Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
الإسراء
Al-Isra
The Night Journey · Meccan · 111 ayahs
17:1Page 282
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١
Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4
(p-247)سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخِرِ ثَمانِ آياتٍ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ سُبْحانَ اسْمٌ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لَهُ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ ويُمْنَعُ عَنِ الصَّرْفِ قالَ:
؎ قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ. . . سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ عَنِ العَجْزِ عَمّا ذُكِرَ بَعْدُ. و ﴿أسْرى﴾ وسَرى بِمَعْنى، و ﴿لَيْلا﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ. وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: « مِنَ اللَّيْلِ» أيْ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ . ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «بَيْنا أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا أتانِي جِبْرِيلُ بِالبُراقِ» .
أوْ مِنَ الحَرَمِ وسَمّاهُ المَسْجِدَ الحَرامَ لِأنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ أوْ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، أوْ لِيُطابِقَ المَبْدَأُ المُنْتَهى. لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ، وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها وقالَ: « مُثِّلَ لِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ»، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَتَعَجَّبُوا مِنهُ اسْتِحالَةً، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ لَقَدْ صَدَقَ، فَقالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدِ مِن ذَلِكَ فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، واسْتَنْعَتَهُ طائِفَةٌ سافَرُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فَقالُوا أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها وقالَ تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ إلى الثَّنِيَّةِ فَصادَفُوا العِيرَ كَما أخْبَرَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.» واخْتُلِفَ في أنَّهُ كانَ في المَنامِ أوْ في اليَقَظَةِ بِرُوحِهِ أوْ بِجَسَدِهِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّمَواتِ حَتّى انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَ قُرَيْشٌ واسْتَحالُوهُ، والِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ في الكَلامِ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ وأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، والتَّعَجُّبُ مِن لَوازِمِ المُعْجِزاتِ. ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ. ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَدُنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَحْفُوفٌ بِالأنْهارِ والأشْجارِ. ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (p-248)كَذَهابِهِ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ومُشاهَدَتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ. وقُرِئَ « لِيُرِيَهُ» بِالياءِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿البَصِيرُ﴾ بِأفْعالِهِ فَيُكَرِّمُهُ ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
17:2–3Page 282
وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣
O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.
﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا﴾ عَلى أنْ لا تَتَّخِذُوا كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ إلَيْكَ أنْ أفْعَلَ كَذا. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى « أنْ لا يَتَّخِذُوا» . ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾ رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم غَيْرِي.
﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ أوِ النِّداءِ إنْ قُرِئَ « أنْ لا تَتَّخِذُوا» بِالتّاءِ عَلى النَّهْيِ يَعْنِي: قُلْنا لَهم لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ (لا تَتَّخِذُوا) و ﴿مِن دُونِي﴾ حالٌ مِن ﴿وَكِيلا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿تَتَّخِذُوا﴾، و « ذِرِّيَّةَ» بِكَسْرِ الذّالِ. وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِأنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ. ﴿إنَّهُ﴾ إنْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى مَجامِعِ حالاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّ إنْجاءَهُ ومَن مَعَهُ كانَ بِبَرَكَةِ شُكْرِهِ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وقِيلَ الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
17:4–5Page 282
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤
And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥
So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.
﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ وحْيًا مُقْتَضَيًا مَبْتُوتًا. ﴿فِي الكِتابِ﴾ في التَّوْراةِ. ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أوْ قَضَيْنا عَلى إجْراءِ القَضاءِ المَبْتُوتِ مَجْرى القَسَمِ. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ إفْسادَتَيْنِ أُولاهُما مُخالَفَةُ أحْكامِ التَّوْراةِ وقَتْلُ شِعْياءَ وقِيلَ أرْمِياءَ. وثانِيهُما قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ولَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لَتَظْلِمُنَّ النّاسَ.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ بَخْتِنْصَرُّ عامِلُ لهراسف عَلى بابِلٍ وجُنُودِهِ. وقِيلَ جالُوتُ الجَزَرِيُّ. وقِيلَ سَنْحارِيبُ مِن أهْلِ نَيْنَوى. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحَرْبِ شَدِيدٍ. ﴿فَجاسُوا﴾ فَتَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم. وقُرِئَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهُما أخَوانِ. ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ وسَطَها لِلْقَتْلِ والغارَةِ فَقَتَلُوا كِبارَهم وسَبَوْا صِغارَهم وحَرَقُوا التَّوْراةَ وخَرَّبُوا المَسْجِدَ. والمُعْتَزِلَةُ لَمّا مَنَعُوا تَسْلِيطَ اللَّهِ الكافِرَ عَلى ذَلِكَ أوَّلُوا البَعْثَ بِالتَّخْلِيَةِ وعَدَمِ المَنعِ. ﴿وَكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾ وكانَ وعْدُ عِقابِهِمْ لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ.
17:6Page 282
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦
Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ الدُّولَةَ والغَلَبَةَ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْكم، وذَلِكَ بِأنْ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِ بَهْمَنَ بْنِ أسْفَنْدِيارَ لَمّا ورِثَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسَفَ بْنِ لَهْراسَفَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ أسْراهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ دانْيالَ عَلَيْهِمْ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بَخْتِنْصَرَ، أوْ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جالُوتَ فَقَتَلَهُ ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ، والنَّفِيرُ مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ وقِيلَ جَمْعُ نَفَرٍ وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ.
17:7Page 282
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧
[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.
(p-249)﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّ ثَوابَهُ لَها. ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْها، وإنَّما ذَكَرَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ وعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم أيْ يَجْعَلُوها بادِيَةَ آثارِ المَساءَةِ فِيها، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ « لِيَسُوءَ» عَلى التَّوْحِيدِ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْبَعْثِ أوْ لِلَّهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالنُّونِ. وقُرِئَ « لِنَسُوأنَّ» بِالنُّونِ والياءِ والنُّونِ المُخَفَّفَةِ والمُثَقَّلَةِ، و « لَنَسُوأنَّ» بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ جَوابُ إذا واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو بَعَثْناهم. ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا﴾ لِيُهْلِكُوا. ﴿ما عَلَوْا﴾ ما غَلَبُوهُ واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ. ﴿تَتْبِيرًا﴾ ذَلِكَ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ مَرَّةً أُخْرى فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودَرْزَ، وقِيلَ حَرْدُوسَ قِيلَ دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا فَقالَ: ما صَدَقُونِي فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى فَقالَ لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ رَبُّكم مِنكم، ثُمَّ قالَ يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم فَهَدَأ.
17:8Page 283
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨
[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."
﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ المَرَّةِ الآخِرَةِ. ﴿وَإنْ عُدْتُمْ﴾ نَوْبَةً أُخْرى. ﴿عُدْنا﴾ مَرَّةً ثالِثَةً إلى عُقُوبَتِكم وقَدْ عادُوا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَصْدِ قَتْلِهِ فَعادَ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ قُرَيْظَةَ وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى الباقِينَ هَذا لَهم في الدُّنْيا. ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ مَحْبَسًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِنها أبَدَ الآبادِ. وقِيلَ بِساطًا كَما يُبْسُطُ الحَصِيرُ.
17:9–10Page 283
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩
Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠
And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ لِلْحالَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ أوِ الطُّرُقِ. ﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿وَيُبَشِّرُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾، والمَعْنى أنَّهُ يُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ ثَوابِهِمْ وعِقابِ أعْدائِهِمْ، أوْ عَلى ﴿يُبَشِّرُ﴾ بِإضْمارِ يُخْبِرُ.
17:11Page 283
وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١
And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1
﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ غَضَبِهِ بِالشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، أوْ يَدْعُوهُ بِما يَحْسَبُهُ خَيْرًا وهو شَرٌّ. ﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ لا يَنْظُرُ عاقِبَتَهُ. وقِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَمّا انْتَهى الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ ذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَسَقَطَ.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَ أسِيرًا إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَرَحِمَتْهُ لِأنِينِهِ فَأرْخَتْ كَتافَهَ، فَهَرَبَ فَدَعا عَلَيْها بِقَطْعِ اليَدِ ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ فَمَن دَعَوْتُ عَلَيْهِ فاجْعَلْ دُعائِي رَحْمَةً لَهُ فَنَزَلَتْ.»
وَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالإنْسانِ الكافِرَ وبِالدُّعاءِ اسْتِعْجالَهُ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً كَقَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الحِزْبَيْنِ، ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ. فَأُجِيبَ لَهُ فَضُرِبَ عُنُقُهُ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ.(p-250)
17:12Page 283
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢
And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.
﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ تَدُلّانِ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ بِتَعاقُبِهِما عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بِإمْكانِ غَيْرِهِ.
﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي اللَّيْلُ، بِالإشْراقِ والإضافَةُ فِيهِما لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ.
﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ مُضِيئَةً أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَ، أوْ مُبْصِرًا أهْلَهُ كَقَوْلِهِمْ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ. وقِيلَ الآيَتانِ القَمَرُ والشَّمْسُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، أوْ جَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوَيْ آيَتَيْنِ ومَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ الَّتِي هي القَمَرُ جَعْلُها مُظْلِمَةً في نَفْسِها مَطْمُوسَةَ النُّورُ، أوْ نَقْصُ نُورِها شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ، وجَعَلَ آيَةَ النَّهارِ الَّتِي هي الشَّمْسُ مُبْصِرَةً جَعَلَها ذاتَ شُعاعٍ تُبْصَرُ الأشْياءُ بِضَوْئِها.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ لِتَطْلُبُوا في بَياضِ النَّهارِ أسْبابَ مَعاشِكم وتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم.
﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ بِاخْتِلافِهِما أوْ بِحَرَكاتِهِما. ﴿عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ وجِنْسَ الحِسابِ. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا. ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ بَيَّناهُ بَيانًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ.
17:13Page 283
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣
And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.
﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ عَمَلَهُ وما قُدِّرَ لَهُ كَأنَّهُ طِيرَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، لِما كانُوا يَتَيَمَّنُونَ ويَتَشاءَمُونَ بِسُنُوحِ الطّائِرِ وبِرَوْحِهِ، اسْتُعِيرَ لِما هو سَبَبُ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وعَمَلِ العَبْدِ.
﴿فِي عُنُقِهِ﴾ لُزُومَ الطَّوْقِ في عُنُقِهِ. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا﴾ هي صَحِيفَةُ عَمَلِهِ أوْ نَفْسُهُ المُنْتَقِشَةُ بِآثارِ أعْمالِهِ، فَإنَّ الأعْمالَ الِاخْتِيارِيَّةَ تُحْدِثُ في النَّفْسِ أحْوالًا ولِذَلِكَ يُفِيدُ تَكْرِيرُها لَها مَلَكاتٍ، ونَصْبُهُ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، وهو ضَمِيرُ الطّائِرِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (وَيَخْرُجُ) مِن خَرَجَ و « يُخْرَجُ» وقُرِئَ « ويُخْرِجُ» أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ لِكَشْفِ الغِطاءِ، وهُما صِفَتانِ لِلْكِتابِ، أوْ ﴿يَلْقاهُ﴾ صِفَةٌ و﴿مَنشُورًا﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُلْقاهُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن لَقِيتُهُ كَذا.
17:14–15Page 283
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤
[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥
Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ. ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿حَسِيبًا﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ.
﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها.
﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
17:16Page 283
وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦
And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.
﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ وإذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُنا بِإهْلاكِ قَوْمٍ لِإنْفاذِ قَضائِنا السّابِقِ، أوْ دَنا وقْتُهُ المُقَدَّرُ كَقَوْلِهِمْ: إذا أرادَ المَرِيضُ أنْ يَمُوتَ ازْدادَ مَرَضُهُ شِدَّةً. ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعَّمِيها بِالطّاعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولٍ (p-251)بَعَثْناهُ إلَيْهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَإنَّ الفِسْقَ هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ والتَّمَرُّدُ في العِصْيانِ، فَيَدُلُّ عَلى الطّاعَةِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ، وقِيلَ أمَرْناهم بِالفِسْقِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ كَقَوْلِكَ أمَرْتُهُ فَقَرَأ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الأمْرُ بِالقِراءَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مَجازٌ مِنَ الحَمْلِ عَلَيْهِ، أوِ التَّسَبُّبُ لَهُ بِأنَّ صَبَّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما أبْطَرَهم وأفْضى بِهِمْ إلى الفُسُوقِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَفْعُولٌ مَنَوِيٌّ كَقَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي. وقِيلَ مَعْناهُ كَثَّرْنا يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ وآمَرْتُهُ فَأُمِرَ إذا كَثَّرْتَهُ، وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ المالِ سَكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»، أيْ كَثِيرَةُ النِّتاجِ. وهو أيْضًا مَجازٌ مِن مَعْنى الطَّلَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ « آمَرْنا» ورِوايَةُ ﴿أمَرْنا﴾ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن أمُرَ بِالضَّمِّ أمارَةً أيْ جَعَلْناهم أُمَراءَ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ لِأنَّ غَيْرَهم يَتْبَعُهم ولِأنَّهم أسْرَعُ إلى الحَماقَةِ وأقْدَرُ عَلى الفُجُورِ. ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ العَذابِ السّابِقَةَ بِحُلُولِهِ، أوْ بِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي. ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ.
17:17–18Page 283
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧
And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.
مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨
Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ وكَثِيرًا أهْلَكْنا. ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بَيانٌ لَكم وتَمْيِيزٌ لَهُ. ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يُدْرِكُ بَواطِنَها وظَواهِرَها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ مَقْصُورًا عَلَيْها هَمُّهُ. ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ قَيَّدَ المُعَجَّلَ والمُعَجَّلَ لَهُ بِالمَشِيئَةِ والإرادَةِ لِأنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلٌّ واجِدٌ جَمِيعَ ما يَهْواهُ ولِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ والهَمُّ فَضْلٌ. (وَلِمَن نُرِيدُ) بَدَلٌ مِن لَهُ بَدَلَ البَعْضِ. وقُرِئَ « ما يَشاءُ» والضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى حَتّى يُطابِقَ المَشْهُورَةَ. وقِيلَ ﴿لِمَن﴾ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ. وقِيلَ الآيَةُ في المُنافِقِينَ كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ ويَغْزُونَ مَعَهم ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ ونَحْوِها. ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
17:19–20Page 284
وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩
But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].
كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠
To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.
﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ حَقَّها مِنَ السَّعْيِ وهو الإتْيانُ بِما أمَرَ بِهِ، والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى عَنْهُ لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ. وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا شِرْكَ مَعَهُ ولا تَكْذِيبَ فَإنَّهُ العُمْدَةُ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الجامِعُونَ لِلشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ. ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْبُولًا عِنْدَهُ مُثابًا عَلَيْهِ، فَإنَّ شُكْرَ اللَّهِ الثَّوابُ عَلى الطّاعَةِ.
﴿كُلا﴾ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. ﴿نُمِدُّ﴾ بِالعَطاءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ونَجْعَلُ آنِفَهُ مَدَدًا لِسالِفِهِ. ﴿هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كُلا﴾ . ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ مِن مُعْطاهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿نُمِدُّ﴾ . ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا لا يَمْنَعُهُ في الدُّنْيا مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ تَفَضُّلًا.
17:21–22Page 284
ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١
Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.
لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢
Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿كَيْفَ﴾ بِـ ﴿فَضَّلْنا﴾ عَلى الحالِ.
(p-252)﴿وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها.
﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ. ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.
17:23Page 284
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣
And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.
﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ وأمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ. ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ بِأنْ لا تَعْبُدُوا. ﴿إلا إيّاهُ﴾ لِأنَّ غايَةَ التَّعْظِيمِ لا تَحِقُّ إلّا لِمَن لَهُ غايَةُ العَظَمَةِ ونِهايَةُ الإنْعامِ، وهو كالتَّفْصِيلِ لِسَعْيِ الآخِرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً ولا ناهِيَةً. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وبِأنْ تُحْسِنُوا، أوْ وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا لِأنَّهُما السَّبَبُ الظّاهِرُ لِلْوُجُودِ والتَّعَيُّشِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِالإحْسانِ لِأنَّ صِلَتَهُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ ﴿إمّا﴾ هي إنِ الشُّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْها ما تَأْكِيدًا ولِذَلِكَ صَحَّ لُحُوقُ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ لِلْفِعْلِ، وأحَدُهُما فاعِلُ ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ وبَدَلٌ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ مِن ألِفِ « يَبْلُغانِ» الرّاجِعِ إلى « الوالِدَيْنِ»، وكِلاهُما عُطِفَ عَلى أحَدِهِما فاعِلًا أوْ بَدَلًا ولِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْألِفِ، ومَعْنى ﴿عِنْدَكَ﴾ أنْ يَكُونا في كَنَفِكَ وكَفالَتِكَ. ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ فَلا تَتَضَجَّرْ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنهُما وتَسْتَثْقِلْ مِن مُؤْنَتِهِما، وهو صَوْتٌ يَدُلُّ عَلى تَضَجُّرٍ. وقِيلَ هو اسْمُ الفِعْلِ الَّذِي هو أتَضَجَّرُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وتَنْوِينُهُ في قِراءَةِ نافِعٍ وحَفْصٍ لِلتَّنْكِيرِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى التَّخْفِيفِ. وقُرِئَ بِهِ مُنَوَّنًا وبِالضَّمِّ لِلْإتْباعِ كَمُنْذُ مُنَوُّنًا وغَيْرُ مُنَوَّنٍ، والنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ قِياسًا بِطَرِيقِ الأوْلى. وقِيلَ عُرْفًا كَقَوْلِكَ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ النَّقِيرَ والقِطْمِيرَ، ولِذَلِكَ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ مِن قَتْلِ أبِيهِ وهو في صَفِّ المُشْرِكِينَ، نَهى عَمّا يُؤْذِيهِما بَعْدَ الأمْرِ بِالإحْسانِ بِهِما. ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ ولا تَزْجُرْهُما عَمّا لا يُعْجِبُكَ بِإغْلاظٍ.
وَقِيلَ النَّهْيُ والنَّهْرُ والنَّهْمُ أخَواتٌ. ﴿وَقُلْ لَهُما﴾ بَدَلَ التَّأْفِيفِ والنَّهْرِ. ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ جَمِيلًا لا شَراسَةَ فِيهِ.
17:24Page 284
وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤
And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."
﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ تَذَلَّلْ لَهُما وتَواضَعْ فِيهِما، وجَعَلَ لِلذُّلِّ جَناحًا كَما جَعَلَ لَبِيَدٌ في قَوْلِهِ:
؎ وغَداةَ رِيحٍ قَدْ كُشِفَتْ وقُرَّةٌ. . . إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
لِلشَّمالِ يَدًا أوْ لِلْقُرَّةِ زِمامًا، وأمْرُهُ بِخَفْضِهِ مُبالَغَةٌ أوْ أرادَ جَناحَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وإضافَتُهُ إلى الذُّلِّ لِلْبَيانِ والمُبالَغَةِ كَما أُضِيفَ حاتِمٌ إلى الجُودِ، والمَعْنى واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ. وقُرِئَ « الذِّلُ» بِالكَسْرِ وهو الِانْقِيادُ والنَّعْتُ مِنهُ ذَلُولٌ. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مِن فَرْطِ رَحْمَتِكَ عَلَيْهِما لِافْتِقارِهِما إلى مَن كانَ أفْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِما بِالأمْسِ. ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ وادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْحَمَهُما بِرَحْمَتِهِ الباقِيَةِ، ولا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ الفانِيَةِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ لِأنَّ مِنَ الرَّحْمَةِ أنْ يَهْدِيَهُما. ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ رَحْمَةً مِثْلَ رَحْمَتِهِما عَلَيَّ وتَرْبِيَتِهِما وإرْشادِهِما لِي في صِغَرِي وفاءً بِوَعْدِكَ لِلرّاحِمِينَ.
رُوِيَ: « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أبَوَيَّ بَلَغا مِنَ الكِبَرِ أنِّي ألِي مِنهُما ما ولَيا مِنِّي في الصِّغَرِ فَهَلْ قَضَيْتُهُما حَقَّهُما. قالَ: لا فَإنَّهُما كانا يَفْعَلانِ ذَلِكَ وهُما يُحِبّانِ بَقاءَكَ وأنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتُرِيدُ مَوْتَهُما)» .(p-253)
17:25Page 284
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥
Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1
﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما واعْتِقادِ ما يَجِبُ لَهُما مِنَ التَّوْقِيرِ، وكَأنَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا. ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ. ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ لِلتَّوّابِينَ. ﴿غَفُورًا﴾ ما فَرَطَ مِنهم عِنْدَ حَرَجِ الصَّدْرِ مِن أذِيَّةٍ أوْ تَقْصِيرٍ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences