Al-Baydawi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:83–111
17:83–84Page 290
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣
And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.
قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤
Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."
﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ لَوى عِطْفَهُ وبَعُدَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ مُسْتَبِدٌّ بِأمْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ لِأنَّهُ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» (وَناءٍ) عَلى القَلْبِ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ. ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ. ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رُوحِ اللَّهِ.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ قُلْ كُلُّ أحَدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ. ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾ أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مَنهَجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ والعادَةِ والدِّينِ.
17:85Page 290
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥
And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."
﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الَّذِي يَحْيا بِهِ بَدَنُ الإنْسانِ ويُدَبِّرُهُ. ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِـ " كُنْ " مِن غَيْرِ مادَّةٍ وتُولَدُ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ جَسَدِهِ، أوْ وُجِدَ بِأمْرِهِ وحَدَثَ بِتَكْوِينِهِ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ قِدَمِهِ وحُدُوثِهِ. وقِيلَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ. لِما رُوِيَ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ، فَإنْ أجابَ عَنْها أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ، فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ.»
وَقِيلَ الرُّوحُ جِبْرِيلُ وقِيلَ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ وقِيلَ القُرْآنُ، و ﴿مِن أمْرِ رَبِّي﴾ مَعْناهُ مِن وحْيِهِ. ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ تَسْتَفِيدُونَهُ بِتَوَسُّطِ حَواسِّكم، فَإنَّ اكْتِسابَ العَقْلِ لِلْمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ. إنَّما هو مِنَ الضَّرُورِيّاتِ المُسْتَفادَةِ مِن إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا. ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا شَيْئًا مِن أحْوالِهِ المَعْرُوفَةِ لِذاتِهِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّوحَ مِمّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذاتِهِ إلّا بِعَوارِضَ تُمَيِّزُهُ عَمّا يَلْتَبِسُ بِهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا الجَوابِ كَما اقْتَصَرَ مُوسى في جَوابِ: وما رَبُّ العالَمِينَ بِذِكْرِ بَعْضِ صِفاتِهِ.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا: أنَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ ؟ فَقالَ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ، فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةً تَقُولُ ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . وساعَةً تَقُولُ هَذا فَنَزَلَتْ. ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾» وما قالُوهُ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ لِأنَّ الحِكْمَةَ الإنْسانِيَّةَ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ والحَقِّ ما تَسَعُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما يَنْتَظِمُ بِهِ مَعاشُهُ ومَعادُهُ، وهو بِالإضافَةِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها قَلِيلٌ يَنالُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ وهو بِالإضافَةِ إلَيْهِ كَثِيرًا.(p-266)
17:86–87Page 290
وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦
And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧
Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.
﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ و ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جَوابُهُ النّائِبُ مَنابَ جَزاءِ الشَّرْطِ. والمَعْنى إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بِالقُرْآنِ ومَحَوْناهُ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدُورِ ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْنا اسْتِرْدادَهُ مَسْطُورًا مَحْفُوظًا.
﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فَإنَّها إنْ نالَتْكَ فَلَعَلَّها تَسْتَرِدُّهُ عَلَيْكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى ولَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِإبْقائِهِ بَعْدَ المِنَّةِ في تَنْزِيلِهِ. ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كَإرْسالِهِ وإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وإبْقائِهِ في حِفْظِهِ.
17:88–89Page 291
قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨
Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩
And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى. ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ. . . يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ
﴿وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾ .
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ. ﴿لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ. ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.
17:90–91Page 291
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠
And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١
Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]
﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ تَعَنُّتًا واقْتِراحًا بَعْدَ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِبَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ وانْضِمامِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ إلَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ ويَعْقُوبُ ﴿تَفْجُرَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ والأرْضُ أرْضُ مَكَّةَ واليَنْبُوعُ عَيْنٌ لا يَنْضُبُ ماؤُها يَفَعُولُ مِن نَبَعَ الماءُ كَيَعْبُوبٍ مِن عَبَّ الماءُ إذا زَخَرَ.
﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ أوْ يَكُونُ لَكَ بُسْتانٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ.
17:92–93Page 291
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢
Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]
أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣
Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"
﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ وهو كَقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدْ سَكَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في « الرُّومِ» (p-267)وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، وأبُو بَكْرٍ ونافِعٌ في غَيْرِهِما وحَفْصٌ فِيما عَدا « الطُّورِ»، وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ. ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ أيْ شاهِدًا عَلى صِحَّتِهِ ضامِنًا لِدَرْكِهِ، أوْ مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ وهو حالٌ مِنَ اللَّهِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ:
؎ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ
أوْ جَماعَةٌ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ مِن ذَهَبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وأصْلُهُ الزِّينَةُ. ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ في مَعارِجِها. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ وحْدَهُ. ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وكانَ فِيهِ تَصْدِيقُكَ. ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ تَعَجُّبًا مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَأْتِيَ أوْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ في القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: « قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ قالَ الرَّسُولُ: ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا﴾ كَسائِرِ النّاسِ. ﴿رَسُولا﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ حَتّى تَتَخَيَّرُوها عَلَيَّ هَذا هو الجَوابُ المُجْمَلُ وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾، ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ .
17:94–95Page 291
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤
And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"
قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥
Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."
﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ أيْ وما مَنَعَهُمُ الإيمانُ بَعْدَ نُزُولِ الوَحْيِ وظُهُورِ الحَقِّ.
﴿إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ إلّا قَوْلُهم هَذا، والمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شُبْهَةٌ تَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنُ إلّا أنْكارُهم أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا.
﴿قُلْ﴾ جَوابًا لِشُبْهَتِهِمْ. ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كَما يَمْشِي بَنُو آدَمَ. ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ ساكِنِينَ فِيها. ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ بِهِ والتَّلَقِّي مِنهُ، وأمّا الإنْسُ فَعامَّتُهم عُماةٌ عَنْ إدْراكِ المَلَكِ والتَّلَقُّفِ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّناسُبِ والتَّجانُسِ، ومَلَكًا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن رَسُولًا وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهِ وكَذَلِكَ بَشَرًا والأوَّلُ أوْفَقُ.
17:96Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ عَلى أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم بِإظْهارِهِ المُعْجِزَةَ عَلى وفْقِ دَعْوايَ، أوْ عَلى أنِّي بَلَّغْتُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم وأنَّكم عانَدْتُمْ وشَهِيدًا نُصِبَ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْلَمُ أحْوالَهُمُ الباطِنَةَ مِنها والظّاهِرَةَ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.
17:97–98Page 292
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَهْدُونَهُ. ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ يُسْحَبُونَ عَلَيْها أوْ يَمْشُونَ بِها.
رُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ قالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ لا يُبْصِرُونَ ما يُقِرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يُلِذُّ مَسامِعَهم ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، لِأنَّهم في دُنْياهم لَمْ يَسْتَبْصِرُوا بِالآياتِ والعِبَرِ وتَصامُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِالصِّدْقِ، ويَجُوزَ أنْ يُحْشُرُوا بَعْدَ الحِسابِ مِنَ المَوْقِفِ إلى (p-268)النّارِ مُؤَفِّي القُوى والحَواسِّ. ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ﴾ سَكَنَ لَهَبُها بِأنْ أكَلَتْ جُلُودَهم ولُحُومَهم. ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾ تَوَقُّدًا بِأنْ نُبَدِّلَ جُلُودَهم ولُحُومَهم فَتَعُودُ مُلْتَهِبَةً مُسْتَعِرَةً، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَزاهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَزالُوا عَلى الإعادَةِ والإفْناءِ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ:
﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِهِمْ.
17:99–100Page 292
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠
Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا. ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ ولا الإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداءِ. ﴿وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ. ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ. ﴿إلا كُفُورًا﴾ إلّا جُحُودًا.
﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ وسائِرَ نِعَمِهِ، وأنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِ حاتِمٍ:
؎ لَوْ ذاتَ سِوارٍ لَطَمَتْنِي
وَفائِدَةُ هَذا الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ المُبالَغَةُ مَعَ الإيجازِ والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ. ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ لَبَخِلْتُمْ مَخافَةَ النَّفادِ بِالإنْفاقِ إذْ لا أحَدَ إلّا ويَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ فَهو إذَنْ بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ هَذا وإنَّ البُخَلاءَ أغْلَبُ فِيهِمْ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ بَخِيلًا لِأنَّ بِناءَ أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ومُلاحَظَةِ العِوَضِ فِيما يَبْذُلُهُ.
17:101Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ هي العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وانْفِجارُ الماءِ مِنَ الحَجَرِ وانْفِلاقُ البَحْرِ ونَتْقُ الطُّورِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ الطُّوفانُ والسُّنُونَ ونَقْصُ الثَّمَراتِ مَكانَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ.
وَعَنْ صَفْوانَ «أنْ يَهُودِيًّا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْها فَقالَ: أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى ذِي سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا في السَّبْتِ، فَقَبَّلَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ ورِجْلَهُ.»
فَعَلى هَذا المُرادُ بِالآياتِ الأحْكامُ العامَّةُ لِلْمِلَلِ الثّابِتَةِ في كُلِّ الشَّرائِعِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى حالِ مَن يَتَعاطى مُتَعَلِّقَها في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ.
وَقَوْلُهُ وعَلَيْكم خاصَّةُ اليَهُودِ أنْ لا تَعْدُوا، حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ زائِدٌ عَلى الجَوابِ ولِذَلِكَ غَيَّرَ فِيهِ سِياقَ الكَلامِ. ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فَقُلْنا لَهُ سَلْهم مِن فِرْعَوْنَ لِيُرْسِلَهم مَعَكَ، أوْ سَلْهم عَنْ حالِ دِينِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « فَسَألَ» عَلى لَفْظِ المُضِيِّ بِغَيْرِ هَمْزٍ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ و ﴿إذْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقُلْنا أوْ سَألَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أوْ فاسْألْ يا مُحَمَّدُ بَنِي إسْرائِيلَ عَمّا جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ إذْ جاءَهم، أوْ عَنِ الآياتِ لِيَظْهَرَ لِلْمُشْرِكِينَ صِدْقُكَ أوْ لِتَتَسَلّى نَفْسُكَ، أوْ لِتَعْلَمَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أتى بِما اقْتَرَحُوا لَأصَرُّوا عَلى العِنادِ والمُكابَرَةِ كَمَن قَبْلَهم، أوْ لِيَزْدادَ يَقِينُكَ لَأنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ يُوجِبُ قُوَّةَ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ وعَلى هَذا كانَ ﴿إذْ﴾ نَصْبا بِـ ﴿آتَيْنا﴾ أوْ بِإضْمارِ يُخْبِرُوكَ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ عَلى الِاسْتِئْنافِ. ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ فَتَخَبَّطَ عَقْلُكَ.(p-269)
17:102Page 292
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فِرْعَوْنُ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ عَلى إخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ. ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي الآياتِ. ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ بَيِّناتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي ولَكِنَّكَ تُعانِدُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ ما صَرَفَكَ أوْ هالِكًا قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنِينِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ كَذِبٌ بَحْتٌ وظَنَّ مُوسى يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ مِن تَظاهُرِ أماراتِهِ. وقُرِئَ « وإنْ أخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى إنِ المُخَفَّفَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
17:103–104Page 292
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
﴿فَأرادَ﴾ فِرْعَوْنُ. ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أنْ يَسْتَخِفَّ مُوسى وقَوْمَهُ ويَنْفِيَهم. ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ أرْضِ مِصْرَ أوِ الأرْضِ مُطْلَقًا بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ. ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ فَعَكَسْنا عَلَيْهِ مَكْرَهُ فاسْتَفْزَزْناهُ وقَوْمَهُ بِالإغْراقِ.
﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾ مِن بَعْدِ فِرْعَوْنَ أوْ إغْراقِهِ. ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّكم مِنها. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ الكَرَّةُ أوِ الحَياةُ أوِ السّاعَةُ أوِ الدّارُ الآخِرَةُ يَعْنِي قِيامَ القِيامَةِ. ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مُخْتَلِطِينَ إيّاكم وإيّاهم ثُمَّ نَحْكُمُ بَيْنَكم ونُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشْقِيائِكم، واللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.
17:105–106Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ أيْ وما أنْزَلْنا القُرْآنَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِإنْزالِهِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ وما أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلّا مَحْفُوظًا بِالرَّصْدِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما نَزَلَ عَلى الرَّسُولِ إلّا مَحْفُوظًا بِهِمْ مِن تَخْلِيطِ الشَّياطِينِ. ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ نَفْيَ اعْتِراءِ البُطْلانِ لَهُ أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُطِيعِ بِالثَّوابِ. ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْعاصِي بِالعِقابِ فَلا عَلَيْكَ إلّا التَّبْشِيرُ والإنْذارُ.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا. وقِيلَ فَرَقْنا فِيهِ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ فَحُذِفَ الجارُّ كَما في قَوْلِهِ: ويَوْمًا شَهِدْناهُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ نُجُومِهِ فَإنَّهُ نَزَلَ في تَضاعِيفِ عِشْرِينَ سَنَةً. ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ عَلى مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ فَإنَّهُ أيْسَرُ لِلْحِفْظِ وأعُونُ في الفَهْمِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا﴾ عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ.
17:107Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ إيمانَكم بِالقُرْآنِ لا يَزِيدُهُ كَمالًا وامْتِناعَكم عَنْهُ لا يُورِثُهُ نَقْصًا وقَوْلُهُ:
﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ أيْ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنكم وهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ قَرَءُوا الكُتُبَ السّابِقَةَ وعَرَفُوا حَقِيقَةَ الوَحْيِ وأماراتِ النُّبُوَّةِ، وتَمَكَّنُوا مِنَ المَيْزِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أوْ رَأوْا نَعْتَكَ وصِفَةَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ في تِلْكَ الكُتُبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِـ ﴿قُلْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسَلَّ بِإيمانِ العُلَماءِ عَنْ إيمانِ الجَهَلَةِ ولا تَكْتَرِثْ بِإيمانِهِمْ وإعْراضِهِمْ. ﴿إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ القُرْآنُ. ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ يَسْقُطُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ أوْ شُكْرًا لِإنْجازِ وعْدِهِ في تِلْكَ الكُتُبِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ.(p-270)
17:108–109Page 293
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَنْ خُلْفِ المَوْعِدِ. ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ كائِنًا لا مَحالَةَ.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَهُ لِاخْتِلافِ الحالِ والسَّبَبِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلشُّكْرِ عِنْدَ إنْجازِ الوَعْدِ والثّانِي لِما أثَّرَ فِيهِمْ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ حالَ كَوْنِهِمْ باكِينَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وذَكَرَ الذَّقْنِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَلْقى الأرْضَ مِن وجْهِ السّاجِدِ، واللّامُ فِيهِ لِاخْتِصاصِ الخُرُورِ بِهِ. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سَماعُ القُرْآنِ خُشُوعًا كَما يَزِيدُهم عِلْمًا ويَقِينًا بِاللَّهِ.
17:110Page 293
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠
Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نَزَلَتْ حِينَ سَمِعَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالُوا إنَّهُ يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ. أوْ قالَتِ اليَهُودُ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ وقَدْ أكْثَرَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ، والمُرادُ عَلى الأوَّلِ هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِأنَّهُما يُطْلَقانِ عَلى ذاتٍ واحِدَةٍ وإنِ اخْتَلَفَ اعْتِبارُ إطْلاقِهِما، والتَّوْحِيدُ إنَّما هو لِلَذّاتِ الَّذِي هو المَعْبُودُ المُطْلَقُ وعَلى الثّانِي أنَّهُما سِيّانِ في حُسْنِ الإطْلاقِ والإفْضاءِ إلى المَقْصُودِ وهو أجْوَدُ لِقَوْلِهِ: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ والدُّعاءُ في الآيَةِ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حُذِفَ أوَّلُهُما اسْتِغْناءً عَنْهُ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ والتَّنْوِينُ في ﴿أيًّا﴾ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، و ﴿ما﴾ صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في ﴿أيًّا﴾ مِنَ الإبْهامِ، والضَّمِيرُ في ﴿فَلَهُ﴾ لِلْمُسَمّى لِأنَّ التَّسْمِيَةَ لَهُ لا لِلِاسْمِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾ فَهو حَسَنٌ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى لِلْمُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى ما هو الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وكَوْنُها حُسْنى لِدَلالَتِها عَلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ. ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ حَتّى تُسْمِعَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى السَّبِّ واللَّغْوِ فِيها. ﴿وَلا تُخافِتْ بِها﴾ حَتّى لا تُسْمِعَ مَن خَلْفَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ. ﴿سَبِيلا﴾ وسَطًا فَإنَّ الِاقْتِصادَ في جَمِيعِ الأُمُورِ مَحْبُوبٌ.
رُوِيَ «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَخْفِتُ ويَقُولُ: أُناجِي رَبِّي وقَدْ عَلِمَ حاجَتِي، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَجْهَرُ ويَقُولُ أطْرُدُ الشَّيْطانَ وأُوقِظُ الوَسَنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا وعُمَرَ أنْ يَخْفِضَ قَلِيلًا.»
وَقِيلَ مَعْناهُ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ كُلِّها ولا تُخافِتْ بِها بِأسْرِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالإخْفاتِ نَهارًا والجَهْرِ لَيْلًا.
17:111Page 293
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا ١١١
And say, "Praise to Allāh, who has not taken a son and has had no partner in [His] dominion and has no [need of a] protector out of weakness; and glorify Him with [great] glorification."
﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ولِيٌّ يُوالِيهِ مِن أجْلِ مَذَلَّةٍ بِهِ لِيَدْفَعَها بِمُوالاتِهِ نُفِيَ عَنْهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ما يُشارِكُهُ مِن جِنْسِهِ ومِن غَيْرِ جِنْسِهِ اخْتِيارًا واضْطِرارًا، وما يُعاوِنُهُ ويُقَوِّيهِ، ورَتَّبَ الحَمْدَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ جِنْسَ الحَمْدِ لِأنَّهُ الكامِلُ الذّاتِ المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ وما عَداهُ ناقِصٌ مَمْلُوكُ نِعْمَةٍ، أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ في التَّنْزِيهِ والتَّمْجِيدِ واجْتَهَدَ في العِبادَةِ والتَّحْمِيدِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَرِفَ بِالقُصُورِ عَنْ حَقِّهِ في ذَلِكَ.
(p-271)رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا أفْصَحَ الغُلامُ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَيْنِ، كانَ لَهُ قِنْطارٌ في الجَنَّةِ» والقِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَةٍ ومِائَتا أُوقِيَةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences