Darwish · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:50–61
24:50–53Page 356
أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠
Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١
The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢
And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.
۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣
And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."
الإعراب:
(أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا) كلام مستأنف مسوق لتقسيم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله. والهمزة للاستفهام التقريري ويبالغ به تارة في الذم وتارة في المدح وهو هنا من النوع الأول، وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر وأم حرف عطف بمعنى بل فهي منقطعة وارتابوا فعل وفاعل. (أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أم يخافون عطف على ما تقدم وأن يحيف في تأويل مصدر مفعول به يخافون والحيف الميل والجور في القضاء وبل حرف إضراب وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والظالمون خبر هم والجملة خبر المبتدأ الأول أو خبر أولئك. (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)
إنما كافة ومكفوفة وكان فعل ماض ناقص وقول خبر كان المقدم والمؤمنين مضاف إليه وانما ترجح نصبه لأنه متى اجتمع معرفتان فالأولى جعل أوغلهما في التعريف ولكن سيبويه لم يفرق بينهما وسيأتي مزيد بحث في باب الفوائد، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة دعوا في محل جر باضافة الظرف إليها والواو نائب فاعل والى الله متعلقان بدعوا ورسوله عطف على الله واللام للتعليل ويحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وبينهم ظرف متعلق بيحكم وجعل الزمخشري فاعل يحكم عائدا إلى المصدر لأن معناه ليفعل الحكم بينهم. (أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أن وما حيزها اسم كان وجملة سمعنا مقول القول وأطعنا عطف على سمعنا والواو حرف عطف وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو مبتدأ ثان والمفلحون خبر هم أو خبر أولئك وقد تقدم قريبا.
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويطع فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو ورسوله عطف على الله ويتقه عطف على يطع بسكون الهاء وكسرها ومع إشباع وبدونه، والفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك هم الفائزون تقدم فيه القول كثيرا. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ)
كلام مستأنف لحكاية قول المنافقين لرسول الله أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. وأقسموا فعل ماض والواو فاعل وبالله متعلقان بأقسموا وجهد أيمانهم مفعول مطلق، وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة، أو حال تقديره مجتهدين، وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحدا، ولئن اللام موطئة للقسم وان شرطية أمرتهم فعل وفاعل ومفعول به. (لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)
اللام واقعة في جواب القسم ويخرجن فعل مضارع مرفوع وحذفت النون لتوالي الأمثال والواو فاعل والنون للتوكيد ولم يبن الفعل لأن النون لم تباشره، وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولا ناهية وتقسموا فعل مضارع مجزوم بلا وطاعة خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمركم أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها، ويجوز أن يعرب مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معروفة أولى بكم وأمثل من هذه الأيمان الكاذبة، ومعروفة صفة وجملة إن الله تعليلية لما تقدم وان واسمها وخبير خبر وبما متعلقان بخبير وجملة تعملون صلة.
البلاغة:
1- الاستعارة:
جهد أيمانكم: لفظ مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وقد استعاره للايمان وأصله أقسم بالله جهد اليمين جهدا فحذف الفعل وقدم المصدر موضوعا موضعه مضافا إلى المفعول كضرب الرقاب وإذا جعلته حالا جعلته مؤولا باسم الفاعل أي جاهدين.
2- صحة التقسيم:
وفي قوله تعالى: «أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» الآية فن يقال له صحة التقسيم وقد تقدمت الاشارة اليه فإنها لم تبق قسما يقع في القلوب من الصوارف عن القبول إلا جاءت به، ألا ترى أنه تعالى بعد قوله «أفي قلوبهم مرض» ذكر الريبة لأنه لا بد أن يكون الصارف عن الإجابة فحكم الله ورسوله إما إبطان الكفر وإظهار الإسلام وهو المرض، أو التشكك والتردد والتذبذب في حكم الله هل هو جار على العدل أو على غيره وذلك هو الريبة، أو يكون الصارف خوف الحيف الذي لا يشعر به رجاء الانصاف فلم يبق قسم من الصوارف حتى ذكر فيها ثم ختمها سبحانه بقوله «بل أولئك هم الظالمون» فيكون مرشحا للايغال الذي جاء في فاصلة الآية فحقق الظلم وصفا لهم في الرد عليهم ليبقي ثبوته فيهم وجوده في حكمه سبحانه فحصل من ذلك الافتتان وهو جمع الكلام بين فنيّ الفخر والهجاء فإن في وصفهم بالظلم وصف ذاته بالعدل ووصف نبيه بالعدل أيضا فاذا أضفت إلى ذلك أن الكلام قد أفرغ في قالب من النزاهة والاحتشام واشتمل الهجاء المرير على مالا يوهم الهجاء وهو من أمضى الهجاء وأقذعه فقد أضفت إلى ما تقدم فن النزاهة وهو فن مشهور من فنون البلاغة عبر عنه أبو عمرو بن العلاء بقوله:
«خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها» وابن بسام في قوله في الذخيرة: «الهجاء ينقسم إلى قسمين: قسم يسمونه هجاء الاشراف وهو ما لم يبلغ أن يكون سبابا أو هجوا مستبشعا والثاني السباب الذي أحدثه جرير وطبقته» فقد اجتمع في الآية حسن التقسيم والإيغال والافتنان والنزاهة.
ومما ورد من الهجاء الموجع وليس فيه لفظ فاحش قول أبي تمام:
بني لهيعة ما بالي وبالكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب
لجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب
الفوائد:
توسط الخبر بين الافعال الناقصة وبين أسمائهن جائز، قال ابن مالك: «وفي جميعها توسط الخبر أجز» قال الله تعالى «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» فحقا خبر كان مقدم ونصر المؤمنين اسمها المؤخر، ويؤخذ من كلام المغني أن رفع الخبر ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف إلا ان يمنع مانع من تقدم الخبر كحصر الخبر نحو «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية» أو كخفاء اعرابهما نحو كان موسى فتاك، وقد يكون التوسط واجبا نحو كان في الدار ساكنها فتحصل ثلاثة أقسام: قسم يجوز وقسم يمتنع وقسم يجب، وسكتوا عن تقديم أسمائهن لعدم تصوره، إذ متى تقدم الاسم صار مبتدأ وتحمل الناسخ ضميره فلا يقال ان الاسم تقدم.
24:54–55Page 357
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
الإعراب:
(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) كلام مستأنف مسوق لخطاب المأمورين بالطاعة من جهته تعالى. وجملة أطيعوا مقول القول ولفظ الجلالة مفعول به وأطيعوا الرسول عطف على أطيعوا الله. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل الشرط وهو مضارع حذفت إحدى تاءيه، فإنما الفاء رابطة للجواب والجواب محذوف أي إن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها فاعلموا أنما عليه السلام ما حمل أي ما أمر به من التبليغ، وإنما كافة ومكفوفة وعليه خبر مقدم وما حمل مبتدأ مؤخر وجملة حمل صلة وعليكم ما حملتم عطف على ما تقدم. (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الواو عاطفة وان شرطية وتطيعوه فعل الشرط وهو فعل وفاعل ومفعول به وتهتدوا جواب الشرط والواو حالية أو استئنافية وما نافية وعلى الرسول خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير المصير للمؤمنين الذين يعملون الصالحات والتمكين لهم في الأرض. ووعد الله الذين فعل وفاعل ومفعول به وجملة آمنوا صلة ومنكم حال وعملوا الصالحات عطف على آمنوا ومفعول وعد الثاني محذوف تقديره الاستخلاف لدلالة قوله ليستخلفنهم عليه، واللام جواب قسم مضمر أي أقسم ليستخلفنهم وفي الأرض متعلقان بيستخلفنهم ولك أن تنزل وعد منزلة أقسم فتلقى بما يتلقى به القسم. (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي استخلافا كاستخلاف الذين من قبلهم، والذين مفعول استخلف ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الذين. (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ) وليمكنن عطف على ليستخلفنهم فهو مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة ولهم متعلقان بيمكنن ودينهم مفعول به والذي صفة وجملة ارتضى صلة والعائد محذوف أي ارتضاه ولهم متعلقان بارتضى. (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) وليبدلنهم عطف على ما تقدم والهاء مفعول به أول ومن بعد خوفهم حال وأمنا مفعول به ثان. (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) جملة يعبدونني استئنافية على الأرجح فلا محل لها وكأنها جواب لسؤال مقدر أي ما بالهم فقيل يعبدونني واختار بعض المعربين أن تكون حالا من مفعول وعد أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم فمحلها النصب أو حال من مفعول ليستخلفنهم. وجملة لا يشركون بي شيئا بدل منها ولك أن تجعلها حالا من فاعل يعبدونني أي يعبدونني موحدين وهو جيد ولك أن تجعلها استئنافية كسابقتها، وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به وقد تقدم مثله كثيرا، ومن كفر الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ وكفر فعل ماض فعل الشرط وبعد ذلك متعلق بكفر، فأولئك هم الفاسقون الجملة جواب الشرط وقد تقدم اعراب نظيرتها.
الفوائد:
ذكر التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم الملأ العظيم محتبيا ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا، ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا وذلك قوله صلى الله عليه وسلم «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يملك الله من يشاء فتصير ملكا ثم تصير بزّيزى قطع سبيل وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها» ومعنى بزيزى قال في الصحاح بزه يبزه بزّا: سلبه والاسم البزيزى مثل الخصّيصى.
24:56–58Page 357
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
الإعراب:
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) كلام معطوف على وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول قال الزمخشري:
«وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه» ولك أن تعطفه على محذوف يقتضيه السياق وتقديره فآمنوا واعملوا صالحا وأقيموا الصلاة واعراب الجملة واضح كل الوضوح. (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) لا ناهية وتحسبن فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والذين مفعول تحسبن الأول وجملة كفروا صلة ومعجزين مفعول تحسبن الثاني وفي الأرض متعلقان بمحذوف حال ومتعلق معجزين محذوف أي لنا، ومأواهم عطف على لا تحسبن الذين كفروا عطف خبر إنشاء على رأي بعضهم أو معطوف على مقدر تقديره بل هم مفهورون مدركون ومأواهم ولعله أولى لأنه يكون عطف خبر على خبر، ومأواهم مبتدأ والنار خبره أو بالعكس، ولبئس اللام موطئة للقسم وبئس فعل ماض جامد للذم والمصير فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي مصيرهم، يعني النار. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم الاستئذان وسيأتي في باب الفوائد المزيد منها، واللام لام الأمر ويستأذنكم فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والكاف مفعول به والذين فاعل وجملة ملكت أيمانكم صلة. (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ) والذين عطف على الذين وجملة لم يبلغوا الحلم صلة ومنكم حال وثلاث مرات نصب على الظرفية أو المفعولية المطلقة فان قدرت بمعنى ثلاثة أوقات فهي ظرف وان قدرت بمعنى ثلاثة استئذانات فهي مفعول مطلق ومن قبل صلاة الفجر بدل من ثلاث مرات ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هل من قبل، وانما وجب الاستئذان في ذلك الوقت لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح الغلائل وما ينام فيه من الثياب.
(وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) وحين عطف على محل من قبل صلاة الفجر وجملة تضعون مجرورة باضافة الظرف إليها وثيابكم مفعول به ومن الظهيرة حال أي حين ذلك الوقت الذي هو الظهيرة أو بتضعون فتكون من بمعنى في. (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ) ومن بعد صلاة العشاء عطف على ما قبله وثلاث عورات خبر لمبتدأ محذوف مقدر بعده مضاف وقام المضاف اليه مقامه أي هي أوقات ثلاث عورات وسمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة: الخلل، وفي الصحاح: أعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب، والأعور: المختل العين.
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ) جملة ليس عليكم إلخ صفة لثلاث عورات والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان وعليكم خبر ليس المقدم وجناح اسمها المؤخر وبعدهن ظرف متعلق بمحذوف صفة لجناح وطوافون خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم وعليكم متعلقان بطوافون لأنه صيغة مبالغة لاسم الفاعل وبعضكم مبتدأ وعلى بعض خبره أي طائف على بعض بدلالة طوافون ويجوز أن يعرب بدلا من قوله طوافون، ولأبي حيان كلام مطول فيه لا جدوى منه. (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الكاف نعت لمصدر محذوف وقد تقدم كثيرا، ويبين الله لكم الآيات فعل مضارع وفاعل ومفعول به والله مبتدأ وعليم خبر أول وحكيم خبر ثان.
الفوائد:
روي أن مدلج بن عمرو وكان غلاما أنصاريا أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية وهي إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر، وقيل نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت: إنا ندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد، وقيل: دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام اليه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص أو مشاقص فكأني أنظر اليه يختل الرجل ليطعنه، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ولفظه: «ان أعرابيا أتى باب النبي صلى الله عليه وسلم فألقم عينه خصاصة الباب فبصر به النبي صلى الله عليه وسلم فتوخاه بحديدة أو عودة ليفقأ عينه فلما أن أبصره انقمع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما انك لو ثبت عليك لفقأت عينك» .
والمشقص: بكسر الميم بعد شين ساكنة وقاف مفتوحة هو سهم له نصل عريض وقيل طويل، وقيل هو النصل العريض نفسه وقيل الطويل.
ويختله: بكسر التاء أي يخدعه ويراوغه.
وخصاصة الباب: بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين هي الثقب فيه والشقوق ومعناه أنه جعل الشق الذي في الباب محاذيا عينه.
توخاه: أي قصده بتشديد الخاء المعجمة.
24:59–61Page 358
وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩
And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.
وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠
And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١
There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace1 upon each other - a greeting from Allāh, blessed and good. Thus does Allāh make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.
اللغة:
(وَالْقَواعِدُ) : جمع قاعد بغير تاء وفي المصباح: «وقعدت المرأة عن الحيض أسنت وانقطع حيضها فهي قاعد بغير تاء والجمع قواعد وقعدت عن الزوج فهي لا تشتهيه» ولولا تخصيصهن بذلك لوجبت التاء نحو ضاربة وقاعدة من القعود المعروف.
(مُتَبَرِّجاتٍ) : مظهرات للزينة، وحقيقة التبرج تكلف اظهار ما يجب اخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها والبرج محركة سعه العين يرى بياضها محيطا بسوادها كله لا يغيب منه شيء إلا انه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال بابداء زينتها وإظهار محاسنها للرجال وفي المختار: «والتبرج اظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال» فالبرج يعطي معنى الاتساع يقال برج يبرج برجا من باب تعب اتسع أمره في الأكل والشرب ونحوهما، وبرجت عينه اتسعت بحيث يرى بياضها محدقا بالسواد كله، والبرج الركن والحصن والقصر وكل بناء مرتفع على شكل مستدير أو مربع ويكون منفردا أو قسما من بناية عظيمة وجمعه برج بضمتين وأبراج وأبرجة، والبرج أيضا أحد بروج السماء وهي اثنا عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، والبارجة سفينة كبيرة للقتال وتجمع على بوارج، ومن أقوالهم: ما فلان إلا بارجة قد جمع فيه كل الشر أي انه شرير.
(صَدِيقِكُمْ) الصديق يكون واحدا أو جمعا وكذلك الخليط والقطين والعدو وهو الصادق في المودة والمخالّة، قال الشاعر:
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق
ومن هنا اختلس أبو نواس معناه في قوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق (أَشْتاتاً) : جمع شت بمعنى التفرق وفي المختار: «أمرشت بالفتح أي متفرق، تقول: شت الأمر يشت بالكسر من باب ضرب شتا وشتاتا بفتح الشين فيهما أي تفرق» .
الإعراب:
(وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حكم الأطفال الذين خرجوا عن حد الطفولة بأن يحتلموا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها بالبلوغ في وجوب الاستئذان وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة بلغ الأطفال مجرورة باضافة إذا إليها ومنكم حال والحلم مفعول به والفاء رابطة لجواب إذا واللام لام الأمر ويستأذنوا مضارع مجزوم باللام وكما نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي استئذانا كاستئذان الذين من قبلهم والذين فاعل ومن قبلهم متعلقان بالصلة. (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الكاف نعت لمصدر محذوف ويبين الله فعل مضارع وفاعل ولكم متعلقان بيبين وآياته مفعول به والله مبتدأ وعليم خبر أول وحكيم خبر ثان. (وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً) الواو استئنافية والقواعد مبتدأ ومن النساء حال واللاتي صفة للقواعد لا للنساء، إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ وجملة لا يرجون صلة ويرجون فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة والنون فاعل ونكاحا مفعول به.
(فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ) الفاء واقعة في جواب الموصول لأن الألف واللام في القواعد بمعنى اللاتي قعدن وجملة ليس خبر القواعد وعليهن خبر ليس المقدم وجناح اسمها المؤخر وأن وما في حيزها في موضع نصب بنزع الخافض أي في أن يضعن ثيابهن بمعنى ينزعن ثيابهن فيجوز النظر إلى أيديهن ووجوههن وسيأتي مزيد بسط لهذه الآية في باب البلاغة، وغير متبرجات حال وبزينة متعلقان بمتبرجات واعتبرها بعضهم بمعنى اللام أي غير مظهرات لزينة واعتبر آخرون الباء للتعدية أي غير مظهرات زينة.
وفي حاشية الشهاب على البيضاوي «قوله غير مظهرات زينة أشار به إلى أن الباء للتعدية ولذا فسر بمتعد مع أن تفسير اللازم بالمتعدي كثير ويؤيده أن أهل اللغة لم يذكروه متعديا بنفسه ولم نر من قال تبرجت المرأة حليها، وليست الزينة مأخوذة في مفهومه حتى يقال: انه تجريد كما توهم فمن قال انه اشارة إلى زيادة الباء في المفعول به فقد أخطأ» .
(وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة وأن وما في حيزها مبتدأ وخير خبر ولهن متعلقان بخير أي والاستعفاف من الوضع خير لهن، لما ذكر الجائز أعقبه بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها كقوله «وأن تعفوا أقرب للتقوى» «وأن تصدقوا خير لكم» والله مبتدأ وسميع خبر أول وعليم خبر ثان. (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) كلام مستأنف مسوق لأمر اختلف العلماء في تأويله، وأقرب ما ذكروه من تلك التأويلات: ان هؤلاء الطوائف الثلاث كانوا يتحرجون عن مؤاكلة الأصحاء فإن الأعمى ربما سبقت يده إلى أطيب الطعام فسبقت البصير اليه، والأعرج يتفسح في مجالسه فيأخذ مكانا واسعا فيضيق على السليم، والمريض لا يخلو من حالة مؤذية لقرينه وجليسه، فنزلت هذه الآية وسيأتي في باب الفوائد بقية الأقوال.
وليس فعل ماض ناقص وعلى الأعمى خبرها المقدم وحرج اسمها المؤخر ولا على الأعرج حرج عطف على ما سبقه وكذلك ما بعده.
(وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) الواو استئنافية وما بعدها كلام مستأنف لتقرير إباحة ما حرموه على أنفسهم ففي القرطبي «انه لما أنزل الله «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وان الطعام من أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فنزلت» ولا نافية وعلى أنفسكم خبر مقدم وأن وما في حيزها مبتدأ مؤخر ومن بيوتكم متعلقان بتأكلوا. (أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ) عطف على ما تقدم وإخوانكم بمعنى إخوتكم. (أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ) عطف أيضا على ما سبق.
(أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ) عطف ايضا على ما سبق.
(أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) ما عطف على ما سبق وجملة ملكتم صلة ومفاتحه مفعول به والمراد بها أموال الرجل إذا كان له عليها قيم أو وكيل يحفظها له، والمفاتح جمع مفتاح وتجمع على مفاتيح والمراد الخزائن، وأو حرف عطف وصديقكم معطوف على ما سبق. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً) الجملة بدل من الجملة السابقة وأن تأكلوا أن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي في أن تأكلوا وجميعا حال وأشتاتا عطف على جميعا والمعنى أنهم لما تحرجوا في الاجتماع على الطعام والمشاركة فيه لاختلاف الآكلين بيّن أنه لا حرج عليهم أن يأكلوا مجتمعين ومتفرقين وسيأتي مزيد بسط لهذا كله في بابي البلاغة والفوائد. (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة دخلتم في محل جر باضافة الظرف إليها وبيوتا نصب على المفعولية على السعة، وقد اختلف في المراد بهذه البيوت والصحيح أنها عامة لأنه لا دليل على التخصيص، فسلموا الفاء رابطة وسلموا فعل أمر وفاعل وعلى أنفسكم متعلقان بسلموا وتحية منصوب على المصدر من معنى فسلموا فهو مرادفه كقعدت جلوسا وفرحت جزلا ومن عند الله صفة لتحية أو بنفس التحية ومباركة صفة وطيبة صفة أيضا أي يرجى بها زيادة الخير وتطيب بها نفس المستمع. (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الكاف نعت لمصدر محذوف ويبين الله فعل مضارع وفاعل ولكم متعلقان بيبين والآيات مفعول به ولعل واسمها وجملة تعقلون خبر لعل.
البلاغة:
1- عكس الظاهر:
في قوله تعالى: «غير متبرجات بزينة» فن يطلق عليه بعض علماء البيان اسم عكس الظاهر وبعضهم يسميه نفي الشيء بايجابه وقد سبقت الاشارة اليه في كتابنا وهو من محاسن الكلام فإذا تأملته وجدت باطنه نفيا وظاهره إيجابا، أو أن تذكر كلاما يدل ظاهره على أنه نفي لصفة موصوف وهو نفي للموصوف أصلا ومن أهم أبياته قول امرئ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
فاللاحب هو الطريق الواضح والمنار هو العلامة توضع على الطريق للهداية وفي الحديث «إن للدين صوى ومنارا كمنار الطريق» وسافه شمه والعود المسن من الإبل والنباطي: الضخم وجرجر رغا وضج وأخرج جرته فقوله «لا يهتدى بمناره» لم يرد أن له منارا لا يهتدى به ولكن أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار.
وكذلك المراد هنا والقواعد من النساء اللاتي لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن الكلام فيمن هي بهذه المثابة، وكأن الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الثياب، وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذانا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد فكيف بالكواعب؟!.
2- الإيضاح:
وفي قوله «ولا على أنفسكم الآية» فن الإيضاح وهو أن يذكر المتكلم كلاما في ظاهره لبس ثم يوضحه في بقية كلامه، والإشكال الذي يحله الإيضاح يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي اعرابها ومعاني النفس دون الفنون، وقد سبق ذكره في هذا الكتاب، وهنا في هذه الآية ترد على ظاهرها أسئلة أولها: ما الفائدة في الاخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته؟ وكيف يظن أن على من أكل من بيته جناحا؟
وثانيها: لم يذكر بيوت الأولاد كما ذكر بيوت غيرهم من الأقارب القريبة؟
وثالثها: ما فائدة قوله «أو ما ملكتم مفاتحه» وظاهر الحال أن هذا داخل في قوله «من بيوتكم» ؟ ورابعها: كيف وقعت التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب؟
والأجوبة التي تتضح بها هذه الإشكالات الأربعة هي:
الجواب الأول:
أما فائدة الإخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته فإنما ذكر ذلك توطئة ليبني عليه ما يعطفه على جملته من البيوت التي قصد إباحة الأكل منها، فإنه إذا علم أن الإنسان لا جناح عليه أن يأكل من بيته فكذلك لا جناح عليه أن يأكل من هذه البيوت ليشير إلى أن أموال هذه القرابة كمال الإنسان، وإذا تساوت هذه الأموال سرى ذلك التساوي إلى الأزواج، فيكون سبحانه قد أدمج في ذلك الحض على صلة الأرحام ومعاملتهم معاملة الإنسان نفسه.
الجواب الثاني:
وأما عدم ذكر بيوت الأولاد فإنما ذكر من الأموال ما يظن بأن الأكل منه محظور فاحتاج إلى بيان الإباحة، وأما أموال الأولاد فتصرف الوالدين فيها كتصرفهم في أموالهم أنفسهم، لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه، ألا ترى أن الشرع يوجب على الولد نفقة الوالدين إذا كانا محتاجين؟ وفي الحديث: «إن طيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» .
الجواب الثالث:
وأما زعم القائل بأن الكلام فيه تداخل لأن قوله «أو ما ملكتم مفاتحه» هو ما في بيوتهم فإنه يحتمل أن يراد بما في البيوت المال التليد العتيد وما ملك الإنسان مفاتحه: المال الطريف المكتسب الذي يتسبّب الإنسان في تحصيله ويتعب في اكتسابه.
الجواب الرابع:
وأما سر التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب فهو تعريف حق الصديق الذي ساوى باطنه ظاهره في اخلاص المودة، ولا يسمى صديقا حتى يكون كذلك، فإن اشتقاق اسمه من صدق المحبة وصفاء المودة وهو الذي أشار اليه سبحانه بقوله «ولا صديق حميم» فإذا كان الصديق بهذه المثابة وعلى هذه الصفة ساوى هذه القرابة القريبة فليس على الإنسان جناح إذا تصرف في ماله تصرفه في مال نفسه.
فنون أخرى في الآية الكريمة:
هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة بعض إيضاح هذه الإشكالات على تسعة أضرب من فنون البديع ندرجها فيما يلي مع التلخيص والاختصار:
آ- صحة التقسيم: وذلك لاستيعاب الكلام جميع أقسام الأقارب القريبة بحيث لم يغادر منها شيئا.
ب- التهذيب: وذلك في انتقال الكلام على مقتضى البلاغة في هذا المكان، فإن مقتضى البلاغة تقديم الأقرب فالأقرب كما جاء فيها.
ج- حسن النسق: وذلك في اختياره «أو» لعطف الجمل وهي تدل على الإباحة.
د- الكناية: فقد كنى سبحانه عن الأموال بالبيوت التي هي حرز الأموال ومقرها من باب تسمية الشيء بما جاوره، كقولهم: سال الميزاب وجرى النهر.
هـ- المناسبة: وذلك بمناسبة الألفاظ بعضها ببعض في الزنة وهي واضحة في لفظة آبائكم وإخوانكم وأعمامكم وأخوالكم.
والمثل: وذلك في قوله: «ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا وأشتاتا» خرج مخرج المثل السائر الذي يصح أن يتمثل به في كل واقعة تشبه واقعته.
ز- التذييل: فإن الكلام الذي خرج مخرج المثل جاء تذييلا لمعنى الكلام المتقدم لقصد توكيده وتقريره.
ح- المطابقة: وذلك في قوله «جميعا أو أشتاتا» فإن هاتين اللفظتين تضادتا تضادا أوجب لهما وصفها بالمطابقة لأن المعنى جميعا أو متفرقا.
ط- المقارنة: وذلك في موضعين: أحدهما اقتران التمثيل بالتذييل كما تقدم بيانه، والثاني اقتران المطابقة بالتمكين فإن فاصلة هذا الكلام في غاية التمكين.
الفوائد:
ذكرنا في باب الإعراب أقرب الوجوه في تأويل قوله تعالى «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ» الآية ووعدناك بأن نورد بقية الوجوه التي ذكرها المفسرون: فقد كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم والى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك وخافوا أن يلحقهم فيه حرج وكرهوا أن يكون أكلا بغير حق لقوله تعالى «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» فقيل لهم ليس على الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.
وقيل كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون، حكي عن الحارث بن عمرو أنه خرج غازيا وخلف مالك بن زيد في بيته وماله فلما رجع رآه مجهودا فقال: ما أصابك؟ قال لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك فقيل لي ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا منه ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
وقيل نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد فعلى هذا تم الكلام قوله «ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences