Al-BaydawiYusuf · 12:24–46

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:24–46

12:24Page 238

وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ وقَصَدَتْ مُخالَطَتَهُ وقَصَدَ مُخالَطَتَها، والهَمُّ بِالشَّيْءِ قَصْدُهُ والعَزْمُ عَلَيْهِ ومِنهُ الهُمامُ وهو الَّذِي إذا هَمَّ بِالشَّيْءِ أمْضاهُ، والمُرادُ بِهَمِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَيْلُ الطَّبْعِ ومُنازَعَةُ الشَّهْوَةِ لا القَصْدُ الِاخْتِيارِيُّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ بَلِ الحَقِيقُ بِالمَدْحِ والأجْرِ الجَزِيلِ مِنَ اللَّهِ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنِ الفِعْلِ عِنْدَ قِيامِ هَذا الهَمِّ، أوْ مُشارَفَةِ الهَمِّ كَقَوْلِكَ قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ. ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ في قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ مَغَبَّتِهِ لَخالَطَها لِشَبَقِ الغُلْمَةِ وكَثْرَةِ المُبالَغَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ﴿وَهَمَّ بِها﴾ جَوابَ ﴿لَوْلا﴾ فَإنَّها في حُكْمِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها جَوابُها، بَلِ الجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقِيلَ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ. وقِيلَ قِطْفِيرُ. وقِيلَ نُودِيَ يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوِ الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ خِيانَةَ السَّيِّدِ. ﴿والفَحْشاءَ﴾ الزِّنا. ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالكَسْرِ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ في أوَّلِهِ الألِفُ واللّامُ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ.

12:25Page 238

وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ تَسابَقا إلى البابِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى الِابْتِدارِ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ فَرَّ مِنها لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ والقَدُّ الشَّقُّ طُولًا والقَطُّ الشَّقُّ عَرْضًا. ﴿وَألْفَيا سَيِّدَها﴾ وصادَفا زَوْجَها. ﴿لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إيهامًا بِأنَّها فَرَّتْ مِنهُ تَبْرِئَةً لِساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها وتَغْيِيرَهُ عَلى يُوسُفَ وإغْراءَهُ بِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ جَزاءَهُ إلّا السِّجْنُ.(p-161)

12:26–27Page 238

قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ طالَبَتْنِي بِالمُؤاتاةِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِما عَرَّضَتْهُ لَهُ مِنَ السَّجْنِ أوِ العَذابِ الألِيمِ، ولَوْ لَمْ تَكْذِبْ عَلَيْهِ لَما قالَهُ. ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قِيلَ ابْنُ عَمٍّ لَها. وقِيلَ ابْنُ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ صِغارًا ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» وإنَّما ألْقى اللَّهُ الشَّهادَةَ عَلى لِسانِ أهْلِها لِتَكُونَ ألْزَمَ عَلَيْها. ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها، أوْ أنَّهُ أسْرَعَ خَلْفَها فَتَعْثَرَ بِذَيْلِهِ فانْقَدَّ جَيْبُهُ.

﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَبِعَتْهُ فاجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ.

والشَّرْطِيَّةُ مَحْكِيَّةٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ عَلى أنَّ فِعْلَ الشَّهادَةِ مِنَ القَوْلِ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةٌ لِأنَّها أدَّتْ مُؤَدّاها والجَمْعُ بَيْنَ إنْ وكانَ عَلى تَأْوِيلِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ كانَ ونَحْوَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلى اليَوْمِ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ أنْ تَمْنُنْ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ أمْنُنْ عَلَيْكَ بِإحْسانِي لَكَ السّابِقِ. وقُرِئَ « مِن قُبُلٍ» « ومِن دُبُرٍ» بِالضَّمِّ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ وبِسُكُونِ العَيْنِ.

12:28–29Page 238

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨

So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].

يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩

Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أوْ إنَّ السُّوءَ أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ. ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مِن حِيلَتِكُنَّ والخِطابُ لَها ولِأمْثالِها أوْ لِسائِرِ النِّساءِ. ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّ كَيْدَ النِّساءِ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ والشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ بِهِ مُسارَقَةً.

﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وتَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ. ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ اكْتُمْهُ ولا تَذْكُرْهُ.

﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ يا راعِيلُ. ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ مِنَ القَوْمِ المُذْنِبِينَ مِن خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.

12:30Page 238

۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠

And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ هي اسْمٌ لِجَمْعِ امْرَأةٍ وتَأْنِيثُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِذَلِكَ جُرِّدَ فِعْلُهُ وضَمُّ النُّونِ لُغَةٌ فِيها. ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ ظَرْفٌ لِقالَ أيْ أشَعْنَ الحِكايَةَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ نِسْوَةٍ وكُنَّ خَمْسًا زَوْجَةُ الحاجِبِ والسّاقِي والخَبّازُ والسَّجّانُ وصاحِبُ الدَّوابِّ. ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ تَطْلُبُ مُواقَعَةَ غُلامِها إيّاها.

والعَزِيزُ بِلِسانِ العَرَبِ المَلِكُ وأصْلُ فَتى فَتِيَ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ. ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ شَقَّ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها حُبًّا، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ لِصَرْفِ الفِعْلِ عَنْهُ. وقُرِئَ « شَعَفَها» مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ بِالقَطْرانِ فَأحْرَقَهُ. ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وبُعْدٍ عَنِ الصَّوابِ.

12:31Page 239

فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١

So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."

(p-162)﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ، وإنَّما سَمّاهُ مَكْرًا لِأنَّهُنَّ أخْفَيْنَهُ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ، أوْ قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ أوْ لِأنَّها اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها. ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ تَدْعُوهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً فِيهِنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ. ﴿وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الوَسائِدِ. ﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ حَتّى يَتَّكِئْنَ والسَّكاكِينُ بِأيْدِيهِنَّ فَإذا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُبْهَتْنَ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها فَيُبَكَّتْنَ بِالحُجَّةِ، أوْ يَهابُ يُوسُفُ مَكْرَها إذا خَرَجَ وحْدَهُ عَلى أرْبَعِينَ امْرَأةً في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ. وقِيلَ ﴿مُتَّكَأً﴾ طَعامًا أوْ مَجْلِسَ طَعامٍ فَإنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ تَرَفًا ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ. قالَ جَمِيلٌ:

؎ فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَكَأْنا. . . وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ

وَقِيلَ المُتَّكَأُ طَعامٌ يُحَزُّ حَزًّا كَأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ بِالسِّكِّينِ. وقُرِئَ « مُتَّكًا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ و « مُتَّكاءً» بِإشْباعِ الفَتْحَةِ كَمُنْتَزاحٍ و « مُتَّكًا» وهو الأُتْرُجُّ أوْ ما يُقْطَعُ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ و « مُتَّكَأً» مِن تَكِئَ يُتَّكَأُ إذا اتَّكَأ. ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ عَظَّمْنَهُ وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» وقِيلَ كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ. وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ مِن أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ لِأنَّها تَدْخُلُ الكِبَرَ بِالحَيْضِ، والهاءُ ضَمِيرٌ لِلْمَصْدَرِ أوْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ أيْ حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ كَما قالَ المُتَنَبِّي:

؎ خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعٍ. . . ∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ

﴿وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ جَرَحْنَها بِالسَّكاكِينِ مِن فَرْطِ الدَّهْشَةِ. ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن صِفاتِ العَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ، وأصْلُهُ « حاشا» كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرْجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا وهو حَرْفٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ.

وَقُرِئَ « حاشَ اللَّهُ» بِغَيْرِ لامٍ بِمَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ، و « حاشًا لِلَّهِ» بِالتَّنْوِينِ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ. وقِيلَ « حاشا» فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ أيْ صارَ في ناحِيَةِ اللَّهِ مِمّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ. ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ لِأنَّ هَذا الجَمالَ غَيْرُ مَعْهُودٍ لِلْبَشَرِ، وهو عَلى لُغَةِ الحِجازِ في إعْمالِ ما عَمَلَ لَيْسَ لِمُشارَكَتِها في نَفْيِ الحالِ.

وَقُرِئَ « بَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « بِشَرى» أيْ بِعَبْدٍ مُشْتَرى لَئِيمٍ. ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَمالِ الرّائِقِ والكَمالِ الفائِقِ والعِصْمَةِ البالِغَةِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّ جَمالَهُ فَوْقَ جَمالِ البَشَرِ ولا يَفُوقُهُ فِيهِ إلّا المَلَكُ.

12:32Page 239

قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢

She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."

﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ فَهو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي في الِافْتِنانِ بِهِ قَبْلَ أنْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ، ولَوْ تَصَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي أوْ فَهَذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ هَذا رَفْعًا لِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ. ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ فامْتَنَعَ طَلَبًا لِلْعِصْمَةِ، أقَرَّتْ لَهُنَّ حِينَ عَرَفَتْ أنَّهُنَّ يَعْذُرْنَها كَيْ يُعاوِنَّها عَلى إلانَةِ عَرِيكَتِهِ. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ أيْ ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ أمْرِي إيّاهُ بِمَعْنى مُوجِبِ أمْرِي فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ. ﴿لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ مِنَ الأذِلّاءِ وهو مِن صَغِرَ بِالكَسْرِ يَصْغُرُ صِغَرًا وصَغارًا والصَّغِيرُ مِن صَغُرَ بِالضَّمِّ صُغْرًا. وقُرِئَ « لَيَكُونَنَّ» وهو يُخالِفُ خَطَّ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ فِيهِ بِالألِفِ « كَنَسْفَعًا» عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وذَلِكَ في الخَفِيفَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ.

12:33–34Page 239

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

(p-163)﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ. ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي مِن مُؤاتاتِها زِنًا نَظَرًا إلى العاقِبَةِ وإنْ كانَ هَذا مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وذَلِكَ مِمّا تَكْرَهُهُ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها. أوْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ إنَّما ابْتُلِيَ بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا وإنَّما كانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ العافِيَةَ ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ. ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ وإنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ عِنْدِي بِالتَّثْبِيتِ عَلى العِصْمَةِ. ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أمِلْ إلى جانِبِهِنَّ أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ بِطَبْعِي ومُقْتَضى شَهْوَتِي، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَّبا لِأنَّ النُّفُوسَ تَسْتَطِيبُها وتَمِيلُ إلَيْها. وقُرِئَ ﴿أصْبُ﴾ مِنَ الصَّبابَةِ وهي الشَّوْقُ. ﴿وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ فَإنَّهم والجُهّالُ سَواءٌ.

﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإلا تَصْرِفْ﴾ . ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فَثَبَّتَهُ بِالعِصْمَةِ حَتّى وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى مَشَقَّةِ السَّجْنِ وآثَرَها عَلى اللَّذَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْيانِ. ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.

12:35–36Page 239

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥

Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦

And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."

﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ ثُمَّ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ كَشَهادَةِ الصَّبِيِّ وقَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ واسْتِعْصامِهِ عَنْهُنَّ وفاعِلُ بَدا مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها خَدَعَتْ زَوْجَها وحَمَلَتْهُ عَلى سَجْنِهِ زَمانًا حَتّى تُبْصِرَ ما يَكُونُ مِنهُ، أوْ يَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ فَلَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ. وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ عَلى التَّعْظِيمِ أوِ العَزِيزِ ومَن يَلِيهِ، و « عَتّى» بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ أيْ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْنَ واتَّفَقَ أنَّهُ أُدْخِلَ حِينَئِذٍ آخَرانِ مِن عَبِيدِ المَلِكِ شَرّابِيُّهُ وخَبّازُهُ لِلِاتِّهامِ بِأنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَسُمّاهُ. ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ يَعْنِي الشَّرّابِيُّ. ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ في المَنامِ وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا وسَمّاهُ خَمْرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ. ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ أيِ الخَبّازُ. ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ تَنْهَشُ مِنهُ. ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، أوْ مِنَ العالِمِينَ وإنَّما قالا ذَلِكَ لِأنَّهُما رَأياهُ في السِّجْنِ يُذَكِّرُ النّاسَ ويُعَبِّرُ رُؤْياهم، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِتَأْوِيلِ ما رَأيْنا إنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ.

12:37–38Page 239

قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧

He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.

وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ، أوْ بِتَأْوِيلِ الطَّعامِ يَعْنِي بَيانَ ماهِيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّهُ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكِلِ، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَهُما إلى التَّوْحِيدِ ويُرْشِدَهُما إلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ قَبْلَ أنْ يُسْعِفَ إلى ما سَألاهُ مِنهُ كَما هو طَرِيقَةُ الأنْبِياءِ والنّازِلِينَ مَنازِلَهم مِنَ العُلَماءِ في الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدَّمَ ما يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ لِيَدُلَّهُما عَلى صِدْقِهِ في الدَّعْوَةِ والتَّعْبِيرِ. ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما﴾ أيْ (p-164)ذَلِكَ التَّأْوِيلُ. ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِالإلْهامِ والوَحْيِ ولَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّكَهُّنِ أوِ التَّنْجِيمِ. ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ عَلَّمَنِي ذَلِكَ لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ أُولَئِكَ.

﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِتَمْهِيدِ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ أنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى رَغْبَتُهُما في الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والوُثُوقِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ لِلْحامِلِ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ حَتّى يُعْرَفَ فَيُقْتَبَسُ مِنهُ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ وتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ. ﴿ما كانَ لَنا﴾ ما صَحَّ لَنا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ. ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ كانَ. ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ التَّوْحِيدُ. ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ بِالوَحْيِ. ﴿وَعَلى النّاسِ﴾ وعَلى سائِرِ النّاسِ يَبْعَثُنا لِإرْشادِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ. ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا الفَضْلَ فَيُعْرِضُونَ عَنْهُ ولا يَتَنَبَّهُونَ، أوْ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها فَيُلْغُونَها كَمَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُها.

12:39–40Page 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2

مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠

You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْ يا ساكِنِيهِ، أوْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ فَأضافَهُما إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِ:

؎ يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ

﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ شَتّى مُتَعَدِّدَةٌ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ. ﴿خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ. ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ ولا يُقاوِمُهُ غَيْرُهُ.

﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ خِطابٌ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ. ﴿إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ إلّا أشْياءَ بِاعْتِبارِ أسامٍ أطْلَقْتُمْ عَلَيْها مِن غَيْرِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مُسَمَّياتِها فِيها فَكَأنَّكم لا تَعْبُدُونَ إلّا الأسْماءَ المُجَرَّدَةَ. والمَعْنى أنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ الأُلُوهِيَّةَ عَقَلٌ ولا نَقْلٌ آلِهَةً، ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَها بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَ عَلَيْها. ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ ما الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ. ﴿إلا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الواجِبُ لِذاتِهِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ. ﴿أمَرَ﴾ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ. ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الحُجَجُ. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الحَقُّ وأنْتُمْ لا تُمَيِّزُونَ المُعْوَجَّ عَنِ القَوِيمِ، وهَذا مِنَ التَّدَرُّجِ في الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ، بَيَّنَ لَهم أوَّلًا رُجْحانَ التَّوْحِيدِ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ عَلى طَرِيقِ الخَطابَةِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلى أنَّ ما يُسَمُّونَها آلِهَةً ويَعْبُدُونَها لا تَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ إمّا بِالذّاتِ وإمّا بِالغَيْرِ وكِلا القَسَمَيْنِ مُنْتَفٍ عَنْها، ثُمَّ نَصَّ عَلى ما هو الحَقُّ القَوِيمُ والدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا يَقْتَضِي العَقْلُ غَيْرَهُ ولا يَرْتَضِي العِلْمُ دُونَهُ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيَخْبُطُونَ في جَهالاتِهِمْ.

12:41Page 240

يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١

O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ يَعْنِي الشَّرابِيَّ. ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ كَما كانَ يَسْقِيهِ قَبْلُ ويَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ. ﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَبّازَ. ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ فَقالا كَذَبَنا فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ قُطِعَ الأمْرُ الَّذِي تَسْتَفْتِيانِ فِيهِ، وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكُما ولِذَلِكَ وحَّدَهُ، فَإنَّهُما وإنِ اسْتَفْتَيا في أمْرَيْنِ لَكِنَّهُما أرادا اسْتِبانَةَ عاقِبَةِ ما نَزَلَ بِهِما.(p-165)

12:42Page 240

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢

And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.

﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ الظّانُّ يُوسُفُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ وإنْ ذَكَرَهُ عَنْ وحْيٍ فَهو النّاجِي إلّا أنْ يُؤَوَّلَ الظَّنُّ بِاليَقِينِ. ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ اذْكُرْ حالِي عِنْدَ المَلِكِ كَيْ يُخَلِّصَنِي. ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فَأنْسى الشَّرّابِيَّ أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فَأضافَ إلَيْهِ المَصْدَرَ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ أخْبارِ رَبِّهِ، أوْ أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ حَتّى اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ» .

والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ وإنْ كانَتْ مَحْمُودَةً في الجُمْلَةِ لَكِنَّها لا تَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ. ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ مِنَ البِضْعِ وهو القَطْعُ.

12:43–44Page 240

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣

And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."

قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤

They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."

﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها. ﴿وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ. ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ عَبِّرُوها. ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿تَعْبُرُونَ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.

﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً. ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.

12:45–46Page 241

وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥

But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."

يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦

[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."

﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ وهو الشَّرّابِيُّ. ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وتَذَكَّرَ يُوسُفَ بَعْدَ جَماعَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُجْتَمِعَةٍ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً. وقُرِئَ « إمَّةٍ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهي النِّعْمَةُ أيْ بَعْدِ ما أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ، و « أُمَّهْ» أيْ نِسْيانٍ يُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ ومَقُولُ القَوْلِ. ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ أوْ إلى السِّجْنِ.

(p-166)﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيْ فَأرْسَلَ إلى يُوسُفَ فَجاءَهُ فَقالَ يا يُوسُفُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالصِّدِّيقِ وهو المُبالِغُ في الصِّدْقِ لِأنَّهُ جَرَّبَ أحْوالَهُ وعَرَفَ صِدْقَهُ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُؤْيا صاحِبِهِ. ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ. ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ أعُودُ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ إذْ قِيلَ إنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ تَأْوِيلَها أوْ فَضْلَكَ ومَكانَكَ، وإنَّما لَمْ يَبُتَّ الكَلامَ فِيهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جازِمًا بِالرُّجُوعِ فَرُبَّما اخْتَرَمَ دُونَهُ ولا يُعْلِمُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском