Darwish · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:145–158
3:145Page 68
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥
And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.
اللغة:
(مُؤَجَّلًا) مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر، من أجل الشيء أو أجله بالتشديد والتخفيف، أي ضرب له أجلا لا محيد عنه.
الإعراب:
(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لتحقيق ما تقدم وهو أن كل نفس لن تموت إلا بمشيئة الله وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن طوح بنفسه وخاض المعارك. والواو استئنافية وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولنفس جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم وأن تموت المصدر المنسبك من أن وما في حيزها اسمها المؤخر وإلا أداة حصر وبإذن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير: وما كان لها أن تموت إلا مأذونا لها (كِتاباً مُؤَجَّلًا) كتابا مصدر منصوب على المفعولية المطلقة المفيدة لتأكيد مضمون الجملة التي قبله لأن المعنى كتب الموت كتابا ومؤجلا صفة واختار ابن عطية أن يكون منصوبا على التمييز، وقيل: هو منصوب على الإغراء ولا داعي لهذا التكلف البعيد (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن الذين تركوا مراكزهم وطلبوا الغنائم ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويرد فعل الشرط وثواب الدنيا مفعول به ونؤته جواب الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة والهاء مفعول به وجملة فعل الشرط وجوابه خبر من وقد تقدم تقرير ذلك وفيها جار ومجرور متعلقان بنؤته (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها) تقدم إعراب هذه الآية (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) الواو استئنافية وسنجزي فعل مضارع مرفوع وفاعله نحن والشاكرين مفعول به والجملة استئنافية لا محل لها.
3:146Page 68
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦
And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.
اللغة:
(رِبِّيُّونَ) ربانيون نسبة إلى الرب، وقد تقدم بحثها ووردت في اللغة بتثليث الراء والفتح هو القياس والضم والكسر من تغييرات النسب.
(اسْتَكانُوا) : ضعفوا وذلوا والاستكانة الانكسار والوهن وأصل هذا الفعل استكن من السكون لأن السكون الذل وأصله: (استكون) فنقلت الفتحة إلى الكاف ثم قلبت الواو ألفا.
الإعراب:
(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) كأين خبرية بمعنى كم الخبرية وهي في محل رفع مبتدأ ومن نبي تمييز كأين وتنوينه للتكثير أي كثير من الأنبياء وجملة قاتل خبر كأين ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية نصب على الحال (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الفاء عاطفة وما نافية ووهنوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل ولما اللام حرف جر وما اسم موصول في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بوهنوا وجمله أصابهم صلة وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ولك أن تجعل ما مصدرية والمصدر المنسبك من ما وما في حيزها مجرور باللام (وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا) عطف على «ما وهنوا» . (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يحب الصابرين خبر.
الفوائد:
(كَأَيِّنْ) بمعنى كم في الاستفهام والخبر. وهي مركبة من كاف التشبيه ومن أي الاستفهامية وقد حدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم الخبرية، ولا تتعلقان بشيء لأنهما صارتا بمنزلة كلمة واحدة ولذلك رأى أبو حيان أن تكون «كأين» كلمة بسيطة غير مركبة، ولم أجد من يؤيده وإن كان رأيه جميلا سهلا وهي توافق كم الخبرية في خمسة أمور: 1- الإبهام 2- الافتقار إلى التمييز 3- البناء 4- لزوم التصدير 5- إفادة التكثير أو التكثير تارة والاستفهام تارة أخرى. قال أبي لابن مسعود كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟ قال:
ثلاثا وسبعين. وتخالف كم في خمسة أمور 1- أنها مركبة وكم بسيطة 2- أن مميزها مجرور بمن غالبا حتى زعم بعضهم لزومه وهو مردود بما رواه سيبويه ويونس أنهما سمعا من يقول كأي رجلا 3- أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور 4- أنها لا تقع مجرورة فلا تقول بكأين تبيع هذا؟ وأجازه بعضهم 5- أن خبرها لا يقع مفردا، قال زهير:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
وقال الخليل وسيبويه: هي «أي» دخلت عليها كاف التشبيه وثبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى كم وصورت في المصحف نونا لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغير معناها، فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها أربع لغات قرىء بها: احداها «كائن» كقول زهير، والثانية كأي مثل كعيّن وهو الأصل، والثالثة كأين مثل كعين، والرابعة كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة.
3:147–148Page 68
وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧
And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨
So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.
الإعراب:
(وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) الواو عاطفة والكلام معطوف على ما تقدم لبيان محاسنهم القولية بعد أن أثبتوا محاسنهم الفعلية، وما نافية وكان فعل ماض ناقص وقولهم خبرها المقدم واسمها أن المصدرية وما في حيزها، وقرأ ابن كثير وعاصم برفع «قولهم» على أنه اسم كان والخبر أن وما في حيزها، وإلا أداة حصر والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا) ربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وجملة اغفر في محل نصب مقول القول ولنا جار ومجرور متعلقان باغفر وذنوبنا مفعول به وإسرافنا عطف عليه، في أمرنا جار ومجرور متعلقان باسرافنا وإنما نسبوا الإسراف إلى أنفسهم هضما لها وقدموا طلب الغفران باعتباره أهم لديهم من كل شيء (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الواو حرف عطف وثبت فعل دعاء وأقدامنا مفعول به وانصرنا عطف أيضا وعلى القوم جار ومجرور متعلقان بانصرنا والكافرين صفة (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا) الفاء عاطفة أو استئنافية وآتاهم الله فعل ومفعول به وفاعل وثواب الدنيا مفعول به ثان (وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) الواو حرف عطف وحسن عطف على ثواب، وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن تنويها بفضله وأنه أولى ما يعتد به المرء وينشده (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يحب المحسنين خبر.
3:149–151Page 69
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩
O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.
بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠
But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.
سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١
We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.
اللغة:
(الرعب) بضم الراء وسكون العين وضمها وقد قرىء بهما:
الخوف، يقال: رعبته فهو مرعوب، وأصله الامتلاء، يقال: رعبت الحوض أي ملأته، وسيل راعب أي: ملأ الوادي، ويتعدى بنفسه وبالهمزة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) إن شرطية وتطيعوا فعل الشرط والواو فاعل والذين اسم موصول مفعول به وجملة كفروا صلة والجملة كلها مستأنفة مسوقة لتحذير المؤمنين من الاغترار بأقوال المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم، ولو كان محمد نبيا لما قتل. وقيل: إن تستكينوا لأبي سفيان وجماعته يردوكم إلى دينهم (يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) يردوكم جواب الشرط مجزوم والواو فاعل والكاف مفعول به وعلى أعقابكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ) الفاء عاطفة وتنقلبوا فعل مضارع معطوف على يردوكم وخاسرين حال (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ) بل حرف إضراب وعطف والله مبتدأ ومولاكم خبر.
والكلام معطوف على ما هو من مضمون الشرط، كأنه قيل: فليسوا أنصارا لكم حتى تطيعوهم بل الله، وقرىء الله بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: بل أطيعوا الله، ومولاكم بدل منه (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ وخير الناصرين خبره (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) كلام مستأنف مسوق على طريق الالتفات للتنبيه على هول ما سيلقيه تعالى في قلوبهم، والسين حرف استقبال ونلقي فعل مضارع مرفوع وفاعله نحن وفي قلوب جار ومجرور متعلقان بنلقي والذين اسم موصول في محل جر بالاضافة وجملة كفروا صلة لا محل لها والرعب مفعول به لنلقي (بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) بما الباء حرف جر وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بنلقي أي: بسبب اشراكهم أو ما اسم موصول والجملة صلة، وبالله جار ومجرور متعلقان بأشركوا وما اسم موصول مفعول أشركوا وجملة لم ينزل به سلطانا صلة الموصول وبه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «سلطانا» وسلطانا مفعول ينزل (وَمَأْواهُمُ النَّارُ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لبيان أحوالهم في الآخرة بعد بيان أحوالهم في الدنيا من الخذلان المبين، ومأواهم مبتدأ والنار خبره ويجوز العكس ولعله أولى (وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم ومثوى فاعل مضاف لمقترن ب «ال» والظالمين مضاف اليه والمخصوص بالذم محذوف تقديره: النار.
البلاغة:
1- الالتفات في قوله تعالى: «سنلقى» فقد التفت من الغيبة إلى التكلم للاهتمام بما يلقيه تعالى في قلوبهم.
2- الاستعارة في قوله تعالى: «سنلقى» لأن الإلقاء لا يكون إلا في الإجرام فاستعير هنا للرعب تجسيدا وتشخيصا بتنزيل المعنوي منزلة المادي.
3:152–153Page 69
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
اللغة:
(تَحُسُّونَهُمْ) تقتلونهم قتلا ذريعا وتستأصلونهم، من حسّه يحسّه، من باب نصر، إذا أبطل حسّه. قال جرير:
تحسهم السيوف كما تسامى ... عريق النار في الأجم الحصيد
(تُصْعِدُونَ) بضم التاء من أصعد أي ذهب بعيدا في الجبل وفي الأرض، ويقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض.
(تَلْوُونَ) تصرفون وجوهكم ولا تعرجون على أحد.
الإعراب:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتفصيل موقعة أحد كما ذكرتها المطولات واللام جواب القسم محذوف وقد حرف تحقيق وصدقكم الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ووعده منصوب بنزع الخافض لأن صدق يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر أي بوعده (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بصدقكم وجملة تحسونهم في محل جر بإضافة الظرف إليها وبإذنه جار ومجرور متعلقان بمحذوف حان من فاعل تحسونهم أي مأذونا لكم (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) يجوز في حتى هنا أن تكون حرف غاية وجر بمعنى إلى، وتكون مع مدخولها متعلقة بتحسونهم أي: تقتلونهم إلى هذا الوقت، وعلقها الزمخشري بصدقكم، أي: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم.
وكلاهما صحيح ويجوز أن تكون ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متعلق بجوابه وجملة فشلتم في محل جر بالإضافة وجواب إذا محذوف على الصحيح والتقدير منعكم نصره أو انهزمتم أو بانت لكم الحقيقة جلية واضحة وتنازعتم الواو عاطفة وجملة تنازعتم عطف على جملة فشلتم وفي الأمر جار ومجرور متعلقان بتنازعتم (وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ) عطف على ما تقدم ومن بعد جار ومجرور متعلقان بعصيتم وما مصدرية مؤولة مع الفعل بعدها بمصدر مضاف ل «بعد» وأراكم فعل ماض والفاعل هو والكاف مفعول به أول وما اسم موصول مفعول به ثان وجملة تحبون صلة لا محل لها (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) الجملة مفسرة لا محل لها والمعنى: حتى إذا كان ذلك كله وانقسمتم إلى قسمين، ثم فسر القسمين. ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة يريد صلة الموصول والدنيا مفعول به ومنكم من يريد الآخرة عطف على الجملة الأولى وفيها تفسير للقسم الثاني (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) ثم حرف عطف وتراخ وجملة وصرفكم عطف على جواب إذا المحذوف أي منعكم نصره ثم صرفكم عنهم أي ردكم عنهم ليمتحن صبركم وثباتكم، وعنهم جار ومجرور متعلقان بصرف ليبتليكم اللام للتعليل ويبتلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بصرف أيضا (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) الواو استئنافية واللام جواب لقسم محذوف وقد حرف تحقيق وعفا فعل ماض وعنكم جار ومجرور متعلقان بعفا (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وذو فضل خبر وعلى المؤمنين جار ومجرور متعلقان بفضل أو بمحذوف صفة له (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمحذوف تقديره: اذكر أو بصرفكم أو بعفا عنكم كأنه من باب التنازع، وجملة تصعدون في محل جر بالاضافة ولا تلوون عطف على تصعدون ولك أن تجعل الواو حالية فتكون الجملة منصوبة على الحال وعلى أحد جار ومجرور متعلقان بتلوون (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ) الواو حالية والرسول مبتدأ وجملة يدعوكم خبر وفي أخراكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي: كائنا في ساقتكم أو في جماعتكم، وهو تصوير جميل لموقف القائد وثباته وهو يقول: إليّ إليّ عباد الله، أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة (فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) الفاء عاطفة وأثابكم فعل ماض ومفعول به وغما يجوز أن يكون مفعولا ثانيا بتضمين أثابكم معنى المجازاة والإعطاء، ويجوز أن يعرب تمييزا.
وبغم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة أي غما متصلا بغم (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ) اللام حرف جر وكي حرف تعليل ونصب واستقبال ولا زائدة وتحزنوا فعل مضارع منصوب بكي والجار والمجرور متعلقان بأثابكم وعلى ما فاتكم جار ومجرور متعلقان بتحزنوا وجملة فاتكم صلة الموصول ولا ما أصابكم عطف على «ما فاتكم» (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وخبير خبر وبما جار ومجرور متعلقان بخبير وجملة تعملون صلة الموصول.
الفوائد:
(كي) : للعرب فيها مذهبان:
1- أحدهما أن تكون للفعل بنفسها بمنزلة «أن» وتكون مع ما بعدها بمنزلة اسم كما كانت «أن» كذلك.
2- وثانيهما أن تكون حرف جر بمنزلة اللام فينصب الفعل بعدها بإضمار «أن» كما ينتصب بعد اللام فاذا كانت بمنزلة «أن» جاز دخول اللام عليها كالآية الآنفة الذكر وإذا كانت حرف جر جاز دخولها على الأسماء كدخول حرف الجر، من ذلك قول العرب كيمه؟
فأدخل كي على «ما» في الاستفهام كما يدخل عليها حروف الجر نحو:
لم وبم وعمّ، فحذف الألف كما يحذفها مع حروف الجر وأدخل عليها هاء السكت في الوقف فقال: كيمه.
3:154Page 70
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
اللغة:
(النعاس) : بضم النون مقاربة النوم أو أوله، وفترة في الحواس.
الإعراب:
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً) ثم: حرف عطف للترتيب مع التراخي وأنزل فعل ماض والجملة عطف على فأثابكم وأثابكم عطف على صرفكم، وعليكم جار ومجرور متعلقان بأنزل ومن بعد الغم جار ومجرور متعلقان بأنزل أيضا وأمنة مفعول به ونعاسا بدل من أمنة، ويجوز أن يكون بدلا مطابقا بالنظر لمصدوقهما، وأن يكون بدل اشتمال لأن كلّا منهما مشتمل على الآخر والعائد محذوف للعلم به أي فيهما ولأن الكلام يرشد اليه كما سترى في باب الفوائد.
(يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) الجملة صفة لقوله «نعاسا» وطائفة مفعول به ليغشى ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لطائفة، وهم الذين صدقوا ربهم وثبت يقينهم (وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) الواو استئنافية وطائفة مبتدأ، وساغ الابتداء به لوصفه بمحذوف دل عليه السياق أي من غيركم بدليل يغشى طائفة منكم وجملة قد أهمتهم أنفسهم هي الخبر والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) جملة يظنون حالية من الهاء في أهمتهم، ويجوز جعل «قد أهمتهم أنفسهم» صفة وجملة يظنون هي الخبر، وبالله جار ومجرور متعلقان بيظنون وغير الحق صفة لمفعول مطلق محذوف والمعنى يظنون بالله غبر الظن الحق الذي يجب أن يساور النفوس، وظن الجاهلية بدل من «غير الحق» أو منصوب على المصدرية التشبيهية، أي ظنا مثل ظن الجاهلية أو منصوب بنزع الخافض، وعلى هذا لم يذكر ليظنون مفعولين وتكون الباء ظرفية كما تقول: ظننت بزيد، وإذا كان ذلك كذلك لم تتعد «ظننت» إلى مفعولين، وقد نص النحاة على ذلك وعليه قول الشاعر:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في السابري المسرّد
(يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) جملة يقولون بدل من جملة يظنون وهل حرف استفهام إنكاري معناه النفي أي: ليس لنا، ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن الأمر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء ثم تقدمت الصفة على الموصوف فأعربت حالا، ومن حرف جر زائد وشيء مجرور بمن لفظا في محل رفع مبتدأ مؤخر والجملة مقول القول (قُلْ: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) الجملة معترضة وان واسمها، وكله تأكيد ل «الأمر» لأنه يتجزأ ولله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن والجملة في محل نصب مقول القول (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) جملة يخفون حال من ضمير يقولون، أي: يقولون فيما بينهم متسارّين، وفي أنفسهم جار ومجرور متعلقان بيخفون وما اسم موصول مفعول به ولا نافية وجملة يبدون لا محل لها لأنها صلة ما ولك جار ومجرور متعلقان بيبدون (يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا) جملة يقولون مستأنفة مسوقة لبيان ما قبله، ولتكون بمثابة شروع في الحديث عنهم مجددا تطرية لنشاط السامع واسترعاء لانتباهه.
ولو شرطية وكان فعل ماض ناقص ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم ومن الأمر جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وشيء اسم كان المؤخر وما نافية وقتلنا فعل ماض مبني للمجهول ونا نائب فاعل وجملة ما قتلنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وهاهنا الهاء للتنبيه وهنا اسم اشارة في محل نصب ظرف مكان متعلق بقتلنا (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن الآجال مكتوبة وأنهم لو أقاموا في المدينة لحدثت لهم أسباب يخرجون فيها لملاقاة حتوفهم وأنهم إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ولو شرطية وكنتم كان واسمها، وفي بيوتكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة في محل نصب مقول القول (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ) اللام واقعة في الجواب وبرز الذين فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة كتب عليهم القتل صلة الذين والى مضاجعهم جار ومجرور متعلقان ببرز أي إلى مصارعهم (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ) الواو عاطفة على محذوف تقديره: وفعل ما فعله في أحد لمصالح جمة وليبتلي، اللام للتعليل ويبتلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بالفعل المحذوف أي فعل ذلك. لمصالح تجهلونها وليبتلي ما في الصدور، وما اسم موصول مفعول به وفي صدوركم جار ومجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول (وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ)
عطف على ليبتلي ما في صدوركم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لتأكيد علمه تعالى بالسرائر والكوامن، والله مبتدأ وعليم خبر وبذات الصدور جار ومجرور متعلقان بعليم.
البلاغة:
لو شئنا الإسهاب في إظهار مواطن البلاغة المنطوية فيها لضاق بنا المجال، وحسبنا أن فلم بها إلماما سريعا يأتي على ما تطول فيه العبارة وتمتد، فمنها:
1- الإيجاز: ويبدو في كثير من المواطن فيها على الشكل التالي:
آ- في كلمة ثم الواقعة في مستهلها للدلالة على أن تراخيا من الزمن قد امتد بعد أن حل بهم ما حل في وقعة أحد في تلك الحادثة العجيبة، فبعد تصعيدهم في الجبل، وإشاحة وجوههم عن رؤية ما حدث لفرط ما نابهم من الدهشة واستولى عليهم من الفزع والهلع أتبعهم الله غما بعد غم أو على غم، أو بسببه حدث نزول الأمن فرنّق النعاس في الأجفان، وهوّمت الرؤوس، واسترخت المفاصل فكانوا يميدون تحت الحجف، وكانت السيوف تسقط من أيديهم.
والحجف بفتحتين جمع حجفة اسم الترس أو الدرقة.
ب- في كلمة «أمنة» وإبدال النعاس منها إيجاز كثير يدل على أن الأمن والهدوء استوليا عليهم فور ترنيق النعاس وأخذ دبيب الكرى بمعاقد أجفانهم، وإنما ينعس من أمن وزايله الخوف، والخائف لا ينام، بل يرى أعداءه في كل مكان. وقد رمق المتنبي هذه السماء العالية فقال: وضاقت الأرض حتى كاد خائفهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ج- في كلمة «شيء» من قوله: «هل لنا من الأمر من شيء» التي احتوت على ما تضيق عنه الصحف كالنصر والظهور على العدو بعد أن اشتدت وطأته وضراوته.
د- في حذف خبر «طائفة» تنزيها لهم عن نسبة من اهتموا بأنفسهم ولم تبق لهم رغبة إلا في نجاتها دون النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فانهم لم يناموا، أما تقدير الخبر فيمكن أن يقدر: «تعرفهم بسيماهم» .
2- الكناية فقد كنى بالمضاجع عن المصارع حيث لاقوا حتفهم وصافحوا مناياهم.
3- المخالفة في جواب لو، فقد جاء مرة بغير لام وجاء مرة مقترنا بها وفي هذا سر عجيب فقد قال: «لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا هاهنا» ثم قال: «لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل» والقاعدة المعروفة هي أن جواب لو إذا كان منفيا بما فالأكثر عدم اللام وفي الإيجاب بالعكس لأن الإيجاب أحوج إلى التثبيت والترسيخ وهذا من الأسرار التي تميز كتاب الله بها ليكون المعجزة أبد الدهر.
الفوائد:
1- هذه الآية تجمع حروف المعجم ليس في القرآن غيرها وغير آية الفتح وهي قوله تعالى: «محمد رسول الله» إلى قوله: «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما» .
2- لا بد في بدل الاشتمال من عائد يربطه بالأول فأما في قوله:
«نعاسا» فالمراد: نعاسا فيها، لأن المخاطب يعلم ذلك بسهولة كما تقدم. لأن كلا من الأمنة والنعاس مشتمل على الآخر.
3:155Page 70
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥
Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.
اللغة:
(اسْتَزَلَّهُمُ) طلب منهم الزلل واستدرجهم اليه. والزلل هو الانحراف عن الحق والوقوع في المناكر.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) كلام مستأنف مسوق لبيان سبب هزيمة المنهزمين واستزلال الشيطان إياهم، فحرموا قوة القلب وثبات الجنان، وهما عدة النصر. وإن واسمها، وجملة تولوا صلة الموصول ومنكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ويوم ظرف زمان متعلق بتولوا وجملة التقى في محل جر بالاضافة (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) الجملة خبر إن وانما كافة ومكفوفة واستزلهم الشيطان فعل ومفعول به وفاعل وأعاد إن بطريق الحصر تنبيها على مصدر الغي وسببه، وهو ركونهم إلى الشيطان وإنصاتهم لداعيه. وببعض جار ومجرور متعلقان باستزلهم وما اسم موصول في محل جر بالاضافة وجملة كسبوا صلة الموصول والعائد محذوف أي بتركهم المركز الذي أمرهم الرسول بالثبات فيه فجرهم ذلك إلى الهزيمة (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لاعلان العفو عنهم بعد ما تابوا واعتذروا واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق وعفا الله فعل وفاعل وعنهم جار ومجرور متعلقان بعفا (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) ان واسمها، وغفور حليم خبران لإن والجملة تعليلية لقوله: عفا عنهم.
3:156Page 70
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦
O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.
اللغة:
(ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) : سافروا فيها وأبعدوا في سفرهم للتجارة أو للغزو أو لغير ذلك من المقاصد.
(غُزًّى) جمع غاز، والقياس غزاة كرام ورماة وساع وسعاة، ولكنهم حملوا المعتل على الصحيح.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم اعرابها (لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) لا ناهية وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا والواو اسمها وكالذين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ولك أن تجعل الكاف اسما بمعنى مثل فتكون هي الخبر والذين اسم موصول مضاف اليه وجملة كفروا صلة، وجملة النهي مستأنفة مسوقة لتحذير المؤمنين من الاحتذاء بالمنافقين والنطق بمثل ما قالوه (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) عطف على الصلة والمراد بالاخوة اتفاق الجنس أو النسب. وإذا لمجرد الظرفية يراد بها حكاية الحال الماضية تجسيدا للصورة والظرف متعلق بقالوا وجملة ضربوا في الأرض في محل جر بالاضافة لوقوعها بعد الظرف (أَوْ كانُوا غُزًّى) عطف على جملة ضربوا في الأرض وغزّى خبر كانوا والواو اسمها (لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا) الجملة في محل نصب مقول القول ولو شرطية وكان واسمها، وعندنا ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كانوا أي مقيمين عندنا وجملة ما ماتوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة وما قتلوا عطف على جملة ما ماتوا (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) اللام لام العاقبة أو الصيرورة أي قالوا ذلك ليصيروا إلى هذه العاقبة، ويجعل فعل مضارع بأن مضمرة جوازا بعد لام العاقبة وهي والمصدر المجرور بها متعلقان بفعل محذوف يفهم من السياق أي: قالوا ذلك واعتقدوه، والله فاعل وذلك مفعول به أول وحسرة مفعول به ثان وفي قلوبهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لحسرة. والمشار اليه هو الجهر بالقول والاعتقاد، وجعله الزجاج ظنهم بأنهم لو لم يحضروا لم يقتلوا (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يحيي خبر وجملة يميت عطف على جملة يحيي (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ بما جار ومجرور متعلقان ببصير وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول وبصير خبر «الله» .
البلاغة:
1- في هذه الآية فن رائع من فنون البلاغة وهو حكاية الحال الماضية استحضارا للصورة في الذهن وتجسيدا للمعنى المراد وتشخيصا لما يريد المتكلم عرضه، فإذا ظرف للمستقبل وقد جاء متعلقا بقالوا، وهي فعل ماض، وكان ظاهر الكلام يقضي باستعمال «إذ» المفيدة للمضيّ، ولكنه عدل عنها إلى «إذا» لحكاية الحال الماضية، واستحضارها في الذهن، وفائدتها استمرار الزمان المنتظم للحال الذي يدور عليه الحديث إلى وقت التكلم، وقد فصل الزجّاج هذا المعنى تفصيلا بارعا بقوله: «إذا هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو يقصد بها الاستمرار» .
2- الطباق بين يحيي ويميت، وهو من أوجز الحديث وأصدقه وأبعده في الدلالة على المعنى المراد، فانه سبحانه قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الهلكة، ثم يميت المقيم والقاعد مع أخذهما بأسباب الحيطة والحذر. وقد رمق أبو الطيب المتنبي هذه السماء العالية من البلاغة بقوله: يقتل العاجز الجبان وقد يعجز عن قطع بخنق المولود
ويوقّى الفتى المخشّ وقد خوّ ... ض في ماء لبة الصنديد
يقول: لا تجبن، ولا تحرص على الحياة، فالعجز والجبن ليسا من أسباب البقاء وليسا بمنجيين من الموت، ويرحم الله خالد بن الوليد أنه قال عند موته: «ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء» .
الفوائد:
(لام العاقبة) أو الصيرورة هي التي تدل على مآل الشيء وعقباه وحكمها في العمل حكم لام التعليل في إضمار أن بعدها جوازا وستأتي أمثلة منها.
3:157–158Page 70
وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧
And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].
وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨
And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.
الإعراب:
(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير أن ما تحذرون وقوعه ليس مما ينبغي أن يحذر منه بل يجب أن يكون حافزا لكم على القتال ومواصلة الجهاد. والواو استئنافية واللام موطئة للقسم المقدر وإن شرطية وقتلتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وهو مبني للمجهول والتاء نائب فاعل وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بقتلتم أو متم عطف على قتلتم ومتم فعل ماض من مات يموت كقال يقول فهي بضم الميم ويجوز كسرها إذا كانت من مات يمات كخاف يخاف وقد قرىء بهما (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) اللام لام الابتداء ومغفرة مبتدأ ساغ الابتداء به مع انه نكرة لوصفه بالجار والمجرور ورحمة عطف على مغفرة وخير خبر ومما جار ومجرور متعلقان بخير وجملة يجمعون صلة ما، ولام الابتداء ومدخولها جملة لا محل لها لأنها جواب للقسم حسب القاعدة المقررة وهي أنه إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب يعطى للمتقدم منهما (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) تقدم اعرابها (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) اللام ومدخولها جواب القسم، والى الله جار ومجرور متعلقان بتحشرون وتحشرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
البلاغة:
في هذه الآية والتي قبلها فن منتظم في باب التقديم والتأخير، فقد ورد الموت والقتل فيهما ثلاث مرات، وتقدم الموت على القتل في الأول والأخير منها، وتقدم القتل على الموت في المتوسط، تبعا لتقديم الأهم والأشرف.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences