DarwishAn‑Nur · 24:30–38

Darwish · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:30–38

24:30–31Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

اللغة:

(يَغْضُضْنَ) : الغض: أطباق الجفن بحيث تمتنع الرؤية وفي المصباح: «غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضا من باب قتل خفض ومنه يقال غض من فلان غضا وغضاضة إذا انتقصه» وقد أدغم في الأول أحد المثلين في الثاني بخلاف الثاني لأن الثاني في يغضضن متحرك فادغم فيه الاول وفيما سيأتي ساكن فلم يتأت إدغام الاول فيه، قال جرير:

فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا

(زِينَتَهُنَّ) : الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة بالتحريك وهي حلقة من فضة لا فص فيها فإذا كان فيها فص فهو الخاتم، والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للاجانب وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل وهو- كما في الصحاح- يشبه عصابة تزين بالجوهر ويسمى التاج إكليلا والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين.

(بِخُمُرِهِنَّ) الخمر بضم الخاء والميم جمع خمار بكسر الخاء وهو ما تغطي به المرأة رأسها والستر عموما ويجمع على أخمرة وخمر بضم الخاء وسكون الميم وخمر بضمتين.

(جُيُوبِهِنَّ) : جمع جيب والجيب من القميص طوقه والقلب والصدر وعند العامة الجيب هو كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل ويجعل فمه من الخارج.

(أُولِي الْإِرْبَةِ) : أصحاب الإربة، والإربة الحاجة وفي المصباح:

«الأرب: بفتحتين والإربة بالكسر والمأربة بفتح الراء وضمها الحاجة والجمع المآرب والأرب في الأصل مصدر من باب تعب يقال أرب الرجل إلى الشيء إذا احتاج اليه فهو آرب على فاعل والإرب بالكسر يستعمل في الحاجة وفي العضو والجمع آراب مثل حمل وأحمال» .

الإعراب:

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا كليا. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ومفعوله محذوف وهو أمر آخر مثله وقد حذف لدلالة جوابه عليه وهو يغضوا من أبصارهم ويغضوا فعل مضارع جزم لأنه جواب الأمر المحذوف وهو غضوا أو مقول القول، ومن أبصارهم: قال الزمخشري: «من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه» ويجوز أن تكون للبيان أو لابتداء الغاية وعلى كل حال فهي متعلقة بيغضوا وسيأتي السبب في دخول من على الأبصار دون الفروج في باب البلاغة، ويحفظوا عطف على يغضوا وفروجهم مفعول به. (ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) ذلك مبتدأ وأزكى خبره ولهم متعلقان بأزكى وان واسمها وخبرها وبما متعلقان بخبير وجملة يصنعون لا محل لها. (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) تقدم اعراب نظيرتها، أي فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا للمرأة أن تنظر إلى الرجل فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها ومن طريف ما يلفت النظر أن هذه الآية اشتملت على عدد كبير من ضمائر الإناث وقد بلغت عدتها خمسة وعشرين ضميرا ما بين مرفوع ومجرور ولم يوجد لها نظير في القرآن في هذا الصدد. (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) الواو حرف عطف ويبدين عطف على يغضضن فهو مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم والنون فاعل وزينتهن مفعول به وإلا أداة حصر وما بدل من زينتهن وجملة ظهر منها صلة والمراد بالظاهر الوجه والكفان فيجوز أن ينظرها الأجنبي إن لم يخف فتنة كما هو مقرر في علم الفقه. (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويضربن فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم باللام والنون فاعل وبخمرهن الباء زائدة أو تبعيضية أي يلقين خمرهن على جيوبهن أي يسترن الرءوس والأعناق والصدور بالمقانع جمع مقنعة أو مقنع بكسر الميم فيهما وهي ما يغطى به الرأس. (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) الواو عاطفة ولا ناهية ويبدين مضارع مبني في محل جزم والنون فاعل وزينتهن مفعول به وإلا أداة حصر ولبعولتهن متعلقان بيبدين وهذه المستثنيات اثنا عشر نوعا آخرها الطفل. (أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) كلهن معطوفات.

(أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) غير صفة للتابعين والمراد بالتابعين غير أولي الإربة موضع خلاف، قال ابن عباس: التابع هو العنين الأحمق، وقيل هو الذي لا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن وقيل هو المجبوب وقيل هو الشيخ الهرم الذي ذهبت شهوته وقيل هو المخنث. أقول: والعنين والمخنث هو المشبه بالنساء والشيخ الهرم وأما المجبوب فهو الذي بقي أنثياه والخصي هو الذي بقي ذكره. ومن الرجال حال وأو حرف عطف والطفل معطوف على ما تقدم وهو بمعنى الأطفال فأل جنسية والطفل يطلق على الواحد والمجموع فلذلك وصف بالجمع وقيل لما قصد الجنس روعي فيه الجمع، والذين صفة وجملة لم يظهروا صلة وعلى عورات النساء متعلقان بيظهروا. (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) الواو عطف على ما تقدم ولا ناهية ويضربن فعل مضارع مبني في محل جزم بلا والنون فاعل وبأرجلهن متعلقان بيضربن، كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال وقيل كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين فإن ذلك يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إلى الرجال، وقال الزجاج «وسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من ابدائها» . (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الواو عاطفة وتوبوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والى الله متعلقان بتوبوا وجميعا حال وأيها المؤمنون منادى نكرة مفصودة وقد تقدم إعرابه ولعل واسمها وجملة تفلحون خبرها وقد رسمت في المصحف دون ألف والرسم سنة متبعة.

البلاغة:

- من الاسرار التي تدق على الافهام دخول من الجارة على غض الابصار دون الفروج في قوله تعالى «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» والسر في ذلك أن أمر النظر واسع لا يني يسرح في مراتع الجمال ومواطن الفتنة، قال الزمخشري بهذا الصدد: «ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهنّ وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع وأما أمر الفروج فمضيق» .

- ومن هذه الأسرار تقديم غض الابصار على حفظ الفروج في الاية نفسها وفي الآية التي تليها، والسر فيه أن النظر بريد الزنا ورائده الذي لا يخطىء. وقد أفاض الشعراء في القديم والحديث فيما تحدثه النظرة من إلهاب نار الحب، وتأريث الحرقة التي تدفع إلى ارتكاب المحرم ومن أجمل ما قيل فيه قول ابن زيدون:

حسن أفانين لم تستوف أعيننا ... غاياته بأفانين من النظر

وقال ابن الرومي:

عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن لحظك سهم حتف مرسل

ومن العجائب أن معنى واحدا ... هو منك لحظ وهو مني مقتل

وسيرد في كتابنا العجيب منه.

وفيما يلي طائفة من الأحاديث الواردة بهذا الصدد:

«عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عن ربه: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من نركها من مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه» أي جعلت بدله إيمانا يشعر بلذاته في قلبه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدّق ذلك الفرج أو يكذبه» . والمعنى أن الله تعالى يعذب العين بالنار يوم القيامة لتطلعها إلى محرم بقصد بلا فجاءة، والخطا بفتح الخاء المشي إلى المعصية.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار:

أفرأيت الحم؟ قال: الحم الموت» رواه البخاري ومسلم ثم قال:

ومعنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» .

والحم بفتح الحاء وتخفيف الميم وبإثبات الواو أيضا وبالهمز أيضا هو أبو الزوج ومن أدلى به كالأخ والعم وابن العم ونحوهم وهو المراد هنا كذا فسره الليث بن سعد وغيره وأبو المرأة أيضا ومن أدلى به وقيل بل هو قريب الزوج فقط وقيل قريب الزوجة فقط. قال أبو عبيد في معناه يعني فليمت ولا يفعلنّ ذلك فاذا كان هذا رواية في أب الزوج وهو محرم فكيف بالغريب؟ ومعنى الحمو الموت: أي الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه.

24:32–33Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

اللغة:

(الْأَيامى) : جمع أيم وهي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر بقرينة قوله وإمائكم، وتجمع الأيم أيضا على أيائم وأيّمون وأيمات يقال آم يئيم الرجل من زوجه أو المرأة من زوجها فقدها أو فقدته، وأصل الأيامى أيائم كما قال الزمخشري ومثله يتامى في يتائم وأجاز سيبويه أن يكون غير مقلوب وانه جمع على فعالى، وقال الشاعر:

فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم

يقول لمحبوبته: إن تتزوجي أتزوج وإن لم تتزوجي لم أتزوج، وجملة وان كنت أفتى منكم اعتراضية، والأفتى الأكثر فتية وشبابا، ورفع المضارع في جواب الشرط كما هنا قليل، وقد ورد في الشعر إذا كان الشرط فعلا ماضيا كما هنا، وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة والأئمة والكزم والقرم» أما العيمة فهي شدة شهوة اللبن والغيمة شدة شهوة العطش والأئمة طول العزبة والكزم شدة شهوة الأكل، قال في الصحاح: كزم الشيء بمقدّم فيه أي كسره واستخرج ما فيه، والقرم شد شهوة اللحم.

(الْكِتابَ) : والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة: هو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على ألف درهم فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت لك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق، وله أحكام مبسوطة في كتب الفقه. وفي الأساس واللسان: «كتب عليه كذا: قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق وكتب على عباده الطاعة وعلى نفسه الرحمة وهذا كتاب الله: قدره، قال الجعدي:

يا بنت عمي كتاب الله أخرني ... عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا

(الْبِغاءِ) : الزناء وبغت فلانة بغاء وهي بغي: طلوب للرجال وهن بغايا ومنه قيل للإماء البغايا لأنهن كن يباغين في الجاهلية يقال قامت البغايا على رؤوسهم، قال الأعشى:

والبغايا يركضن أكسية الاضريج والشّرعبيّ ذا الأذيال وفي المصباح: «وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد من باب رمى فجرت وهي بغي والجمع البغايا وهو وصف مختص بالمرأة فلا يقال للرجل بغي قاله الأزهري والبغي القينة وإن كانت عفيفة لثبوت الفجور لها في الأصل قاله الجوهري ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب والأمة تباغي أي تزاني.

الإعراب:

(وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حكم النكاح، والأمر للوجوب إن كانت المرأة محتاجة للنكاح خوف الزنا أو كان الرجل محتاجا للنكاح خوف الزنا فإن لم تكن ثمة حاجة كان الأمر للاباحة كما رأى الشافعي، أو للندب كما رأى أبو حنيفة ومالك، والتفصيل في كتب الفقه والأيامى مفعول به ومنكم حال والصالحين عطف على الأيامى ومن عبادكم حال وإمائكم عطف على عبادكم. (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) إن شرطية ويكونوا فعل الشرط والواو اسمها وفقراء خبرها ويغنهم الله جواب الشرط ومن فضله متعلقان بيغنهم والله مبتدأ وواسع خبر أول وعليم خبر ثان. (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الواو عاطفة واللام لام الأمر ويستعفف مضارع مجزوم بلام الأمر والذين فاعل وجملة لا يجدون صلة ونكاحا مفعول به وحتى حرف غاية وجر ويغنيهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والله فاعل ومن فضله متعلقان بيغنيهم. (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) والذين نصب على الاشتغال أي منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور ويجوز إعرابه مبتدأ وخبره جملة فكاتبوهم والأول أرجح لمكان الأمر وجملة يبتغون الكتاب صلة ومما حال وجملة ملكت أيمانكم صلة والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وكاتبوهم فعل أمر والواو فاعل والجملة مفسرة على الوجه الاول وخبر على الوجه الثاني وإن شرطية وعلمتم فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وفيهم متعلقان بعلمتم وخيرا مفعول به والجواب محذوف دل عليه قوله فكاتبوهم (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) وآتوهم عطف على فكاتبوهم ومن مال الله متعلقان بآتوهم والذي صفة لله وجملة آتاكم صلة للموصول. (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة ولا ناهية وتكرهوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلى البغاء متعلقان بتكرهوا وإن شرطية وأردن فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وتحصنا مفعول له والجواب محذوف كما تقدم ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل وعرض الحياة الدنيا مفعول به. (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويكرههن فعل الشرط والفاء رابطة لأن الجواب جملة اسمية وان واسمها ومن بعد إكراههن حال وغفور خبر إن الاول ورحيم خبرها الثاني.

البلاغة:

الاحتراس: في قوله تعالى «إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» فقد أقحم هذا الاعتراض ليبشع ذلك عند المخاطب ويحذره من الوقوع فيه ولكي يتيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجر شرعي، ووجه التبشيع عليه أن مضمون الآية النداء عليه بأن أمته خير منه لأنها آثرت التحصّن عن الفاحشة وهو يأبي إلا إكراهها، ولأبي السعود قول جميل في هذا الصدد: «وقوله تعالى إن أردن تحصنا ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها من حكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنّ الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان أو لغير ذلك من الأمور المصحّحة للاكراه في الجملة بل للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهوههنّ على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح» .

هذا ومن المفيد أن نذكر سبب نزول هذه الآية فقد ذكروا أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ، كان يكره جواريه على الكسب بالزنا وكنّ ستا فشكا منهن اثنتان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وأسماء هذه الجواري هي: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة.

الفوائد:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» رواه البخاري ومسلم.

وانما خص الشباب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ، والباءة الجماع واستعمل لعقد النكاح، قال الجوهري: الباءة مثل الباعة ومنه سمي النكاح باءة، والوجاء أصله رض الخصيتين. قال النووي في شرح مسلم: «معناه من استطاع منكم الجماع لقدرته على مئونته وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليقطع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء» وهناك قول آخر وهو أن المراد بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم، قالوا: والعاجز لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة فوجب تأويل الباءة بالمؤن

24:34–38Page 354

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤

And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥

Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦

[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1

رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧

[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -

لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨

That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].

اللغة:

(كَمِشْكاةٍ) : المشكاة: الكوة غير النافذة، وقيل هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل ما يعلق فيه القنديل من الحديدة، وفي القاموس وشرحه: المشكاة كل كوة غير نافذة وكل ما يوضع فيه أو عليه المصباح، وقيل المشكاة حبشية معربة، وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة.

(زُجاجَةٍ) : الزجاج بفتح الزاي وضمها وكسرها: جسم شفاف يصنع من الرمل والقلى والإناء والقطعة منه زجاجة بتثليت الزاي أيضا وأراد قنديلا من زجاج شامي أزهر.

(دُرِّيٌّ) : مضيء، بضم الدال من غير همز وبالتشديد منسوب إلى الدر شبّه به لصفائه وإضاءته، ويجوز أن يكون أصله الهمز ولكن خففت الهمزة وهو فعيل من الدر وهو دفع الظلمة بضوئه ويقرأ بالكسر على معنى الوجه الثاني ويكون على فعيل كسكيت وصديق وفي المختار: «الدرء الدفع وبابه قطع ودرأ طلع مفاجأة وبابه خضع ومنه كوكب دريء كسكيت لشدة توقده وتلألؤه، ودريّ بالضم منسوب إلى الدر، وقرىء دريء بالضم والهمزة ودريء بالفتح والهمز، وتدارأتم وتدافعتم واختلفتم» وفي الأساس: «وكوكب درّي وطلعت الدراري نسبت إلى الدار وهو كبار اللؤلؤ» وفيه أيضا: «ومن المجاز: درأ الكوكب: طلع كأنه يدرأ الظلام ودرأت النار أضاءت» .

(الْآصالِ) : جمع أصيل وهو الوقت بين العصر والمغرب وبجمع أيضا على أصائل وأصل وأصلان.

الإعراب:

(وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة الآيات المنزلة. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وإليكم متعلقان بأنزلنا وآيات مفعول به ومبينات صفة وهي بكسر الياء وفتحها ومثلا عطف على آيات ومن الذين صفة لمثلا وجملة خلوا صلة ومن قبلكم حال وموعظة عطف على مثلا وللمتقين صفة لموعظة. (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) الله مبتدأ ونور السموات والأرض خبره ومثل مبتدأ ونوره مضاف اليه والكاف اسم بمعنى مثل خبر ومشكاة مضاف اليه، ويجوز اعراب الكاف حرف جر والجار والمجرور خبر مثل، وفيها خبر مقدم ومصباح مبتدأ مؤخر والجملة صفة لمشكاة وسيأتي تحقيق هذا الكلام في باب البلاغة وجملة مثل نوره تفسير لما قبلها فلا محل لها.

(الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) مبتدأ وخبر والجملة تفسير لما قبلها فلا محل لها.

(الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) الزجاجة مبتدأ وكأن واسمها وكوكب خبرها ودري صفة لكوكب والجملة خبر الزجاجة وجملة الزجاجة إلخ تفسير لما قبلها فلا محل لها وجملة يوقد صفة ثانية لكوكب ونائب الفاعل مستتر ومن شجرة جار ومجرور متعلقان بيوقد وهي لابتداء الغاية على حذف مضاف أي من زيت شجرة ومباركة صفة لشجرة وزيتونة بدل من شجرة ولا شرقية صفة ثانية لشجرة ودخلت لا لتفيد النفي فلا تحول بين الصفة والموصوف، ولا غربية عطف وسيأتي المزيد من بيان هذا المعنى في باب البلاغة. (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ) هذه الجملة صفة ثالثة لشجرة ويكاد فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة وزيتها اسمها وجملة يضيىء خبرها، ولو الواو حالية ولو شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتمسسه فعل مضارع مجزوم بلم وجواب لو محذوف أي لأضاء بدلالة ما تقدم عليه والجملة حال فلو هنا تفيد استقصاء الأحوال أي حتى في هذه الحال ونار فاعل تمسسه ونور خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف وعلى نور متعلقان بمحذوف صفة لنور مؤكدة له وسيأتي سر تنكسير النور في باب البلاغة. (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تنفيذ مشيئته سبحانه، ولنوره متعلقان بيهدي ومن يشاء مفعول يهدي وجملة يشاء صلة ويضرب الله فعل مضارع وفاعل والأمثال مفعول به وللناس متعلقان بيضرب، والله الواو استئنافية أو عاطفة والله مبتدأ وبكل شيء متعلقان بعليم وعليم خبر الله. (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) في بيوت صفة لمشكاة أي كمشكاة في بيوت أو لمصباح أو لزجاجة أو متعلقان بيوقد، وعلى هذا لا يوقف على عليم، ولك أن تقف على عليم فتعلقه بمحذوف تقديره سبحوه في بيوت أو بيسبح وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب كأنه قيل: وهو في بيوت، وقيل متعلقان بتوقد أي توقد في بيوت، وجملة أذن الله صفة لبيوت وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي في أن ترفع، ويذكر عطف على ترفع بالبناء للمجهول وفيها متعلقان بيذكر واسمه نائب فاعل. (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ) الجملة صفة ثانية لبيوت وله متعلقان بيسبح وبالغدو والآصال حال ورجال فاعل يسبح وجملة لا تلهيهم صفة لرجال وتجارة فاعل تلهيهم ولا بيع عطف على تجارة وعن ذكر الله متعلقان بتلهيهم وما بعده عطف على ذكر الله. (يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ) الجملة صفة ثانية لرجال أو حال من مفعول تلهيهم ويخافون فعل وفاعل ويوما مفعول به لا ظرف وجملة تتقلب صفة ليوما وفيه متعلقان بتتقلب والقلوب فاعل تتقلب والابصار عطف على القلوب. (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)

اللام للتعليل ويجزيهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والهاء مفعول به أول والله فاعل وأحسن مفعول به ثان وما مضاف اليه وجملة عملوا صلة ويزيدهم عطف على ليجزيهم ومن فضله متعلقان بيزيدهم. (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يرزق خبر ومن مفعول به وجملة يشاء صلة وبغير حساب حلل.

البلاغة:

حفلت هذه الآيات بأفانين شتى من البلاغة والبيان وسنسهب فيها بعض الشيء جريا على ما درجنا عليه في هذا الكتاب وسنوزع هذه المباحث نجوما متتالية.

1- التشبيه البليغ في قوله تعالى «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» والمراد به المضمر الأداة وقد سبق ذكره مع أقسام التشبيه وانما سمي بليغا لحذف واسطة الأداة ولو جازته بسبب هذا الحذف، وقد تكلم علماء البيان مطولا في هذا التشبيه وحاولوا تجسيد الكيفية التي ساغ فيها هذا التشبيه لأن النور كما هو معلوم كيفية أو عرض يدرك بالبصر فلا يصح حمله على الذات المقدسة، وأحسن ما يقال فيه أن التشبيه جار على التقريب للذهن، أي: به تعالى وبقدرته أنارت أضواء السماء والأرض واستقامت أمورها لأن ظهور الموجودات حصل به كما حصل بالضوء جميع المبصرات، أو انه على التجوز أي منور السماء والأرض، أو بتقدير مضاف كقولك زيد عدل أي ذو عدول.

2- التشبيه المرسل في قوله «مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... الآية» فقد جاء التشبيه هنا بواسطة الأداة وهي الكاف، والمراد أن النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناحر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، واختلفوا في هذا التشبيه هل هو تشبيه تمثيلي أي مركب قصد فيه تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء بل قصد تشبيه هداه وإتقانه صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي تتخذونه وهو أبلغ صفات النور عندكم، أو تشبيه غير تمثيلي أي غير مركب قصد فيه مقابلة جزء بجزء، وأجاز القرطبي الوجهين وهذا نص عبارته:

«قوله مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نورا وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال: «وأنزلنا إليكم نورا مبينا» وسمى نبيه نورا فقال: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين» وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين وكذلك الرسول، ووجه الاضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من المثل به بل وقع التشبيه فيه لجملة بجملة وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر» .

وأبدع الكرخي في تحديده هذا التشبيه التمثيلي فقال:

« ... ومثل الله نوره أي معرفته في قلب المؤمن بنور المصباح دون نور الشمس مع أن نورها أتم لأن المقصود تمثيل النور في القلب والقلب في الصدر والصدر في البدن بالمصباح والمصباح في الزجاجة والزجاجة في القنديل وهذا التمثيل لا يستقيم إلا فيما ذكر أو لأن نور المعرفة له آلات يتوقف هو على اجتماعها كالذهن والفهم والعقل واليقظة وغيرها ولأن نور الشمس يشرق متوجها إلى العالم السفلي ونور المعرفة يشرق متوجها إلى العالم العلوي كنور المصباح، ولكثرة نفع الزيت وخلوصه عما يخالطه غالبا وقع التشبيه في نوره دون نور الشمع مع أنه أتم من نور المصباح» .

3- الطباق: في قوله تعالى «لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ» وقد تكلم علماء البيان كثيرا عن هذا الطباق والمقصود منه، قال الزمخشري:

«وقيل لا في مضحى ولا في مقنأة (وهو المكان الذي لا تطلع عليه الشمس) ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير فيهما في مضحى وقيل ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا فهي شرقية وغربية» .

ولابن الأثير كلام لطيف في هذا الصدد قال: «أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح فإن هذا مثال ضربه للنبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه انه قال: «توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية» وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيها لطيفا عجيبا وذاك أن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقي فيه من النور وما هو عليه من الصفة الشفافة كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها، وأما الشجرة المباركة المباركة التي لا شرقية ولا غربية فانها عبارة عن ذات النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب وأما زيت هذه الزجاجة فإنه مضيء من غير أن تمسه نار والمراد بذلك أن فطرته فطرة صافية من الأكدار منيرة من قبل مصافحة الأنوار» .

4- التنكير: في تنكير قوله «نور على نور» ضرب من الفخامة والمبالغة لا أرشق ولا أجمل منه فليس هو نورا واحدا معينا أو غير معين فوق نور آخر مثله، وليس هو مجموع نورين اثنين فقط بل هو عبارة عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد معين. وقد استهوى هذا التعبير شعراءنا العرب فرمقوا سماءه، قال أبو تمام يصف غربته في مصر:

أخمسة أعوام مضت لمغيبه ... وشهران بل يومان ثكل على ثكل

وقال أبو الطيب المتنبي:

أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق

وقال شوقي في العصر الحديث يرثي المرحوم فوزي الغزي أحد أعلام دمشق:

جرح على جرح حنانك جلق ... حملت ما يوهي الجبال ويرهق

5- تشابه الأطراف: وهو أن ينظر المتكلم إلى لفظة وقعت في آخر جملة من الفقرة في النثر أو آخر لفظة وقعت في آخر المصراع الأول في النظم فيبتدىء بها ... تأمل في تشابه أطراف هذه الجمل المتلاحقة «الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنه كوكب دري» ومن أمثلة الشعر في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف:

إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة س

قاها سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال يحلبون حراها

وجميل قول أبي تمام:

هوى كان خلسا إن من أبرد الهوى ... هوى جلت في افنائه وهو خامل

أبا جعفر إنّ الجهالة أمها ... ولود وأم العلم حذاء حائل

فكن هضبة نأوى إليها وحرة ... يعدد عنها الاعوجي المناقل

فإن الفتى في كل ضرب مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل

وينسب لأبي نواس قوله:

خزيمة خير بني حازم ... وحازم خير بني دارم

ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم

إلا البهاليل بني هاشم ... وهم سيوف لبني هاشم وقد يكون تشابه الأطراف معنويا وهو أن يختم المتكلم كلامه بما يناسب ابتداءه في المعنى لا في اللفظ كقول محمد بن عبيد الله السلامي:

بدائع الحسن فيه مفترقه ... وأعين الناس فيه متفقة

سهام ألحاظه مفوقه ... فكل من رام لحظه رشقه

قد كتب الحسن فوق عارضه ... هذا مليح وحق من خلقه

فالرشق في قافية البيت الثاني يناسب السهام في أوله.

وجميل قول السري الرفاء:

ابريقنا عاكف على قدح ... كأنه الأم ترفع الولدا

أو عابد من بني المجوس إذا ... توهم الكأس شعلة سجدا

فالسجود مناسب للعابد في أول البيت.

وبلغ ابن الرومي الغاية في وصف مغنية:

جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن

غنت فلم تبق فيّ جارحة ... إلا تمنيت أنها أذن

فالأذن تناسب ذكر الغناء في أول البيت.

استدراك على بعض النقاد:

هذا وقد خفيت على بعض علماء البيان أسرار التشابه في الأطراف فجزم بأنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج إلى تمام فينبغي أن تعاد بعينها في آخره ومتى عدل عن ذلك كان معيبا ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله:

بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال

فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت كان ينبغي أن يعيد ذكره أيضا في عجزه أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه وكذلك أخطأ أبو الطيب في قوله:

اني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وان حرصت غرور

فإنه قال «إني لأعلم واللبيب خبير» وكان ينبغي أن يقول:

الي لأعلم واللبيب عليم ليكون ذلك تقابلا صحيحا.

هذا ما ذكره الناقد وليس بشيء لأن المعتمد عليه في هذا الصدد أنه إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز.

6- المجاز العقلي: في قوله «يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار» فقد أسند إلى القلوب والأبصار التقلب والاضطراب من الهول والفزع.

وفي قوله «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» فن الغلو وهو الافراط في وصف الشيء المستحيل عقلا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين مقبول وغير مقبول فالمقبول لا بد أن يقربه الناظم إلى القبول بأداة التقريب، إلا أن يكون الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فلا غلو حينئذ ويجب على الناظم أن يسبكه في قالب التخيلات التي تدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة كالآية الكريمة فإن إضاءة الزيت من غير مس النار مستحيلة عقلا ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولا.

والقسم الثاني وهو الغلو غير المقبول، كقول ابي نواس:

وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском