DarwishAli 'Imran · 3:111–120

Darwish · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:111–120

3:111–112Page 64

لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.

ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢

They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

اللغة:

(ثُقِفُوا) تقدم معناها فيما سبق وهي هنا بمعنى أدركوا وغلبوا وذلوا. ومن أقوالهم: طلبناه فثقفناه في مكان كذا، أي أدركناه.

وثقفت العلم في أوحى مدة إذا أسرعت في أخذه. وكان أبو تمام ثقفا لقفا (باؤُ) : رجعوا.

الإعراب:

(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ضررهم منقطع يقع في فترات لا يؤبه لها. ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويضروكم فعل مضارع منصوب بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل والكاف مفعول به وإلا أداة حصر وأذى مفعول مطلق أي ضررا مقتصرا على أذى مؤقت لا يلبث أن يزول فالاستثناء مفرغ، وقيل: الاستثناء هنا منقطع، وعليه اقتصر ابن جرير الطبري، قال:

وهذا من الاستثناء المنقطع الذي هو مخالف معنى ما قبله كما قيل: ما اشتكى شيئا إلا خيرا، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعا (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويقاتلوكم فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول والأدبار مفعول ثان (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) ثم حرف عطف وتراخ وقد أتت هنا لمجرد الاستئناف ولا نافية وينصرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، وسيأتي في باب البلاغة سر العدول عن العطف على الفعل المجزوم كما يقتضيه سياق الكلام، كأنه قال: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير ضرب الذلة على اليهود وضربت فعل ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث وعليهم جار ومجرور متعلقان بضربت والذلة نائب فاعل وأينما اسم شرط جازم منصوب على الظرفية المكانية متعلق بضربت وثقفوا فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط والواو نائب فاعل والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فقد ضربت عليهم (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) إلا أداة استثناء والجار والمجرور في محل نصب على الاستثناء من أعم الأحوال فيكون مستثنى بمعنى الحال أي ضربت عليهم الذلة في أعم أحوالهم إلا في هذه الحالة وهي اعتصامهم بحبل من الله ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة، وعلى هذا فهو استثناء متصل، وقال آخرون: هو منقطع. وسيأتي مزيد بيان لهذا الإعراب في باب الفوائد (وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) عطف على قوله بحبل من الله (وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) الواو حرف عطف وباءوا فعل ماض معطوف والواو فاعل والجملة عطف على جملة ضربت وبغضب جار ومجرور متعلقان بباءوا ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لغضب (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) عطف على ما تقدم وعليهم جار ومجرور متعلقان بضربت والمسكنة نائب فاعل ضربت وكرر الجملة تأكيدا للذلة المضروبة على اليهود (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب ضرب الذلة والمسكنة على اليهود واسم الاشارة مبتدأ والاشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة وغضب الله، وبأنهم الباء حرف جر، وأن واسمها والمصدر المؤول من أن وما في حيزها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر اسم الإشارة، وكان واسمها، والجملة خبر «أنهم» ، وجملة يكفرون في محل نصب خبر كانوا وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بيكفرون (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) عطف على ما تقدم والأنبياء مفعول به وبغير حق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) كلام مستأنف سيق لبيان تعليل العلة، فعصيانهم سبب لكفرهم وقتلهم الأنبياء، وهما سبب الذلة والمسكنة والغضب، واسم الإشارة مبتدأ والباء حرف جر وما مصدرية أي:

بسبب عصيانهم، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر «ذلك» ، وكان واسمها، وجملة يعتدون خبرها.

البلاغة:

اشتملت هاتان الآيتان على ضروب من البلاغة بلغت أسمى حدود الإعجاز ولئن أسهب علماء البلاغة، عليهم رضوان الله، في إظهار أسرارها، وسبر أغوارها واكتناه مخبآتها، فقد أتيح لنا أن نشهد بأم أعيننا مصير فلسطين بسبب اليهود، وبسبب ما نالوه من نجاح خالب مؤقت، وسنوجز القول فيما قاله علماء البلاغة أولا، ثم نعقب عليه بما استنتجناه بأنفسنا وحدسنا به من مآل اليهود الذي لا بد منه.

1- في الآية الأولى فن يقال له: «فن الإيضاح» ، وهو أن يذكر المتكلم كلاما في ظاهره لبس ثم يوضحه في بقية كلامه، والإشكال الذي يحله الإيضاح يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي إعرابها، فإن في ظاهر هذه الآية إشكالين أحدهما من جهة الإعراب والآخر من جهة المعنى. فأما الذي من جهة الإعراب فعطف ما ليس بمجزوم على المجزوم، والذي من جهة المعنى أن صدر الآية يغني عن فاصاتها، لأن توليهم عند المقاتلة دليل على الخذلان، والخذلان والنصر لا يجتمعان والجواب أن الله سبحانه أخبر المؤمنين بأن عدوهم هذا إن قاتلهم انهزم ثم أراد تكميل العدة بإخبارهم أنه مع توليه الآن لا ينصر أبدا في الاستقبال فهو مخذول أبدا ما قاتلهم.

ولو وقع الاقتصار على دون الفاصلة لم يوف الكلام بهذا المعنى المراد، لأنه لا يعطي قوله: «وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار» أنهم متى قاتلوهم كان الأمر كذلك فإن قولك: «إذا جاء زيد أكرمته» لا يلزم منه متى جاء على الدوام والاستمرار كان عليك الإكرام، وإنما يعطي أنه إن جاءك أكرمته لتلك الجيئة، ولعلمه سبحانه أن الاقتصار على ما هو دون الفاصلة لا يفهم منه دوام هذه البشارة إلى آخر الأبد، والمقصود ديمومتها، قال: «ثم لا ينصرون» ومنع الفعل الجزم وإن عطف على مجزوم ليبقى على المعنى الذي وضعت له صيغة المضارع من الدلالة على الحال والاستقبال، ونوى في الفعل الاستئناف لا العطف على ما تقدم، والله سبحانه يريد إدخال الطمأنينة في روع المؤمنين الذين تعاهدوا على الموت، لأن الاستشهاد في معمعان الوغى وصحصحان الجهاد هو مستهل حياة قشيبة جديدة هي حياة المجد والخلود على حد قول الشاعر:

إن تسل أين قبور العظما ... فعلى الأفواه أو في الأنفس

نقول: أراد الله سبحانه أن يؤكد للمؤمنين المجاهدين أن النصر سيكون حليفهم فأعقب الكلام الذي تم بجملة توضح اليقين وهي قوله: «ثم لا ينصرون» ليفيد الديمومة والاستمرار في الجهاد، وعدم الاستسلام للعدو، ويبشرهم بأن عدوهم مخذول أبدا وأن عليهم أن يباشروا قتاله في كل وقت، وأن لا يهنوا إذا خيل إليهم أن عدوهم قد ظهر عليهم، فلا بد له أن يخذل في مستقبل الأيام، فإن تاريخ الأمة لا يحسب بحساب الزمن، ولا يعد بالسنين القليلة وإن حياة الأمم والشعوب ليست كحياة الافراد.

والإشكال الثاني أنه عطف الفعل المضارع المرفوع على المضارع المجزوم، وهو يبدو للوهلة الأولى أو لأصحاب النظر السطحي المجرد أنه خلاف الأولى، ولكنه عدل عن الجزم إلى الرفع ليعلم أن عدم النصر لهم هو عهد قطعه الله على نفسه، ومن أصدق من الله حديثا أو عهدا وإن انتفاء النصر عنهم مستمر إلى الأبد، ولا عبرة في الحالات الطارئة، والظروف الاستثنائية المؤقتة التي تسنح لهم في الفترات الطويلة المتعاقبة التي ينتصرون فيها فعدل عن الجزم الذي يقتضيه سياق الكلام، كأنه قال ثم أخبركم مبشرا بأنهم لا ينصرون في المستقبل أبدا. كما أشرنا إلى ذلك في باب الإعراب.

2- والفن الثاني في هذه الآية هو: «فن التعليق» . وهو أن يتعلق الكلام إلى حين، ولذلك اختير لفظ «ثم» دون حروف العطف، لأنه يدل على المهلة الملائمة لدلالة الفعل المضارع على الاستقبال، كأنه قال: ثم هاهنا ما هو أعلى في الامتنان، وأسمى في مراتب الإحسان، وهو أن هؤلاء اليهود قوم لا ينصرون البتة مهما وأتتهم الامكانيات، ومهما أغدقت عليهم المساعدات.

3- والفن الثالث في هذه الآية هو فن المطابقة المعنوية بين نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.

4- والفن الرابع في هذه الآية هو: «فن الاحتراس» . لأن الكلام لو عطف بالواو مثلا لظن قصار النظر أنهم إنما وعدوا بالنصر في تلك الحالة ليس غير، فدفع هذا الظن بكلمة «ثم» التي تقطع قطعا لا يرين عليه الشك، بأن النتيجة الحتمية هي النصر المؤزر للمؤمنين، خشية أن يظن بعض الذين لا يحبون المسارعة إلى الموت بأن الوعد بالنصر في تلك الحالة فقط، وأن الحرب قد تكون سجالا، وأنه قد يأتي دورهم بالنصر، فنفى سبحانه هذا الاحتمال، وقطع على هؤلاء الظانين الطريق لالتماس المعاذير للتخلف عن الجهاد.

5- والفن الخامس: هو الإيغال أي عدم الوقوف عند تولية الأدبار مع تمام الكلام، فأتم بما يوافق بقية الفواصل مع ما يكمل به المعنى التام.

6- ثم جاءت الآية الثانية مكملة للفنون التي تضمنتها الآيتان وذلك على الوجه التالي:

آ- الكناية التي هي هنا عبارة عن نسبة، وقد تقدم ذكرها، وهي في ضرب الذلة والمسكنة عليهم كما يضرب البيت أو القبة على أهلهما على حد قول أبي الطيب المتنبي:

إن في ثوبك الذي المجد فيه ... لضياء يزري بكل ضياء

ب- الاستعارة التمثيلية في تشبيه التمسك بأسباب السلامة بالتمسك بالحبل الوثيق وقد تدلى من مكان عال، فهو آمن من مغبة السقوط والخذلان والارتطام.

فإذا أضفنا إلى ما تقدم من فنون ما تميزت به الآيتان من «حسن الافتتان» و «جمال النسق» و «روعة العبارة» و «نصاعة البيان» تبين لك إلى أي مدى وصلتا اليه من إعجاز وسمو تميز بهما كتاب الله العظيم.

الفوائد:

اختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب الباء في قوله تعالى: «إلا بحبل من الله وحبل من الناس» فقال بعض نحويي الكوفة وعلى رأسهم الفراء في كتابه «معاني القرآن» : الذي جلب الباء في قوله: بحبل، فعل مضمر قد ترك ذكره. ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فأضمر في ذلك. واستشهد الفراء بقول حميد بن ثور الهلالي:

رأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق

وقال: أراد أقبلت بحبليها. ويقول أبي الطمحان القيني:

حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد

قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أني بقيد

يريد مقيدا بقيد فأوجب إعمال فعل محذوف وإظهار صلته وهو متروك، وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد.

إلى أن يقول: وقال بعض نحويي البصرة: قوله: «إلا نحبل من الله» استثناء خارج من أول الكلام، قال الفراء: وليس ذلك بأشد من قوله: «لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما» ، وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا أي بكل مكان إلا بموضع حبل من الله، كما تقول ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان. وهذا أيضا طلب الحق فأخطأ المفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم لوجب أن يكون إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة، وليس ذلك صفة اليهود لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس فالذلة مضروبة عليهم، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل فلو كان قوله:

الا بحبل من الله وحبل من الناس، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلة مضروبة عليهم، وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبين بذلك فساد قول هذا القائل أيضا.

تعليق ابن جرير:

وقال أبو جعفر الطبري: ولكن القول عندنا أن الباء في قوله: إلا بحبل من الله، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء يقتضي في المعنى الباء، وذلك أن معنى قوله: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا: ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا فيه، ثم قال: إلا بحبل من الله وحبل من الناس، على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قيل في:

«وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» ف «خطأ» وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستثناء فليس قوله باستثناء متصل بالأول، بمعنى إلا خطأ فإن له قتله كذلك، ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وإن كان الذي جلب الباء التي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله، بمعنى أن القوم إذا لقوا فالذلة زائلة عنهم بل الذلة ثابتة بكل حال، ولكن معناه ما بيناه آنفا.

وقد آن أن ننتهي من هذا البحث الذي طال بعض الطول ونحمد الله على أنه ألهمنا ما لم يلهم أحدا من قبل. ولعلهم لو امتد بهم العمر إلى أيامنا لأدركوه كما أدركناه، وسبروا غوره كما سبرناه. ولعل من خير حسن الختام أن ننبه إلى خطأ وقع فيه بعض الأئمة من المتقدمين وجل من تنزه عن الخطأ، فقد زعم بعض من لا تحصيل له أن المعطوف على جواب الشرط ب «ثم» لا يجوز جزمه البتة قال: لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب الشرط يقع بعده وعقبه، و «ثم» تقتضي التراخي فكيف يتصور وقوعه عقب الشرط؟ فلذلك لم يجزم مع «ثم» .

وهذا فاسد واضح البطلان، وليس لنا أن نستشهد على بطلانه إلا بقوله تعالى: «وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم» ف «لا يكونوا» مضارع مجزوم نسقا على «يستبدل» الواقع جوابا للشرط والعاطف ثم. وبهذا يكتمل عقد هذا البحث الذي نزفه إلى العالمين العربي والإسلامي ليستبشروا فالنصر آت، وزوال هذه الدويلة المسخ وعد تنزلت به الآيات. ونقتبس هذه العبارة للزمخشري فهي خير ما يقال: «وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها، وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون، منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بنجاح ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر» ، والله الموفق للصواب.

3:113–115Page 64

۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].

يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤

They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥

And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.

اللغة:

(الآناء) الساعات، واحدها أنى بفتح الهمزة والنون، بوزن عصا، أو إنى بكسر الهمزة وفتح النون بوزن معى، أو أني بفتح الهمزة وسكون النون بوزن ظبي، أو إني بكسر الهمزة وسكون النون بوزن حمل.

الإعراب:

(لَيْسُوا سَواءً) كلام مستأنف مسوق لبيان التفاوت بين أهل الكتاب، وليس واسمها وخبرها، والوقف تام على سواء (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) الجملة مستأنفة أيضا مسوقة لبيان ما أجمله، ولتعداد محاسن مؤمنى أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن عبيد وأمثالهم من اليهود الذين أسلموا، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأمة مبتدأ مؤخر وقائمة صفة، واختار الفراء أن تكون أمة مرفوعة على أنها فاعل سواء، ولا أدري كيف استقام له ذلك مع ما فيه من توهين نظام الجملة (يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) جملة يتلون صفة ثانية لأمة والواو فاعل يتلون وآيات الله مفعوله وآناء الليل ظرف زمان متعلق بيتلون وهم الواو للحال وهم مبتدأ وجملة يسجدون في محل رفع خبر (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الجملة صفة ثالثة لأمة والجار والمجرور متعلقان بيؤمنون واليوم عطف على الله والآخر صفة لليوم (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) جمل ثلاث معطوفة على جملة يؤمنون بالله (وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو استئنافية واسم الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر اسم الإشارة (وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) الواو استئنافية وما شرطية في محل نصب مفعول به مقدم ليفعلوا ويفعلوا فعل الشرط مجزوم والواو فاعل والجار والمجرور في محل نصب على الحال والفاء رابطة ولن حرف نصب ويكفروه فعل مضارع منصوب بلن والواو نائب فاعل والهاء مفعول به ثان وقد نصب فعل كفر مفعولين لأنه تضمن معنى الحرمان والمنع وجملة فلن يكفروه في محل جزم جواب الشرط (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعليم خبره والجار والمجرور متعلقان بعليم.

3:116–117Page 65

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.

اللغة:

(الصر) بكسر الصاد: الريح الباردة، كالصّرصر. قال حاتم الطائي:

أوقد فإن الليل ليل قرّ ... والريح يا غلام ريح صر

وسيأتي المزيد عنها في باب البلاغة.

الإعراب:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) كلام مستأنف مسوق لذكر خلة من خلال اليهود، وهي حبهم للمال وشراهتهم إليه، ومعاداتهم من أجله، على أن خصوص الحديث يفيد عمومه، فليس الحديث عن بني قريظة والنضير بمانع من شموله لكل من يجعل ديدنه حب المال والتطويح بكل خلق جميل في سبيله، وإن واسمها، وجملة كفروا صلة ولن حرف نصب وتغني فعل مضارع منصوب بلن وعنهم جار ومجرور متعلقان بتغني وأموالهم فاعل ولا أولادهم عطف على «أموالهم» ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل نعت لقوله شيئا وتقدم عليه، وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به وجملة لن تغني في محل رفع خبر إن (وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) الواو عاطفة وأولئك اسم إشارة مبتدأ وأصحاب النار خبره والجملة معطوفة على جملة لن تغني (هُمْ فِيها خالِدُونَ) هم مبتدأ وفيها جار ومجرور متعلقان بقوله خالدون وخالدون خبر «هم» والجملة خبر ثان لأولئك. َثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا)

جملة مستأنفة مسوقة لضرب المثل في بيان كيفية عدم إغناء أموالهم التي كانوا يعولون عليها في دفع المضار النازلة بهم، ومثل مبتدأ وما اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة ينفقون صلة وفي هذه جار ومجرور متعلقان بينفقون والحياة بدل من اسم الإشارة والدنيا صفة للحياةَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ)

الجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مثل وريح مضاف اليه وفيها جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم مبتدأ مؤخر والجملة صفة ريحَ صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ)

جملة أصابت صفة ثانية لريح، وحرث قوم مفعول به لأصابت وجملة ظلموا في محل جر صفة لقوم وأنفسهم مفعول به لظلموا فأهلكته عطف على أصابتَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

الواو استئنافية وما نافية وظلمهم الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ولكن مخففة من الثقيلة مهملة لمجرد الاستدراك وأنفسهم مفعول به مقدم ليظلمون ويظلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.

البلاغة:

1- التشبيه التمثيلي فقد شبه سبحانه ما أنفقوه في عدم جدواه وقلة غنائه بالحرث الذي عصفت به الريح الصر، وأصل الكلام: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم فأصابته ريح فيها صرّ، ولكن خولف النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة وهي تقديم ما هو أهم لأن الريح التي هي مثل العذاب ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث، فقدمت عناية بذكرها، واعتمادا على أن الأذواق والفطر المستقيمة تستطيع رد الكلام إلى أصله على أيسر وجه.

وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على أن صدقة الكفار لا تنفع أصحابها، لأن العقيدة هي الأصل، وعليها الاعتماد، وهذا أسمى ما يصل إليه البيان.

2- التتميم: وقد تقدم ذكره، وهو أن يأتي المتكلم بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو صفاته، والتتميم هنا في كلمة «فيها صر» فإنها أفادت المبالغة كما أفادت التجسيد والتشخيص، كما تقول: برد بارد وليلة ليلاء ويوم أيوم، ثم قيد الصر بالظرفية، لأن الريح مطلقة ثم قيدها بالظرفية، وكل مقيد ظرف لمطلقه، لأن المطلق بعض المقيد، فحصل التجسيد والتشخيص. وهذه من عيون النكت البلاغية، فاحرص عليها والله يعصمك.

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

اللغة:

(بِطانَةً) بطانة الرجل بكسر الباء ووليجته من يطلعه على أسراره ثقة به وارتكانا على مودته. وهو مشبه ببطانة الثوب، وهي خلاف ظهارته. وفي مختار الصحاح: «وليجة الرجل خاصته وبطانته» ومنه قول الشاعر:

وهم خلصائي كلهم وبطانتي ... وهم عيبتي من دون كل قريب

(يَأْلُونَكُمْ) من ألا في الأمر أي قصر فيه. ويتعدى إلى مفعولين، لأنه يتضمن معنى المنع، يقال: لا آلوك نصحا، أي: لا أمنعك نصحا.

وقيل: هو لازم لا ينصب مفعولا. وسيأتي ذلك مفصلا في باب الإعراب.

(خَبالًا) الخبال بفتح الخاء: الفساد، وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا، يقال: خبله بالتخفيف، وخبّله بالتشديد، فهو خابل ومخبّل، وذاك مجنون ومخبّل.

(عَنِتُّمْ) العنت بفتح العين والنون: شدة الضرر والمشقة.

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتحذير المؤمنين من موالاة اليهود، لما بينهم من أواصر قرابة وصداقة، والمراد إطلاقه، فموالاة المستعمر الأثيم لا تجوز مطلقا.

وقد تقدم إعراب النداء ولا ناهية وتتخذوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وبطانة مفعول به ومن دونكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لبطانة أي كائنة من غيركم أو من غير أبناء جنسكم، ويجوز تعليقها بتتخذوا فيكون الجار والمجرور في موضع المفعول به الثاني لتتخذوا، وعلى الأول مفعول تتخذوا الثاني محذوف إيجازا، وتقديره أصفياء أو أولياء (لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا) الجملة مستأنفة كأنها بمثابة البيان لحال البطانة الكافرة العدوة، وقيل هي صفة ثانية لبطانة، لا نافية ويألونكم فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول وخبالا مفعول به ثان. وإذا قلنا الفعل لازم فتكون الكاف في محل نصب بنزع الخافض أي: لا يألون لكم، وخبالا منصوب أيضا بنزع الخافض أي: في الخبال، ولك أن تنصبه على التمييز أو على أنه مصدر في موضع الحال (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ) الجملة مستأنفة كسابقتها، وقيل:

هي صفة ثالثة لبطانة، وكلاهما صحيح، وودوا فعل وفاعل وما مصدرية مؤولة مع ما في حيزها بمصدر هو المفعول به أي ودوا عنتكم وضرركم وسوء ثقتكم (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) الجملة مستأنفة أيضا أو هي صفة رابعة لبطانة، وقد حرف تحقيق وبدت فعل ماض مبني على الفتح المقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والبغضاء فاعل ومن أفواههم جار ومجرور متعلقان ببدت وعلقهما أبو البقاء بمحذوف منصوب على الحال. ومعنى ظهور البغضاء من أفواههم أنهم ينسبون بما ينم على البغضاء المركوزة في سلائقهم وخلالهم (وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) الواو للحال أو للاستئناف، فالجملة حالية أو مستأنفة وما اسم موصول مبتدأ وجملة تخفي صلة وصدورهم فاعل تخفي وأكبر خبر «ما» (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) الجملة مستأنفة تفيد التعليل مسوقة لتقرير أن الآيات المترادفة جديرة بحملكم على موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وقد حرف تحقيق وبينا فعل ماض وفاعل ولكم جار ومجرور متعلقان ببينا والآيات مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسم كنتم وجملة تعقلون خبر كنتم، والجواب محذوف تقديره فلا توادوهم أبدا.

البلاغة:

1- الاستعارة التصريحية في قوله بطانة إذ هي في الأصل بطانة الثوب المعروفة ثم استعيرت لخصيص الرجل وصفيه الذي يفضي إليه بذات نفسه وخلجات صدره.

2- الانفصال: وهو أن يقول المتكلم ما يوهم أنه معلوم ظاهر، ولكنه ينطوي على أمر وراء ذلك، وهو أبعد غاية وأسمى متناولا، وذلك في قوله «من أفواههم» فإن المعلوم أن المرء يعبر عما يكنه بفمه، والانفصال في ذلك التسجيل عليهم بأنهم لا يتمالكون أن تند عن ألسنتهم ألفاظ تنم على الشعور بالبغضاء والموجدة.

3- الطباق بين بدت وتخفي.

الفوائد:

اختلف علماء النحو والبيان في إعراب الجمل الواقعة بعد بطانة، وقد أجزنا أن تكون مستأنفات على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة من دون جنسكم وأبناء قومكم. وعليه جرى الزمخشري فقال: «الأحسن والأبلغ أن تكون مستأنفات، ويجوز أن تكون صفات متعاقبة» . وقد منع الواحدي هذا الوجه لعدم وجود حرف العطف، وزعم أنه لا يقال: لا تتخذ صاحبا يؤذيك أحب مفارقتكم. على أنه يظهر لي أن الصفة تتعدد بغير عاطف كما يتعدد الخبر نحو «الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان» .

بين ابن هشام والرازي:

تعقب ابن هشام الإمام فخر الدين الرازي بصدد هذه الآية فقال مانصه: «وحصل للإمام فخر الدين في تفسير هذه الآية سهو، فإنه سأل:

ما الحكمة في تقديم «من دونكم» على «بطانة» ؟ وأجاب بأنّ محط النهي هو «من دونكم» لا «بطانة» فلذلك قدم الأهم وليست التلاوة كما ذكر.

وأبو حيان وهم وتبعه الصفاقسيّ والحلبيّ:

ومضى ابن هشام في تعقيبه قائلا: ونظير هذا أن أبا حيان فسر في سورة الأنبياء كلمة «زبرا» بعد قوله تعالى: «وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ» وإنما هي في سورة المؤمنون، وترك تفسيرها هناك، وتبعه على هذا السهو رجلان لخصا من تفسيره إعرابا.

قلت: أراد ابن هشام بالرجلين اللذين شاركا أبا حيان في سهوه هما الصفاقسي وشهاب الدين الحلبي المعروف بالسمين.

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

اللغة:

(العض) : تحامل الأسنان بعضها على بعض، وعضه بأسنانه:

تناوله، يقال: عضضت بكسر الضاد أعض عضا وعضيضا، والعض كله بالضاد إلا مع الزمان أو نحوه في قولهم: عظ الزمان أي اشتد، وعظت الحرب أي اشتدت، فإنهما يتبادلان. وللعين والضاد إذا كانتا فاء وعينا للكلمة خاصة غريبة خاصة، فهما تفيدان معنى الشدة والإيذاء وما يدخل في معناهما، قال الأخطل:

ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر

والعضب الشتم والقطع، ولا يخفى ما فيهما من شدة ومن إيذاء وسيف عضب أي: قاطع، وشاة عضباء: مكسورة القرن، وعضده شد أزره وساعده، والمؤمن معضود بتوفيق الله، قال تعالى: «سنشد عضدك بأخيك» ، وداء معضل: صعب لا يحل، وبه مرض عضال، وقد أعيا الأطباء وأعضلهم، وأعضل الأمر، وتزوج ذو الإصبع فأتى حيه يسألهم مهرها فمنعوه فقال: واحدة أعضلكم أمرها ... فكيف لو درت على أربع

وفلان عضلة من العضل أي داهية من الدواهي. وهذا من أعجب ما يسمع عن هذه اللغة الشريفة.

(الْأَنامِلَ) : جمع أنملة وهي رأس الإصبع.

الإعراب:

(ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) جملة مستأنفة مسوقة لتنبيه المؤمنين على خطئهم بموالاة اليهود، وها للتنبيه وقرع العصا وأنتم مبتدأ وأولاء خبره، وقد تقدم أن اسم الإشارة لا بد من ذكره لوجود «ها» التي هي للتنبيه وجملة تحبونهم حالية أو مستأنفة كأنها بمثابة البيان لخطئهم وسوء اختيارهم لأصفيائهم وجملة ولا يحبونكم معطوفة على جملة تحبونهم وأعرب الجلال وغيره أولاء منادى أي يا هؤلاء فتكون جملة تحبونهم هي الخبر (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ) يصح أن تكون الواو عاطفة فالجملة معطوفة على جملة تحبونهم، ويصح أن تكون الواو حالية فتكون الجملة نصبا على الحال، وبالكتاب جار ومجرور متعلقان بتؤمنون وكله تأكيد للكتاب، وفي هذا منتهى التنديد بهم، لأن مصافاة من لا يحبك أمر يستوجب اللوم والتنديد. هذا وقد منع أبو حيان أن تكون الواو حالية، لأن المضارع المثبت إذا وقع حالا لا تدخل عليه واو الحال، تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز: ويضحك، وانتهى إلى القول: لكن الأولى ما ذكرناه من كونها للعطف (وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا) الواو استئنافية وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وجملة لقوكم في محل جر بالإضافة وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة آمنا في محل نصب مقول القول (وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) الواو عاطفة وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة خلوا في محل جر بالإضافة وخلا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل وجملة عضوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم جار ومجرور متعلقان بعضوا والأنامل مفعول به ومن الغيظ جار ومجرور في محل نصب تمييز أي غيظا ويجوز أن تكون بمعنى اللام فتفيد العلة فيكون الجار والمجرور في محل نصب مفعول لأجله أي من أجل الغيظ (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) الجملة مستأنفة وجملة موتوا في محل نصب مقول القول وبغيظكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف نصب على الحال أي متلبسين يغيظكم (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الجملة مستأنفة تفيد التعليل للأمر بالموت، والأسهل أن تكون من جملة المقول فتكون في محل نصب بالقول، وإن واسمها وخبرها، وبذات الصدور: جار ومجرور متعلقان بعليم. ومعنى ذات الصدور: المضمرات وخلجات النفوس، فذات تأنيث ذي، بمعنى صاحبة الصدور، وجعلت صاحبة الصدور لأنها لا تنفك عنها.

البلاغة:

1- في هذه الآية فن الكناية، وعض الأنامل كناية عن صفة. وقد جرت عادة العرب على التعبير عن المغتاظ النادم على ما فعل بعضّ الأنامل والبنان، وقد طفحت أشعارهم بهذا التعبير، قال أبو طالب: وقد صالحوا قوما علينا أشحة ... يعضون عضا خلفنا بالأباهم

2- وفي الآية خروج الأمر عن معناه الحقيقي إلى معنى الدعاء عليهم بديمومة غيظهم.

الفوائد:

ذهب الكوفيون إلى أن أسماء الإشارة إذا أريد بها التقريب كانت من أخوات كان في احتياجها إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، نحو:

كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادما؟ وكيف أخاف البرد وهذه الشمس طالعة، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود نحو هذا ابن صياد أسقى الناس، فيعربون هذا للتقريب اسما ناقصا والمرفوع اسم التقريب والمنصوب خبر التقريب. وهو كلام منطقي، ولذلك أوردناه للاطلاع عليه.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

الإعراب:

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) كلام مستأنف سيق لبيان تناهي عداوتهم وافتنانهم في أصناف العداوات، وإن شرطية وتمسسكم فعل الشرط مجزوم والكاف مفعول به مقدم وحسنة فاعل مؤخر وتسؤهم جواب الشرط المجزوم والهاء مفعول به (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها) جملة معطوفة على الجملة السابقة مماثلة لها في الإعراب (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) الجملة معطوفة أيضا وإن شرطية وتصبروا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وتتقوا عطف على تصبروا ولا نافية ويضركم جواب الشرط، وحرك بالضم لاتباع ضمة الضاد. كما هي القاعدة في الفعل المضعف، وقد تقدمت.

ويجوز تحريكها بالفتح لخفتها كما في قراءة ثانية، وهناك قراءة ثالثة، وهي: يضركم بكسر الضاد وسكون الراء، من ضاره يضيره، أي:

يضرّه، والكاف مفعول به وكيدهم فاعل وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر (إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) جملة مستأنفة تفيد التعليل وإن واسمها، ومحيط خبرها وبما جار ومجرور متعلقان بمحيط وجملة يعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول.

البلاغة:

في الآية استعارة مكنية جميلة، فقد استعير المس للحسنة، وهي لا تمس الإنسان للدلالة على أنها أقل تمكنا من الإصابة، إشارة إلى أن الكافرين يستاءون مما يصيب المؤمنين من خير، وإن سنح لهم سنوحا أو مر بهم مرورا عارضا. أما إذا تمكنت السيئة منكم واجتاحتكم فلا تسل عن مدى فرحهم وسرورهم وهذا من بديع الكلام الذي تتقطع دونه الأعناق.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском