Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
الحجر
Al-Hijr
The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs
15:1–2Page 262
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢
Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.
(p-206)سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ وهي تِسْعٌ وتِسْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ الإشارَةُ إلى آياتِ السُّورَةِ و ﴿الكِتابِ﴾ هو السُّورَةُ، وكَذا القُرْآنُ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ آياتُ الجامِعِ لِكَوْنِهِ كِتابًا كامِلًا وقُرْآنًا يُبَيِّنُ الرُّشْدَ مِنَ الغَيِّ بَيانًا غَرِيبًا.
﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حِينَ عايَنُوا حالَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ نُزُولِ النَّصْرِ أوْ حُلُولِ المَوْتِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ﴿رُبَما﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ « رَبَما» بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ وفِيهِ ثَمانِ لُغاتٍ ضَمُّ الرّاءِ وفَتْحُها مَعَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ وبِتاءِ التَّأْنِيثِ ودُونِها، وما كافَّةٌ تَكُفُّهُ عَنِ الجَرِّ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الفِعْلِ وحَقُّهُ أنْ يَدْخُلَ الماضِيَ لَكِنْ لَمّا كانَ المُتَرَقَّبُ في أخْبارِ اللَّهِ تَعالى كالماضِي في تَحَقُّقِهِ أُجْرِيَ مَجْراهُ. وقِيلَ: ما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ كَقَوْلِهِ:
؎ رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْ. . . رِ لَهُ فُرْجَةً كَحَلِّ العِقالِ
وَمَعْنى التَّقْلِيلِ فِيهِ الإيذانُ بِأنَّهم لَوْ كانُوا يَوَدُّونَ الإسْلامَ مَرَّةً فَبِالحَرِيِّ أنْ يُسارِعُوا إلَيْهِ، فَكَيْفَ وهم يَوَدُّونَهُ كُلَّ ساعَةٍ. وقِيلَ تَدْهَشُهم أهْوالُ القِيامَةِ فَإنْ حانَتْ مِنهم إفاقَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ تَمَنَّوْا ذَلِكَ، والغَيْبَةُ في حِكايَةِ وِدادَتِهِمْ كالغَيْبَةِ في قَوْلِكَ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ.
15:3Page 262
ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣
Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.
﴿ذَرْهُمْ﴾ دَعْهم. ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ بِدُنْياهم. ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ ويَشْغَلْهم تَوَقُّعُهم لِطُولِ الأعْمارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعادِ. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ، والغَرَضُ إقْناطُ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ ارْعِوائِهِمْ وإيذانُهُ بِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلانِ، وإنَّ نُصْحَهم بَعْدُ اشْتِغالٌ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، وفِيهِ إلْزامٌ لِلْحُجَّةِ وتَحْذِيرٌ عَنِ إيثارِ التَّنَعُّمِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ طُولُ الأمَلِ.
15:4–5Page 262
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤
And We did not destroy any city but that for it was a known decree.
مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥
No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.
﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجْلٌ مُقَدَّرٌ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والمُسْتَثْنى جُمْلَةٌ واقِعَةٌ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، والأصْلُ أنْ لا تَدْخُلَها الواوُ كَقَوْلِهِ: ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ولَكِنْ لَمّا شابَهَتْ صُورَتَها الحالُ أُدْخِلَتْ تَأْكِيدًا لِلُصُوقِها بِالمَوْصُوفِ.
﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ وما يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ أُمَّةٍ فِيهِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.(p-207)
15:6–7Page 262
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦
And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1
لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧
Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"
﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ نادَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ عَلى التَّهَكُّمِ، ألا تَرى إلى ما نادَوْهُ لَهُ وهو قَوْلُهم. ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾، والمَعْنى إنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلَ المَجانِينِ حِينَ تَدَّعِي أنَّ اللَّهَ تَعالى نَزَّلَ عَلَيْكَ الذِّكْرَ، أيِ القُرْآنَ.
﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ رُكِّبَ ﴿لَوْ﴾ مَعَ ﴿ما﴾ كَما رُكِّبَتْ مَعَ لا لِمَعْنَيَيْنِ امْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ والتَّحْضِيضِ.
﴿بِالمَلائِكَةِ﴾ لِيُصَدِّقُوكَ ويُعَضِّدُوكَ عَلى الدَّعْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ . أوْ لِلْعِقابِ عَلى تَكْذِيبِنا لَكَ كَما أتَتِ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ قَبْلُ. ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ.
15:8–9Page 262
مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨
We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩
Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.
(ما يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ) بِالياءِ ونَصَبَ ﴿المَلائِكَةَ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالنُّونِ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ﴿المَلائِكَةَ﴾ . وقُرِئَ « تَنْزِلُ» بِمَعْنى تَتَنَزَّلُ. ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ بِالوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَهُ واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم بِصُوَرٍ تُشاهِدُونَها فَإنَّهُ لا يَزِيدُكم إلّا لَبْسًا، ولا في مُعاجَلَتِكم بِالعُقُوبَةِ فَإنَّ مِنكم ومِن ذَرارِيكم مَن سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لَهُ بِالإيمانِ. وقِيلَ الحَقُّ الوَحْيُ أوِ العَذابُ. ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ﴿إذًا﴾ جَوابٌ لَهم وجَزاءٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ نَزَّلْنا المَلائِكَةَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ.
﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لِإنْكارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ ولِذَلِكَ أكَّدَهُ مِن وُجُوهٍ وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ بِأنْ جَعَلْناهُ مُعْجِزًا مُبايِنًا لِكَلامِ البَشَرِ، بِحَيْثُ لا يَخْفى تَغْيِيرُ نَظْمِهِ عَلى أهْلِ اللِّسانِ، أوْ نَفْيُ تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ في الدَّوامِ بِضَمانِ الحِفْظِ لَهُ كَما نَفى أنْ يُطْعَنَ فِيهِ بِأنَّهُ المُنَزِّلُ لَهُ.
وَقِيلَ الضَّمِيرُ في لَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
15:10–11Page 262
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠
And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١
And no messenger would come to them except that they ridiculed him.
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ في فِرَقِهِمْ، جَمْعُ شِيعَةٍ وهي الفِرْقَةُ المُتَّفِقَةُ عَلى طَرِيقٍ ومَذْهَبٍ مِن شاعَهُ إذا تَبِعَهُ، وأصْلُهُ الشَّياعُ وهو الحَطَبُ الصِّغارُ تُوقَدُ بِهِ الكِبارُ، والمَعْنى نَبَّأْنا رِجالًا فِيهِمْ وجَعَلْناهم رُسُلًا فِيما بَيْنَهم.
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما يَفْعَلُ هَؤُلاءِ، وهو تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما لِلْحالِ لا يَدْخُلُ إلّا مُضارِعًا بِمَعْنى الحالِ، أوْ ماضِيًا قَرِيبًا مِنهُ وهَذا عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ.
15:12–13Page 262
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢
Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ نُدْخِلُهُ. ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ والسَّلْكُ إدْخالُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ كالخَيْطِ في المَخِيطِ، والرُّمْحِ في المَطْعُونِ والضَّمِيرُ لِلِاسْتِهْزاءِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُوجِدُ الباطِلَ في قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ لِـ ﴿الذِّكْرَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ الآخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لَهُ وهو حالٌ مِن هَذا الضَّمِيرِ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ السَّلْكِ نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ مُكَذِّبًا غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، أوْ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لَهُ، وهَذا الِاحْتِجاجُ ضَعِيفٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن تَعاقُبِ (p-208)الضَّمائِرِ تَوافُقُها في المَرْجُوعِ إلَيْهِ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُجْرِمِينَ، ولا يُنافِي كَوْنُها مُفَسِّرَةً لِلْمَعْنى الأوَّلِ بَلْ يُقَوِّيهِ. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ سُنَّةُ اللَّهِ فِيهِمْ بِأنْ خَذَلَهم وسَلَكَ الكَفْرَ في قُلُوبِهِمْ، أوْ بِإهْلاكِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنهم فَيَكُونُ وعِيدًا لِأهْلِمَكَّةَ.
15:14–15Page 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."
﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ. ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ يَصْعَدُونَ إلَيْها ويَرَوْنَ عَجائِبَها طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَ، أوْ تَصْعَدُ المَلائِكَةُ وهم يُشاهِدُونَهم. ﴿لَقالُوا﴾ مِن غُلُوِّهِمْ في العِنادِ وتَشْكِيكِهِمْ في الحَقِّ. ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ سُدَّتْ عَنِ الإبْصارِ بِالسِّحْرِ مِنَ السُّكْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، أوْ حُيِّرَتْ مِنَ السُّكْرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ « سُكِرَتْ» . ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ بِذَلِكَ كَما قالُوهُ عِنْدَ ظُهُورِ غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ، وفي كَلِمَتَيِ الحَصْرِ والإضْرابِ دَلالَةٌ عَلى البَتِّ بِأنَّ ما يَرَوْنَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو باطِلٌ خُيِّلَ إلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ السِّحْرِ.
15:16–18Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ اثْنَيْ عَشَرَ مُخْتَلِفَةَ الهَيْئاتِ والخَواصِّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّصْدُ والتَّجْرِبَةُ مَعَ بَساطَةِ السَّماءِ. ﴿وَزَيَّنّاها﴾ بِالأشْكالِ والهَيْئاتِ البَهِيَّةِ. ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ بِها عَلى قُدْرَةِ مُبْدِعِها وتَوْحِيدِ صانِعِها.
﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ فَلا يَقْدِرُ أنْ يَصْعَدَ إلَيْها ويُوَسْوِسَ إلى أهْلِها ويَتَصَرَّفَ في أمْرِها ويَطَّلِعَ عَلى أحْوالِها.
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ واسْتِراقُ السَّمْعِ اخْتِلاسُهُ سِرًّا، شَبَّهَ بِهِ خَطْفَتَهُمُ اليَسِيرَةَ مِن قُطّانِ السَّمَواتِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ في الجَوْهَرِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ مِن أوْضاعِ الكَواكِبِ وحَرَكاتِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَمَواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعُوا مِن كُلِّها بِالشُّهُبِ. ولا يَقْدَحُ فِيهِ تَكَوُّنُها قَبْلَ المَوْلِدِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَها أسْبابٌ أُخَرُ. وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنْ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ. ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ فَتَبِعَهُ ولَحِقَهُ.
﴿شِهابٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ لِلْمُبْصِرِينَ، والشِّهابُ شُعْلَةُ نارٍ ساطِعَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ لِلْكَوْكَبِ والسِّنانِ لِما فِيهِما مِنَ البَرِيقِ.
15:19–20Page 263
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩
And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ بَسَطْناها. ﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِتَ. ﴿وَأنْبَتْنا فِيها﴾ في الأرْضِ أوْ فِيها وفي الجِبالِ. ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ مُقَدَّرٍ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، أوْ مُسْتَحْسَنٍ، مُناسِبٍ مِن قَوْلِهِمْ كَلامٌ مَوْزُونٌ، أوْ ما يُوزَنُ ويُقَدَّرُ أوْ لَهُ وزْنٌ في أبْوابِ النِّعْمَةِ والمَنفَعَةِ.
﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَلابِسِ. وقُرِئَ « مَعائِشَ» بِالهَمْزَةِ عَلى التَّشْبِيهِ بِشَمائِلَ: ﴿وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿مَعايِشَ﴾ أوْ عَلى مَحَلِّ ﴿لَكُمْ﴾، ويُرِيدُ بِهِ العِيالَ والخَدَمَ (p-209)والمَمالِيكَ وسائِرَ ما يَظُنُّونَ أنَّهم يُرْزَقُونَهم ظَنًّا كاذِبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهم وإيّاهم، وفَذْلَكَةُ الآيَةِ الِاسْتِدْلالُ بِجَعْلِ الأرْضِ مَمْدُودَةً بِمِقْدارٍ وشَكْلٍ مُعَيَّنَيْنِ مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ في الوَضْعِ مُحْدَثَةً فِيها أنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ المُخْتَلِفَةِ خِلْقَةً وطَبِيعَةً، مَعَ جَوازِ أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ، والتَّفَرُّدِ في الأُلُوهِيَّةِ والِامْتِنانِ عَلى العِبادِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيُوَحِّدُوهُ ويَعْبُدُوهُ، ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ وقالَ:
15:21Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ أيْ وما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ أضْعافَ ما وُجِدَ مِنهُ، فَضَرَبَ الخَزائِنَ مَثَلًا لِاقْتِدارِهِ أوْ شَبَّهَ مَقْدُوراتِهِ بِالأشْياءِ المَخْزُونَةِ الَّتِي لا يُحْوِجُ إخْراجُها إلى كُلْفَةٍ واجْتِهادٍ. ﴿وَما نُنَزِّلُهُ﴾ مِن بِقاعِ القُدْرَةِ. ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ حَدُّهُ الحِكْمَةُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ، فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِها بِالإيجادِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُشْتَمِلًا عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ والحالاتِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ حَكِيمٍ.
15:22–23Page 263
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢
And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.
وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣
And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1
﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ حَوامِلَ، شَبَّهَ الرِّيحَ الَّتِي جاءَتْ بِخَيْرٍ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ كَما شَبَّهَ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالعَقِيمِ، أوْ مُلَقِّحاتٌ لِلشَّجَرِ ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ:
وَمُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
وَقُرِئَ « وأرْسَلْنا الرِّيحَ» عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ. ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ فَجَعَلْناهُ لَكم سُقْيا.
﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن إخْراجِهِ، نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أوْ حافِظِينَ في الغُدْرانِ والعُيُونِ والآبارِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المُدَبِّرِ الحَكِيمِ كَما تَدُلُّ حَرَكَةُ الهَواءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، فَإنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ فَوُقُوفُهُ دُونَ حَدٍّ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ مُخَصَّصٍ.
﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها. ﴿وَنُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها وقَدْ أوَّلَ الحَياةَ بِما يَعُمُّ الحَيَوانَ والنَّباتَ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ. ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ الباقُونَ إذا ماتَ الخَلائِقُ كُلُّها.
15:24–25Page 263
وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤
And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥
And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَنِ اسْتَقْدَمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَنِ اسْتَأْخَرَ، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ، أوْ تَأخَّرَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ. وقِيلَ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّفِّ الأوَّلِ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ لِئَلّا يَنْظُرَ إلَيْها وتَأخَّرَ بَعْضٌ لِيُبْصِرَها فَنَزَلَتْ.
﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ لا مَحالَةَ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ القادِرُ والمُتَوَلِّي لِحَشْرِهِمْ لا غَيْرَ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما سَبَقَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ باهِرُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
15:26–27Page 263
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦
And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.
وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧
And the jinn We created before from scorching fire.
(p-210)﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ مِن طِين يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ. وقِيلَ هو مِن صَلْصَلَ إذا أنْتَنَ تَضْعِيفُ صَلَّ. ﴿مِن حَمَإٍ﴾ طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن طُولِ مُجاوِرَةِ الماءِ، وهو صِفَةُ صَلْصالٍ أيْ كائِنٌ ﴿مِن حَمَإٍ﴾ . ﴿مَسْنُونٍ﴾ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، أوْ مَنصُوبٍ لِيَيْبَسَ ويُتَصَوَّرَ كالجَواهِرِ المُذابَةِ تُصَبُّ في القَوالِبِ، مِنَ السَّنِّ وهو الصَّبُّ كَأنَّهُ أفْرَغَ الحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ غَيَّرَ ذَلِكَ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ حَتّى سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، أوْ مُنْتِنٍ مِن سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ إذا حَكَكْتُهُ بِهِ، فَإنَّ ما يَسِيلُ بَيْنَهُما يَكُونُ مُنْتِنًا ويُسَمّى السَّنِينَ.
﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنِّ. وقِيلَ إبْلِيسُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لِما كانَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ خُلِقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ. ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا يَمْتَنِعُ خَلْقُ الحَياةِ في الأجْرامِ البَسِيطَةِ كَما لا يَمْتَنِعُ خَلْقُها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، فَضْلًا عَنِ الأجْسادِ المُؤَلَّفَةِ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن نارِ﴾ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ومَساقُ الآيَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.
15:28–29Page 263
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩
And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ حَتّى جَرى آثارُهُ في تَجاوِيفِ أعْضائِهِ فَحَيِيَ، وأصْلُ النَّفْخِ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ يَتَعَلَّقُ أوَّلًا بِالبُخارِ اللَّطِيفِ المُنْبَعِثِ مِنَ القَلْبِ وتَفِيضُ عَلَيْهِ الحَيَوانِيَّةُ فَيَسْرِي حامِلًا لَها في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ، جَعَلَ تَعَلُّقَهُ بِالبَدَنِ نَفْخًا وإضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِما مَرَّ في « النِّساءِ» . ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ فاسْقُطُوا لَهُ. ﴿ساجِدِينَ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ يَقَعُ.
15:30–31Page 263
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠
So the angels prostrated - all of them entirely,
إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١
Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ أكَّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ ومَنعِ التَّخْصِيصِ، وقِيلَ أكَّدَ بِالكُلِّ لِلْإحاطَةِ وبِأجْمَعِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم سَجَدُوا مُجْتَمَعِينَ دَفْعَةً، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الثّانِي حالًا لا تَأْكِيدًا.
﴿إلا إبْلِيسَ﴾ إنْ جُعِلَ مُنْقَطِعًا اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ أيْ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أبى وإنْ جُعِلَ مُتَّصِلًا كانَ اسْتِئْنافًا عَلى أنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ هَلّا سَجَدَ.
15:32–33Page 264
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢
[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"
قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣
He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ﴾ أيُّ غَرَضٍ لَكَ في أنْ لا تَكُونَ. ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾ لِآدَمَ.
﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ لا يَصِحُّ مِنِّي ويُنافِي حالِي أنْ أسْجُدَ. ﴿لِبَشَرٍ﴾ جُسْمانِيٍّ كَثِيفٍ وأنا مَلَكٌ رُوحانِيٌّ. ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وهو أخَسُّ العَناصِرِ وخَلَقْتَنِي مِن نارٍ وهي أشْرَفُها، اسْتَنْقَصَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاعْتِبارِ النَّوْعِ والأصْلِ وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْهُ في سُورَةِ « الأعْرافِ» .(p-211)
15:34–35Page 264
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤
[Allāh] said, "Then depart from it,1 for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥
And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ زُمَرِ المَلائِكَةِ. ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مَطْرُودٌ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ، فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحَجَرِ أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ.
﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ هَذا الطَّرْدُ والإبْعادُ. ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَإنَّهُ مُنْتَهى أمَدِ اللَّعْنِ، فَإنَّهُ يُناسِبُ أيّامَ التَّكْلِيفِ ومِنهُ زَمانُ الجَزاءِ وما في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِمَعْنى آخَرَ يُنْسى عِنْدَهُ هَذِهِ. وقِيلَ إنَّما حَدَّ اللَّعْنَ بِهِ لِأنَّهُ أبْعَدُ غايَةٍ يَضُرُّ بِها النّاسَ، أوْ لِأنَّهُ يُعَذَّبُ فِيهِ بِما يُنْسى اللَّعْنُ مَعَهُ فَيَصِيرُ كالزّائِلِ.
15:36–38Page 264
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨
Until the Day of the time well-known."
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ فَأخِّرْنِي، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ . ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أرادَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً في الإغْواءِ أوْ نَجاةً مِنَ المَوْتِ، إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ وقْتِ البَعْثِ فَأجابَهُ إلى الأوَّلِ دُونَ الثّانِي.
﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ المُسَمّى فِيهِ أجْلُكَ عِنْدَ اللَّهِ، أوِ انْقِراضُ النّاسِ كُلِّهِمْ وهو النَّفْخَةُ الأوْلى عِنْدَ الجُمْهُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ يَوْمُ القِيامَةِ، واخْتِلافُ العِباراتِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ فَعَبَّرَ عَنْهُ أوَّلًا بِيَوْمِ الجَزاءِ لِما عَرَفْتَهُ وثانِيًا بِيَوْمِ البَعْثِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ العِلْمُ بِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ واليَأْسِ عَنِ التَّضْلِيلِ، وثالِثًا بِالمَعْلُومِ لِوُقُوعِهِ في الكَلامَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَمُوتَ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ أوَّلَ اليَوْمِ ويُبْعَثُ مَعَ الخَلائِقِ في تَضاعِيفِهِ، وهَذِهِ المُخاطَبَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ بِواسِطَةٍ لَمْ تَدُلَّ عَلى مَنصِبِ إبْلِيسَ لِأنَّ خِطابَ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ والإذْلالِ.
15:39–40Page 264
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩
[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them [i.e., mankind] on earth, and I will mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
Except, among them, Your chosen servants."
﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ وما مَصْدَرِيَّةٌ وجَوابُهُ. ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ والمَعْنى أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ كَقَوْلِهِ: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ وفي انْعِقادِ القَسَمِ بِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى خِلافٌ. وقِيلَ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُعْتَزِلَةُ أوَّلُوا الإغْواءَ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيِّ، أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ بِأمْرِهِ إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ بِالإضْلالِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ واعْتَذَرُوا عَنْ إمْهالِ اللَّهِ لَهُ، وهو سَبَبٌ لِزِيادَةِ غَيِّهِ وتَسْلِيطٌ لَهُ عَلى إغْواءِ بَنِي آدَمَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنْ تَبِعَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُمْهِلَ أوْ لَمْ يُمْهَلْ، وأنَّ في إمْهالِهِ تَعْرِيضًا لِمَن خالَفَهُ لِاسْتِحْقاقِ مَزِيدِ الثَّوابِ، وضِعْفُ ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ. ﴿وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ولَأحْمِلَنَّهم أجْمَعِينَ عَلى الغَوايَةِ.
﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وطَهَّرْتَهم مِنَ الشَّوائِبِ فَلا يَعْمَلُ فِيهِمْ كَيْدِي.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالكَسْرِ في كُلِّ القُرْآنِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences