Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
(p-224)سُورَةُ الأحْزابِ
مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ناداهُ بِالنَّبِيِّ وأمَرَهُ بِالتَّقْوى تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ التَّقْوى، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مانِعًا لَهُ عَمّا نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ فِيما يَعُودُ بِوَهْنٍ في الدِّينِ.
رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهِلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم وقامَ مَعَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لَهُ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا وقُلْ إنَّ لَها شَفاعَةً ونَدَعْكَ ورَبَّكَ فَنَزَلَتْ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ. ﴿حَكِيمًا﴾ لا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
33:2–3Page 418
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ كالنَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَمُوحٍ إلَيْكَ ما تَصْلُحُ بِهِ أعْمالُكَ ويُغْنِي عَنِ الِاسْتِماعِ إلى الكَفَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى أنَّ الواوَ ضَمِيرُ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ أيْ أنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَكايِدِهِمْ فَيَدْفَعُها عَنْكَ.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وكِلْ أمْرَكَ إلى تَدْبِيرِهِ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ مَوْكُولًا إلَيْهِ الأُمُورُ كُلُّها.
33:4Page 418
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ أيْ ما جَمَعَ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأنَّ القَلْبَ مَعْدِنُ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالنَّفْسِ الإنْسانِيِّ أوَّلًا ومَنعُ القُوى بِأسْرِها وذَلِكَ يَمْنَعُ التَّعَدُّدَ. ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ وما جَمَعَ الزَّوْجِيَّةَ والأُمُومَةَ في امْرَأةٍ ولا الدَّعْوَةَ والبُنُوَّةَ في رَجُلٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ رَدُّ ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ مِن أنَّ اللَّبِيبَ الأرِيبَ لَهُ قَلْبانِ ولِذَلِكَ قِيلَ لِأبِي مَعْمَرٍ أوْ جَمِيلِ بْنِ أسَدٍ الفِهْرَيِّ ذُو القَلْبَيْنِ، والزَّوْجَةُ المَظاهَرُ عَنْها كالأُمِّ ودَعِيُّ الرَّجُلِ ابْنَهُ ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ الكَلْبِيِّ عَتِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنُ مُحَمَّدٍ، أوِ المُرادُ نَفْيُ الأُمُومَةِ والبُنُوَّةِ عَنِ المَظاهَرِ عَنْها والمُتَبَنّى ونَفْيُ القَلْبَيْنِ لِتَمْهِيدِ أصْلٍ يَحْمِلانِ عَلَيْهِ. والمَعْنى كَما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ لِأدائِهِ إلى التَّناقُضِ وهو أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما أصْلًا لِكُلِّ القُوى وغَيْرَ أصْلٍ لَمْ يَجْعَلِ الزَّوْجَةَ والدَّعِيَّ اللَّذَيْنِ لا وِلادَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ أُمَّهُ وابْنَهُ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ وِلادَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «اللّايِ» بِالياءِ وحْدَهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ اللّاءِ بِهَمْزَةٍ فَخُفِّفَتْ وعَنِ الحِجازِيِّينَ مِثْلُهُ، وعَنْهُما وعَنْ يَعْقُوبَ بِالهَمْزِ وحْدَهُ، وأصْلُ تُظْهِرُونَ تَتَظَّهَرُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الظّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَظّاهَرُونَ بِالإدْغامِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ وعاصِمٌ ( تُظاهِرُونَ ) مِن ظاهَرَ، وقُرِئَ «تُظْهِرُونَ» مِن ظَهَرَ بِمَعْنى ظاهَرَ كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقِدٍ و «تَظْهَرُونَ» مِنَ الظُّهُورِ. ومَعْنى الظِّهارِ: أنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ: أنْتِ عَلَيَّ (p-225)
كَظَهْرِ أُمِّي، مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كالتَّلْبِيَةِ مِن لَبَّيْكَ وتَعْدِيَتُهُ بِمَن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجَنُّبِ لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ أوِ الحُرْمَةَ إلى أداءِ الكَفّارَةِ كَما عُدِّيَ آلى بِها، وهو بِمَعْنى حَلَفَ وذُكِرَ الظَّهْرُ لِلْكِنايَةِ عَنِ البَطْنِ الَّذِي هو عَمُودُهُ فَإنَّ ذِكْرَهُ يُقارِبُ ذِكْرَ الفَرْجِ، أوْ لِلتَّغْلِيظِ في التَّحْرِيمِ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ إتْيانَ المَرْأةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ، وأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ عَلى الشُّذُوذِ وكَأنَّهُ شُبِّهَ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَجُمِعَ جَمْعُهُ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ أوْ إلى الأخِيرِ. ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الأعْيانِ كَقَوْلِ الهاذِي. ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ ما لَهُ حَقِيقَةٌ عَيْنِيَّةٌ مُطابِقَةٌ لَهُ. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سَبِيلَ الحَقِّ.
33:5Page 418
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ انْسِبُوهم إلَيْهِمْ، وهو إفْرادٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أقْوالِهِ الحَقَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ ( ادْعُوهم ) و ( أقْسَطُ ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ ومَعْناهُ البالِغُ في الصِّدْقِ. ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ فَتَنْسِبُوهم إلَيْهِمْ. ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ. ﴿وَمَوالِيكُمْ﴾ وأوْلِياؤُكم فِيهِ فَقُولُوا هَذا أخِي ومَوْلايَ بِهَذا التَّأْوِيلِ. ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ولا إثْمَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ عَلى النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ. ﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم أوْ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ. ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ. واعْلَمْ أنَّ التَّبَنِّيَ لا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يُوجِبُ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ ويُثْبِتُ النَّسَبَ لِمَجْهُولِهِ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحاقُهُ بِهِ.
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها فَإنَّهُ لا يَأْمُرُهم ولا يَرْضى مِنهم إلّا بِما فِيهِ صَلاحُهم ونَجاحُهم بِخِلافِ النَّفْسِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْرُهُ أنْفَذَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِها وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أتَمَّ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ فَقالَ ناسٌ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا فَنَزَلَتْ» .
وَقُرِئَ «وَهُوَ أبٌ لَهم» أيْ في الدِّينِ فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أصْلٌ فِيما بِهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً. ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَتُهُنَّ في التَّحْرِيمِ واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ وفِيما عَدا ذَلِكَ فَكالأجْنَبِيّاتِ، ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَسْنا أُمَّهاتِ النِّساءِ. ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ وذَوُو القَراباتِ. ﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ وهو نَسْخٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ في الدِّينِ. ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ أوْ فِيما أُنْزِلَ، وهو هَذِهِ الآيَةُ أوْ آيَةُ المَوارِيثِ أوْ فِيمَ فَرَضَ اللَّهُ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِأُولِي أيْ أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ. ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ ما يُقَدِّرُ الأوْلَوِيَّةَ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ والمُرادُ بِفِعْلِ المَعْرُوفِ التَّوْصِيَةُ أوْ مُنْقَطِعٌ ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ كانَ ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ ثابِتًا في اللَّوْحِ أوِ القُرْآنِ. وقِيلَ في التَّوْراةِ.
33:7–8Page 419
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧
And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨
That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.
﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ ومِيثاقُهم عُهُودُهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والدُّعاءِ إلى الدِّينِ القَيِّمِ.
﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم مَشاهِيرُ أرْبابُ الشَّرائِعِ وقَدَّمَ نَبِيَّنا (p-226)
عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ. ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ، والتَّكْرِيرُ لِبَيانِ هَذا الوَصْفِ تَعْظِيمًا لَهُ.
﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْألَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ تَصْدِيقَهم إيّاهم تَبْكِيتًا لَهم أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، أوِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهم. ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ( أخَذْنا ) مِن جِهَةِ أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِيَسْألَ كَأنَّهُ قالَ فَأثابَ المُؤْمِنِينَ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
33:9Page 419
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ يَعْنِي الأحْزابَ وهم قُرَيْشٌ وغَطَفانُ ويَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا زُهاءَ اثْنَيْ عَشَرَ ألَفًا. ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ رِيحَ الصَّبا. ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ المَلائِكَةَ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سَمِعَ بِإقْبالِهِمْ ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ في ثَلاثَةِ آلافٍ والخَنْدَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنَهم إلّا التَّرامِي بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ، فَأخْصَرَتْهم وسَفَتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ وأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَلَعَتْ خِيامَهم وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ العَسْكَرِ، فَقالَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسِّحْرِ فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ بِالياءِ أيْ بِما يَعْمَلُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّحَزُّبِ والمُحارَبَةِ. ﴿بَصِيرًا﴾ رائِيًا.
33:10Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( إذْ جاءَتْكم ) . ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ بَنُو غَطَفانَ. ﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ قُرَيْشٌ. ﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ مالَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً وشُخُوصًا. ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ رُعْبًا فَإنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الرَّوْعِ فَيَرْتَفِعُ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ مَدْخَلِ الطَّعامِ والشَّرابِ. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ الأنْواعَ مِنَ الظَّنِّ فَظَنَّ المُخْلِصُونَ الثَّبْتُ القُلُوبِ أنَّ اللَّهَ مُنْجَزٌ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، أوْ مُمْتَحِنُهم فَخافُوا الزَّلَلَ وضَعْفَ الِاحْتِمالِ والضِّعافُ القُلُوبِ والمُنافِقُونَ ما حُكِيَ عَنْهم، والألِفُ مَزِيدَةٌ في أمْثالِهِ تَشْبِيهًا لِلْفَواصِلِ بِالقَوافِي وقَدْ أجْرى نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ فِيها الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، ولَمْ يُزِدْها أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ مُطْلَقًا وهو القِياسُ.
33:11–12Page 419
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُبِرُوا فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ والثّابِتُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وقُرِئَ «زَلْزالًا» بِالفَتْحِ.
﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ضَعْفُ اعْتِقادٍ. ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ. ﴿إلا غُرُورًا﴾ وعْدًا باطِلًا. قِيلَ قائِلُهُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ قالَ يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ فارِسَ والرُّومِ وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنْ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعْدُ غُرُورٍ.(p-227)
33:13Page 419
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ وأتْباعَهُ. ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ أهْلَ المَدِينَةِ، وقِيلَ هو اسْمُ أرْضٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها. ﴿لا مُقامَ﴾ لا مَوْضِعَ قِيامٍ. ﴿لَكُمْ﴾ ها هُنا، وقَرَأ حَفْصٌ بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَكانٌ أوْ مَصْدَرٌ مِن أقامَ. ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى مَنازِلِكم هارِبِينَ، وقِيلَ المَعْنى لا مُقامَ لَكم عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ فارْجِعُوا إلى الشِّرْكِ وأسْلِمُوهُ لِتَسْلَمُوا، أوْ لا مُقامَ لَكم بِيَثْرِبَ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيُمْكِنَكُمُ المُقامُ بِها. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ لِلرُّجُوعِ. ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ غَيْرُ حَصِينَةٍ وأصْلُها الخَلَلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ العَوْرَةِ مَن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَتْ وقَدْ قُرِئَ بِها. ﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾ بَلْ هي حَصِينَةٌ. ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ أيْ وما يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلّا الفِرارَ مِنَ القِتالِ.
33:14Page 419
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ دُخِلَتِ المَدِينَةُ أوْ بُيُوتُهم. ﴿مِن أقْطارِها﴾ مِن جَوانِبِها وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْإيماءِ بِأنَّ دُخُولَ هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلَيْهِمْ ودُخُولَ غَيْرِهِمْ مِنَ العَساكِرِ سِيّانِ في اقْتِضاءِ الحُكْمِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ الرِّدَّةَ ومُقاتِلَةَ المُسْلِمِينَ. ﴿لآتَوْها﴾ لَأعْطَوْها، وقَرَأ الحِجازِيّانِ بِالقَصْرِ بِمَعْنى لَجاءُوها وفَعَلُوها. ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ بِالفِتْنَةِ أوْ بِإعْطائِها. ﴿إلا يَسِيرًا﴾ رَيْثَما يَكُونُ السُّؤالُ والجَوابُ، وقِيلَ ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ تَمامِ الِارْتِدادِ إلّا يَسِيرًا.
33:15–16Page 419
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا ثُمَّ تابُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. ﴿وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلٍ في وقْتٍ مُعِينٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ. ﴿وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.
33:17–18Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨
Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3
﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ أيْ أوْ يُصِيبُكم بِسُوءٍ إنْ أرادَ بِكم رَحْمَةً فاخْتَصَرَ الكَلامَ كَما في قَوْلِهِ:
مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أوْ حَمْلُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِما في العِصْمَةِ مِن مَعْنى المَنعِ. ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَنْفَعُهم. ﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ الضُّرَّ عَنْهم.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ المُثَبِّطِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُمُ المُنافِقُونَ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ مِن (p-228)
ساكِنِي المَدِينَةِ. ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ قَرِّبُوا أنْفُسَكم إلَيْنا وقَدْ ذُكِرَ أصْلُهُ في «الأنْعامِ» . ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ إلّا إتْيانًا أوْ زَمانًا أوْ بَأْسًا قَلِيلًا، فَإنَّهم يَعْتَذِرُونَ ويَتَثَبَّطُونَ ما أمْكَنَ لَهم، أوْ يَخْرُجُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ولَكِنْ لا يُقاتِلُونَ إلّا قَلِيلًا كَقَوْلِهِ ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ وقِيلَ إنَّهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِمْ ومَعْناهُ لا يَأْتِي أصْحابُ مُحَمَّدٍ حَرْبَ الأحْزابِ ولا يُقاوِمُونَهم إلّا قَلِيلًا.
33:19Page 420
أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩
Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بُخَلاءَ عَلَيْكم بِالمُعاوَنَةِ أوِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ الظَّفَرِ أوِ الغَنِيمَةِ، جَمْعُ شَحِيحٍ ونَصْبُها عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَأْتُونَ أوِ المُعَوِّقِينَ أوْ عَلى الذَّمِّ. ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ في أحْداقِهِمْ. ﴿كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ﴾ كَنَظَرِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ أوْ كَدَوَرانِ عَيْنَيْهِ، أوْ مُشَبَّهِينَ بِهِ أوْ مُشَبَّهَةٌ بِعَيْنِهِ. ﴿مِنَ المَوْتِ﴾ مِن مُعالَجَةِ سَكَراتِ المَوْتِ خَوْفًا ولِواذًا بِكَ. ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾ وحِيزَتِ الغَنائِمُ. ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ ضَرَبُوكم. ﴿بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ ذَرِبَةٍ يَطْلُبُونَ الغَنِيمَةَ، والسَّلْقُ البَسْطُ بِقَهْرٍ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ.
﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ الذَّمِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ ولَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُقَيَّدٌ مِن وجْهٍ. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخْلاصًا. ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ فَأظْهَرَ بُطْلانَها إذْ لَمْ تَثْبُتْ لَهم أعْمالٌ فَتَبْطُلُ أوْ أبْطَلَ تَصَنُّعَهم ونِفاقَهم. ﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ الإحْباطُ. ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هَيِّنًا لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِهِ وعَدَمِ ما يَمْنَعُهُ عَنْهُ.
33:20Page 420
يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠
They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.
﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ لِجُبْنِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ الأحْزابَ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وقَدِ انْهَزَمُوا فَفَرُّوا إلى داخِلِ المَدِينَةِ. ﴿وَإنْ يَأْتِ﴾ الأحْزابُ كَرَّةً ثانِيَةً. ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾ تَمَنَّوْا أنَّهم خارِجُونَ إلى البَدْوِ حاصِلُونَ بَيْنَ الأعْرابِ. ﴿يَسْألُونَ﴾ كُلَّ قادِمٍ مِن جانِبِ المَدِينَةِ. ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ عَمّا جَرى عَلَيْكم.
﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ هَذِهِ الكُرَةَ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ قِتالٌ. ﴿ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا﴾ رِياءً وخَوْفًا مِنَ التَّعْيِيرِ.
33:21Page 420
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ خَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِن حَقِّها أنْ يُؤْتَسى بِها كالثَّباتِ في الحَرْبِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ، أوْ هو في نَفْسِهِ قُدْوَةً يَحْسُنُ التَّأسِّي بِهِ كَقَوْلِكَ في البَيْضَةِ عِشْرُونَ مِنًّا حَدِيدًا أيْ هي في نَفْسِها هَذا القَدْرُ مِنَ الحَدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ ثَوابَ اللَّهِ أوْ لِقاءَهُ ونَعِيمَ الآخِرَةِ، أوْ أيّامَ اللَّهِ واليَوْمَ الآخِرَ خُصُوصًا. وقِيلَ هو كَقَوْلِكَ أرْجُو زَيْدًا وفَضْلَهُ، فَإنَّ اليَوْمَ الآخِرَ داخِلٌ فِيها بِحَسَبِ الحُكْمِ والرَّجاءُ يَحْتَمِلُ الأمَلَ والخَوْفَ و ( لِمَن كانَ ) صِلَةٌ لِحَسَنَةٍ أوْ صِفَةٌ لَها. وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( لَكم ) والأكْثَرُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يُبْدَلُ مِنهُ. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وقَرَنَ بِالرَّجاءِ كَثْرَةَ الذِّكْرِ المُؤَدِّيَةَ إلى مُلازَمَةِ الطّاعَةِ، فَإنَّ المُؤْتَسِيَ بِالرَّسُولِ مَن كانَ كَذَلِكَ.
33:22Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «سَيَشْتَدُّ الأمْرُ بِاجْتِماعِ الأحْزابِ عَلَيْكم والعاقِبَةُ لَكم عَلَيْهِمْ» . وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّهم سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ» وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ صَدَقا في النُّصْرَةِ والثَّوابِ كَما صَدَقا في البَلاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ لِلتَّعْظِيمِ. ﴿وَما زادَهُمْ﴾ فِيهِ ضَمِيرُ ( لَمّا ) رَأوْا، أوِ الخَطْبُ أوِ البَلاءُ. ﴿إلا إيمانًا﴾ بِاللَّهِ ومَواعِيدِهِ. ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لِأوامِرِهِ ومَقادِيرِهِ.
33:23–24Page 421
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤
That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُقاتَلَةِ لِإعْلاءِ الدِّينِ مِن صَدَقَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ، فَإنَّ المُعاهَدَ إذا وفّى بِعَهْدِهِ فَقَدْ صَدَقَ فِيهِ. ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ نَذْرَهُ بِأنْ قاتَلَ حَتّى اسْتُشْهِدَ كَحَمْزَةَ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، والنَّحْبُ النَّذْرُ واسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ لِأنَّهُ كَنَذْرٍ لازِمٍ في رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوانٍ. ﴿وَمِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ الشَّهادَةَ كَعُثْمانَ وطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العَهْدَ ولا غَيَّرُوهُ. ﴿تَبْدِيلا﴾ شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ.
رُوِيَ «أنَّ طَلْحَةَ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أوْجَبَ طَلْحَةُ» وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِأهْلِ النِّفاقِ ومَرَضِ القَلْبِ بِالتَّبْدِيلِ، وقَوْلُهُ:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمَنطُوقِ والمُعَرَّضِ بِهِ، فَكَأنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا بِالتَّبْدِيلِ عاقِبَةَ السُّوءِ كَما قَصَدَ المُخْلِصُونَ بِالثَّباتِ والوَفاءِ العاقِبَةَ الحُسْنى، والتَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِتَوْبَتِهِمْ أوِ المُرادُ بِها التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِمَن تابَ.
33:25Page 421
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥
And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي الأحْزابَ. ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ مُتَغَيِّظِينَ. ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ غَيْرَ ظافِرِينَ وهُما حالانِ بِتَداخُلٍ أوْ تَعاقُبٍ. ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِالرِّيحِ والمَلائِكَةِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ عَلى إحْداثِ ما يُرِيدُهُ. ﴿عَزِيزًا﴾ غالِبًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
33:26Page 421
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦
And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].
﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ ظاهَرُوا الأحْزابَ. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي قُرَيْظَةَ. ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ مِن حُصُونِهِمْ جَمْعُ صَيْصِيَةٍ وهي ما يُتَحَصَّنُ بِهِ ولِذَلِكَ يُقالُ لِقَرْنِ الثَّوْرِ والظَّبْيِّ وشَوْكَةِ الدِّيكِ. ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخَوْفَ وقُرِئَ بِالضَّمِّ. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ رُوِيَ: «أنَّ جِبْرِيلَ أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْهَزَمَ فِيها الأحْزابُ فَقالَ: أتَنْزَعُ لِأُمَّتِكَ والمَلائِكَةُ لَمْ يَضَعُوا السِّلاحَ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالسَّيْرِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ وأنا عامِدٌ إلَيْهِمْ فَأُذِّنَ في النّاسِ أنْ لا يُصَلُّوا العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ أوْ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَتّى جَهَدَهُمُ الحِصارُ فَقالَ لَهم: تَنْزِلُونَ عَلى (p-230)
حُكْمِي فَأبَوْا فَقالَ: عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَرَضُوا بِهِ، فَحَكَمَ سَعْدٌ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ ونِسائِهِمْ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِن فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ»، فَقَتَلَ مِنهم سِتَّمِائَةٍ أوْ أكْثَرَ وأسَرَ مِنهم سَبْعَمِائَةٍ.
33:27Page 421
وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧
And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.
﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ مَزارِعَهم. ﴿وَدِيارَهُمْ﴾ حُصُونَهم. ﴿وَأمْوالَهُمْ﴾ نُقُودَهم ومَواشِيَهم وأثاثَهم.
رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ عَقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ فَتَكَلَّمَ فِيهِ الأنْصارُ فَقالَ: إنَّكم في مَنازِلِكم وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أما تُخَمِّسُ كَما خَمَّسْتَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: لا إنَّما جُعِلَتْ هَذِهِ لِي طُعْمَةً» .
﴿وَأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ كَفارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ خَيْبَرُ وقِيلَ كُلُّ أرْضٍ تُفْتَحُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences