Darwish · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:161–173
2:161–163Page 24
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣
And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ) إن واسمها (كَفَرُوا) فعل وفاعل والجملة صلة الموصول لا محل لها (وَماتُوا) الواو عاطفة، وجملة ماتوا عطف على جملة كفروا (وَهُمْ) الواو حالية وهم مبتدأ (كُفَّارٌ) خبر «هم» والجملة في محل نصب على الحال (أُولئِكَ) اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ (عَلَيْهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم (لَعْنَةُ اللَّهِ) مبتدأ مؤخر (وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ) عطف على الله، والجملة الاسمية خبر أولئك وجملة أولئك وما في حيزها خبر إن وجملة ان وما في حيزها مستأنفة مسوقة لبيان مصير القسم الثاني من الكاتبين، وقد بيّن مصير من تاب في الاستثناء (أَجْمَعِينَ) تأكيد (خالِدِينَ) حال من الضمير في عليهم (فِيها) الجار والمجرور متعلقان بخالدين، والضمير يعود على النار التي أضمرت للتخويف والتهويل. ويجوز أن يعود على اللعنة مجازا، والعلاقة المحلية (لا يُخَفَّفُ) لا نافية ويخفف فعل مضارع مبني للمجهول (عَنْهُمُ) جار ومجرور متعلقان بيخفف (الْعَذابُ) نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية للذين كفروا من الضمير المستكنّ في خالدين فهي حال متداخلة (وَلا) الواو عاطفة ولا نافية (هُمْ) مبتدأ (يُنْظَرُونَ) فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، أي لا يمهلون ولا يؤجلون، والجملة الفعلية خبر «هم» والجملة الاسمية عطف على جملة لا يخفف (وَإِلهُكُمْ) الواو استئنافية وما بعدها جملة مستأنفة لا محل لها مسوقة للرد على كفار قريش الذين قالوا: يا محمد صف لنا ربك، وإلهكم مبتدأ (إِلهٌ) خبر (واحِدٌ) صفة لإله (لا) نافية للجنس (إِلهٌ) اسمها مبني على الفتح في محل نصب (إِلَّا) أداة حصر (هُوَ) بدل من محل لا واسمها لأن محلها الرفع على الابتداء، أو بدل من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف. وسيأتي مزيد من أقوال النحاة والمفسرين في إعراب كلمة الشهادة ترويضا للذهن (الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) خبر ان لمبتدأ محذوف تقديره هو.
الفوائد:
خاض علماء النحو والمفسرون كثيرا في اعراب «لا إله إلا الله» وهي كلمة الشهادة واتفقوا على أن خبر لا محذوف أي لنا، أو في الوجود، أو نحو ذلك. وسنورد لك خلاصة مفيدة لما قالوه لأهميته:
الزمخشري:
صنف جزءا لطيفا في إعراب كلمة الشهادة، فبعد أن أورد ما اتفقوا عليه من حذف خبر لا قال: «هكذا قالوا، والصواب أنه كلام تام ولا حذف، وأن الأصل: الله إله مبتدأ وخبر، كما تقول: زيد منطلق، ثم جيء بأداة الحصر وقدّم الخبر على الاسم وركب مع لا كما ركب المبتدأ معها في نحو لا رجل في الدار، ويكون «الله» مبتدأ مؤخرا و «وإله» خبرا مقدما، وعلى هذا تخريج نظائره نحو:
لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا عليّ» .
الزمخشري أيضا:
وقال الزمخشري في المفصّل بصدد كلامه عن خبر لا النافية للجنس: «وقد يحذفه الحجازيون كثيرا فيقولون: لا أهل ولا مال ولا بأس ولا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار، ومنه كلمة الشهادة، ومعناها: لا إله في الوجود إلا الله، وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلا» .
ابن يعيش:
وقال شارح المفصّل موفق الدين بن يعيش: «اعلم أنهم يحذفون خبر لا من: لا رجل ولا غلام ولا حول ولا قوة وفي كلمة الشهادة نحو: لا إله إلا الله، والمعنى: لا رجل ولا غلام ولا حول ولا قوة لنا، وكذلك لا إله في الوجود إلّا الله، ولا أهل لك ولا مال لك ولا بأس عليك، ولا فتى في الوجود إلا عليّ ولا سيف في الوجود إلا ذو الفقار، فالخبر الجار مع المجرور وهو محذوف، ولا يصح أن يكون الخبر «الله» في قولك لا إله إلا الله، وذلك لأمرين:
آ- انه معرفة و «لا» لا تعمل في معرفة.
ب- أن اسم «لا» هنا عام وقولك إلا الله خاص، والخاص لا يكون خبرا عن العام.
ونظيره: الحيوان انسان، فانه ممتنع لأن في الحيوان ما ليس بانسان، وقولك: الإنسان حيوان، جائز لأن الإنسان حيوان حقيقة وليس في الإنسان ما ليس بحيوان، ويجوز اظهار الخبر نحو:
لا رجل أفضل منك ولا أحد خير منك، هذا مذهب أهل الحجاز وأما بنو تميم فلا يجيزون تقديم خبر «لا» البتة ويقولون: هو من الأصول المرفوضة، ويتأوّلون ما ورد من ذلك، فيقولون في قولهم:
لا رجل أفضل منك: ان «أفضل» نعت لرجل على الموضع، وكذلك «خير منك» نعت لأحد على الموضع.
البدر الدماميني:
وتعقّب البدر الدّماميني الزّمخشريّ في حاشيته على المغني فقال: «ولا يخفى ضعف هذا القول، يعني قول الزمخشري، وانه يلزم منه ان الخبر يبنى مع لا، ولا يبنى معها إلا المبتدأ. ثم لو كان كذلك لم يجز نصب الاسم العظيم وقد جوزوه» .
الصلاح الصفدي:
وأورد الصلاح الصفديّ في الغيث المسجم بحثا طريفا قال فيه: «ومن حذف الخبر قولك: لا إله إلا الله، «فإله» اسمها والخبر محذوف قدّره النحاة في الوجود أو لنا، هكذا أعربوه» .
الرازي:
وأورد الامام فخر الدين الرازي إشكالا على إعراب الصفدي فقال: هذا النفي عام متفرّق وتقييده بالوجود تخصيص له، ولنا أكثر تخصيصا. وإذا كان كذلك لم يبق النفي عاما، وحينئذ لا يكون هذا القول إقرارا بالوحدانية على الإطلاق.
الصلاح الصفدي أيضا:
وأجاب الصلاح الصفدي بقوله: «إنّا لا نسلّم تقييده بالوجود إذا كان تخصيصا لا يبقى على العموم المراد من النفي، لأن المراد نفي الآلهة في الخارج إلا الله تعالى، على معنى أن نفي وجودها مستلزم لنفي ذاتها، كأنه قال: لا إله يوجد إلا الله. وعلى هذا يبقى النفي عاما بالمعنى المراد منه» .
السّمين:
وقال الشهاب الحلبي المعروف بالسمين: «قوله: إلا هو رفع على أنه بدل من اسم لا على المحل، إذ محله الرفع على الابتداء أو هو بدل من لا وما عملت فيه، لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء» .
أبو حيّان:
ومضى السمين يقول: واستشكل أبو حيّان كونه بدلا من إله، لأنه لا يمكن تكرير العامل، لا تقول: لا رجل إلا زيد والذي يظهر لي أنه ليس بدلا من إله، ولا من رجل في قولك لا رجل إلا زيد، إنما هو بدل من الضمير المستكنّ في الخبر المحذوف. فإذا قلنا:
لا رجل إلا زيد، والتقدير لا رجل كائن أو موجود إلا زيد. فزيد بدل من الضمير المستكن في الخبر لا من رجل، وليس بدلا من موضع اسم لا، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، تقدير ذلك الضمير هو عائد على اسم لا.
ابن هشام:
وقال ابن هشام: «وقول بعضهم في «لا إله إلا الله» : إن اسم الله سبحانه خبر لا التبرئة أي النافية للجنس يردّه أنها لا تعمل إلا في نكرة منفية، واسم الله تعالى معرفة موجبة، نعم يصح أن يقال: إنه خبر ل «لا» مع اسمها فانهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه» .
ثم أطال ابن هشام في الرد على الزمخشري مما لا يتسع له صدر هذا الكتاب.
الشيخ مصطفى الغلاييني:
وقال الشيخ مصطفى الغلاييني من أدباء بيروت المحدثين:
«قوله تعالى: لا إله إلا الله، أي: لا إله موجود، والله إما بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وإما بدل من محل لا واسمها.
ويجوز في غير الآية نصبه على الاستثناء» .
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
اللغة:
(الْفُلْكِ) : السفن. ويكون واحدا كقوله تعالى: «في الفلك المشحون» ، وهو حينئذ مذكر. ويكون جمعا كما في الآية بدليل قوله:
«التي تجري في البحر» ، وكل ذلك بلفظ واحد. وقد خبط فيه صاحب المنجد خبطا عجيبا، فجعله يذكّر ويؤنّث. وعبارته: «الفلك:
السفينة تؤنث وتذكر» . ومنشأ الخبط أنه لم يتأمل- وهو ينقل عبارة القاموس نقلا عشوائيا- أن التذكير خاص بالمفرد، أما التأنيث فطارىء عليه لجمعه جمع تكسير. ونصّ عبارة القاموس: «والفلك بالضم السفينة، ويذكّر، وهو للواحد والجميع، أو الفلك التي هي جمع تكسير للفلك التي هي واحد، وليست كجنب التي هي واحد وجمع، وأمثاله، لأن فعلا وفعلا يشتركان في الشيء الواحد كالعرب والعرب» . فإن قيل: ان جمع التكسير لا بد فيه من تغيّر، فالجواب أن تغيّره مقدّر، فالضمة في حال كونه جمعا كالضمة في حمر وبدن، وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل. على أن ابن برّي استدرك فقال: «إنك إذا جعلت الفلك واحدا فهو مذكر لا غير، وإن جعلته جمعا فهو مؤنث لا غير» فتأمل هذا الفصل، فله على كل الفصول الفضل.
(الرِّياحِ) : جمع ريح. وياء الريح والرياح من واو، والأصل روح ورواح، وانما قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو ابدال مطّرد ولذلك لما زال موجب قلبها رجعت إلى أصلها، فقيل: أرواح.
قالت ميسون بنت بحدل:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إليّ من قصر منيف ويغلب عليها الخير في الجمع، والشرّ في المفرد.
وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره، وقال أبو حاتم له: إن الأرياح لا يجوز.
فقال عمارة: ألا تسمع قولهم: رياح؟ فقال له أبو حاتم: هذا خلاف ذلك. فقال له: صدقت ورجع. قلنا: ولكن ورد جمع الأرياح في القاموس للفيروزباديّ ونصّ عبارته: «والريح مؤنثة وجمعها أرياح وأرواح ورياح وريح كعنب وجمع الجمع أرواح وأراييح» . ونقل صاحب المنجد عبارته بنصها تقريبا.
الإعراب:
(إِنَّ) حرف مشبه بالفعل (فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) عطف على خلق السموات (وَالْفُلْكِ) عطف أيضا (الَّتِي) صفة للفلك (تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول (بِما) الباء حرف جر وما اسم موصول في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، ولك أن تجعل ما مصدرية، فتتعلق مع المصدر المؤوّل المجرور بها بتجري بأسباب نفع الناس (يَنْفَعُ النَّاسَ) الجملة الفعلية لا محل لها لانها صلة ما على كل حال (وَما) عطف على ما الاولى (أَنْزَلَ اللَّهُ) الجملة صلة ما (مِنَ السَّماءِ) الجار والمجرور متعلقان بأنزل (مِنْ ماءٍ) الجار والمجرور بدل من قوله من السماء بدل اشتمال ولا يرد عليه تعليق حرفين متحدين بعامل واحد فإن الممنوع من ذلك أن يتحدا معا من غير عطف ولا ابدال (فَأَحْيا) عطف على فأنزل (بِهِ) الجار والمجرور متعلقان بأحيا (الْأَرْضِ) مفعول به (بَعْدَ مَوْتِها) الظرف متعلق بمحذوف حال (وَبَثَّ) عطف على أنزل أو أحيا (فِيها) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) الجار والمجرور متعلقان ببث (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) عطف على «خلق» (وَالسَّحابِ) عطف أيضا (الْمُسَخَّرِ) صفة للسحاب (بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) الظرف متعلق بمسخر لأنه اسم مفعول (لَآياتٍ) اللام هي المزحلقة وآيات اسم ان المؤخر (لِقَوْمٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لآيات (يَعْقِلُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة الفعلية صفة لقوم. وهذه الآية حثّ صريح على وجوب التأمل والتدبر وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» أي لم يعتبر بها.
فالآية جملة مستأنفة مسوقة للحث على النظر والاعتبار بباهر الحكمة.
2:165Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
اللغة:
(أَنْداداً) النّدّ: المثل، والمراد هنا الأصنام أو كل ما سولت لهم أنفسهم عبادته.
الإعراب:
(وَمِنَ النَّاسِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن بعض الناس لم يعتقد الوحدانية بعد أن ثبت بالدليل القاطع، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم (مِنَ) اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر أو نكرة موصوفة في محل رفع مبتدأ مؤخر (يَتَّخِذُ) الجملة الفعلية لا محل لها لانها صلة الموصول أو صفة ل «من» وفاعل يتخذ ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ من (مِنْ دُونِ اللَّهِ) جار ومجرور متعلقان بيتخذ (أَنْداداً) مفعول به (يُحِبُّونَهُمْ) فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والجملة الفعلية صفة لأندادا أو حال من الضمير المستكن في يتخذ (كَحُبِّ اللَّهِ) الكاف ومجرورها في موضع نصب صفة لمصدر محذوف فهو مفعول مطلق، ويجوز إعرابه حالا وقد رجحه سيبويه والمصدر مضاف إلى مفعوله (وَالَّذِينَ) الواو استئنافية أو حالية واسم الموصول مبتدأ (آمَنُوا) فعل وفاعله. والجملة صلة الموصول (أَشَدُّ) خبر الموصول (حُبًّا) تمييز (لِلَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بحبا (وَلَوْ) الواو استئنافية ولو شرطية غير جازمة (يَرَى) فعل مضارع (الَّذِينَ) فاعل (ظَلَمُوا) الجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها (إِذْ) ظرف لما مضى من الزمن متعلق بيرى (يَرَوْنَ) الجملة الفعلية في محل جر باضافة الظرف اليه والواو فاعل (الْعَذابَ) مفعول به أول والمفعول الثاني محذوف تقديره نازلا بهم وقت رؤيتهم (أَنَّ الْقُوَّةَ) ان واسمها (لِلَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر. وان وما بعدها سدت مسد مفعولي يرى (جَمِيعاً) حال (وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ) عطف على ما تقدم، وجواب لو محذوف أي لرأيت عجبا ولكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندامة والحسرة.
البلاغة:
الإيجاز في الآية وذلك بحذف جواب لو كما تقدم وهو كثير شائع في كلامهم وورد في القرآن كثيرا، وقد تعلّق بأهداب هذه البلاغة أبو تمام الطائي حين قال في قصيدته «فتح عمورية» :
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنيّة بين السّمر والقضب
وتقديره لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبته واحتاط لنفسه وهيهات.
الفوائد:
(دُونِ) ظرف للمكان وهو نقيض فوق، نحو هو دونه أي أحط منه رتبة أو منزلة، ويأتي بمعنى أمام نحو: الشيء دونك أي أمامك، وبمعنى وراء نحو: قعد دون الصف، أي وراءه، وقد يأتي بمعنى رديء وخسيس فلا يكون ظرفا، نحو: هذا شيء دون، وهو حينئذ يتصرف في وجوه الإعراب. ويأتي بمعنى غير كما في الآية، وأكثر ما يستعمل حينئذ مجرورا بمن.
2:166–167Page 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.
الإعراب:
(إِذْ) ظرف لما مضى من الزمن وهي مع مدخولها بدل من إذ المتقدمة في الآية السابقة (تَبَرَّأَ الَّذِينَ) فعل ماض وفاعل (اتُّبِعُوا) فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة تبرأ في محل جر باضافة الظرف إليها وهم الرؤساء (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) الجار والمجرور متعلقان بتبرأ واتبعوا فعل ماض مبني للمعلوم والواو فاعل وهم الاتباع والجملة صلة (وَرَأَوُا) الواو حالية أو عاطفة ورأوا فعل وفاعل (الْعَذابَ) مفعول به والجملة حالية بتقدير قد، أي تبرءوا منهم في حال رؤيتهم العذاب، أو معطوفة على جملة تبرأ (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) عطف على ما تقدم (وَقالَ) الواو عاطفة وقال فعل ماض (الَّذِينَ) فاعل (اتَّبَعُوا) الجملة صلة الموصول واتبعوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل (لَوْ) شرطية غير جازمة متضمنة معنى التمني (أَنَّ لَنا كَرَّةً) ان وخبرها المقدم واسمها المؤخر وان وما في حيزها مقول القول (فَنَتَبَرَّأَ) الفاء هي السببية ونتبرأ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالتمني الذي تضمنته لو وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن (مِنْهُمْ) الجار والمجرور متعلقان بنتبرأ (كَما) الكاف مع مجرورها في موضع نصب مفعول مطلق وما مصدرية (تَبَرَّؤُا) فعل ماض وفاعل (مِنَّا) جار ومجرور متعلقان بتبرءوا (كَذلِكَ) الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي اراءة مثل تلك الإراءة. واختار سيبويه النصب على الحال وهو صحيح (يُرِيهِمُ) فعل مضارع والرؤية هنا تحتمل أن تكون بصرية فتتعدى لمفعولين أولهما الضمير والثاني أعمالهم وتحتمل أن تكون قلبية ولعله أرجح فتتعدى لثلاثة (اللَّهُ) فاعل (أَعْمالَهُمْ) مفعول به ثان (حَسَراتٍ) مفعول به ثالث أو حال (عَلَيْهِمْ) متعلقان بمحذوف صفة لحسرات (وَما) الواو عاطفة وما حجازية (هُمْ) اسم ما الحجازية (بِخارِجِينَ) الباء حرف جر زائد وخارجين مجرور لفظا منصوب خبر ما محلا (مِنَ النَّارِ) الجار والمجرور متعلقان بخارجين.
البلاغة:
1- في الآية فن اللفّ والنشر المشوش، وهو ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد وردّه إلى ما هو له، فتبرؤ بعضهم من بعض راجع لقوله: إذ تبرأ، وإراءتهم شدة العذاب راجع لقوله: ورأوا العذاب، والمراد أنه أراهم هذين الامرين عقوبة لهم على اتخاذهم الأنداد لله، فكما عاقبهم على عقائدهم عاقبهم على أعمالهم. ولهذا الفن فروع متعددة مبسوطة في كتب البلاغة، ومنه في الشعر قول أبي فراس الحمداني:
وشادن قال لي لمّا رأى سقمي ... وضعف جسمي والدّمع الذي انسجما
أخذت دمعك من خدّي وجسمك من ... خصري وسقمك من طرفي الذي سقما
2- في قوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا.. الآية، فنّ يقال له فنّ الترصيع، وهو أن يكون الكلام مسجوعا، وهو في الآية في موضعين، وقد كثر في القرآن، وأما في الشعر فمنه قول أبي الطيب المتنبي: في تاجه قمر في ثوبه بشر ... في درعه أسد تدمى أظافره
وقال أبو تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب
3- في قوله: «وتقطعت بهم الأسباب» مجاز مرسل علاقته السببية، فان السبب في الأصل الحبل الذي يرتقى به إلى ما هو عال ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء، مادة كان أم معنى. ولك أن تجعله من باب الاستعارة التصريحية، فقد شبه الأعمال التي كانوا يمارسونها في الدنيا بالأسباب التي يتشبّث بها الإنسان للنجاة. ثم حذف المشبّه وأبقى المشبّه به. قال زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... وإن يرق أسباب السماء بسلم
4- فن الحذف، فقد حذف جواب لو الشرطية وهو مقدر في الآية تقديره- لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف.
الفوائد:
كل اسم كان واحده على وزن «فعلة» مفتوح الاول ساكن الثاني، فإن جمعه على فعلات بفتح الفاء والعين، مثل شهوة وتمرة وجمعهما شهوات وتمرات، متحركة الثواني من حروفها. فأما إذا كان وصفا فإنك تدع ثانيه ساكنا مثل ضخمة وعبلة، فتجمعها على ضخمات وعبلات، بإسكان الثواني.
2:168–169Page 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩
He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.
اللغة:
(الخطوات) بضمتين: جمع خطوة، وهي ما بين يدي الخاطي.
ومن غريب أمر الخاء والطاء أنهما إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة دلّ ذلك على الأثر، فأثر الخطوة معروف، ولهذا قالوا: اتبع خطواته، كأنما أثّر عليه فتبعه. والخطأ في الرأي والمسألة واضح الأثر، ومن أمثالهم: «مع الخواطئ سهم صائب» . والخطب: المصاب وهو بيّن الأثر، وقل مثل هذا في الخطل أي السفاهة، وهو استرخاء الأذنين أو السفاهة، وسمي الشاعر الأموي الأخطل. وهذا كله اكتشفناه بعد التقصي والتمعن فتدبره.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) يا حرف نداء للمتوسط، وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه، والناس بدل من أي (كُلُوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل (مِمَّا) الجار والمجرور متعلقان بكلوا (فِي الْأَرْضِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول (حَلالًا) مفعول به لكلوا أو حال من «ما» (طَيِّباً) صفة. وسيأتي بحث طريف عنها (وَلا) الواو عاطفة ولا ناهية (تَتَّبِعُوا) فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل (خُطُواتِ) مفعول به وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم (الشَّيْطانِ) مضاف اليه (إِنَّهُ) إن واسمها (لَكُمْ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه في الأصل صفة لعدو وقد تقدمت (عَدُوٌّ) خبر إن المرفوع (مُبِينٌ) صفة لعدو وجملة النداء وما تلاه مستأنفة مسوقة لبيان مواطن الحل والحرمة، وان ذلك منوط بالله تعالى. وجملة إنه وما تلاها لا محل لها لأنها تعليل للنهي عن اتباع خطوات الشيطان في ذلك (إِنَّما) كافة ومكفوفة ملغاة (يَأْمُرُكُمْ) فعل وفاعل مستتر يعود على الشيطان ومفعول به (بِالسُّوءِ) الجار والمجرور متعلقان بيأمركم والجملة مستأنفة مسوقة لبيان عداوة الشيطان وفضح أهدافها (وَالْفَحْشاءِ) عطف على قوله بالسوء (وَأَنْ تَقُولُوا) المصدر المنسبك من أن وما في حيزها معطوف على السوء أيضا (عَلَى اللَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بتقولوا (ما) اسم موصول مفعول تقولوا (لا) نافية (تَعْلَمُونَ) فعل مضارع مرفوع وفاعل والجملة لا محل لها لأنها صلة ما.
البلاغة:
الاستعارة التبعية في أمر الشيطان ردا على سؤال قد يرد على الخاطر، وهو: كيف يكون الشيطان آمرا والله تعالى يقول: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان؟ فقد شبه تزيين الشيطان لهم وتحريضه إياهم على الشر، وتأريث نار الشهوات في النفوس بأمر الآمر فهي استعارة تصريحية تبعية، والواقع أن أمر الشيطان هو عبارة عن الخوالج التي تساورنا وتحدونا إلى اجتراح السيئات.
الفوائد:
اختلف المعربون والفقهاء في معنى هذه الصفة أي طيبا فقال: بعضهم هي صفة مؤكدة، لأن معنى طيبا وحلالا واحد، وأخذ مالك به وقال آخرون هي صفة مخصصة، لأن معناه مغاير لمعنى الحلال، وهو المستلذ، وبه أخذ الشافعي. ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر وكل ما هو خبيث.
2:170Page 26
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠
And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?
الإعراب:
(وَإِذا) الواو استئنافية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متعلق بقالوا (قِيلَ) فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هو والجملة مستأنفة مسوقة لبيان رسوخهم في الغي وإمعانهم في الضلال (لَهُمُ) الجار والمجرور متعلقان بقيل (اتَّبِعُوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة الفعلية مقول القول (ما) اسم موصول في محل نصب مفعول به (أَنْزَلَ اللَّهُ) الجملة لا محل لها لأنها صلة ما (قالُوا) فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (بَلْ) حرف إضراب وعطف وكل إضراب في القرآن يراد به الانتقال من قصة إلى قصة إلا في هذه الآية وفي آية أخرى ستأتي (نَتَّبِعُ) فعل مضارع وفاعله نحن، والجملة معطوفة على جملة مقدرة أي لا نتبع ما أنزل الله بل نتبع (ما) اسم موصول مفعول به (أَلْفَيْنا) فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول (عَلَيْهِ) جار ومجرور في موضع نصب مفعول ألفينا الثاني (آباءَنا) مفعول ألفينا الأول. ومعنى ألفينا وجدنا (أَوَلَوْ) الهمزة للاستفهام الانكاري، والواو حالية والجملة حالية مسوقة لاستنكار اتباع آبائهم في كل حالة حتى في الحالة التي لا مساغ للعاقل أن يتعها ويجنح إليها وهي عدم تلبسهم بعدم العقول وانتفاء الهداية. ولو شرطية لا تحتاج إلى جواب في مثل هذا التركيب لأن القصد منها تعميم الأحوال، ولذلك لا يجوز حذف الواو الداخلة عليها تنبيها على أن ما بعدها ليس مناسبا لما قبلها (كانَ آباؤُهُمْ) كان واسمها (لا) نافية (يَعْقِلُونَ) فعل مضارع وفاعله والجملة المنفية خبر كان (شَيْئاً) مفعول به أو مفعول مطلق (وَلا يَهْتَدُونَ) الجملة معطوفة على جملة لا يعقلون.
البلاغة:
الالتفات في قوله: لهم.. من الخطاب إلى الغيبة تسجيلا للنداء على ضلالهم، لأنه ليس ثمة أضلّ من المقلد تقليدا أعمى، يتبع غيره في المواطن التي توبقه وترديه، وينساق من غير تفكير ولا روية.
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
اللغة:
(يَنْعِقُ) النّعيق: هو التصويت مطلقا. قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك أمّك في الخلاء ضلالا ويقال: نعق المؤذن وسمعت نعقة المؤذن، وأما صوت الغراب فهو النغيق بالغين المعجمة.
الإعراب:
(وَمَثَلُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لضرب المثل للكافرين في عبادتهم للأصنام، وقد شغلت هذه الآية المعربين والمفسرين، واختلفوا فيها اختلافا كثيرا وتبلغ الأوجه التي أوردوها أربعة نختار منها واحدا ونورد في باب البلاغة تفصيلها لأنها تكاد تكون متساوية الرجحان، ومثل مبتدأ (الَّذِينَ) مضاف اليه (كَفَرُوا) فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، ولا بد من تقدير مضاف قبل الموصول أي مثل داعيهم إلى الايمان أي مثل داعي الذين كفروا، بمعنى ان من يحاول هدايتهم بمثابة من يخاطب مالا يسمع، وإن سمع فهو لا يعقل شيئا مما يسمعه (كَمَثَلِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (الَّذِي) اسم موصول مضاف اليه (يَنْعِقُ) فعل مضارع وفاعله هو، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول (بِما) الجار والمجرور متعلقان بينعق (لا يَسْمَعُ) لا نافية ويسمع فعل مضارع والجملة الفعلية صلة ما (إِلَّا) أداة حصر (دُعاءً) مفعول به (وَنِداءً) عطف على دعاء (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) أخبار ثلاثة لمبتدأ محذوف أي هم (فَهُمْ) الفاء عاطفة وهم مبتدأ (لا يَعْقِلُونَ) الجملة الفعلية المنفية خبرهم.
البلاغة:
في هذه الآية فنون عديدة منها:
1- التشبيه التمثيلي فقد شبه من يدعو الكافرين إلى الايمان رغم لجاجتهم ومكابرتهم بمن ينعق بالبهائم التي لا تسمع إلا التصويت بها والزجر لها، فهو تشبيه صورة بصورة أو تشبيه متعدّد بمتعدّد، ويمكن اختصار الاوجه التي أوردها علماء البيان والنحو بما يلي:
أ- ان المثل مضروب لتشبيه الداعي والكافر بالناعق والمنعوق به.
ب- إن المثل مضروب لتشبيه الكافر في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالغنم المنعوق بها.
ج- ان المثل مضروب لتشبيه الكافر في دعائه الأصنام بالناعق على الغنم.
2- الاستعارة التصريحية في تشبيه الكافرين بالصم البكم العمي وحذف المشبه وإبقاء المشبه به.
3- الإيجاز في حذف مضاف تقديره: مثل داعي الذين كفروا، ولم يصرح بالداعي وهو الرسول تمشيا مع الأدب الرفيع في حسن التلطف بالخطاب، والتهذيب الذي يجب أن يتسم به الشعراء والكتّاب.
2:172–173Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
اللغة:
(الاهلال) : سبق القول إنه رفع الصوت عند مباشرة أمر من الأمور، وقد كان دينهم في جاهليتهم أن يرفعوا أصواتهم عند مباشرتهم هذه الأمور كالذبح وغيره فيقولون: باسم اللات والعزّى.
(باغٍ) : ظالم.
(عادٍ) : معتد على غيره.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها فجدّد به عهدا، وجملة النداء وما بعده مستأنفة تمهيدا للشروع في بيان أنواع من المحرمات بعد ما أمر سبحانه بأكل الطيبات (كُلُوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل (مِنْ طَيِّباتِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة للمفعول المحذوف ليذهب السامع في تقديره أيّ مذهب تصبو اليه نفسه ومعنى من الجارّة هنا التبعيض أي كلوا بعضها فما أكثر الطيبات المتاحة لنا (ما) اسم موصول في محل جر بالاضافة (رَزَقْناكُمْ) فعل وفاعل ومفعول به والجملة صلة الموصول (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) معطوف على كلوا، ولله جار ومجرور متعلقان باشكروا، وسيأتي بحث عنه في باب الفوائد (إِنْ) شرطية تجزم فعلين (كُنْتُمْ) فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها (إِيَّاهُ) ضمير منفصل مفعول مقدم لتعبدون (تَعْبُدُونَ) الجملة الفعلية في محل نصب خبر كنتم وجملة جواب الشرط محذوفة دل عليها ما قبلها أي فاشكروا (إِنَّما) كافة ومكفوفة (حَرَّمَ) فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى (عَلَيْكُمُ) الجار والمجرور متعلقان بحرم (الْمَيْتَةَ) مفعول به (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) معطوفان على الميتة (وَما) الواو حرف عطف وما اسم موصول منصوب عطفا على ما تقدم (أُهِلَّ) فعل ماض مبني للمجهول (بِهِ) جار ومجرور قام مقام نائب الفاعل (لِغَيْرِ اللَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال والجملة صلة الموصول (فَمَنِ) الفاء الفصيحة أي إذا كانت هناك حالات اضطرار ألجأته إلى أكل شيء مما حرم، والجملة بعدها لا محل لها لأنها جواب شرط مقدر غير جازم، ومن اسم شرط جازم مبتدأ (اضْطُرَّ) فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على المضطر (غَيْرَ) حال من «من» فكأنه قيل: اضطرّ لا باغيا ولا عاديا فهو له حلال (باغٍ) مضاف اليه وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين (وَلا عادٍ) عطف على غير باغ (فَلا) الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية ولا نافية للجنس (إِثْمَ) اسمها المبني على الفتح (عَلَيْهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من على الأصح (إِنَّ اللَّهَ) إن واسمها (غَفُورٌ رَحِيمٌ) خبران لإن وجملة إن وما في حيزها لا محل لها لأنها تعليلية.
البلاغة:
1- اشتملت هاتان الآيتان على ايجازين جميلين بالحذف، وهما حذف مفعول كلوا كما تقدم، وحذف جواب إن الشرطية أي فاشكروه وحذف جواب الشرط شائع في كلام العرب.
2- التقديم في تقديم إياه لإفادة الاختصاص، لأنه سبحانه مختص بأن يعبدوه.
3- الالتفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، وسياق الكلام يقتضي أن يقول: واشكرونا، ولكنه التفت إلى الغيبة لعظم الاهتمام به سبحانه. وفيه تلميح إلى الحديث النبوي وهو: «يقول الله تعالى:
إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» . وقد درج علماء البلاغة على تعريف الالتفات بأنه إنما يستعمل في الكلام للتفنن والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع، وهو تعريف جميل، لأن النفس تسأم الكلام الجاري على نسق رتيب. ولكن يرد على هذا التعريف أن التطرية لا تكون إلا بعد حدوث الملل، ولا ملل في تلاوة القرآن، فلا بد أن يكون هناك أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، بيد أن ذلك لا يمكن تحديده، لأن الفنّ جمال، وسر الجمال في عدم تحديده، لأنه بعيد المنال، وقد أريناك عند الكلام على الفاتحة أسرارا تكمن وراء السطور، وهنا عدل عن التكلم إلى الغيبة كما تقدم، وليصرح باسم الله، وفي ذلك من حوافز الشكر ما فيه.
نموذج شعري:
وما دمنا في صدد أسرار الالتفات يحسن بنا أن نورد للقارىء مثالا شعريا لأبي تمام الطائي ليقيس طلابنا ومتأدبونا على منواله، قال يمدح أبا دلف العجليّ ويصف فيها ركبا يسيرون في المهامة البعيد ليتخلص إلى التنويه بجود الممدوح، ولا يفوتك ما فيها من تشخيص وتجسيد:
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السّير لم تقصد لها كفّ قاطب
ففد أكلوا منها الغوارب بالسّرى ... وصارت لهم أشباحهم كالغوارب
يصرّف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب
يرى بالكعاب الزّود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرةّ آئب
كأنّ بها ضغنا على كلّ جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كلّ جانب
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطّع ما بيني وبين النوائب
فقال في الأول: يصرف مسراها، مخاطبة للغائب جريا على الأسلوب المتقدم في وصف الركب، ثم قال بعد ذلك: إذا العيس لاقت بي، فعدل إلى خطاب نفسه لأنه لما صار إلى مشافهة الممدوح والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن المكاره والقرب من الرغائب، وهذا من السحر الحلال وان من البيان لسحرا..
الفوائد:
(شكر) فعل متعد ولكنه قد يستعمل كاللازم فيكتفي بالفاعل إذا أريد به مجرّد حدوث الفعل، ويستعمل متعديا مباشرة إلى مفعول به واحد، قال تعالى: «ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك» ، ويتعدى إلى مفعولين كقول عبد الله بن الزبير:
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
والمفعولان هما: عمرا وأيادي، جمع يد وهي النعمة. وقد يتعدى باللام إلى مفعول به واحد كما في الآية هنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences