Al-BaydawiAn‑Nahl · 16:62–84

Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:62–84

16:62Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ أيْ ما يَكْرَهُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ البَناتِ والشُّرَكاءِ في الرِّياسَةِ، والِاسْتِخْفافِ بِالرُّسُلِ وأراذِلِ الأمْوالِ. ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ مَعَ ذَلِكَ وهو. ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ أيْ عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ وقُرِئَ « الكُذُبَ» جَمْعُ كَذُوبٍ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ. ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ وإثْباتٌ لِضِدِّهِ. ﴿وَأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ مُقْدِمُونَ إلى النّارِ مِن أفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ إذا قَدَّمْتُهُ.

وَقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مِنَ الإفْراطِ في المَعاصِي. وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مَفْتُوحًا مِن فَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ ومَكْسُورًا مِنَ التَّفْرِيطِ في الطّاعاتِ.

16:63Page 273

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ فَأصَرُّوا عَلى قَبائِحِها وكَفَرُوا بِالمُرْسَلِينَ. ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِاليَوْمِ عَنْ زَمانِها أوْ فَهو ولِيُّهم حِينَ كانَ يُزَيِّنُ لَهم، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ أوْ آتِيَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ أيْ زَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِينَ أعْمالَهم وهو ولِيُّ هَؤُلاءِ اليَوْمَ يُغْرِيهِمْ ويُغْوِيهِمْ، وإنْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ فَهو ولِيُّ أمْثالِهِمْ، والوَلِيُّ القَرِينُ أوِ النّاصِرُ فَيَكُونُ نَفْيًا لِلنّاصِرِ لَهم عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في القِيامَةِ.

16:64–65Page 273

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥

And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ لِلنّاسِ. ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والقَدَرِ وأحْوالِ المَعادِ وأحْكامِ الأفْعالِ. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِتُبَيِّنَ فَإنَّهُما فِعْلا المُنَزَّلِ بِخِلافِ التَّبْيِينِ.

﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أنْبَتَ فِيها أنْواعَ النَّباتِ بَعْدَ يُبْسِها. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ وإنْصافٍ.

16:66Page 274

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ دَلالَةً يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ. ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ العِبْرَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ ووَحَّدَهُ ها هُنا لِلَّفْظِ وأنَّثَهُ في سُورَةِ « المُؤْمِنِينَ» لِلْمَعْنى، فَإنَّ ﴿الأنْعامِ﴾ اسْمُ (p-232)جَمْعٍ ولِذَلِكَ عَدَّهُ سِيبَوَيْهُ في المُفْرَداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى أفْعالٍ كَأخْلاقٍ وأكْياسٍ، ومَن قالَ إنَّهُ جَمْعُ نِعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ فَإنَّ اللَّبَنَ لِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها أوْ لِواحِدِهِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (نَسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ هُنا وفي « المُؤْمِنِينَ» . ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا﴾ فَإنَّهُ يَخْلُقُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ المُنْهَضِمَةُ بَعْضَ الِانْهِضامِ في الكِرْشِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتَلَفَتْ وانْطَبَخَ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ فالمُرادُ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ، لِأنَّهُما لا يَتَكَوَّنانِ في الكِرْشِ بَلِ الكَبِدُ يَجْذِبُ صَفاوَةَ الطَّعامِ المُنْهَضِمِ في الكِرْشِ، ويُبْقِي ثُفْلَهُ وهو الفَرْثُ ثُمَّ يُمْسِكُها رَيْثَما يَهْضِمُها هَضْمًا ثانِيًا فَيُحْدِثُ أخْلاطًا أرْبَعَةً مَعَها مائِيَّةٌ، فَتُمَيِّزَ القُوَّةُ المُمَيِّزَةُ تِلْكَ المائِيَّةِ بِما زادَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ المَرَّتَيْنِ وتَدْفَعُها إلى الكُلْيَةِ والمَرارَةِ والطِّحالِ، ثُمَّ يُوَزَّعُ الباقِي عَلى الأعْضاءِ بِحَسَبِها فَيَجْرِي إلى كُلٍّ حَقُّهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيَوانُ أُنْثى زادَ أخِلاطُها عَلى قَدْرِ غِذائِها لِاسْتِيلاءِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ عَلى مِزاجِها، فَيَنْدَفِعُ الزّائِدُ أوَّلًا إلى الرَّحِمِ لِأجْلِ الجَنِينِ فَإذا انْفَصَلَ انْصَبَّ ذَلِكَ الزّائِدُ أوْ بَعْضُهُ إلى الضُّرُوعِ، فَيَبِيضُ بِمُجاوَرَةِ لُحُومِها الغُدَدِيَّةِ البِيضِ فَيَصِيرُ لَبَنًا، ومَن تَدَبَّرَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى في إحْداثِ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها والقُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، اضْطَرَّ إلى الإقْرارِ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وتَناهِي رَحْمَتِهِ، و ﴿مِن﴾ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِها والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: سَقَيْتُ مِنَ الحَوْضِ، لِأنَّ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ المَحَلُّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ أوْ حالٌ مِن ﴿لَبَنًا﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. ﴿خالِصًا﴾ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُ لَوْنَ الدَّمِ ولا رائِحَةَ الفَرْثِ، أوْ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ. ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ، وقُرِئَ « سَيِّغًا» بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.

16:67Page 274

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.

﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ مِن عَصِيرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الإسْقاءِ أوْ بِـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، ومِنهُ تَكْرِيرٌ لِلظَّرْفِ تَأْكِيدًا أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِأنَّهُ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو العَصِيرُ، أوْ لِأنَّ الـ ﴿ثَمَراتِ﴾ بِمَعْنى الثَّمَرِ والـ (سَكَرَ) مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الخَمْرُ. ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ والدِّبْسِ والخَلِّ، والآيَةُ إنْ كانَتْ سابِقَةً عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهَتِها وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ. وقِيلَ السَّكَرُ النَّبِيذُ وقِيلَ الطَّعْمُ قالَ:

؎ جَعَلْتُ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرًا

أيْ تَنَقَّلْتُ بِأعْراضِهِمْ. وقِيلَ ما يَسُدُّ الجُوعَ مِنَ السَّكَرِ فَيَكُونُ الرِّزْقُ ما يَحْصُلُ مِن أثْمانِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ في الآياتِ.

16:68–69Page 274

وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩

Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ ألْهَمَها وقَذَفَ في قُلُوبِها، وقُرِئَ « إلى النَّحَلِ» بِفَتْحَتَيْنِ. ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾ بِأنِ اتَّخِذِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلى المَعْنى فَإنَّ النَّحْلَ مُذَكَّرٌ. ﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ذُكِرَ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ لِأنَّها لا تَبْنِي في كُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ (p-233)شَجَرٍ وكُلِّ ما يُعْرَّشُ مِن كَرْمٍ أوْ سَقْفٍ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها وإنَّما سُمِّيَ ما تَبْنِيهِ لَتَتَعَسَّلَ فِيهِ بَيْتًا تَشْبِيهًا بِبِناءِ الإنْسانِ، لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ القِسْمَةِ الَّتِي لا يَقْوى عَلَيْها حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ إلّا بِآلاتٍ وأنْظارٍ دَقِيقَةٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ لِتَنْبِيهٍ عَلى ذَلِكَ وقُرِئَ (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ (يَعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها مُرِّها وحُلْوِها. ﴿فاسْلُكِي﴾ ما أكَلْتِ. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ في مَسالِكِهِ الَّتِي يُحِيلُ فِيها بِقُدْرَتِهِ النَّوْرَ المُرَّ عَسَلًا مِن أجْوافَكِ، أوْ ﴿فاسْلُكِي﴾ الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ. ولا تَلْتَبِسُ. ﴿ذُلُلا﴾ جَمْعُ ذَلُولٍ وهي حالٌ مِنَ السُّبُلِ، أيْ مُذَلَّلَةٌ ذَلَّلَها اللَّهُ تَعالى وسَهَّلَها لَكِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اسْلُكِي أيْ وأنْتِ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ. ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ كَأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ إلى خِطابِ النّاسِ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النَّحْلِ وإلْهامِهِ لِأجْلِهِمْ. ﴿شَرابٌ﴾ يَعْنِي العَسَلَ لِأنَّهُ مِمّا يُشْرَبُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ الأزْهارَ والأوْراقَ العَطِرَةَ فَتَسْتَحِيلُ في بَطْنِها عَسَلًا، ثُمَّ تَقِيءُ ادِّخارًا لِلشِّتاءِ، ومَن زَعَمَ أنَّها تَلْتَقِطُ بِأفْواهِها أجْزاءً طَلِيَّةً حُلْوَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وتَضَعُها في بُيُوتِها ادِّخارًا فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنها كانَ العَسَلُ فَسَّرَ البُطُونَ بِالأفْواهِ. ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أبْيَضُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ وأسْوَدُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ سِنِّ النَّحْلِ والفَصْلِ. ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ، إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ إلّا والعَسَلُ جُزْءٌ مِنهُ، مَعَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ مُشْعِرٌ بِالتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ.

وَعَنْ قَتادَةَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: « اسْقِهِ العَسَلَ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفَعَ فَقالَ: « اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» . فَسَقاهُ فَشَفاهُ اللَّهُ تَعالى فَبَرَأ فَكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ.»

وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِما بَيَّنَ اللَّهُ مِن أحْوالِ النَّحْلِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَدَبَّرَ اخْتِصاصَ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والأفْعالِ العَجِيبَةِ حَقَّ التَّدَبُّرِ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يُلْهِمُها ذَلِكَ ويَحْمِلُها عَلَيْهِ.

16:70Page 274

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠

And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.

﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ. ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ﴾ يُعادُ. ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أخَسَّهِ يَعْنِي الهِرَمَ الَّذِي يُشابِهُ الطُّفُولِيَّةَ في نُقْصانِ القُوَّةِ والعَقْلِ. وقِيلَ هو خَمْسٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ.

﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ لِيَصِيرَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالَةِ الطُّفُولِيَّةِ في النِّسْيانِ وسُوءِ الفَهْمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم. ﴿قَدِيرٌ﴾ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ ويُبْقِي الهَرِمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ آجالِ النّاسِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ، رَكَّبَ أبْنِيَتَهم وعَدَّلَ أمْزِجَتَهم عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الطَّبائِعِ لَمْ يَبْلُغِ التَّفاوُتُ هَذا المَبْلَغَ.

16:71Page 274

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٧١

And Allāh has favored some of you over others in provision. But those who were favored [i.e., given more] would not hand over their provision to those whom their right hands possess [i.e., slaves] so they would be equal to them therein.1 Then is it the favor of Allāh they reject?

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ فَمِنكم غَنِيٌّ ومِنكم فَقِيرٌ، ومِنكم مَوالٍ يَتَوَلَّوْنَ رِزْقَهم ورِزْقَ غَيْرِهِمْ ومِنكم مَمالِيكُ حالُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ. ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ بِمُعْطِي رِزْقِهِمْ. ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمْ فَإنَّ ما يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في أيْدِيهِمْ. ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ فالمَوالِي والمَمالِيكُ سَواءٌ في أنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، فالجُمْلَةُ لازِمَةٌ لِلْجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ أوْ مُقَرِّرَةٌ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (p-234)واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَيَسْتَوُوا في الرِّزْقِ، عَلى أنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ في الأُلُوهِيَّةِ ولا يَرْضَوْنَ أنْ يُشارِكَهم عَبِيدُهم فِيما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُساوِرُهم فِيهِ. ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حَيْثُ يَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُضافَ إلَيْهِمْ بَعْضُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَجْحَدُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحُجَجِ بَعْدَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإيضاحِها، والباءُ لِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ و ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾ .

16:72Page 274

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢

And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ مِن جِنْسِكم لِتَأْنَسُوا بِها ولِتَكُونَ أوْلادُكم مِثْلَكم. وقِيلَ هو خَلْقُ حَوّاءَ مِن آدَمَ. ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ وأوْلادَ أوْلادٍ أوْ بَناتٍ، فَإنَّ الحافِدَ هو المُسْرِعُ في الخِدْمَةِ والبَناتُ يَخْدِمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ. وقِيلَ هُمُ الأُخْتانِ عَلى البَناتِ. وقِيلَ الرَّبائِبُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها البَنُونَ أنْفُسُهم والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ. ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ أوِ الحَلالاتِ و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ فَإنَّ المَرْزُوقَ في الدُّنْيا أُنْمُوذَجٌ مِنها. ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم، أوْ أنَّ مِنَ الطَّيِّباتِ ما يَحْرُمُ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ حَيْثُ أضافُوا نِعَمَهُ إلى الأصْنامِ، أوْ حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ إمّا لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإيهامِ التَّخْصِيصِ مُبالَغَةً، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ.

16:73Page 275

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣

And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ مِن مَطَرٍ ونَباتٍ، و ﴿رِزْقًا﴾ إنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا فَشَيْئًا مَنصُوبٌ بِهِ وإلّا فَبَدَلٌ مِنهُ. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يَتَمَلَّكُوهُ أوْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم أصْلًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وتَوْحِيدُهُ في ﴿لا يَمْلِكُ﴾ لِأنَّ ﴿ما﴾ مُفْرَدٌ في مَعْنى الألِهَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الكُفّارِ أيْ ولا يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهم أحْياءٌ مُتَصَرِّفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ.

16:74–75Page 275

فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤

So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥

Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ مَثَلًا تُشْرِكُونَهُ بِهِ، أوْ تَقِيسُونَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فَسادَ ما تُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ مِنَ القِياسِ عَلى أنَّ عِبادَةَ عَبِيدِ المَلِكِ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِن عِبادَتِهِ وعَظُمَ جُرْمُكم فِيما تَفْعَلُونَ. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ أنَّهُ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم دُونَ نَصِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفَ يُضْرَبُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ ولِمَن عُبِدَ دُونَهُ فَقالَ:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ مَثَّلَ ما يُشْرَكُ بِهِ بِالمَمْلُوكِ العاجِزِ عَنِ التَّصَرُّفِ رَأْسًا ومَثَّلَ نَفْسَهُ بِالحُرِّ المالِكِ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ، واحْتَجَّ بِامْتِناعِ الِاشْتِراكِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما مَعَ تَشارُكِهِما في الجِنْسِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ عَلى امْتِناعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي هي أعْجَزُ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ اللَّهِ الغَنِيِّ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ.

(p-235)وَقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وتَقْيِيدُ العَبْدِ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ فَإنَّهُ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وبِسَلْبِ القُدْرَةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ وجَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْمالِكِ المُتَصَرِّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ، والأظْهَرُ أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيُطابِقَ عَبْدًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في ﴿يَسْتَوُونَ﴾ لِأنَّهُ لِلْجِنْسَيْنِ فَإنَّ المَعْنى هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ ؟ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كُلُّ الحَمْدِ لَهُ، لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيُضِيفُونَ نِعْمَةً إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها.

16:76Page 275

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦

And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ ولِدَ أخْرَسَ لا يُفْهَمُ ولا يُفْهِمُ. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الصَّنائِعِ والتَّدابِيرِ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ عِيالٌ وثِقْلٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ. ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ، وقُرِئَ « يُوَجَّهُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « يُوَجِّهْ» بِمَعْنى يَتَوَجَّهُ كَقَوْلِهِ أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا « وتَوَجَّهَ» بِلَفْظِ الماضِي. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بِنُجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ ومَن هو فَهْمٌ مِنطِيقٌ ذُو كِفايَةٍ ورُشْدٍ يَنْفَعُ النّاسَ بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الشّامِلِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ. ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، وإنَّما قابَلَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُهُما، وهَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأصْنامِ لِإبْطالِ المُشارَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَها أوْ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

16:77–78Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ بِأنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَحْسُوسٌ. وقِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ﴾ وما أمْرُ قِيامِ السّاعَةِ في سُرْعَتِهِ وسُهُولَتِهِ. ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ إلّا كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها. ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ أوْ أمْرُها أقْرَبُ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ في زَمانِ نِصْفِ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ في الآنِ الَّذِي تَبْتَدِئُ فِيهِ، فَإنَّهُ تَعالى يُحْيِي الخَلائِقَ دُفْعَةً وما يُوجَدُ دُفْعَةٌ كانَ في آنٍ، و ﴿أوْ﴾ لِلتَّخْيِيرِ أوْ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ وإنْ تَراخى فَهو عِنْدَ اللَّهِ كالشَّيْءِ الَّذِي تَقُولُونَ فِيهِ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ مُبالَغَةً في اسْتِقْرابِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ أنْ يُحْيِيَ الخَلائِقَ دُفْعَةً كَما قَدَرَ أنْ أحْياهم مُتَدَرِّجًا، ثُمَّ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ أوْ إتْباعٌ لِما قَبْلَها، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها وكَسْرِ المِيمِ والهاءُ مَزِيدَةٌ مِثْلُها في أهْراقَ. ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ جُهّالًا مُسْتَصْحِبِينَ جَهْلَ الجَمادِيَّةِ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أداةً تَتَعَلَّمُونَ بِها فَتُحِسُّونَ بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ فَتُدْرِكُونَها ثُمَّ تَتَنَبَّهُونَ بِقُلُوبِكم لِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ بَيْنَها بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ حَتّى تَتَحَصَّلَ لَكُمُ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ، وتَتَمَكَّنُوا مِن تَحْصِيلِ المَعالِمِ الكَسْبِيَّةِ بِالنَّظَرِ فِيها. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ عَلَيْكم طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ.

16:79Page 275

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

(p-236)﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْعامَّةِ. ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُؤاتِيَةِ لَهُ. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ.

﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ فِيهِ. ﴿إلا اللَّهُ﴾ فَإنَّ ثِقَلَ جَسَدِها يَقْتَضِي سُقُوطَها ولا عَلّاقَةَ فَوْقَها ولا دِعامَةَ تَحْتَها تُمْسِكُها.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ تَسْخِيرُ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً يُمْكِنُ مَعَها الطَّيَرانُ، وخَلَقَ الجَوَّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ وإمْساكُها في الهَواءِ عَلى خِلافِ طَبْعِها. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

16:80Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠

And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكم كالبُيُوتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ هي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأُدُمِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ المُتَّخَذَةَ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعَرِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّها نابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها. ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تَجِدُونَها خَفِيفَةً يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تِرْحالِكم. ﴿وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ ووَضْعُها أوْ ضَرْبُها وقْتَ الحَضَرِ أوِ النُّزُولِ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ الصُّوفُ لِلضّائِنَةِ والوَبَرُ لِلْإبِلِ والشَّعَرُ لِلْمَعِزِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ ﴿الأنْعامِ﴾ لِأنَّها مِن جُمْلَتِها. ﴿أثاثًا﴾ ما يُلْبَسُ ويُفْرَشُ. ﴿وَمَتاعًا﴾ ما يُتَّجَرُ بِهِ. ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ فَإنَّها لِصَلابَتِها تَبْقى مُدَّةً مَدِيدَةً، أوْ إلى حِينِ مَماتِكم أوْ إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكم.

16:81Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١

And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ﴾ مِنَ الشَّجَرِ والجَبَلِ والأبْنِيَةِ وغَيْرِها. ﴿ظِلالا﴾ تَتَّقُونَ بِها حَرَّ الشَّمْسِ.

﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ مَواضِعَ تَسْكُنُونَ بِها مِنَ الكُهُوفِ والبُيُوتِ المَنحُوتَةِ فِيها جَمْعُ كُنٍّ. ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ﴾ ثِيابًا مِنَ الصُّوفِ والكَتّانِ والقُطْنِ وغَيْرِها. ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ اكْتِفاءً بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ أوْ لِأنَّ وِقايَةَ الحَرِّ كانَتْ أهَمَّ عِنْدَهم. ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ والجَواشِنَ، والسِّرْبالُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُلْبَسُ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كَإتْمامِ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ أيْ تَنْظُرُونَ في نِعَمِهِ فَتُؤْمِنُونَ بِهِ وتَنْقادُونَ لِحُكْمِهِ. وقُرِئَ « تَسْلَمُونَ» مِنَ السَّلامَةِ أيْ تَشْكُرُونَ فَتَسْلَمُونَ مِنَ العَذابِ، أوْ تَنْظُرُونَ فِيها فَتَسْلَمُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وقِيلَ « تَسْلَمُونَ» مِنَ الجِراحِ بِلُبْسِ الدُّرُوعِ.

16:82–83Page 276

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢

But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣

They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أعْرَضُوا ولَمْ يَقْبَلُوا مِنكَ. ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَلا يَضُرُّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وقَدْ بَلَّغْتَ، وهَذا مِن إقامَةِ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ.

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ يَعْرِفُ المُشْرِكُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي عَدَّدَها عَلَيْهِمْ وغَيْرَها حَيْثُ يَعْتَرِفُونَ بِها وبِأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى. ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها وقَوْلُهم إنَّها بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، أوْ بِسَبَبِ كَذا أوْ بِإعْراضِهِمْ عَنْ أداءِ حُقُوقِها. وقِيلَ نِعْمَةُ اللَّهِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَرَفُوها بِالمُعْجِزاتِ ثُمَّ أنْكَرُوها عِنادًا ومَعْنى ثُمَّ اسْتِبْعادُ الإنْكارِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ. ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ الجاحِدُونَ عِنادًا، وذَكَرَ الأكْثَرَ إمّا لِأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ (p-237)لِنُقْصانِ العَقْلِ أوِ التَّفْرِيطِ في النَّظَرِ، أوْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ وإمّا لِأنَّهُ يُقامُ مَقامَ الكُلِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .

16:84Page 276

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وهو نَبِيُّها يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ بِالإيمانِ والكُفْرِ. ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الِاعْتِذارِ إذْ لا عُذْرَ لَهم. وقِيلَ في الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا. و ﴿ثُمَّ﴾ لِزِيادَةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِن شِدَّةِ المَنعِ عَنِ الِاعْتِذارِ لِما فِيهِ مِنَ الإقْناطِ الكُلِّيِّ عَلى ما يُمَنَّوْنَ بِهِ مِن شَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا هم يُسْتَرْضَوْنَ، مِنَ العُتْبى وهي الرِّضا وانْتِصابُ يَوْمَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ، أوْ خَوِّفْهم أوْ يَحِيقُ بِهِمْ ما يَحِيقُ وكَذا قَوْلُهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском