Al-BaydawiAt‑Tawbah · 9:1–24

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1–2Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

(p-70)سُورَةُ بَراءَةَ مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ إلّا آيَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ ولَها أسْماءٌ أُخَرُ، « التَّوْبَةُ» و « المُقَشْقِشَةُ» و « البُحُوثُ» و « المُبَعْثِرَةُ» و « المُنَقِّرَةُ» و « المُثِيرَةُ» و « الحافِرَةُ» و « المُخْزِيَةُ» و « الفاضِحَةُ» و « المُنَكِّلَةُ» و « المُشَرِّدَةُ» و « المُدَمْدِمَةُ» و « سُورَةُ العَذابِ» لِما فِيها مِنَ التَّوْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ والقَشْقَشَةِ مِنَ النِّفاقِ وهي التَّبَرِّي مِنهُ، والبَحْثِ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ وإثارَتِها، والحَفْرِ عَنْها وما يُخْزِيهِمْ ويَفْضَحُهم ويُنَكِّلُهم ويُشَرِّدُهم ويُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ.

وَأيُّها مِائَةٌ وثَلاثُونَ وقِيلَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، وإنَّما تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ فِيها لِأنَّها نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأمانِ وبِسْمِ اللَّهِ أمانٌ. وقِيلَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أوْ آيَةٌ بَيَّنَ مَوْضِعَها، وتُوُفِّيَ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها وكانَتْ قِصَّتُها تُشابِهُ قِصَّةَ الأنْفالِ وتُناسِبُها لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ وفي بَراءَةَ نَبْذُها فَضُمَّتْ إلَيْها. وقِيلَ لَمّا اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ في أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ هي سابِعَةُ السَّبْعِ الطِّوالِ أوْ سُورَتانِ تُرِكَتْ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ ولَمْ تُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ.

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ واصِلَةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿بَراءَةٌ﴾ مُبْتَدَأً لِتَخَصُّصِها بِصِفَتِها والخَبَرُ ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِها عَلى اسْمَعُوا بَراءَةً، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ بَرِئا مِنَ العَهْدِ الَّذِي عاهَدْتُمْ بِهِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والمُعاهَدَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نَبْذُ عُهُودِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ صادِرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى واتِّفاقِ الرَّسُولِ فَإنَّهُما بَرِئا مِنها، وذَلِكَ أنَّهم عاهَدُوا مُشْرِكِي العَرَبِ فَنَكَثُوا إلّا أُناسًا مِنهم بَنُو ضُمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ فَأمَرَهم بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ وأمْهَلَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أيْنَ شاءُوا فَقالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ وذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ لِأنَّها نَزَلَتْ في شَوّالَ. وقِيلَ هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٌ ورَبِيعٌ الأوَّلُ وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخَرَ لِأنَّ التَّبْلِيغَ كانَ يَوْمَ النَّحْرِ لِما رُوِيَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ راكِبًا العَضْباءَ لِيَقْرَأها عَلى أهْلِ المَوْسِمِ، وكانَ قَدْ بَعَثَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرًا عَلى المَوْسِمِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ قالَ مَأْمُورٌ، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ وقامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا بِماذا فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ قالَ: أمَرَتْ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ.»

(وَلَعَلَّ قَوْلَهُ ﷺ «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» لَيْسَ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِأنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ كَثِيرٌ لَمْ يَكُونُوا مِن عِتْرَتِهِ، بَلْ هو مَخْصُوصٌ بِالعُهُودِ فَإنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى العَهْدَ ونَقَضَهُ عَلى القَبِيلَةِ إلّا رَجُلٌ (p-71)مِنها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُبَلِّغَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِي» .

﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم. ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.

9:3–4Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ إعْلامٌ فَعالٌ بِمَعْنى الإفْعالِ كالأمانِ والعَطاءِ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ بَراءَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ. ﴿يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ يَوْمَ العِيدِ لِأنَّ فِيهِ تَمامَ الحَجِّ ومُعْظَمَ أفْعالِهِ، ولِأنَّ الإعْلامَ كانَ فِيهِ ولِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حِجَّةِ الوَداعِ فَقالَ «هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» وقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةُ» .

وَوُصِفَ الحَجُّ بِالأكْبَرِ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالحَجِّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن أعْمالِهِ فَإنَّهُ أكْبَرُ مِن باقِي الأعْمالِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ووافَقَ عِيدُهُ أعْيادَ أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ المُسْلِمِينَ وذُلُّ المُشْرِكِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ. ﴿بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مِن عُهُودِهِمْ. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ عُطِفَ عَلى المُسْتَكِنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾، أوْ عَلى مَحَلِّ (إنَّ) واسْمِها في قِراءَةِ مَن كَسَرَها إجْراءً لِلْأذانِ مَجْرى القَوْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ أوْ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ولا تَكْرِيرَ فِيهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالنّاسِ ولَمْ يَخُصَّهُ بِالمُعاهِدِينَ. ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ. ﴿فَهُوَ﴾ فالتَّوْبُ ﴿خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عَنِ التَّوْبَةِ أوْ ثَبَتُّمْ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الإسْلامِ والوَفاءِ. ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفُوتُونَهُ طَلَبًا ولا تُعْجِزُونَهُ هَرَبًا في الدُّنْيا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اسْتِدْراكٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِنَبْذِ العَهْدِ إلى النّاكِثِينَ ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدُوا مِنهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ مِن شُرُوطِ العَهْدِ ولَمْ يَنْكُثُوهُ أوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنكم ولَمْ يَضُرُّوكم قَطُّ. ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ مِن أعْدائِكم ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ إلى تَمامِ مُدَّتِهِمْ ولا تُجْرُوهم مَجْرى النّاكِثِينَ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إتْمامَ عَهْدِهِمْ مِن بابِ التَّقْوى.

9:5–6Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ انْقَضى، وأصْلُ الِانْسِلاخِ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِمّا لابَسَهُ مِن سَلْخِ الشّاةِ. ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الَّتِي أُبِيحَ لِلنّاكِثِينَ أنْ يَسِيحُوا فِيها. وقِيلَ هي رَجَبٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ وهَذا مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي بَقاءَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ إذْ لَيْسَ فِيما نَزَلَ بَعْدُ ما يَنْسَخُها. ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ النّاكِثِينَ. ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم، والأخِيذُ الأسِيرُ. ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ واحْبِسُوهم أوْ حِيلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كُلَّ مَمَرٍّ لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في البِلادِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ. ﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الشِّرْكِ بِالإيمانِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ تَصْدِيقًا لِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ.

(p-72)﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فَدَعُوهم ولا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ ومانِعَ الزَّكاةِ لا يُخَلّى سَبِيلُهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ فَخَلُّوهم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَرَ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وعَدَلَهُمُ الثَّوابَ بِالتَّوْبَةِ.

﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المَأْمُورُ بِالتَّعَرُّضِ لَهم. ﴿اسْتَجارَكَ﴾ اسْتَأْمَنَكَ وطَلَبَ مِنكَ جِوارَكَ.

﴿فَأجِرْهُ﴾ فَأمِّنْهُ. ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ويَتَدَبَّرَهُ ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ. ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ مَوْضِعَ أمْنِهِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وأحَدٌ رُفِعَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لا بِالِابْتِداءِ لِأنَّ إنَّ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ. ﴿ذَلِكَ﴾ الأمْنُ أوِ الأمْرُ. ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما الإيمانُ وما حَقِيقَةُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمانِهِمْ رَيْثَما يَسْمَعُونَ ويَتَدَبَّرُونَ.

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَكُونَ لَهم عَهْدٌ ولا يَنْكُثُوهُ مَعَ وغْرَةِ صُدُورِهِمْ، أوْ لِأنْ يَفِيَ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالعَهْدِ وهم نَكَثُوهُ، وخَبَرُ يَكُونُ كَيْفَ وقُدِّمَ لِلِاسْتِفْهامِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ صِفَةٌ لِـ ﴿عَهْدٌ﴾ أوْ ظَرْفٌ لَهُ أوْ لِـ ﴿يَكُونُ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ عَلى الأخِيرَيْنِ حالٌ مِنَ الـ ﴿عَهْدٌ﴾ ولِلْمُشْرِكِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَبَرًا فَتَبْيِينٌ. ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ قَبْلُ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أيْ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم فَإنِ اسْتَقامُوا عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا عَلى الوَفاءِ وهو كَقَوْلِهِ ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ غَيْرَ أنَّهُ مُطْلَقٌ وهَذا مُقَيَّدٌ وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ.

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

﴿كَيْفَ﴾ تَكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ أوْ بَقاءِ حُكْمِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ وحُذِفَ الفِعْلُ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى. . . فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ

أيْ فَكَيْفَ ماتَ. ﴿وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْفَرُوا بِكم. ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ لا يُراعُوا فِيكم. ﴿إلا﴾ حِلْفًا وقِيلَ قَرابَةٌ قالَ حَسّانُ:

؎ لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ. . . ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَألِ النَّعامِ

وَقِيلَ رُبُوبِيَّةٌ ولَعَلَّهُ اشْتُقَّ لِلْحِلْفِ مِنَ الإلِّ وهو الجُؤارُ لِأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْقَرابَةِ لِأنَّها تَعْقِدُ بَيْنَ الأقارِبِ ما لا يَعْقِدُهُ الحِلْفُ، ثُمَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ. وقِيلَ اشْتِقاقُهُ مَن ألَّلَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ أوْ مِن آلَ البَرْقُ إذا لَمَعَ. وقِيلَ إنَّهُ عِبْرِيٌّ بِمَعْنى الإلَهِ لِأنَّهُ قُرِئَ إيلًا كَجِبْرَئِلَ وجِبْرَئِيلَ. ﴿وَلا ذِمَّةً﴾ عَهْدًا أوْ حَقًّا يُعابُ عَلى إغْفالِهِ. ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ المُنافِيَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى العُهَدِ المُؤَدِّيَةِ إلى عَدَمِ مُراقَبَتِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن فاعِلِ لا يَرْقُبُوا فَإنَّهم بَعْدَ ظُهُورِهِمْ لا يُرْضُونَ ولِأنَّ المُرادَ إثْباتُ إرْضائِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ الإيمانِ والطّاعَةِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ في الحالِ، واسْتِبْطانِ الكُفْرِ والمُعاداةِ بِحَيْثُ إنْ ظَفَرُوا لَمْ يُبْقُوا عَلَيْهِمْ والحالِيَّةُ تُنافِيهِ وتَأْبى قُلُوبُهم ما تَتَفَوَّهُ بِهِ أفْواهُهم. ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ مُتَمَرِّدُونَ لا عَقِيدَةَ تَزَعُهم ولا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِما في بَعْضِ (p-73)الكَفَرَةِ مِنَ التَّفادِي عَنِ الغَدْرِ والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ إلى أُحْدُوثَةِ السُّوءِ.

9:9–10Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ اسْتَبْدَلُوا بِالقُرْآنِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَرَضًا يَسِيرًا وهو اتِّباعُ الأهْواءِ والشَّهَواتِ. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دِينِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، أوْ سَبِيلِ بَيْتِهِ بِحَصْرِ الحُجّاجِ والعُمّارِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اشْتَراءَهم أدّاهم إلى الصَّدِّ. ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَمَلُهم هَذا أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ فَهو تَفْسِيرٌ لا تَكْرِيرٌ. وقِيلَ الأوَّلُ عامٌّ في النّاقِضِينَ وهَذا خاصٌّ بِالَّذِينِ اشْتَرَوْا وهُمُ اليَهُودُ، أوِ الأعْرابُ الَّذِينَ جَمَعَهم أبُو سُفْيانَ وأطْعَمَهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ في الشَّرارَةِ.

9:11–12Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ فَهم إخْوانُكم في الدِّينِ لَهم ما لَكَمَ وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُعاهِدِينَ أوْ خِصالِ التّائِبِينَ.

﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وإنْ نَكَثُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ أوِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ. ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ فَقاتِلُوهم، فَوَضْعُ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي الرِّئاسَةِ والتَّقَدُّمِ في الكُفْرِ أحِقّاءَ بِالقَتْلِ. وقِيلَ المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ فالتَّخْصِيصُ إمّا لِأنَّ قَتْلَهم أهَمُّ وهم أحَقُّ بِهِ أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و (رُوحٌ) عَنْ يَعْقُوبَ ﴿أئِمَّةَ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ والتَّصْرِيحُ بِالياءِ لَحْنٌ. ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ وإلّا لَما طَعَنُوا ولَمْ يَنْكُثُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ، واسْتَشْهَدَ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لَيْسَتْ يَمِينًا وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ الوُثُوقِ عَلَيْها لا أنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ لا أيْمانَ لَهم بِمَعْنى لا أمانَ أوْ لا إسْلامَ، وتَشَبَّثَ بِهِ مَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ وهو ضَعِيفٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لا يُؤَمِّنُونَ عَلى الإخْبارِ عَنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أوْ لَيْسَ لَهم إيمانٌ فَيُراقِبُوا لِأجْلِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ « قاتِلُوا» أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في المُقاتَلَةِ أنْ يَنْتَهُوا عَمّا هم عَلَيْهِ لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو طَرِيقَةُ المُؤْذِينَ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ لِأنَّ الهَمْزَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ لِلْإنْكارِ فَأفادَتِ المُبالَغَةَ في الفِعْلِ. ﴿نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ. ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ. ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَأهم بِالدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ بِالكِتابِ والتَّحَدِّي (p-74)بِهِ، فَعَدَلُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ إلى المُعاداةِ والمُقاتَلَةِ فَما يَمْنَعُكم أنْ تُعارِضُوهم وتُصادِمُوهم. ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتَتْرُكُونَ قِتالَهم خَشْيَةَ أنْ يَنالَكم مَكْرُوهٌ مِنهم. ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ فَقاتِلُوا أعْداءَهُ ولا تَتْرُكُوا أمْرَهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ أنْ لا يُخْشى إلّا مِنهُ.

9:14–15Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ أمْرٌ بِالقِتالِ بَعْدَ بَيانِ مُوجِبِهِ والتَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِهِ والتَّوَعُّدُ عَلَيْهِ. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ وعْدٌ لَهم إنْ قاتَلُوهم بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ والتَّمَكُّنِ مِن قَتْلِهِمْ وإذْلالِهِمْ. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي بَنِي خُزاعَةَ.

وَقِيلَ بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا فَلَقُوا مِن أهْلِها أذًى شَدِيدًا فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ» .

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِما لَقُوا مِنهم وقَدْ أوْفى اللَّهُ بِما وعَدَهم والآيَةُ مِنَ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ ابْتِداءُ إخْبارٍ بِأنَّ بَعْضَهم يَتُوبُ عَنْ كُفْرِهِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا، وقُرِئَ « ويَتُوبَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ فَإنَّ القِتالَ كَما تَسَبَّبَ لِتَعْذِيبِ قَوْمٍ تَسَبَّبُ لِتَوْبَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما كانَ وما سَيَكُونُ. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَحْكُمُ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ كَرِهَ بَعْضُهُمُ القِتالَ. وقِيلَ لِلْمُنافِقِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها التَّوْبِيخُ عَلى الحُسْبانِ. ﴿أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ ولَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصَ مِنكم وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مَن غَيْرَهم، نَفى العِلْمَ وأرادَ نَفْيَ المَعْلُومِ لِلْمُبالَغَةِ فَإنَّهُ كالبُرْهانِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عُطِفَ عَلى جاهَدُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ بِطانَةً يُوالُونَهم ويُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَهم. وما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ.﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْلَمُ غَرَضَكم مِنهُ وهو كالمَزِيجِ لِما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ .

9:17Page 189

مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صَحَّ لَهم. ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وقِيلَ هو المُرادُ وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها فَعامِرُهُ كَعامِرِ الجَمِيعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِ الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ والمَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ وعِبادَةِ غَيْرِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القَوْلِ فَقالَ: ما بالُكم تَذْكُرُونَ « مَساوِينا» وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَفُكَّ العانِيَ فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الشِّرْكِ. ﴿وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِأجْلِهِ.

9:18Page 189

إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨

The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

(p-75)﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ أيْ إنَّما تَسْتَقِيمُ عَمارَتُها لِهَؤُلاءِ الجامِعِينَ لِلْكِمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ ومِن عِمارَتِها تَزْيِينُها بِالفَرْشِ وتَنْوِيرُها بِالسُّرُجِ وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودَرْسُ العِلْمِ فِيها وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قالَ اللَّهُ تَعالى إنَّ بُيُوتِي في أرْضِي المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها، فَطُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» .

وَإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ لِما عُلِمَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ قَرِينُهُ وتَمامُهُ الإيمانُ بِهِ ولِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ عَلَيْهِ. ﴿وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ في أبْوابِ الدِّينِ فَإنَّ الخَشْيَةَ عَنِ المَحاذِيرِ جِبِلِّيَّةٌ لا يَكادُ العاقِلُ يَتَمالَكُ عَنْها. ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ التَّوَقُّعِ قَطْعًا لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ في الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم بِالقَطْعِ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ مَعَ كَمالِهِمْ إذا كانَ اهْتِداؤُهم دائِرًا بَيْنَ عَسى ولَعَلَّ فَما ظَنُّكَ بِأضْدادِهِمْ، ومَنعًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَغْتَرُّوا بِأحْوالِهِمْ ويَتَّكِلُوا عَلَيْها.

9:19Page 189

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ فَلا يُشَبَّهانِ بِالجُثَثِ بَلْ لا بُدَّ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ كَمَن آمَنَ، أوْ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُقاةُ الحاجِّ وعُمْرَةُ المَسْجِدِ» والمَعْنى إنْكارُ أنْ يُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ وأعْمالُهُمُ المُحْبَطَةُ بِالمُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمِ المُثْبَتَةِ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ عَدَمَ تُساوِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ ظَلَمَةٌ بِالشِّرْكِ ومُعاداةٌ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْهَمِكُونَ في الضَّلالَةِ فَكَيْفَ يُساوُونَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ووَفَّقَهم لِلْحَقِّ والصَّوابِ، وقِيلَ المُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

9:20–22Page 189

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ تُسْتَجْمَعْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ أوْ مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ عِنْدَكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالثَّوابِ ونِيلِ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ دُونَكم.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها﴾ في الجَنّاتِ. ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائِمٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وتَنْكِيرُ المُبَشَّرِ بِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ وراءَ التَّعْيِينِ والتَّعْرِيفِ.

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ أكَّدَ الخُلُودَ بِالتَّأْبِيدِ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ ما اسْتَوْجَبُوهُ لِأجْلِهِ أوْ نَعِيمُ الدُّنْيا.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ فَإنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ (p-76)قالُوا: إنْ هاجَرْنا قَطَعْنا آباءَنا وأبْناءَنا وعَشائِرَنا وذَهَبَتْ تِجاراتِنا وبَقِينا ضائِعِينَ. وقِيلَ نَزَلَتْ نَهْيًا عَنْ مُوالاةِ التِّسْعَةِ الَّذِينَ ارْتَدَوْا ولَحِقُوا بِمَكَّةَ، والمَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ يَمْنَعُونَكم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّونَكم عَنِ الطّاعَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ إنِ اخْتارُوهُ وحَرَصُوا عَلَيْهِ. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ بِوَضْعِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها.

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أقْرِباؤُكم مَأْخُوذٌ مِنَ العِشْرَةِ. وقِيلَ مِنَ العَشَرَةِ فَإنَّ العَشِيرَةَ جَماعَةٌ تَرْجِعُ إلى عَقْدٍ كَعَقْدِ العَشَرَةِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « وعَشِيراتُكم» وقُرِئَ « وعَشائِرُكم» .

﴿وَأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكْتَسَبْتُمُوها. ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ فَواتَ وقْتِ نِفاقِها. ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ الحُبُّ الِاخْتِيارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ في التَّحَفُّظِ عَنْهُ. ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ جَوابٌ ووَعِيدٌ والأمْرُ عُقُوبَةٌ عاجِلَةٌ أوْ آجِلَةٌ. وقِيلَ فَتْحُ مَكَّةَ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ لا يُرْشِدُهم، وفي الآيَةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وقَلَّ مَن يَتَخَلَّصُ مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском