Al-BaydawiIbrahim · 14:24–48

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:24–48

14:24–25Page 258

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤

Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ كَيْفَ اعْتَمَدَهُ ووَضَعَهُ. ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿كَلِمَةً﴾ بَدَلًا مِن ﴿مَثَلا﴾ و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ صِفَتُها أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ﴿كَشَجَرَةٍ﴾، وأنْ تَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَعَلَ وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. ﴿وَفَرْعُها﴾ وأعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ وفُرُوعَها أيْ أفَناءَها عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ لِاكْتِسابِهِ الِاسْتِغْراقَ مِنَ الإضافَةِ.

وَقُرِئَ « ثابِتٌ أصْلُها» والأوَّلُ عَلى أصْلِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ أقْوى ولَعَلَّ الثّانِيَ أبْلَغُ.

﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها. ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها وتَكْوِينِهِ. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ، فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي وإدْناءٌ لَها مِنَ الحِسِّ.

14:26Page 259

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ. ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِأنَّ عُرُوقَها قَرِيبَةٌ مِنهُ. ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ اسْتِقْرارٍ. واخْتُلِفَ في الكَلِمَةِ والشَّجَرَةِ فَفُسِّرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ والقُرْآنِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى والدُّعاءِ إلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الحَقِّ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما ما يَعُمُّ ذَلِكَ فالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ما أعْرَبَ عَنْ حَقٍّ أوْ دَعا إلى صَلاحٍ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ ما كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وفُسِّرَتِ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ بِالنَّخْلَةِ. ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا وبِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، والخَبِيثَةُ بِالحَنْظَلَةِ والكَشُوثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما أيْضًا ما يَعُمُّ ذَلِكَ.

14:27Page 259

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧

Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهم وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَزالُونَ إذا فُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ وجُرْجِيسَ وشَمْعُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ.

وَرُوِيَ «أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: ثُمَّ تُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ ويَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ ؟ وما دِينُكَ ؟ ومَن نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنْ صَدَقَ عَبْدِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ .»

﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ (p-199)ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ فَلا يَهْتَدُونَ إلى الحَقِّ ولا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ وإضْلالِ آخَرِينَ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ.

14:28–30Page 259

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨

Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أيْ شُكْرَ نِعْمَتِهِ كُفْرًا بِأنْ وضَعُوهُ مَكانَهُ، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا، فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبَتْ مِنهم فَصارُوا تارِكِينَ لَها مُحَصِّلِينَ لِلْكُفْرِ بَدَلَها كَأهْلِ مَكَّةَ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأسْكَنَهم حَرَمَهُ وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ أبْوابَ رِزْقِهِ وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ وأُسِرُوا وقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وصارُوا أذِلّاءَ، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ ومَوْصُوفِينَ بِالكُفْرِ، وعَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ وبَنُو أُمَيَّةَ، فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ.

﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ شايَعُوهم في الكُفْرِ. ﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها. ﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها أوْ مِنَ القَوْمِ، أيْ داخِلِينَ فِيها مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ناصِبٍ لِجَهَنَّمَ. ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ وبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ الياءِ، ولَيْسَ الضَّلالُ ولا الإضْلالُ غَرَضَهم في اتِّخاذِ الأنْدادِ لَكِنْ لَمّا كانَ نَتِيجَتَهُ جُعِلَ كالغَرَضِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بِشَهَواتِكم أوْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ فَإنَّها مِن قَبِيلِ الشَّهَواتِ الَّتِي يُتَمَتَّعُ بِها، وفي التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إيذانٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ عَلَيْهِ كالمَطْلُوبِ لِإفْضائِهِ إلى المُهَدَّدِ بِهِ، وأنَّ الأمْرَيْنِ كائِنانِ لا مَحالَةَ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وأنَّ المُخاطَبَ لِانْهِماكِهِ فِيهِ كالمَأْمُورِ بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ.

14:31Page 259

قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١

[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ تَنْوِيهًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، ومَفْعُولُ ﴿قُلْ﴾ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهُ: أيْ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا. ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ مُطاوَعَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِحَيْثُ لا يَنْفِكُّ فِعْلُهم عَنْ أمْرِهِ، وأنَّهُ كالسَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرا بِلامِ الأمْرِ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ القَوْلِ بِهِما وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ ها هُنا ولَمْ يَحْسُنْ في قَوْلِهِ:

؎ مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ. . . إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالًا

لِدَلالَةِ قُلْ عَلَيْهِ. وقِيلَ هُما جَوابا أقِيمُوا وأنْفِقُوا مُقامَيْنِ مَقامَهُما، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ ما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولِأنَّ أمْرَ المُواجَهَةِ لا يُجابُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِ أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والأحَبُّ إعْلانُ الواجِبِ وإخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَدارَكُ بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةَ فَيَشْفَعُ لَكَ خَلِيلٌ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى النَّفْيِ العامِّ.(p-200)

14:32–34Page 259

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢

It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤

And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.

14:35–36Page 260

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ بَلْدَةَ مَكَّةَ. ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ لِمَن فِيها، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ في الأوَّلِ إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهُ وتَصْيِيرُهُ آمِنًا، وفي الثّانِي جَعْلُهُ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ. ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم، ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ وقُرِئَ « وأجْنِبْنِي» وهُما عَلى لُغَةِ نَجْدٍ وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ إيّاهم وهو بِظاهِرِهِ، لا يَتَناوَلُ أحْفادَهُ وجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ. وزَعَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ مُحْتَجًّا بِهِ وإنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَدُورُونَ بِها ويُسَمُّونَها الدَّوّارَ ويَقُولُونَ البَيْتُ حَجَرٌ فَحَيْثُما نَصَبْنا حَجَرًا فَهو بِمَنزِلَتِهِ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فَلِذَلِكَ سَألْتُ مِنكَ العِصْمَةَ واسْتَعَذْتُ بِكَ مِن إضْلالِهِنَّ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ عَلى دِينِي. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ بَعْضِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ. ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقْدِرُ أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ إلّا أنَّ الوَعِيدَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.

14:37Page 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

(p-201)﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي أوْ ذُرِّيَّةٍ مِن ذُرِّيَّتِي فَحُذِفَ المَفْعُولُ وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ فَإنَّ إسْكانَهُ مُتَضَمَّنٌ لِإسْكانِهِمْ. ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يَعْنِي وادِي مَكَّةَ فَإنَّها حَجَرِيَّةٌ لا تُنْبِتُ. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ الَّذِي حَرَّمْتَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ، أوْ مَنَعَ مِنهُ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا أيْ أعْتَقَ مِنهُ. ولَوْ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ أوَّلَ ما قَدِمَ فَلَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ.

رُوِيَ أنَّ هاجَرَ كانَتْ لِسارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ مِنهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَغارَتْ عَلَيْهِما فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ فَأظْهَرَ اللَّهُ عَيْنَ زَمْزَمَ، ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ رَأوْا ثَمَّ طُيُورًا فَقالُوا لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ، فَقَصَدُوهُ فَرَأوْهُما وعِنْدَهُما عَيْنٌ فَقالُوا أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكُكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ.

﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿أسْكَنْتُ﴾ أيْ ما أسْكَنْتُهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِإقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ.

وَتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِلشِّعارِ بِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن إسْكانِهِمْ ثَمَّةَ، والمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ تَوْفِيقُهم لَها.

وَقِيلَ لامُ الأمْرِ والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها. ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَةِ النّاسِ، و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ ولِذَلِكَ قِيلَ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ أيْ أفْئِدَةُ ناسٍ. وقَرَأ هِشامٌ « أفْئِيدَةً» بِخُلْفٍ عَنْهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ « آفِدَةً» وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَقْلُوبَ « أفْئِدَةً» كَآدَرَ في أدْؤُرَ وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن أفَدْتُ الرِّحْلَةَ إذا عَجَّلْتُ أيْ جَماعَةً يُعَجِّلُونَ نَحْوَهم « وأفَدَةً» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وإنْ كانَ الوَجْهُ فِيهِ إخْراجَها بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أفَدَ. ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا. وقُرِئَ « تُهْوى» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى إلَيْهِ غَيْرَهُ و « تَهْوى» مِن هَوى يَهْوِي إذا أحَبَّ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّزُوعِ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَعَ سُكْناهم وادِيًا لا نَباتَ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَتَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تُوجَدَ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ.

14:38–39Page 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩

Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا، والمَعْنى إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا، فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنّا نَدْعُوكَ إظْهارًا لِعُبُودِيَّتِكَ وافْتِقارًا إلى رَحْمَتِكَ واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ ما نُخْفِي مِن وجْدِ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلَيْكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالِغَةِ في التَّضَرُّعِ واللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ العالِمُ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ يَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ مَعْلُومٍ، ومِن لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ وهَبَ لِي وأنا كَبِيرٌ آيِسٌ مِنَ الوَلَدِ، قَيَّدَ الهِبَةَ بِحالِ الكِبَرِ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِما فِيها مِن آلائِهِ. ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِتِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً وإسْحاقُ لِمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِكَ سَمِعَ المَلِكُ كَلامِي إذا اعْتَدَّ بِهِ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ عَلى إسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى المَجازِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ دَعا رَبَّهُ وسَألَ مِنهُ الوَلَدَ فَأجابَهُ ووَهَبَ لَهُ سُؤْلَهُ حِينَ ما وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ لِيَكُونَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْلاها.(p-202)

14:40–41Page 260

رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿اجْعَلْنِي﴾، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ. ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما. وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.

14:42–43Page 260

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢

And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].

مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ. وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ. ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها. ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ:

؎ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ

وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.

14:44Page 261

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤

And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1

﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ يا مُحَمَّدُ. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَإنَّهُ أوَّلُ أيّامِ عَذابِهِمْ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أنْذِرِ) . ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ. ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أخِّرِ العَذابَ عَنّا أوْ رُدَّنا إلى الدُّنْيا وأمْهِلْنا إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٍ، أوْ أخِّرْ آجالَنا وأبْقِنا مِقْدارَ ما نُؤْمِنُ بِكَ ونَجِيبُ دَعْوَتَكَ. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ ونَظِيرُهُ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ و ﴿ما لَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ عَلى المُطابَقَةِ دُونَ الحِكايَةِ، والمَعْنى أقْسَمْتُمْ أنَّكم باقُونَ في الدُّنْيا لا تُزالُونَ بِالمَوْتِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا بَطَرًا وغُرُورًا أوْ دَلَّ عَلَيْهِ حالُهم حَيْثُ بَنَوْا شَدِيدًا وأمَّلُوا بَعِيدًا. وقِيلَ أقْسَمُوا أنَّهم لا يَنْتَقِلُونَ إلى دارٍ أُخْرى وأنَّهم إذا ماتُوا لا يُزالُونَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ إلى حالَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ .(p-203)

14:45–46Page 261

وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦

And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1

﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.﴿وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ. ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ. وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْوِهِ. وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .

14:47Page 261

فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧

So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وأصْلُهُ مُخْلِفٌ رُسُلَهُ وعْدَهُ فَقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وإذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا فَكَيْفَ يُخْلِفُ رُسُلَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ قادِرٌ لا يُدافَعُ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ.

14:48Page 261

يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ، أوْ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُخْلِفٍ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ. ﴿والسَّماواتُ﴾ عُطِفَ عَلى الأرْضِ وتَقْدِيرُهُ والسَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وفي الصِّفَةِ كَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وغَيَّرْتَ شَكْلَها، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ لَمْ يُخْطِئْ عَلَيْها أحَدٌ خَطِيئَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ» ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ بِالتَّبْدِيلِ أرْضًا وسَماءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا يَبْعُدُ عَلى الثّانِي أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الأرْضَ جَهَنَّمَ والسَّمَواتِ الجَنَّةَ عَلى ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ . ﴿وَبَرَزُوا﴾ مِن أجْداثِهِمْ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِمُحاسَبَتِهِ ومَجازاتِهِ، وتَوْصِيفُهُ بِالوَصْفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ: (p-204)﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ ولا مُسْتَجارَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском