Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:21–43
13:21–22Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الرَّحِمِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ والإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ مُراعاةُ جَمِيعِ حُقُوقِ النّاسِ. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ وعِيدَهُ عُمُومًا. ﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ ويُخالِفُهُ الهَوى. ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ لا لِجَزاءٍ وسُمْعَةٍ ونَحْوِهِما. ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ. ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ بَعْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ.
﴿سِرًّا﴾ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ. ﴿وَعَلانِيَةً﴾ لِمَن عُرِفَ بِهِ. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويَدْفَعُونَها بِها فَيُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ، أوْ يَتْبَعُونَ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ فَتَمْحُوَها. ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أهْلِها وهي الجَنَّةُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولاتِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ وإنْ جُعِلَتْ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ فاسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
13:23–24Page 252
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤
"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَدْخُلُونَها والعَدْنُ الإقامَةُ أيْ جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها، وقِيلَ هو بُطْنانُ الجَنَّةِ. ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى المَرْفُوعِ في يُدْخِلُونَ، وإنَّما ساغَ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ والمَعْنى أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ أوْ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يُقْرَنُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِما بَيْنَهم مِنَ القُرابَةِ والوَصْلَةِ في دُخُولِ الجَنَّةِ زِيادَةً في أُنْسِهِمْ، وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الأنْسابِ لا تَنْفَعُ. ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ مِن أبْوابِ المَنازِلِ أوْ مِن أبْوابِ الفُتُوحِ والتُّحَفِ قائِلِينَ:
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِشارَةٌ بِدَوامِ السَّلامَةِ. ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ أيْ هَذا بِما صَبَرْتُمْ لا بِـ ﴿سَلامٌ﴾، فَإنَّ الخَبَرَ فاصِلٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْبَدَلِيَّةِ. ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وقُرِئَ « فَنَعْمَ» بِفَتْحِ (p-187)النُّونِ والأصْلُ نَعِمَ فَسُكِّنَ العَيْنُ بِنَقْلِ كَسَرْتِها إلى الفاءِ وبِغَيْرِهِ.
13:25Page 252
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥
But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1
﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي مُقابَلِي الأوَّلِينَ. ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ بِهِ مِنَ الإقْرارِ والقَبُولِ. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِالظُّلْمِ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ سُوءُ عاقِبَةِ الدُّنْيا لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبى الدّارِ.
13:26Page 252
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦
Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ. ﴿وَفَرِحُوا﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِما بُسِطَ لَهم في الدُّنْيا. ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ في جَنْبِ الآخِرَةِ. ﴿إلا مَتاعٌ﴾ إلّا مُتْعَةٌ لا تَدُومُ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ وزادِ الرّاعِي، والمَعْنى أنَّهم أشِرُوا بِما نالُوا مِنَ الدُّنْيا ولَمْ يَصْرِفُوهُ فِيما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ نَعِيمَ الآخِرَةِ واغْتَرُّوا بِما هو في جَنْبِهِ نَزْرٌ قَلِيلُ النَّفْعِ سَرِيعُ الزَّوالِ.
13:27–29Page 252
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨
Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩
Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ بِاقْتِراحِ الآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ. ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ ورَجَعَ عَنِ العِنادِ، وهو جَوابٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قالَ قُلْ لَهم ما أعْظَمَ عِنادُكم إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ مِمَّنْ كانَ عَلى صِفَتِكم، فَلا سَبِيلَ إلى اهْتِدائِهِمْ وإنْ أنْزَلْتُ كُلَّ آيَةٍ، ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ بِما جِئْتُ بِهِ بَلْ بِأدْنى مِنهُ مِنَ الآياتِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿مِن﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنْسًا بِهِ واعْتِمادًا عَلَيْهِ ورَجاءً مِنهُ، أوْ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ مِن خَشْيَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ أوْ بِكَلامِهِ يَعْنِي القُرْآنَ الَّذِي هو أقْوى المُعْجِزاتِ. ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلى مَنِ الطَّيِّبِ قُلِبَتْ ياؤُهُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلِها مَصْدَرٌ لَطابَ كَبُشْرى وزُلْفى، ويَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ولِذَلِكَ قُرِئَ (وَحُسْنَ مَآبٍ) بِالنَّصْبِ.
13:30Page 253
كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠
Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."
﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي إرْسالَ الرُّسُلِ قَبْلَكَ. ﴿أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها﴾ تَقَدَّمَتْها. ﴿أُمَمٌ﴾ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْهِمْ. ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ. ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وحالُهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ، فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ وخُصُوصًا ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ، وإنْزالَ القُرْآنِ الَّذِي هو مَناطُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْياوِيَّةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حِينَ قِيلَ لَهُمُ ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ . ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ أيِ الرَّحْمَنُ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي. ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ.
(p-188)﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نُصْرَتِي عَلَيْكم. ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم.
13:31Page 253
وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١
And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.
﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ والمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ شَأْنِ القُرْآنِ، أوِ المُبالَغَةُ في عِنادِ الكَفَرَةِ وتَصْمِيمِهِمْ أيْ: ولَوْ أنَّ كِتابًا زُعْزِعَتْ بِهِ الجِبالُ عَنْ مَقارِّها. أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ تَصَدَّعَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عِنْدَ قِراءَتِهِ أوْ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا. ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَتَسْمَعُ فَتَقْرَؤُهُ، أوْ فَتَسْمَعُ وتُجِيبُ عِنْدَ قِراءَتِهِ لَكانَ هَذا القُرْآنَ لِأنَّهُ الغايَةُ في الإعْجازِ والنِّهايَةُ في التَّذْكِيرِ والإنْذارِ، أوْ لَما آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ الآيَةَ. وقِيلَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا يا مُحَمَّدُ إنَّ سَرَّكَ أنْ نَتْبَعُكَ فَسَيِّرْ بِقُرْآنِكَ الجِبالَ عَنْ مَكَّةَ حَتّى تَتَّسِعَ لَنا فَنَتَّخِذَ فِيها بَساتِينَ وقَطائِعَ، أوْ سَخِّرْ لَنا بِهِ الرِّيحَ لِنَرْكَبَها ونَتَّجِرَ إلى الشّامِ، أوِ ابْعَثْ لَنا بِهِ قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ وغَيْرَهُ مِن آبائِنا لِيُكَلِّمُونا فِيكَ، فَنَزَلَتْ. وعَلى هَذا فَتَقْطِيعُ الأرْضِ قَطْعُها بِالسَّيْرِ. وقِيلَ الجَوابُ مُقَدَّمٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وتَذْكِيرٌ ﴿كُلِّمَ﴾ خاصَّةً لِاشْتِمالِ المَوْتى عَلى المُذَكِّرِ الحَقِيقِيِّ. ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ بَلْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو إضْرابٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ لَوْ مِن مَعْنى النَّفْيِ أيْ: بَلِ اللَّهُ قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ إلّا أنَّ إرادَتَهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا تَلِينُ لَهُ شَكِيمَتُهم ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَنْ إيمانِهِمْ مَعَ ما رَأوْا مِن أحْوالِهِمْ، وذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّ مَعْناهُ أفَلَمْ يَعْلَمْ لِما رُوِيَ أنْ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ وجَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ قَرَءُوا « أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ»، وهو تَفْسِيرُهُ وإنَّما اسْتُعْمِلَ اليَأْسُ بِمَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ العِلْمِ، فَإنَّ المَيْئُوسَ عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا مَعْلُومًا ولِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فَإنَّ مَعْناهُ نَفْيُ هُدى بَعْضِ النّاسِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِاهْتِدائِهِمْ، وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ إيمانِهِمْ عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا أوْ بِـ ﴿آمَنُوا﴾ . ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾ مِنَ الكُفْرِ وسُوءِ الأعْمالِ. ﴿قارِعَةٌ﴾ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم وتُقَلْقِلُهم. ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها. وقِيلَ الآيَةُ في كَفّارِ مَكَّةَ فَإنَّهم لا يَزالُونَ مُصابِينَ بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ لا يَزالُ يَبْعَثُ السَّرايا عَلَيْهِمْ فَتُغِيرُ حَوالَيْهِمْ وتَخْتَطِفُ مَواشِيَهم، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحُلُّ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ حَلَّ بِجَيْشِهِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ المَوْتُ أوِ القِيامَةُ أوْ فَتْحُ مَكَّةَ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ لِامْتِناعِ الكَذِبِ في كَلامِهِ.
13:32Page 253
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢
And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ووَعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ والمُقْتَرِحِينَ عَلَيْهِ، والإمْلاءُ أنْ يُتْرُكَ مَلاوَةً مِنَ الزَّمانِ في دَعَةٍ وأمْنٍ. ﴿ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أيْ عِقابِي إيّاهم.
13:33–34Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
(p-189)﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رَقِيبٌ عَلَيْها بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ولا يَفُوتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿كَسَبَتْ﴾ إنْ جُعِلَتْ « ما» مَصْدَرِيَّةً، أوْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا عُطِفَ عَلَيْهِ ويَكُونُ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَنْبِيهٍ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءَ لا يَسْتَحِقُّونَها، والمَعْنى صِفُوهم فانْظُرُوا هَلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ. ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ بَلْ أتُنَبِّئُونَهُ. وقُرِئَ « تُنْبِئُونَهُ» بِالتَّخْفِيفِ. ﴿بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ بِشُرَكاءَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ لا يَعْلَمُهم، أوْ بِصِفاتٍ لَهم يَسْتَحِقُّونَها لِأجْلِها لا يَعْلَمُها وهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أمْ تُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ واعْتِبارِ مَعْنًى كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا وهَذا احْتِجاجٌ بَلِيغٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِالإعْجازِ. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ تَمْوِيهُهم فَتَخَيَّلُوا أباطِيلَ ثُمَّ خالُوها حَقًّا، أوْ كَيْدُهم لِلْإسْلامِ بِشِرْكِهِمْ. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ سَبِيلِ الحَقِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (وَصَدُّوا) بِالفَتْحِ أيْ وصَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ « وصِدٌّ» بِالتَّنْوِينِ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يَخْذُلْهُ. ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى.
﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ. ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ. ﴿وَما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ مِن عَذابِهِ أوْ مِن رَحْمَتِهِ. ﴿مِن واقٍ﴾ حافِظٍ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ صِفَتُها الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَرابَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ وقِيلَ خَبَرُهُ. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ، أوْ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ أيْ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، أوْ عَلى زِيادَةِ المَثَلِ وهو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهَ حالٌ مِنَ العائِدِ أوِ المَحْذُوفِ أوْ مِنَ الصِّلَةِ. ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ ثَمَرُها. ﴿وَظِلُّها﴾ أيْ وظِلُّها وكَذَلِكَ لا يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ تِلْكَ أيِ الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ. ﴿عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ.
﴿وَعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ لا غَيْرَ، وفي تَرْتِيبِ النَّظْمَيْنِ إطْماعٌ لِلْمُتَّقِينَ وإقْناطٌ لِلْكافِرِينَ.
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ كابْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ ومَن آمَنَ مِنَ النَّصارى وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ، أوْ عامَّتُهم فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم. ﴿وَمِنَ الأحْزابِ﴾ يَعْنِي كَفَرَتَهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ وأشْياعِهِما. ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يُخالِفُ شَرائِعَهم أوْ ما يُوافِقُ ما حَرَّفُوهُ مِنها. ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ جَوابٌ لِلْمُنْكِرِينَ أيْ قُلْ لَهم إنِّي أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِأنْ أعْبُدَ اللَّهَ وأُوَحِّدَهُ، وهو العُمْدَةُ في الدِّينِ ولا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ، وأمّا ما تُنْكِرُونَهُ لِما يُخالِفُ شَرائِعَكم فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مُخالِفَةُ الشَّرائِعِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ. وقُرِئَ « ولا أُشْرِكُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ لا إلى غَيْرِهِ. ﴿وَإلَيْهِ مَآبِ﴾ وإلَيْهِ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ لا إلى غَيْرِهِ، وهَذا هو القَدْرُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الأنْبِياءِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّفارِيعِ فَمِمّا يَخْتَلِفُ بِالأعْصارِ والأُمَمِ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكُمُ المُخالَفَةَ فِيهِ.
13:37–38Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
(p-190)﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ المُشْتَمِلِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المَجْمَعِ عَلَيْها. ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا﴾ يَحْكُمُ في القَضايا والوَقائِعِ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. ﴿عَرَبِيًّا﴾ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِيَسْهُلَ لَهم فَهْمُهُ وحِفْظُهُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها، كَتَقْرِيرِ دَيْنِهِمْ والصَّلاةِ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ ما حُوِّلْتَ عَنْها.
﴿بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِنَسْخِ ذَلِكَ. ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ يَنْصُرُكَ ويَمْنَعُ العِقابَ عَنْكَ وهو حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ وتَهْيِيجٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في دِينِهِمْ.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ﴾ بَشَرًا مِثْلَكَ. ﴿وَجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ نِساءً وأوْلادًا كَما هي لَكَ.
﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ وما يَصِحُّ لَهُ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِ. ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تُقْتَرَحُ عَلَيْهِ وحُكْمٍ يُلْتَمَسُ مِنهُ. ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ المَلِيُّ بِذَلِكَ. ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ وأمَدٍ حُكْمٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْتِصْلاحُهم.
13:39–40Page 254
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.
﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ يَنْسَخُ ما يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وقِيلَ يَمْحُو سَيِّئاتِ التّائِبِ ويُثْبِتُ الحَسَناتِ مَكانَها. وقِيلَ يَمْحُو مِن كِتابِ الحَفَظَةِ ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ جَزاءٌ ويَتْرُكُ غَيْرَهُ مُثْبَتًا أوْ يُثْبِتُ ما رَآهُ وحْدَهُ في صَمِيمِ قَلْبِهِ. وقِيلَ يَمْحُو قَرْنًا ويُثْبِتُ آخَرِينَ. وقِيلَ يَمْحُو الفاسِداتِ الكائِناتِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَيُثَبِّتُ) بِالتَّشْدِيدِ. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ أصْلُ الكُتُبِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ إذْ ما مِن كائِنٍ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ.
﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وكَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما أوْعَدْناهم أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَهُ. ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ لا غَيْرَ. ﴿وَعَلَيْنا الحِسابُ﴾ لِلْمُجازاةِ لا عَلَيْكَ فَلا تَحْتَفِلْ بِإعْراضِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ بِعَذابِهِمْ فَإنّا فاعِلُونَ لَهُ وهَذا طَلائِعُهُ.
13:41–42Page 254
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢
And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أرْضَ الكَفَرَةِ. ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِما نَفْتَحُهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِنها.
﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادَّ لَهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ لِأنَّهُ يَقْفُو غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ، والمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالإقْبالِ وعَلى الكُفْرِ بِالإدْبارِ وذَلِكَ كائِنٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، ومَحَلُّ ﴿لا﴾ مَعَ المَنفِيِّ النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ فَيُحاسِبُهم عَمّا قَلِيلٍ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا.
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ بِأنْبِيائِهِمْ والمُؤْمِنِينَ مِنهم. ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ إذْ لا يُؤْبَهُ بِمَكْرٍ دُونَ مَكْرِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهُ دُونَ غَيْرِهِ. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فَيُعِدُّ جَزاءَها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ (p-191)لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ مِنَ الحِزْبَيْنِ حَيْثُما يَأْتِيهِمُ العَذابُ المُعَدُّ لَهم وهم في غَفْلَةٍ مِنهُ، وهَذا كالتَّفْسِيرِ لِمَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقْبى العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ. مَعَ ما في الإضافَةِ إلى الدّارِ كَما عَرَفْتَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الكافِرُ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وقُرِئَ « الكافِرُونَ» و « الَّذِينَ كَفَرُوا» و « الكُفْرُ» أيْ أهْلُهُ وسَيَعْلَمُ مِن أعْلَمَهُ إذا أخْبَرَهُ.
13:43Page 255
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣
And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِمْ رُؤَساءُ اليَهُودِ. ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ أظْهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِي ما يُغْنِي عَنْ شاهِدٍ يَشْهَدُ عَلَيْها. ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ عِلْمُ القُرْآنِ وما أُلِّفَ عَلَيْهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ، أوْ عِلْمُ التَّوْراةِ وهو ابْنُ سَلامٍ وأضْرابُهُ، أوْ عِلْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ ما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنَنا فَيُخْزِيَ الكاذِبَ مِنّا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وَمِن عِنْدِهِ) بِالكَسْرِ و ﴿عِلْمُ الكِتابِ﴾ وعَلى الأوَّلِ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ فَإنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلى المَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ خَبَرُهُ وهو مُتَعَيَّنٌ عَلى الثّانِي. وقُرِئَ « ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ» عَلى الحَرْفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِوَزْنِ كُلِّ سَحابٍ مَضى، وكُلِّ سَحابٍ يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وبُعِثَ يَوْمُ القِيامَةِ مِنَ المُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences