُهُ.

وَقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها.

34:50Page 434

قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠

Say, "If I should err, I would only err against myself. But if I am guided, it is by what my Lord reveals to me. Indeed, He is Hearing and near."

﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الحَقِّ. ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قابِلَ الشُّرْطِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ. ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يُدْرِكُ قَوْلَ كُلِّ ضالٍّ ومُهْتَدٍ وفِعْلَهُ وإنْ أخْفاهُ.

34:51Page 434

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١

And if you could see1 when they are terrified but there is no escape, and they will be seized from a place nearby.

﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ عِنْدَ المَوْتِ أوِ البَعْثِ أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا. ﴿فَلا فَوْتَ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ بِهَرَبٍ أوْ تَحَصُّنٍ. ﴿وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، أوْ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى القَلِيبِ، والعَطْفُ عَلى ( فَزِعُوا ) أوْ لا فَوْتَ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «وَأُخِذَ» عَطْفًا عَلى مَحَلِّهِ أيْ: فَلا فَوْتَ هُناكَ وهُناكَ أُخِذَ.

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

.(p-252)

﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ . ﴿وَأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ ومِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ تَناوُلًا سَهْلًا. ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ وقَدْ بَعُدَ عَنْهم، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهم أوانُهُ وبَعُدَ عَنْهم، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ مِن غَلْوَةِ تَناوُلِهِ مِن ذِراعٍ في الِاسْتِحالَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ بِالهَمْزِ عَلى قَلْبِ الواوِ لِضَمَّتِها.

أوْ أنَّهُ مِن نَأشْتُ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتُهُ قالَ رُؤْبَةُ:

؎ أقْحَمَنِي جارُ أبِي الجامُوشِ. . . إلَيْكَ نَأْشَ القَدَرِ النُّؤُوشِ

أوْ مِن نَأشْتُ إذا تَأخَّرْتُ ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ تَمَنّى نَشِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي. . . ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ

فَيَكُونُ بِمَعْنى التَّناوُلِ مِن بَعْدُ.

34:53–54Page 434

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤

And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ بِالعَذابِ. ﴿مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أوانُ التَّكْلِيفِ.

﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ ويَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لَمْ يَظْهَرْ لَهم في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُطاعِنِ، أوْ في العَذابِ مِنَ البَتِّ عَلى نَفْيِهِ. ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مِن جانِبٍ بَعِيدٍ مِن أمْرِهِ، وهو الشُّبَهُ الَّتِي تَمَحَّلُوها في أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ، أوْ حالُ الآخِرَةِ كَما حَكاهُ مِن قَبْلُ. ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن يَرْمِي شَيْئًا لا يَراهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ، وقُرِئَ «وَيُقْذَفُونَ» عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ ويُلَقِّنُهم ذَلِكَ، والعَطْفُ عَلى ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ عَلى قالُوا فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ القاذِفِ في تَحْصِيلِ ما ضَيَّعُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا.

﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِن نَفْعِ الإيمانِ والنَّجاةِ بِهِ مِنَ النّارِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِإشْمامِ الضَّمِّ لِلِحاءِ. ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ بِأشْباهِهِمْ مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ. ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مَوْقِعٌ في الرِّيبَةِ، أوْ ذِي رِيبَةٍ مَنقُولٌ مِنَ المُشَكِّكِ، أوِ الشَّكُّ نُعِتَ بِهِ الشَّكُّ لِلْمُبالَغَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ رَسُولٌ ولا نَبِيٌّ إلّا كانَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ رَفِيقًا ومُصافِحًا» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском