DarwishAl‑Ma'idah · 5:24–37

Darwish · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:24–37

5:24–26Page 112

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤

They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥

[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."

اللغة:

(أَبَداً) : ظرف زمان، وهو هنا تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول.

(يَتِيهُونَ) : يسيرون في الأرض متحيرين لا يهتدون طريقا.

والتيه: المفازة التي يتاه فيها.

(تَأْسَ) : تندم وتحزن والأسى: الحزن. ولامه يحتمل أن تكون من واو لقولهم: رجل أسواة، أي: كثير الحزن، ويحتمل أن تكون من ياء، فقد حكي: رجل أسيان، وفي مختار الصحاح:

«وأسي على مصيبته من باب «صدي» أي: حزن، وقد أسي له أي حزن له.

الإعراب:

(قالُوا: يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها) كلام مستأنف مسوق للدلالة على تماديهم في العصيان. وقالوا: فعل وفاعل، وجملة النداء وما بعدها في محل نصب مقول قولهم، وإن واسمها، وجملة لن ندخلها خبر، وأبدا ظرف زمان متعلق بندخلها، وما داموا ما:

مصدرية ظرفية، وداموا هي دام الناقصة، والواو اسمها، وفيها متعلقان بمحذوف خبرها، وهذا الظرف بدل من «أبدا» لأنه بمثابة البيان له، فهو بدل مطابق أو كل من كل، وقيل: هو بدل بعض من كل، لأن الأبد يعم الزمن المستقبل كله، وديمومة الجبارين فيها بعضه (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) الفاء الفصيحة، كأنهم قد أضمروا كلاما ينطوي على الاستهانة والسخرية بالله ورسوله. واذهب فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت، وأنت تأكيد للفاعل المستتر، وربك عطف على الفاعل المستتر في «اذهب» ، وجاز للتأكيد بالضمير، كما نصّ على ذلك ابن مالك في الخلاصة:

وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل

فقاتلا عطف على «اذهب» ، والألف فاعل قاتل (إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان إصرارهم على أنهم لن يتقدموا، وإن واسمها، والهاء للتنبيه وهنا اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق ب «قاعدون» ، وقاعدون خبر إن (قالَ: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) الجملة مستأنفة مسوقة للبثّ والشكوى إلى الله، والحسرة ورقة القلب، وهي من الوسائل التي تستمطر فيها الرحمة ويستنزل النصر. وقال فعل ماض والفاعل هو، ورب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وقد تقدم القول مسهبا في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم، وإن واسمها، والجملة مقول القول، وجملة لا أملك خبر إن، وإلا أداة حصر، ونفسي مفعول به، وأخي من طريف الإعراب وهو يحتمل الرفع والنصب والجر، وكلها متساوية.

أوجه الرفع:

فالرفع من ثلاثة أوجه هي:

1- أن يكون عطفا على الضمير المستتر في «أملك» .

2- أن يكون عطفا على محل إن واسمها.

3- أن يكون مبتدأ حذف خبره، والتقدير: وأخي لا يملك إلا نفسه.

وجها النصب:

والنصب من وجهين:

1- أن يكون معطوفا على اسم إنّ.

2- أن يكون معطوفا على نفسي.

وجه الجر:

والجر من وجه واحد:

أن يكون معطوفا على الياء المجرور باضافة نفس إليها.

(فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) الفاء استئنافية، وافرق فعل دعاء بمعنى: احكم لنا بما نستحقه، واحكم عليهم بما يستحقونه.

وبيننا ظرف متعلق ب «افرق» ، وبين القوم الفاسقين عطف على «بيننا» (قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) الجملة مستأنفة، وفاعل «قال» مستتر تقديره: الله تعالى، والفاء زائدة في الإعراب لتمكين التأكيد، وإن واسمها، ومحرمة خبرها، وعليهم متعلقان بمحرمة، وأربعين ظرف زمان متعلق بيتيهون، فيكون التحريم على هذا غير مؤقت بهذه المدة، أو متعلقان بمحرمة، فيكون التحريم مقيدا بهذه المدة، وسنة تمييز، وجملة فانها محرمة مقول القول، وجملة يتيهون في الأرض حالية، أي: حالة كونهم تائهين ضاربين في متاهات الأرض ومناكب الصحاري تتخبطهم الحسرة، وتتعاورهم الحيرة. (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفت هذا فلا تحزن، ولا ناهية، وتأس فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وعلى القوم متعلقان ب «تأس» ، والفاسقين صفة لقوم.

الفوائد:

قد يتساءل متسائل فيقول: كيف قال موسى: إني لا أملك إلا نفسي وأخي، مع أنه كان معهما الرجلان المذكوران، وهما يوشع وكالب؟ فالجواب أنه لم يطمئن إلى ثباتهما بعد أن رأى الأكثرية الساحقة مصرة على التعنت، ولم تكن النبوة قد هبطت على يوشع بن نون، فلم يذكر معه إلا النبي المعصوم، وهو أخوه هارون. وهنا أقاصيص مطوّلة، يرجع إليها القارئ في المطولات من التفاسير.

5:27–29Page 112

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧

And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.

إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."

اللغة:

(قُرْباناً) : القربان: بضم القاف، وفيه وجهان:

1- إنه اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل، من صدقة أو نسك أو غير ذلك، كالحلوان بضم الحاء أيضا: اسم ما يحلى، أي: يعطى.

يقال: قرب صدقة، وتقرب بها، لأن «تقرّب» مطاوع «قرّب» .

2- أن يكون مصدرا في الأصل، ثم أطلق على الشيء المتقرّب به كقولهم: نسج اليمن، ويدلّ على ذلك أنه لم يثن، والموضع موضع تثنية، لأن كلّا من قابيل وهابيل له قربان يخصّه، والأصل أن يقول: قربانين. وقال أصحاب الرأي الأول: لا حجة في هذا، لأن المعنى: إذ قرّب كل واحد منهما قربانا، كقوله تعالى: «فاجلدوهم ثمانين جلدة» ، أي كل واحد منهم ثمانين جلدة.

(تَبُوءَ) : ترجع.

الإعراب:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) الجملة معطوفة على الفعل المقدر في قوله: «وإذ قال موسى لقومه» ، يعني: اذكر يا محمد لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم، وهما: هابيل وقابيل، وقصة القربان وسببه. وقصة قتل قابيل لهابيل طفحت بها المطوّلات من التفاسير.

واتل فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وعليهم متعلقان ب «اتل» ، ونبأ مفعول به، وابني مضاف إلى «نبأ» وحذفت النون للاضافة، وآدم مضاف إلى «ابني» ، وبالحق متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، أي: تلاوة ملتبسة بالحق، أو حال من الفاعل، فيكون التقدير: حال كونك ملتبسا بالحق، أي: بالصدق، أو من المفعول به، أي: اتل نبأهما ملتبسا بالحق والصدق (إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بنبإ، أي: اتل قصتهما وخبرهما الواقع في ذلك الوقت، أو هو بدل منه، أي: واتل عليهم النبأ، نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف وجملة قربا في محل جر بالاضافة، وقربا فعل وفاعل، وقربانا مفعول به، فتقبل: الفاء عاطفة وتقبل فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على «قربانا» ، ومن أحدهما جار ومجرور متعلقان بتقبل، ولم يتقبل من الآخر عطف على تقبل (قالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) جملة لأقتلنك في محل نصب مقول القول، واللام موطئة للقسم، وأقتلنك فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بالنون الثقيلة، والكاف مفعول به، وإنما كافة ومكفوفة، وجملة إنما يتقبل الله من المتقين مقول القول. (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) اللام موطئة للقسم، وان شرطية، وبسطت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، وإلي متعلقان ببسطت، ويدك مفعول به، والجملة مستأنفة مبينة لما أراد قوله، ولتقتلني اللام لام التعليل، وتقتلني فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجار والمجرور متعلقان ببسطت، وما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وأنا اسمها، والباء حرف جر زائد، وباسط اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبرها، ويدي مفعول به لباسط لأنه اسم فاعل، وإليك متعلقان بباسط، ولأقتلك اللام لام التعليل، وأقتلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجملة جواب القسم لتقدمه على الشرط، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه (إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) الجملة تعليلية، وإن واسمها، وجملة أخاف الله خبرها، ورب العالمين بدل من الله أو صفة (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) الجملة تعليل ثان لامتناعه عن المقاتلة بعد التعليل الأول، وإن واسمها، وجملة أريد خبرها، والفاعل مستتر تقديره أنا، وأن تبوء مصدر مؤوّل في محل نصب مفعول به لأريد، وبإثمي جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال من فاعل تبوء، أي: ترجع حاملا له، أو ملابسا له. فتكون الفاء عاطفة، وتكون فعل مضارع ناقص معطوف على تبوء تبعه في النصب واسمها أنت، ومن أصحاب النار متعلقان بمحذوف خبر تكون (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية وذلك اسم اشارة في محل رفع مبتدأ، وجزاء الظالمين خبر.

البلاغة:

1- في قوله: «إنما يتقبل الله من المتقين» الكلام الجامع المانع، فقد جمعت هذه الجملة الكثير من المعاني بكلام مختصر، فقد اشتملت على فحوى القصة من أولها إلى آخرها، والقصة مطولة يجدها القارئ في المطوّلات. وخلاصة المعنى أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متّق، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له:

ما يبكيك؟ فقد كنت وكنت. قال: إني أسمع الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين.

2- في قوله: «إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك» فن الاتساع.

وهو أن يأتي المتكلم بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه، فيتّسع التأويل فيه على قدر عقول الناس وتفاوت أفهامهم. وهو في الآية في إرادته إثم أخيه، لأن معناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب.

ولما لم يكن بدّ من إرادة أحد الأمرين: وهما إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول فاضطر إلى الثاني، فلم يرد إذن إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل، ولم تكن حينئذ مشروعة، فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإنسان الشهادة.

ومعناها أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله رجاء إثم الكافر بقتل الكافر ضمنا وتبعا. والذي يدل على ذلك أنه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان، فيحبط عنه إثم القتل الذي كان به الشهيد شهيدا، أعني بقي الإثم على قاتله وأحبط عنه، إذ ذلك لا ينقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه، فدلّ على أنه أمر لازم تبع لا مقصود.

أقوال للعلماء:

هذا وقد أقاض علماء التفسير والنحو والبلاغة في هذه الآية، ويتلخص مما أوردوه أن هناك ثلاثة تأويلات:

أ- إنه على حذف همزة الاستفهام أي: إني أريد أأن تبوء؟

وهو استفهام استنكاري لأن إرادة المعصية معصية.

ب- أن «لا» محذوفة، تقديره: إني أريد أن لا تبوء بإثمي، كقوله تعالى: «يبين الله لكم أن تضلوا» أي: أن لا تضلوا.

ج- إن الإرادة على حالها، وهي إما ارادة مجازية أو حقيقية، وجازت إرادة ذلك به لمعان ذكرها المفسرون، ومن جملتها أنه ظهرت له قرائن تدل على قرب أجله، وأن أخاه كافر، وأن ارادة العقوبة بالكافر حسنة.

3- جاء الشرط بلفظ الفعل، وهو قوله: بسطت، والجواب بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: «ما أنا بباسط» لإفادة أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا العمل المنكر، ولذلك أكده بالباء الزائدة المؤكدة للنفي.

المتنبي والاتساع:

وعلى كل حال تبدو هذه الآية والاتساع فيها مما يدق على الأفهام، ولكنها دقة لازمة تنطوي على الكثير من المعاني المتصيّدة من الكلام. وقد رمق المتنبي سماءها فكثيرا ما كان يجنح إلى هذا الضرب من البلاغة فيدق كلامه. فمن اتساعه قوله:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

فظاهر الكلام يوحي بالبداهة الأولى أن «لها» جار ومجرور متعلقان بوجدت، ولكن فيه تعدّي فعل الفعل الظاهر إلى ضميره المتصل، وذلك ممتنع، فيجب أن يقدر صفة في الأصل ل «سبلا» فلما تقدم عليه صار حالا، كما أن قوله: «إلى أرواحنا» ، كذلك إذ المعنى: سبلا مسلوكة إلى أرواحنا. ولك في «لها» وجه غريب، وهو أن تقدر «لها» جمعا للهاة، كحصى وحصاة، وتكون «المنايا» مضافة إليها، ويكون إثبات اللهوات للمنايا استعارة، شبهت بشيء يبتلع الناس، ويكون أقام اللها مقام الأفواه لمجاورة اللهوات للنعم، فاللهاة بالفتح هي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.

ومن ذلك قوله في الغزل.

كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا

واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا

فليس المعنى كما يظنه الناس من أنه رأى قمرين في وقت واحد القمر ووجهها، وإنما التحقيق أنها لما استقبلت قمر السماء ارتسم خياله في وجهها فرآهما في وقت واحد، كما تقابل الأشكال المرآة، فتنطبع الصورة فيها، فترى المرآة والأشكال المنطبقة فيها في وقت واحد معا.

وقد أخطا التبريزي حين شرح البيت وقد قال: يجوز أنه أراد قمرا وقمرا، لأنه لا يجتمع قمران حقيقيان في ليلة، كما لا تجتمع الشمس والقمر. وقد تشبث أحد الشعراء بأهداب المتنبي فنظم بيتين أشبه ما يكونان بالشعوذة والألاعيب وهما:

رأت قمر السماء فذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين

كلانا ناظر قمرا ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني

وأحسن ما يمكن أن يقال فيهما: إن معنى قمرين: قمر حقيقي وهو قمر السماء، وقمر مجازي وهو وجه المحبوبة، فهو يقول: هي رأت القمر المجازي وهو قمر السماء، وأنا رايت وجهها وهو القمر الحقيقي، لأنها هي نظرت إلى قمر السماء وهو نظر إلى وجهها، فصحّ أنه رأى بعينها وهي رأت بعينه. وهذه مبالغة وإفراط في الوصف، ولكن الشعراء درجوا على أن يجعلوا المحبوب هو القمر الحقيقي، والذي في السماء هو القمر المجازي. وقال آخرون في شرحهما:

يتسير هذا الشاعر إلى أن قمر السماء من عشاق محبوبته، وأن محبوبته رأته ذات ليلة فكسته برؤيتها له نور جمالها ومحاسن صفاتها، وألقت عليه شبهها، وأعارته اسمها. فأذكرت هذا العاشق بتلك الليالي التي وصلت بالرقمتين وأنها بوصالها له أفنته وغلبت عليه بصفاتها، حتى صارت معه كالقمر الواحد، وكلاهما ينظره. ولهذا قال كلانا ناظر قمرا أي: قمر واحد تعدّد مظهره، ولكنها تنظره بعينه، وهي عين المحبة، لأن المحب صار محبوبا وهو ينظر بعينها، لأنها أعارته عينا رآها بها، فكأن المبصر لها نفسها. والكلام في الاتساع طويل نجتزىء منه هنا بما تقدم.

5:30–31Page 112

فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠

And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١

Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.

اللغة:

(طوّعت) : وسّعت وزيّنت، من طاع المرعى له: إذا اتسع.

(سَوْأَةَ) : السّوءة: بفتح السين: العورة، وما لا يجوز أن ينكشف من الجسد. والسوءة: الفضيحة. وخص السوءة بالذكر لأن الاهتمام بسترها آكد.

الإعراب:

(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) الفاء عاطفة، وطوعت فعل ماض، وله متعلقان بطوعت، ونفسه فاعل، وقتل أخيه مفعول به، فقتله عطف أيضا، فأصبح عطف أيضا، واسمها ضمير مستتر تقديره هو، ومن الخاسرين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها (فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ) الفاء عاطفة، وبعث فعل ماض والله فاعل وغرابا مفعول به، وجملة يبحث في الأرض في محل نصب صفة ل «غرابا» ، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بيبحث (لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) اللام للتعليل ويريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والهاء مفعول به، وكيف: اسم استفهام في محل نصب على الحال، والجار والمجرور متعلقان ببعث، فالضمير المستتر في الفعل يعود لله، ويجوز أن يتعلقا بيبحث، أي: ينبش ويثير التراب للإراءة، فالضمير المستتر يعود للغراب. وجملة الاستفهام معلقة للرؤية البصرية، فهي في محل نصب مفعول به ثان سادّة مسده، لأن رأي البصرية قبل تعديتها بالهمزة متعدية لواحد، فاكتسبت بالهمزة مفعولا آخر هو المفعول الأول، وقد تقدم نظيرها في قوله تعالى:

«رب أرني كيف تحيي الموتى» (قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ) الجملة مستأنفة، كأنها قيلت لتكون جوابا على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال عند ما شاهد الغراب يفعل ذلك؟ ويا حرف نداء، وويلتا كلمة جزع وتحسر، وقد ناداها كأن الويل غير حاضر عنده، فناداه ليحضر، أي: أيها الويل احضر، فهذا أوان حضورك.

ويجوز أن تجعل المنادى محذوفا وتنصب الويل على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أماته العرب، والألف بدل من ياء المتكلم، والجملة مقول القول، والهمزة للاستفهام والتعجب كأنه يتعجب من نفسه:

كيف لم يهتد إلى ما اهتدى اليه الغراب؟ وعجزت فعل وفاعل، والجملة مندرجة في مقول القول، وأن حرف مصدري ونصب، وأكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن، والمصدر المؤول منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بعجزت، أي: أعجزت، واسم أكون ضمير مستتر تقديره أنا، ومثل خبر أكون، وهذا اسم اشارة مضاف اليه، والغراب بدل من اسم الاشارة (فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) الفاء عاطفة، وأواري فعل مضارع معطوف على أن أكون، وهذا أولى من جعلها سببية، لأنها مسبوقة بالاستفهام، وأواري فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، لأن الفاء الواقعة جوابا للاستفهام تنعقد من الجملة الاستفهامية والجواب شرط وجزاء، وهنا لا تنعقد، تقول: أتزورني فأكرمك، والمعنى: إن تزرني أكرمك، ولو قلت هنا: إن أعجز عن أن أكون مثل هذا الغراب أوار سوءة أخي، لم يصحّ، لأن المواراة لا تترتب على عجزه عن كونه مثل الغراب، ولهذا اعتبرنا العطف أولى. وسوءة أخي مفعول به، فأصبح الفاء عاطفة، وأصبح فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو، ومن النادمين خبرها.

البلاغة:

المجاز في قوله: «يا ويلتا» ، لأنه نادى ما لا يعقل. وأصل النداء أن يكون لمن يعقل.

الفوائد:

هذه القصة التي أوردها القرآن تصلح نواة لقصة عظيمة، وهي بحاجة إلى القلم المبدع، ليعد منها قصة فنية رائعة. روي أن آدم مكث بعد مقتل هابيل مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب منحول، فقد صح أن الأنبياء لا يقولون الشعر. وروى ميمون ابن مهران عن ابن عباس أنه قال: من قال إن آدم قال شعرا فهو كذب، ولكنه كان ينوح عليه، ويصف حزنه نثرا من الكلام، شبه المرثية، فتناسخته القرون، فلما وصل إلى يعرب بن قحطان وهو أول من خط بالعربية نظمه شعرا فقال: تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغير قبيح

وقد ذكروا بعد هذا البيت ستة أبيات، ولم يكتفوا بذلك بل لفقوا حديثا فحواه أن إبليس أجابه في الوزن والقافية بخمسة أبيات، قال الزمخشري: «وكل ذلك كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون» . يشير الزمخشري إلى البيت الثاني وهو:

تغيّر كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح

ورووه على الإقواء، أي: بجر المليح. ويرويه بعضهم «بشاشة» بالنصب من غير تنوين، ورفع «الوجه المليح» فليس بلحن. وقد خرجوه على حذف التنوين من «بشاشة» ، ونصبه على التمييز. وقد أشار شاعرنا الفيلسوف أبو العلاء المعري إلى هذه القصة في رسالة الغفران، فارجع إليها إن شئت، والله يعصمك. وإنما خص بني إسرائيل بهذه القصة كما سيأتي، لأن القتل ديدنهم، حتى تناول الأنبياء.

5:32Page 113

مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4

اللغة:

(أَجْلِ) : الأجل بسكون الجيم مصدر. يقال: أجل عليهم شرا أي جناه وهيجه، ثم استعمل في الجنايات، كما في قولهم: «من جراك فعلته» أي: من أن جررته، أي: جنيته، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تعليل.

الإعراب:

(مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) الجملة مستأنفة، والجار والمجرور متعلقان بكتبنا، وعلى بني إسرائيل جار ومجرور متعلقان بكتبنا أيضا، أي: شرّعنا القصاص على القاتل لتكون شرعية القصاص حكما ثابتا في جميع الأمم. وإنما خص بني إسرائيل كما ذكرنا آنفا لأن بني إسرائيل كان دأبهم وديدنهم القتل، حتى أقدموا على قتل الأنبياء والرسل. لأن الغرض هو تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والتسرية عنه لمحاولتهم الفتك به وبأصحابه. (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ) أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به لكتبنا، والهاء اسم أنّ، وهي ضمير الشأن، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، قتل فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، ونفسا مفعول به، وبغير نفس جار ومجرور متعلقان بقتل، أو بمحذوف حال من ضمير الفاعل في «قتل» ، أي: قتلها ظالما، وأو حرف عطف، وفساد معطوف على نفس المجرورة بإضافة غير إليها، وفي الأرض متعلقان بمحذوف صفة لفساد (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) الفاء رابطة لجواب الشرط، وكأنما كافة ومكفوفة وقتل الناس فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، وجميعا حال، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، والجملة الشرطية في محل رفع خبر «أنه» (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) تقدم اعراب نظيره (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ) الواو عاطفة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، وقد حرف تحقيق، وجملة قد جاءتهم:

لا محل لها لأنها جواب القسم، ورسلنا فاعل، وبالبينات متعلقان بجاءتهم (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي، وإن واسمها، ومنهم متعلقان بمحذوف صفة ل «كثيرا» والظرف متعلق بمحذوف حال، وذلك اسم اشارة في محل جر بالإضافة، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان ب «مسرفون» واللام المزحلقة، ومسرفون خبر «إن» .

البلاغة:

التشبيه التمثيلي: ومناط التشبيه اشتراك فعلي القتل في هتك حرمة الدماء والتجرؤ على الله وتشجيع الناس على القتل. ووجه التشبيه هو تهويل أمر القتل، وتفخيم شأن الاحياء، بتصوير كل منهما بصورة لائقة به.

5:33–34Page 113

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤

Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.

الإعراب:

(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) كلام مستأنف مسوق لبيان حكم الله في كل قاطع طريق، كافرا كان أو مسلما، لأن محاربة المسلمين في حكم محاربة الله ورسوله، وقد نزلت في الأصل في العرنيين.

وإنما كافة ومكفوفة، وجزاء مبتدأ والذين مضاف اليه، وجملة يحاربون صلة الموصول، والله مفعوله، ورسوله عطف على الله (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) ويسعون عطف على يحاربون، وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بيسعون، وفسادا يصح أن يكون مفعولا من أجله، أي يحاربون ويسعون لأجل الفساد، وشروط النصب متوفرة. ويصح أن يكون مصدرا واقعا موقع الحال، أي: ويسعون في الأرض مفسدين، أو ذوي فساد، وجعلوا نفس الفساد مبالغة.

ويصح أن يكون منصوبا على المصدر، أي أنه نوع من العامل قبله، لأن يسعون في الأرض معناه في الحقيقة يفسدون، ففسادا اسم مصدر قائم مقام الإفساد، والتقدير يفسدون في الأرض بسعيهم إفسادا (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) المصدر المؤول من أن وما في حيزها خبر جزاء، وأو حرف عطف، ويصلبوا عطف على يقتلوا، أو حرف عطف، وتقطع عطف على يقتلوا أيضا. وأيديهم نائب فاعل لتقطع، وأرجلهم عطف على أيديهم، ومن خلاف متعلقان بمحذوف حال من أيديهم وأرجلهم، أي: تقطع مختلفة، بمعنى أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.

وينفوا عطف أيضا، ومن الأرض متعلقان بينفوا (ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا) الجملة مستأنفة، مبينة للغاية من هذه العقوبات. واسم الاشارة في محل رفع مبتدأ، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وخزي مبتدأ مؤخر، وفي الدنيا متعلقان بمحذوف صفة لخزي، والجملة الاسمية خبر اسم الاشارة، ويجوز أن يعرب «خزي» خبرا ل «ذلك» ، ولهم متعلقان بمحذوف في محل نصب على الحال من خزي، لأنه كان في الأصل صفة له، فلما تقدم عليه صار حالا (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) الواو عاطفة، ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وفي الآخرة متعلقان بمحذوف حال، وعذاب مبتدأ مؤخر، وعظيم صفة (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) جملة الاستثناء نصب على الحال من المعاقبين، وإلا حرف استثناء، والذين مستثنى، وجملة تابوا صلة الموصول، ومن قبل متعلقان بتابوا، وجرّت «قبل» بالكسرة للاضافة وأن تقدروا مصدر مؤول في محل جر بالاضافة، وعليهم جار ومجرور متعلقان بتقدروا (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء استئنافية، واعلموا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وأن واسمها وخبراها سدت مسدّ مفعولي «اعلموا» .

الفوائد:

أو: حرف عطف، ولها معان أنهاها صاحب المغني إلى اثني عشر معنى، نكتفي منها بالمعاني الرئيسية التالية: 1- الشك: لتشكيك السامع بأمر قصده، فأبهم عليه، وهو عالم به. ومنه قوله تعالى: «وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون» .

2- التخيير: نحو خذ ثوبا أو عشرة دراهم، قال الله تعالى:

«فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة» فأوجب أحد هذه الثلاثة، وزمام الخيرة بيد المكلف، فأيها فعل فقد كفّر وخرج عن العهدة ولا يلزمه الجمع بينها.

3- الإباحة: جالس فلانا أو فلانا، وقوله تعالى: «ولا تطع منهم آثما أو كفورا» .

4- التقسيم والتنويع كما في الآية، أي: تقسيم عقوبتهم تقسيما موزعا على حالاتهم وجناياتهم. قال الشافعي: «أو» في جميع القرآن للتخيير، إلا في هذه الآية.

2- اختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع فقال بعضهم: معنى النفي أي نفيه من بلد إلى آخر، وحبسه في السجن في البلد الذي نفي اليه. وأصل معنى النفي في كلام العرب الطرد، قال أوس بن حجر:

تنفون عن طرق الكرام كما ... تنفي المطارق ما يلي القرد

والقرد بفتحتين: ما تمعّط من الوبر والصوف وتلبّد وانعقدت أطرافه، وهو نفاية الصوف. ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها: النفاية.

5:35–37Page 113

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥

O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.

يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

اللغة:

(الْوَسِيلَةَ) : كل ما يتوسل به أي يتقرّب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. قال لبيد بن ربيعة:

أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... ألا كل ذي لبّ إلى الله وأسل

وفي المصباح وسلت إلى الله أسل من باب وعد: رغبت وتقربت، ومنه اشتقاق الوسيلة وهي ما يتقرب به إلى الشيء، والجمع الوسائل، والوسيل، قيل: جمع وسيلة، وقيل: لغة فيها. ومنه قول عنترة لامرأة لامته في فرس كان يؤثره على سائر خيله، ويسقيه ألبان إبله: لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب

إنّ الغبوق له وأنت مسوءة ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي

إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي

ويكون مركبك العقود وحدجه ... وابن النعامة يوم ذلك مركبي

الإعراب:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعراب نظائره كثيرا (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) كلام مستأنف مسوق لبيان التقوى وابتغاء الوسيلة إلى الله بعد ما بين عظم القتل والفساد في الأرض، وأشار إلى الذين غفر لهم بعد توبتهم. واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به، وابتغوا عطف على اتقوا، واليه متعلقان بابتغوا أو بالوسيلة، لأنها فعيلة بمعنى مفعول، أي: المتوسل به، وليست بمصدر حتى يستنع أن يتقدم معمولها عليها، والوسيلة مفعول به (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) عطف على ما تقدم، ولعل واسمها، وجملة تفلحون خبرها، وجملة الرجاء حالية. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) كلام مستأنف مسوق لتأكيد وجوب الامتثال للأوامر السابقة، وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى اتخاذ الوسيلة إليه. وإن واسمها، ولو شرطية، وأن حرف مشبه بالفعل، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «أن المقدم» ، وما اسم موصول اسمها المؤخر، وأن وما في حيزها مصدر مرفوع على الفاعلية بفعل محذوف تقديره:

نبت، أو في محل رفع مبتدأ، وقد تقدم بحث ذلك مفصلا. وفي الأرض متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول، والشرط وجوابه خبر «إن» ، وجميعا حال (وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ) لك أن تجعل الواو عاطفة، ومثله عطف على اسم أن وهو «ما» الموصولية. ولك أن تجعل الواو للمعية، ومثله مفعول معه، وناصبه الفعل الذي حذف قبل الفاعل، أو بفعل مماثل إن أعربت أن وما بعدها جملة ابتدائية. ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، واللام لام التعليل، ويفتدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو «لهم» ، وبه متعلقان بيفتدوا، ومن عذاب يوم القيامة متعلقان بيفتدوا أيضا، لاختلاف معناهما، ووحد الضمير مع أن الراجع اليه شيئان، لأن الضمير بمعنى اسم الاشارة، أي بذلك، أو بمعنى «مع» فيتوحد المرجوع اليه، أو هو من باب قول عمير بن ضابىء البرجمي:

فمن يك أمنى بالمدينة رحله ... فإني وقيّار بها لغريب

وسيأتي شرح هذا البيت في باب الفوائد. (ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ما تقبل منهم الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وجاء الجواب على الأكثر بغير لام لأنه منفي، والواو استئنافية أو عاطفة، ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعذاب مبتدأ مؤخر، وأليم صفة (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) الجملة ابتدائية، ويريدون فعل مضارع وفاعل، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به ليريدون، ومن النار متعلقان بيخرجون، والواو حالية، وما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وهم ضمير منفصل في محل رفع اسمها، والباء حرف جر زائد، وخارجين مجرور لفظا بالباء منصوب محلا لأنه خبر «ما» الحجازية، والجملة في محل نصب على الحال (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) الواو استئنافية أو عاطفة، ولهم متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وعذاب مبتدأ مؤخر، ومقيم: صفة.

البلاغة:

في قوله: ليفتدوا به استعارة تمثيلية، للزوم العذاب بهم وديمومته عليهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه. وفي الحديث الشريف: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» .

الفوائد:

قول عمير بن ضابىء البرجمي في البيت: «وقيار» : قيار اسم فرسه، وقيل جمله، وقيل غلامه. وهو مبتدأ أو معطوف على محل إن واسمها، وإذا أعرب مبتدأ فيكون خبره محذوفا اختصارا لدلالة المذكور عليه بالعطف وفيه العطف قبل تمام المعطوف عليه، وهو سماعي، ولا يجوز القياس عليه، ولا يجوز جعل «غريب» خبرا عنهما لئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، ولا يجوز جعله خبرا عن «قيار» لأن لام الابتداء لا تدخل على الخبر. وقد جئنا به شاهدا على أنه حذف من الثاني لدلالة ما في الأول عليه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском